اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الحكاية الشعبية في فلسطين والأردن.. هوية وتأصيل
عبرت بأوربا، في القرن التاسع عشر، روح الحركة الرومانسية في الفكر والأدب والنقد والثقافة والعلوم الانسانية. وكان من هذه ا...

ممارسـات فولكلوريـة رقصة هوبي الشعبية
ارتبطت الثقافة الشعبية في مختلف مظاهرها (الرقص، الموسيقى، التمثيل، الشعر.. إلخ ) بالدين منذ طفولة البشرية ومهد الفنون، و...

الإبداع النسوي في الثقافة الشعبـية
لقيت مسألة «المرأة في المأثور الشعبي» اهتماماً نسبياً بين الكاتبين في المأثورات الشعبية العربية، وخاصة في ال...
11
Issue 11
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
ممارسات وتصوّرات للمرض في المجتمع التونسي المعاصر
العدد 11 - عادات وتقاليد

أحمد خواجه / كاتب من تونس

يبدو المرض للوهلة الأولى حالة بيولوجية عضوية تنفلت عن التحليل السوسيولوجي، غير أنّ دوركهايم ومارسال موس وعلماء اجتماع آخرين بيّنوا أنّ هناك علاقة سببيّة موجبة بين نسب الوفيات الملاحظة عند بعض الجماعات البشريّة ودرجة الاندماج الاجتماعي للفرد لديها في الأسرة وفي المجتمع، فهناك ما يشير إلى حالة من التوافق بين الجسد وبين الثقافة التي يتحرك ويتفاعل ويتطور ضمن أعرافها هذا الجسد السوي أو غير السوي، المنتشي أو بالعكس المتألم الجريح أو المحتضر وبين المجتمع الذي يحتضن هذه التفاعلات وأحيانا يتأثر بها ليشهد تحولات وتغيّرات لا مفرّ منها.

 

ففي معرض حديثهما عن المرض يشدّد كل من ارفينغ قوفمان وانسلام ستروسAnslemStrauss على الجانب الثقافي والجانب العلائقي للمرض كحالة بيولوجيّة تصيب العضو البشري، وتشكل عموما الأمراض مرآة للمجتمعات وللثقافات ترافق مصير الإنسان أينما حلّ وترتبط بتمثلات وتصوّرات نضمّنها للحياة وللموت، أحيانا نظهر المرض ونتحدث عنه، وأحياناً نخفيه ونغيّبه ونتجنّب الحديث عنه، تارة نشير إليه باستعمال مترادفات من نوع خطيرة أو قاتلة أو مزمنة أو ضارّة أو معديّة أو لها قابليّة الانتشار، وجميع الثقافات تضع حدّا بين السوي وغير السوي بين العافية والمرض وهذه الحدود هي حواجز هشّة مرنة ليّنة تتغيّر بتغيّر المكان والزمان والمجموعة الاجتماعيّة الحاملة لهذه التصوّرات، وكلّ هذه العوامل تجبرنا على اعتبار أنّ الصحّة والمرض هما إفراز معقّد لتفاعلات بين المكوّنات البيولوجيّة وبين المعطيات الثقافيّة والاجتماعيّة، ولقائل أن يقول كيف يتعامل التونسيون اليوم مع المرض، ما هي ممارساتهم، ما هي تمثلاتهم؟ وماذا عن معارفهم ومواقفهم ومعتقداتهم التي يواجهون بها وضعيات المرض التي تنذر بحدوث خلل أو تعطل في الرابطة الاجتماعيّة بين المريض وبين المحيط الضيّق أو الواسع الذي يعيش فيه؟

من الطب إلى الناس إلى الطب مع الناس ومن مفهوم الصحّة الحقّ الاجتماعي إلى الصحّة الواجب الاجتماعي

بادىء ذي بدء يجب أن نفرّق بين الطب الحديث والطب التقليدي والتطبّب الشعبي، فكلّ من هذه المعارف المتصلة ببعضها البعض والتي يوحّدها قاسم مشترك يتمثّل في بحثها الدؤوب عن دواء ناجع للأمراض تشير إلى فترات ووضعيات تاريخيّة متباعدة، فالطب الحديث نشأ مع تفاعل مجتمعات المغارب مع الوضعيّة التي حملت معها ثقافة الطب الحديث الذي حاول أوّل الأمر مقاومة الأوبئة والأمراض المعديّة التي كانت تشكل شبحا للغرب في  محاولته الهيمنة على المغارب خلال القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، فكان لانتشار الطاعون الأسود والأوبئة مثالا حيّا ، مثلما تشير تقارير القنصليات  الأجنبية أو معاينات الأطباء الأوائل الفرنسيين أوالبريطانيين الذين باشروا مهام طبيّة في المغارب،  لسبات مجتمعات المشرق العربي وخمولها وإمعانها في القدريّة والاستسلام للقضاء والقدر، في حين تشير دراسات أخرى أنجزها باحثون محلّيون إلى عراقة مهنة الطب والطب التقليدي في الحضارة العربيّة الإسلاميّة  الغنيّة بمؤلفات متميّزة مثل مؤلف ابن رضوان في القرن الحادي عشر ميلادي في مصر خلال الفترة الفاطميّة وكتابات ابن سينا وابن بطلان وابن رشد وميمونيد وابن الجزّار القيرواني وعبد السلام العلمي وابن الخطيب والكانوني في المغرب التي تضمنت معلومات على مداواة الأمراض ورعاية صحّة الأفراد وحفظ صحّة الطفل والمسنّ ونصائح حول التغذية ونظام الحياة ونجد اليوم الطب الحديث يطنب الحديث عنها والتأكيد عليها وكأنّها من إفرازات العقل والحداثة في الغرب، غير أنّ الطب الحديث يعرف أكثر عندما اقترنت قضايا الصحّة والمرض بنشأة الدولة الحديثة في المغارب حين لم تعد الصحّة من مشمولات المجتمع الأهلي أو المؤسسات الخيريّة أو المؤسسة الدينيّة أو الفقهيّة وأضحت شأنا عاما bienpublicتنفق فيه أموال الدولة وتسيّره سياسات وتنظيمات وإدارة حديثة تسهر الدولة مباشرة على صرف شؤونها وتدبير أمورها، في حين أنّ الطب الشعبي المنتمي ضرورة إلى الثقافة الشعبيّة فيضمّ كل أشكال التداوي بالأعشاب والتطبب والتنجيم وطرد الأرواح الشريرة والاعتقاد في قوّة بعض العارفين في طرد وإزالة السحر وتنتمي ضرورة هذه الأشكال إلى   فئة المدركات وهي مجال متشعب متعدّد الأصول والفروع ويشير إلى المعارف والخبرات المتراكمة جيلا بعد جيل والمتواصلة إلى يومنا هذا والمتصلة بمختلف الطقوس والمآثر والرموز التي يمارسها أفراد مجتمع ما للتعبير عن معتقداتهم وتمثلاتهم وتصوراتهم للحياة وللكون وغالبا ما تؤدى هذه التظاهرات بصفة جماعيّة غالبا بصفة علنيّة وأحيانا بصفة غير علنية مثلا عند تأدية طقوس الممارسات السحريّة وتختلط فيها المدركات بالحركات والإيماءات والروائح وحالات التنكر والتقمص ويمكن إدماج طقوس زيارة الأولياء الصالحين والاعتقاد في كراماتهم وبركاتهم والاعتقاد في التطبيب والعلاج بواسطة الأعشاب وتفسير الأحلام، وهذه الممارسات الشعبيّة لا ترتبط بفترة تاريخيّة ما فهي موجودة بوجود الإنسان في المجتمع وتتدخل لإحلال الطمأنينية والراحة بعد الريبة والعطب والتعطلّ الذي يحدثه المرض والعقم وهاجس الموت وهي تتطوّر في فترات لا تجد العامّة الحلّ في مقاومة الأمراض والأوبئة إلاّ باللجوء إلى مثل هذه الطقوس والممارسات وفي أوساط منعزلة بعيدة عن مواطن العمران المناطق الريفيّة والجبليّة والوعرة التي يصعب فيها الوصول إلى مراكز الطب الحديث أو قديما فضاءات الطب التقليدي كالمرستنات التي كانت مؤسسات لرعاية القصّر والعاجزين والأيتام والمنكوبين والفقراء أكثر من كونها مراكز استشفائيّة لمعالجة الأمراض وتقديم الدواء للمرضى.       

   تعيش المؤسسة الطبيّة اليوم في العالم نقلة نوعيّة في علاقة الطبيب بالمريض وفي اشتغال المؤسسات الصحيّة والاستشفائيّة وفي مفهوم الصحّة عموما، فحسب التعريفات المتداولة في أدبيات وشعارات المنظمّة الدوليّة للصحّة، الصحّة لم تعد تعني العافية lebien-êtreالماديّة  والعقليّة بل المحافظة عليها لفترة أطول ومع تنامي أمل الحياة وتقهقر وفيات الأطفال إلى مستويات دنيا وتراجع الأمراض المعديّة والأوبئة في كثير من مجتمعات العالم المصنّع والنامي على هذه العافية وتثمينها وتطويرها وتنميتها  lemieux-être  وفي الواقع فإنّ الحديث اليوم في تونس، وأمام التنامي الكبير لأمراض السكرّي والشرايين والقلب والسرطان وضغط الدمّ والتوتّر النفسي والأمراض العصابيّة والعقليّة، لا يدور إلاّ على دور الوقاية والحيطة والسلامة الجسديّة وتلافي التدخين وممارسة الرياضة في تلافي الأمراض المزمنة التي أصبحت تشكل على المرضى وعائلاتهم وعلى الدولة ممّثلة في صناديق الضمان الاجتماعي عبئا ماديّا ومعنويا ثقيلا (تشير الإحصائيات المتوفرة عن إنفاق الأسرة التونسيّة على التداوي والعلاج والصحّة أن حوالي 60 بالمائة من مصاريف التداوي تذهب لشراء الأدوية..) وأمام تنامي الأمراض السرطانيّة والوراثيّة وفقدان المناعة تغيّرت علاقة الأطباء مع المرض ومع المرضى فهؤلاء الأطباء نزلوا من برجهم العاجي برج معرفتهم الطبيّة المتعاليّة والمقدسة والعقلانيّة التي أزيحت لغير رجعة وبدون مقاومة شديدة، تختلف حسب المجتمعات والأوساط والثقافات، الطب التقليدي والتطبّب الشعبي، هذه المعرفة الطبيّة التي كانوا يستمدون منها نفوذهم العلمي والاجتماعي خصوصا حين أزاحت المعرفة الطبيّة الحديثة وأزالت خطر الأمراض الفتّاكة والأوبئة كالطاعون والجدري والسلّ والكوليرا والملاريا، هذه المعرفة كانت تعرف بيقينيتها وطابعها السرمدي السحري الذي لا يناقش، غير أن هذه النظرة تغيّرت اليوم مع ظهور الكثير من أمراض العصر التي تترجم نمط الحياة الجديد القائم على قلّة الحركة وخسران العادات الغذائيّة القديمة والإدمان على الأقراص المهدئة والمنوّمة وعلى التدخين والكحول ومع انتشار مذهل للبدانة، وهي عوامل ساهمت في أهمية دور التوعية الصحيّة والوقاية قبل العلاج خصوصا بعد أن ثبت قصور الأطباء عن علاج نهائي وناجع لهذه الأمراض المزمنة والمستفحلة ممّا أعاد النظر في علاقة المعرفة الطبيّة بالمرضى وأسرهم، فهؤلاء أصبح لهم دور رياديّ في العلاج وفي الإحاطة الصحيّة والنفسيّة والمرافقة، وظهر في الأثناء مفهوم الكفاءة الماديّة والعاطفيّة والمعياريّة والإدراكيّة في الرعاية الصحيّة، فلم تعد العائلة، مثلا، بسبب قلّة الوعي المنتشر بين أفرادها، مجالا لتفشّي الأمراض نظرا لانعدام الرعاية الصحيّة الأوليّة من الزواج إلى الحمل فالولادة فرعاية الرضع والأطفال وتنشئتهم وتغذيتهم  مثالا للإهمال الصحّي بل شريكا فاعلا في الإحاطة والرعاية. ومنذ ذلك الحين تسربت المقاربة والبيداغوجية التشاركيّة إلى حمى المعرفة الطبيّة لتندمج أكثر في المسائل الإنسانية والثقافيّة لعلاج المرض والمرضى. وفي هذا الإطار تجمع عديد الدراسات الميدانيّة التي أنجزت في السنوات الأخيرة في تونس من طرف وزارة الصحّة العموميّة أو الديوان التونسي للأسرة والعمران البشري ووزارة المرأة وشؤون الأسرة والأطفال والمسنّين أن الثقافة الصحيّة الحديثة قد انتشرت في كلّ الأوساط الاجتماعيّة والأقاليم الجغرافيّة (حضر/ريف، مناطق ساحليّة/ مناطق داخليّة) ولدى أغلب الشرائح العمريّة من تعميم تلقيح أو تطعيم الرضع والأطفال ومتابعة الحمل وتنظيم الولادات وانتشار وسائل منع الحمل ممّا ساهم في تحسّن كمّي وكيفي لصحّة الطفل والأم ّ وتراجع نسبة وفيات الأطفال من 200‰ سنة 1956 إلى 20 ‰ حاليا وتمدّد أمل الحياة من 47 سنة سنة 1956 إلى 72 سنة حاليا، كما تطورت بشكل لافت البنية التحتيّة الصحيّة والمرافق الطبيّة والاستشفائيّة، غير أن تحسن المؤشرات الكميّة لا يجب أن تنسينا أن تعامل التونسي العقلاني وغير العقلاني أو العاطفي مع المرض بقيت تشوبه بعض العناصر التي لا يمكن فهمها إلاّ بالرجوع إلى تاريخانيةHistoricité تصرّف التونسيين مع ثقافة المرض.

 انتشار المعرفة الطبيّة الحديثة لكن مع بقاء بعض الرواسب القديمة والمعارف التقليديّة

تشير دراسة ميدانيّة أنجزت سنة 2004 من طرف وزارة المرأة وشؤون الأسرة والأطفال والمسنّين عنوانها «كفاءات الأسرة التونسيّة في الإحاطة الصحيّة بأفرادها» أنجزتها بمساعدة زميل لي من قسم علم النفس بالكليّة التي ننتمي إليها وهي كليّة العلوم الإنسانية والاجتماعيّة بتونس  أنّ 84% من مجموع المستجوبين صرّحوا بأنّه في حالة الإحساس أوالشعور بمرض ما يذهبون مباشرة إلى الطبيب، وأنّ 8% يفضلون أخذ الدواء دون وصفة الطبيب فيما يسمّى بنظام التطبّب الذاتيAutomédication الذي غالبا ما يحذّر منه الأطبّاء، ذي العواقب السيئة جدّا على صحّة الإنسان في حالة التشخيص الخاطىء للمرض أو تناول المضادات الحيويّة أو جهل المقادير وكيفيّة تناول الدواء، في حين صرّح 5 % من المستجوبين أنّهم يفضلون استشارة الصيدلي، بينما يخيّر البقيّة أي 2،5 % انتظار الفرج دون فعل أي شيء و0،5% الالتجاء إلى التطّبّب الشعبي والتنجيم وطرد النفس الشريرة والمداواة بالأعشاب، وهو نسبة ضعيفة  جدّا لا تعبّر عن حقائق الأمور لأن حرفاء المسلك الموازي للطبّ الحديث كثيرون وينحدرون من مختلف الأوساط الاجتماعيّة وإن حاولوا دائما إخفاء ذلك، فلو ذهبت لأي «وڤاعة» أو منجّم أو ناظر في الكفّ أو مختص في طرد الأرواح الشريرة، فستجد أمام حانوته الكثير من السيّارات الفخمة لحرفاء يتردّدون عليهم ويحاولون عدم المجاهرة بهذه الممارسات التي تدل عن الريبة التي يشعر بها البعض، في لحظات ضعف واهتزاز نفسي، تجاه الطب العقلاني والحديث وأمام انتشار بعض الأمراض المستعصية أو المعروفة بارتفاع تكلفة العلاج فيها أو ابتعاد المراكز الطبية عن مقرّ سكنى المرضى أو الأسعار المشطّة للتداوي في المصحّات الخاصّة... وعن سؤال كيف تشخصون المرض أجاب 40% أنّ التعب الشديد والألم يؤشران على وجود توعك صحّي، و30% أنّ الهزال المفاجيء يعني وجود مرض ما، وقلّة الشهية بنحو 10 % من الأجوبة المصرّح بها و5%  بالنسبة إلى الاضطراب في النوم، بينما يجهل غالبيّة التونسيين أنّ كثرة الشهية أو التبول اللاّإرادي بالنسبة إلى الأطفال أو ترك الغائط  encoprésie أو احتمال الإصابة بالأمراض المزمنة قد تصيب اليافع والشاب والكهل الصغير الذي لم يتجاوز العقد الرابع من عمره كما كشفت الدراسات الميدانيّة عن جهل كبير وربّما عن تجاهل لأعراض الأمراض النفسيّة والعقليّة... وفي الواقع فإنّ هذه التمثّّّلات مصدرها وجود تعريف «تقليدي» راسخ في الذاكرة الجمعيّة يتمثل في أنّ المرض هو حالة انتقاليّة بين الحياة والموت وبالتالي قد لا ينفع التداوي والعلاج فعندما يصاب شخص ما بداء فذلك ابتلاء من اللّه عزّ وجلّ ولا حول لنا على ردّ قدره ونتذكر كيف قاوم الأطباء الأوائل هذه النظرة الموغلة في القدريّة والسلبيّة في الأرياف التونسيّة بالخصوص في أوائل القرن العشرين وربّما بعده، وقد نجد اليوم صعوبة كبيرة مع المسنّين في إقناعهم بضرورة احترام وصفة الطبيب أو قبول مبدأ العلاج والتداوي أو متابعة التداوي بعد الكشف الأولّي عن مرض ما مزمن شكّ الطبيب في احتمالات الإصابة به، وفي اتجاه آخر، قد يعني المرض المرور من حالة كانت فيها أعضاء الجسم صامتة خامدة نائمة إلى مرحلة تكلّمت فيها الأعضاء كالقلب والرأس والمعدة وأصدرت أصواتا هي بمثابة الألم كأن نقول «فلان عندو القلب» وكأنّه قبل أن يمرض لم يكن له قلب لأنّه كان خامدا وقديما كان يلجأ أجدادنا إلى عادة إزالة الدمّ من الرأس فيما يعرف بالتشليط أو إزالة الألم بحقن مواطنه في الظهر باستعمال «المغايط»، ورغم اندثار هذه العادات التي كانت مألوفة في تعامل التونسيين مع المرض، فإنّ بقاء بعض الرواسب لدليل على أن الطب الحديث لم يحدث قطيعة تامّة ونهائيّة مع التصوّرات التقليديّة، وهذه بعض الأمثلة الدالّة على ضعف القدرات والكفاءات المعياريّة والإدراكيّة في تعامل التونسيين مع المرض.

 غياب ممارسة الكشف المبكر للأمراض وضعف عنصر الوقاية

إنّ ما يميّز غالبية التونسيين هو إهمالهم لجدوى العيادة الطبيّة قبل إتمام مراسم الزواج قبل ثلاثة أشهر على الأقل للكشف عن بعض الأمراض المعديّة أو الوراثية التي يمكن الحدّ من انتشارها ونقلها للأطفال، فعادة ما يعمد الكثير من المقدمين على الزواج إلى القيام بهذا الإجراء بنوع من الاستخفاف أو التسرّع وكأنّ التحاليل الطبيّة الوقائيّة ستفسد مراسم الاحتفال بالزواج، كما كشفت الدراسات الميدانيّة أن الشبّان والأزواج حديثو العهد بالزواج عادّة ما يستخفّون بالمرض وكأنّ المرض لا يحدث إلاّ عندما يصبح الشخص مسنّا فيتجنبّون القيام بالتشخيص المبكر لأعراض بعض الأمراض التي قد تصبح خطيرة وكان من الممكن تجنّبها وتجنّب تعكّراتها وتبعاتها على الكبد وعلى الكلى بالقيام بتحليل بسيط غير مكلف ومتاح في كثير من المراكز الاستشفائيّة كالكشف المبكر عن أمراض الكلى وسرطان الثدي وعنق الرحم المنتشر عند النساء وسرطان المجاري البولية المنتشر عند الرجال، وفضلا عن هذا فإنّ  التونسيين يصنّفون من ضمن الشعوب الأكثر إقبالا على التدخين وعلى استعمال السيّارة والأقلّ ممارسة للرياضة والمشي وعلى تنظيف الأسنان والفم (57%من المستجوبين صرّحوا أنّهم لا يقومون يوميّا بتنظيف أسنانهم ونفس النسبة لا يذهبون بصفة دوريّة إلى طبيب الأسنان) و 70% لا يملكون جهاز قياس الحرارة أو علبة الأدوية الاستعجاليّة في المنزل في حالة جرح أو حرق بسيط و20% فقط من التونسيين ذهبوا لعيادة المختص النفسي أو الطبيب النفساني في حالة وجود مرض نفسي أو عقلي أو الشعور بحالات الانهيار العصبي والقلق النفسي...

ويلخّص الجدول التالي حالات اللاّكفاءة التي تميّز غالبيّة التونسيين ونلاحظ هنا أن وضعيّة الوسط الحضري (المشار إليه في الجدول بالوسط البلدي) أحسن حالا من حيث المعارف والممارسات والتمثلات المتصلة بالرعاية والوقاية الصحيّة من وضعية الوسط الريفي، كما أكدت الدراسة الميدانيّة المشار إليها «كفاءات الأسرة التونسيّة في الرعاية الصحيّة بأفرادها» أنّ الكفاءات مرتبطة بالمستوى التعليمي، فكلّما كان الشخص المستجوب متعلّما كلّما كانت لديه محصلة طيّبة من الكفاءات لارتباط عنصر الحيطة والرعاية والوقاية بوعي الشخص وتلقيه للمعلومات والخبرات في هذا المجال والذي تساهم فيه كثيرا، كما نعلم، المدرسة ووسائل الإعلام ومراكز التثقيف كدور الثقافة والشباب:

الممارسات في مجال الوقاية الصحيّة

القاطنون بالوسط  ير البلدي أو الريفي 

القاطنون بالوسط البلدي أو الحضري

لا يقوم يوميّا بتنظيف أسنانه

57%

54%

لم يذهب ولو لمرّة

 واحدة لطبيب الأسنان

60%

40%

لا يمتلك في منزله ميزان

 أو مقياس الحرارة

96%

74%

لم يقم بكشف مبكّر على السرطان أو أمراض الكبد

 أو الكلى

96%

86%

يرى أن معايدة الطبيب قبل الزواج لا فائدة منه

29%

17%

يفكّر في الذهاب إلى الطبيب النفسي عند ملاحظة عوارض توتر نفسي أو عقلي

20%

31%

نصح زوجته بالقيام بكشف مبكّر على سرطان عنق الرحم أو التدين

68%

81%

يعارض مسألة التبرع بالأعضاء

80%

71%

ذهب إلى الطبيب

مع زوجته الحامل

 6%

80 %

يعارض مسألة تنظيم الحمل وتناول موانع الحمل

25%

18%

 

 المصدر: دراسة «كفاءات الأسرة التونسيّة في الاحاطة الصحيّة بأفرادها»، 2005، وزارة المرأة وشؤون الأسرة ، تونس.

  أمّا عن تمثل التونسيين للأمراض «الخطيرة» أو المستفحلة، فبيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ أغلب الآراء المصرّح بها تعتبر أنّ الأمراض «القاتلة» هي أكثر خطورة من الأمراض الجديدة المنتشرة بحدّة في المجتمع التونسي في الوقت الراهن كالسكّري وأمراض الشرايين والقلب التي لا تؤدي مباشرة إلى الموت ولكن تعتبر من الأسباب الكبرى مع حوادث الطرقات والحوادث المنزليّة لوفيات الشبان والكهول، هذه الأمراض التي يمكن تلافيها بمجرّد إتباع نظام غذائي متوازن وممارسة الحركة والرياضة وتجنب التوتّرات النفسيّة، كما تبيّن الدراسة شبح الأوبئة والأمراض المعدية قد زال تماما من ثقافة التونسي إذ صرّح فقط 1 % من المستجوبين أنّها تعتبر الأكثر خطورة

جدول الأمراض «الخطيرة»

 كما يرتّبها المستجوبون

قائمة الأمراض

 (%)النسبة

السرطان

38

السيدا

15

أمراض الشرايين والقلب

14،5

السكّري

9،5

ضغط الدمّ

8

أمراض الكلى

3

أمراض الجهاز التنفسي

2،5

أمراض الكبد

2

الأمراض العصابيّة والنفسيّة والعقليّة

2

الإعاقة

1،5

أمراض المعدة

1

الأمراض المعديّة

1

 

أما عن الأمراض التي تدفع بالتونسيين إلى تفضيل التطبّب الشعبي على الطبّ الحديث فهي على التوالي الأمراض العقلية والنفسية ووجود السحر بنسبة 46% من الآراء المصرّح بها، وأمراض المعدة (15% لوجود الاعتقاد أن المريض بمعدته هو شخص مسحور وقع إشرابه سوائل ضارّة يجب إخراجها واستئصالها من البدن) وأمراض العينين (11%) للاعتقاد في وجود السحر لدى المريض لأنّ الصحّة والعافية تعني في الثقافة الشعبيّة صحّة البدن والبصر وأمراض الكلى

(8 %) والإعاقة (5%) والعقم (5%) وأمراض الكبد المعروف بالبوصفير (4 %)...

وعن سؤال أيّهما تفضل في حالة المرض المداواة في المستشفى أم في المصحّة، أجاب 56 % أنّهم يفضّلون الذهاب إلى القطاع الخاص و22 % المستشفى والقطاع العام، في حين يرى 21 % من التونسيين أنّ لا وجود لديهم لتفضيل لقطاع على آخر وعن أسباب عدم الرضاء عن الخدمات الصحيّة سواء في القطاع العام أو الخاص يذكر 35% من المستجوبين أنّ رداءة الخدمات هي السبب في لا رضاهم ووجود العلاقات الشخصيّة والمحسوبيّة ويذكر(28  %) أنّ قلّة جدوى الدواء أو فقدانه وسوء معاملة الأطباء لهم تفسّر سخطهم وغضبهم على الخدمات الصحيّة المقدّمة خاصّة في القطاع العام.

إنّ التعامل مع المرض تبقى في الأساس مسألة وعي وإدراك عقلاني غير أن فهم ثقافة المريض وعالم التصورات والتمثلات التي تولّد ممارساته مع المرض تعتبر مرحلة هامّة في السيطرة على الأمراض التي تبقى رهينة الوقاية والتربية من أجل الصحّة للجميع التي تجسد الغاية المثلى للحداثة التي ننشدها جميعا والتي مازالت في الوقت الراهن، كما يقول دائما هابرماس، مشروعا غير مكتمل.

إحالات بيبلوغرافيّة

Cresson (G.), (1995), Letravaildomestiquedelasanté, Paris : l'Harmattan.

Cresson (G.), (1997), Lesoutienfamilialetlessavoirspropres , dans, Prévenir, n°33.

Durfresne (J.), Dumont (F.),( 1985), traitéd'anthropologiemédicale, l'institutiondelasantéetdelamaladie, Quèbec : PUduQuèbec, PUdeLyon.

Durkheim (E.), (1897), Lesuicide: étudedesociologie, Paris : PUF, 1930.

ELHayek(CH.), (1995), Santéetinsertion, undéfiàl'illettrisme, Paris : ladocumentationfrançaise.

ELL (K.) etall.,(1992), socialrelations, socialsupportandsurvivalamongpatientswithcancer, dans, JournalofPsychosomaticResearch, 36, pp 1-16.

Herzlich ( C.), Pierret (J.), (1984), Maladesd'hieretd'aujourd'hui, Paris: Payot.

Herzlich (C.), (1986), Représentationssocialesdelasantéetdelamaladieetleurdynamiquedanslechampsocial , dans, Létudedesreprésentationssociales, SousladirectiondeW.doiseetA.Palmonari, Neuchâtel, Paris : DelachauxetNiestlé, pp 157-170.

Jaffré (Y), (1996), Lasanté : d'unedéfinitionnégativeàunedéfinitionpositive, dans, Prévenir, n° 30,1ersemestre, pp 55-60.

Jesu (F), etal, (1996), Santé, famille, recherches, dans, Lafamilleenquestion, Paris : Syros.

Lacourse (M.T.), (1994), Familleetsociété, Montréal : McGraw-Hill.

LeBoterf (G.), (1995), Delacompétence. Essaisurunattracteurétranger, lesEditionsdOrganisation.

Loux (F.), (1990), LamédecinefamilialedanslaFrancerurale, dans, Anthropologieetsociétés, Vol.14, n° 14, pp 82-89.

Manciaux (M.), (1973), Définitiondelasantéfamiliale, dans, Sociologiedelasantéfamiliale, Revuedel'UniversitédeBruxelles, n° 2, pp156-186.

Moulin (P.), (2000), LessoinspalliatifsenFrance : unmouvementparadoxaldemédicalisationdumourircontemporain, dans, CahiersInternationauxdeSociologie, volCVIII, Janvier-Juin 2000, pp 125-159.

Pequiguot (H.), (1995), Santé, EncyclopediaUniversalis, Corpus 20, pp 577-583

Perrenoud (PH.), (1996), Enseigner, agirdanslurgence, déciderdanslurgence, Paris : ESéditeur.

Renaud (D.), (1985),Del'épidémiologiesocialeàlasociologiedelaprévention, dans, Revued'Epidémiologieetdesantépublique, Vol 35,1 , pp 15-29.

Saillant (F.), (1990), lesrecettesdemédecinepopulaire, pertinenceanthropologiqueetclinique, dans, Anthropologieetsociété, vol 14, n° 14, pp 93-144

Saillant (F.), (1999), Femmes, soinsdomestiquesetespacethérapeutique, dans, Anthropologieetsociété, vol 23, n° 2, pp 15-39

SanMartin (H.), (1987), Santépubliqueetmédecinepréventive, 2èmeéd., Paris : Masson.

Spitz (R.A.), (1986), Delanaissanceàlaparole, Paris : P.U.F.

Touraine (A), (1997), commentunepathologiedevientunproblèmedesantépublique,dans, Revued'Epidémiologieetdesantépublique, Vol 45, n°3, pp 185-192.

Vigarello (G.), (1993), Lesainetlemalsain, santéetmieuxêtredepuisleMoyen-Age, Paris : Seul.

Vigarello (G.), (1996), Lasanté : d'unedéfinitionnégativeàunedéfinitionpositive, dans, Prévenir, n°30, 1ersemestre, pp115-122.

ففي معرض حديثهما عن المرض يشدّد كل من ارفينغ قوفمان وانسلام ستروسAnslem Strauss على الجانب الثقافي والجانب العلائقي للمرض كحالة بيولوجيّة تصيب العضو البشري، وتشكل عموما الأمراض مرآة للمجتمعات وللثقافات ترافق مصير الإنسان أينما حلّ وترتبط بتمثلات وتصوّرات نضمّنها للحياة وللموت، أحيانا نظهر المرض ونتحدث عنه، وأحياناً نخفيه ونغيّبه ونتجنّب الحديث عنه، تارة نشير إليه باستعمال مترادفات من نوع خطيرة أو قاتلة أو مزمنة أو ضارّة أو معديّة أو لها قابليّة الانتشار، وجميع الثقافات تضع حدّا بين السوي وغير السوي بين العافية والمرض وهذه الحدود هي حواجز هشّة مرنة ليّنة تتغيّر بتغيّر المكان والزمان والمجموعة الاجتماعيّة الحاملة لهذه التصوّرات، وكلّ هذه العوامل تجبرنا على اعتبار أنّ الصحّة والمرض هما إفراز معقّد لتفاعلات بين المكوّنات البيولوجيّة وبين المعطيات الثقافيّة والاجتماعيّة، ولقائل أن يقول كيف يتعامل التونسيون اليوم مع المرض، ما هي ممارساتهم، ما هي تمثلاتهم؟ وماذا عن معارفهم ومواقفهم ومعتقداتهم التي يواجهون بها وضعيات المرض التي تنذر بحدوث خلل أو تعطل في الرابطة الاجتماعيّة بين المريض وبين المحيط الضيّق أو الواسع الذي يعيش فيه؟
من الطب إلى الناس إلى الطب مع الناس ومن مفهوم الصحّة الحقّ الاجتماعي إلى الصحّة الواجب الاجتماعي
بادىء ذي بدء يجب أن نفرّق بين الطب الحديث والطب التقليدي والتطبّب الشعبي، فكلّ من هذه المعارف المتصلة ببعضها البعض والتي يوحّدها قاسم مشترك يتمثّل في بحثها الدؤوب عن دواء ناجع للأمراض تشير إلى فترات ووضعيات تاريخيّة متباعدة، فالطب الحديث نشأ مع تفاعل مجتمعات المغارب مع الوضعيّة التي حملت معها ثقافة الطب الحديث الذي حاول أوّل الأمر مقاومة الأوبئة والأمراض المعديّة التي كانت تشكل شبحا للغرب في  محاولته الهيمنة على المغارب خلال القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، فكان لانتشار الطاعون الأسود والأوبئة مثالا حيّا ، مثلما تشير تقارير القنصليات  الأجنبية أو معاينات الأطباء الأوائل الفرنسيين أوالبريطانيين الذين باشروا مهام طبيّة في المغارب،  لسبات مجتمعات المشرق العربي وخمولها وإمعانها في القدريّة والاستسلام للقضاء والقدر، في حين تشير دراسات أخرى أنجزها باحثون محلّيون إلى عراقة مهنة الطب والطب التقليدي في الحضارة العربيّة الإسلاميّة  الغنيّة بمؤلفات متميّزة مثل مؤلف ابن رضوان في القرن الحادي عشر ميلادي في مصر خلال الفترة الفاطميّة وكتابات ابن سينا وابن بطلان وابن رشد وميمونيد وابن الجزّار القيرواني وعبد السلام العلمي وابن الخطيب والكانوني في المغرب التي تضمنت معلومات على مداواة الأمراض ورعاية صحّة الأفراد وحفظ صحّة الطفل والمسنّ ونصائح حول التغذية ونظام الحياة ونجد اليوم الطب الحديث يطنب الحديث عنها والتأكيد عليها وكأنّها من إفرازات العقل والحداثة في الغرب، غير أنّ الطب الحديث يعرف أكثر عندما اقترنت قضايا الصحّة والمرض بنشأة الدولة الحديثة في المغارب حين لم تعد الصحّة من مشمولات المجتمع الأهلي أو المؤسسات الخيريّة أو المؤسسة الدينيّة أو الفقهيّة وأضحت شأنا عاما bien publicتنفق فيه أموال الدولة وتسيّره سياسات وتنظيمات وإدارة حديثة تسهر الدولة مباشرة على صرف شؤونها وتدبير أمورها، في حين أنّ الطب الشعبي المنتمي ضرورة إلى الثقافة الشعبيّة فيضمّ كل أشكال التداوي بالأعشاب والتطبب والتنجيم وطرد الأرواح الشريرة والاعتقاد في قوّة بعض العارفين في طرد وإزالة السحر وتنتمي ضرورة هذه الأشكال إلى   فئة المدركات وهي مجال متشعب متعدّد الأصول والفروع ويشير إلى المعارف والخبرات المتراكمة جيلا بعد جيل والمتواصلة إلى يومنا هذا والمتصلة بمختلف الطقوس والمآثر والرموز التي يمارسها أفراد مجتمع ما للتعبير عن معتقداتهم وتمثلاتهم وتصوراتهم للحياة وللكون وغالبا ما تؤدى هذه التظاهرات بصفة جماعيّة غالبا بصفة علنيّة وأحيانا بصفة غير علنية مثلا عند تأدية طقوس الممارسات السحريّة وتختلط فيها المدركات بالحركات والإيماءات والروائح وحالات التنكر والتقمص ويمكن إدماج طقوس زيارة الأولياء الصالحين والاعتقاد في كراماتهم وبركاتهم والاعتقاد في التطبيب والعلاج بواسطة الأعشاب وتفسير الأحلام، وهذه الممارسات الشعبيّة لا ترتبط بفترة تاريخيّة ما فهي موجودة بوجود الإنسان في المجتمع وتتدخل لإحلال الطمأنينية والراحة بعد الريبة والعطب والتعطلّ الذي يحدثه المرض والعقم وهاجس الموت وهي تتطوّر في فترات لا تجد العامّة الحلّ في مقاومة الأمراض والأوبئة إلاّ باللجوء إلى مثل هذه الطقوس والممارسات وفي أوساط منعزلة بعيدة عن مواطن العمران المناطق الريفيّة والجبليّة والوعرة التي يصعب فيها الوصول إلى مراكز الطب الحديث أو قديما فضاءات الطب التقليدي كالمرستنات التي كانت مؤسسات لرعاية القصّر والعاجزين والأيتام والمنكوبين والفقراء أكثر من كونها مراكز استشفائيّة لمعالجة الأمراض وتقديم الدواء للمرضى.        
   تعيش المؤسسة الطبيّة اليوم في العالم نقلة نوعيّة في علاقة الطبيب بالمريض وفي اشتغال المؤسسات الصحيّة والاستشفائيّة وفي مفهوم الصحّة عموما، فحسب التعريفات المتداولة في أدبيات وشعارات المنظمّة الدوليّة للصحّة، الصحّة لم تعد تعني العافية le bien-êtreالماديّة  والعقليّة بل المحافظة عليها لفترة أطول ومع تنامي أمل الحياة وتقهقر وفيات الأطفال إلى مستويات دنيا وتراجع الأمراض المعديّة والأوبئة في كثير من مجتمعات العالم المصنّع والنامي على هذه العافية وتثمينها وتطويرها وتنميتها  le mieux-être  وفي الواقع فإنّ الحديث اليوم في تونس، وأمام التنامي الكبير لأمراض السكرّي والشرايين والقلب والسرطان وضغط الدمّ والتوتّر النفسي والأمراض العصابيّة والعقليّة، لا يدور إلاّ على دور الوقاية والحيطة والسلامة الجسديّة وتلافي التدخين وممارسة الرياضة في تلافي الأمراض المزمنة التي أصبحت تشكل على المرضى وعائلاتهم وعلى الدولة ممّثلة في صناديق الضمان الاجتماعي عبئا ماديّا ومعنويا ثقيلا (تشير الإحصائيات المتوفرة عن إنفاق الأسرة التونسيّة على التداوي والعلاج والصحّة أن حوالي 60 بالمائة من مصاريف التداوي تذهب لشراء الأدوية..) وأمام تنامي الأمراض السرطانيّة والوراثيّة وفقدان المناعة تغيّرت علاقة الأطباء مع المرض ومع المرضى فهؤلاء الأطباء نزلوا من برجهم العاجي برج معرفتهم الطبيّة المتعاليّة والمقدسة والعقلانيّة التي أزيحت لغير رجعة وبدون مقاومة شديدة، تختلف حسب المجتمعات والأوساط والثقافات، الطب التقليدي والتطبّب الشعبي، هذه المعرفة الطبيّة التي كانوا يستمدون منها نفوذهم العلمي والاجتماعي خصوصا حين أزاحت المعرفة الطبيّة الحديثة وأزالت خطر الأمراض الفتّاكة والأوبئة كالطاعون والجدري والسلّ والكوليرا والملاريا، هذه المعرفة كانت تعرف بيقينيتها وطابعها السرمدي السحري الذي لا يناقش، غير أن هذه النظرة تغيّرت اليوم مع ظهور الكثير من أمراض العصر التي تترجم نمط الحياة الجديد القائم على قلّة الحركة وخسران العادات الغذائيّة القديمة والإدمان على الأقراص المهدئة والمنوّمة وعلى التدخين والكحول ومع انتشار مذهل للبدانة، وهي عوامل ساهمت في أهمية دور التوعية الصحيّة والوقاية قبل العلاج خصوصا بعد أن ثبت قصور الأطباء عن علاج نهائي وناجع لهذه الأمراض المزمنة والمستفحلة ممّا أعاد النظر في علاقة المعرفة الطبيّة بالمرضى وأسرهم، فهؤلاء أصبح لهم دور رياديّ في العلاج وفي الإحاطة الصحيّة والنفسيّة والمرافقة، وظهر في الأثناء مفهوم الكفاءة الماديّة والعاطفيّة والمعياريّة والإدراكيّة في الرعاية الصحيّة، فلم تعد العائلة، مثلا، بسبب قلّة الوعي المنتشر بين أفرادها، مجالا لتفشّي الأمراض نظرا لانعدام الرعاية الصحيّة الأوليّة من الزواج إلى الحمل فالولادة فرعاية الرضع والأطفال وتنشئتهم وتغذيتهم  مثالا للإهمال الصحّي بل شريكا فاعلا في الإحاطة والرعاية. ومنذ ذلك الحين تسربت المقاربة والبيداغوجية التشاركيّة إلى حمى المعرفة الطبيّة لتندمج أكثر في المسائل الإنسانية والثقافيّة لعلاج المرض والمرضى. وفي هذا الإطار تجمع عديد الدراسات الميدانيّة التي أنجزت في السنوات الأخيرة في تونس من طرف وزارة الصحّة العموميّة أو الديوان التونسي للأسرة والعمران البشري ووزارة المرأة وشؤون الأسرة والأطفال والمسنّين أن الثقافة الصحيّة الحديثة قد انتشرت في كلّ الأوساط الاجتماعيّة والأقاليم الجغرافيّة (حضر/ريف، مناطق ساحليّة/ مناطق داخليّة) ولدى أغلب الشرائح العمريّة من تعميم تلقيح أو تطعيم الرضع والأطفال ومتابعة الحمل وتنظيم الولادات وانتشار وسائل منع الحمل ممّا ساهم في تحسّن كمّي وكيفي لصحّة الطفل والأم ّ وتراجع نسبة وفيات الأطفال من 200‰ سنة 1956 إلى 20 ‰ حاليا وتمدّد أمل الحياة من 47 سنة سنة 1956 إلى 72 سنة حاليا، كما تطورت بشكل لافت البنية التحتيّة الصحيّة والمرافق الطبيّة والاستشفائيّة، غير أن تحسن المؤشرات الكميّة لا يجب أن تنسينا أن تعامل التونسي العقلاني وغير العقلاني أو العاطفي مع المرض بقيت تشوبه بعض العناصر التي لا يمكن فهمها إلاّ بالرجوع إلى تاريخانيةHistoricité تصرّف التونسيين مع ثقافة المرض.
 انتشار المعرفة الطبيّة الحديثة لكن مع بقاء بعض الرواسب القديمة والمعارف التقليديّة
تشير دراسة ميدانيّة أنجزت سنة 2004 من طرف وزارة المرأة وشؤون الأسرة والأطفال والمسنّين عنوانها «كفاءات الأسرة التونسيّة في الإحاطة الصحيّة بأفرادها» أنجزتها بمساعدة زميل لي من قسم علم النفس بالكليّة التي ننتمي إليها وهي كليّة العلوم الإنسانية والاجتماعيّة بتونس  أنّ 84% من مجموع المستجوبين صرّحوا بأنّه في حالة الإحساس أوالشعور بمرض ما يذهبون مباشرة إلى الطبيب، وأنّ 8% يفضلون أخذ الدواء دون وصفة الطبيب فيما يسمّى بنظام التطبّب الذاتيAutomédication الذي غالبا ما يحذّر منه الأطبّاء، ذي العواقب السيئة جدّا على صحّة الإنسان في حالة التشخيص الخاطىء للمرض أو تناول المضادات الحيويّة أو جهل المقادير وكيفيّة تناول الدواء، في حين صرّح 5 % من المستجوبين أنّهم يفضلون استشارة الصيدلي، بينما يخيّر البقيّة أي 2،5 % انتظار الفرج دون فعل أي شيء و0،5% الالتجاء إلى التطّبّب الشعبي والتنجيم وطرد النفس الشريرة والمداواة بالأعشاب، وهو نسبة ضعيفة  جدّا لا تعبّر عن حقائق الأمور لأن حرفاء المسلك الموازي للطبّ الحديث كثيرون وينحدرون من مختلف الأوساط الاجتماعيّة وإن حاولوا دائما إخفاء ذلك، فلو ذهبت لأي «وڤاعة» أو منجّم أو ناظر في الكفّ أو مختص في طرد الأرواح الشريرة، فستجد أمام حانوته الكثير من السيّارات الفخمة لحرفاء يتردّدون عليهم ويحاولون عدم المجاهرة بهذه الممارسات التي تدل عن الريبة التي يشعر بها البعض، في لحظات ضعف واهتزاز نفسي، تجاه الطب العقلاني والحديث وأمام انتشار بعض الأمراض المستعصية أو المعروفة بارتفاع تكلفة العلاج فيها أو ابتعاد المراكز الطبية عن مقرّ سكنى المرضى أو الأسعار المشطّة للتداوي في المصحّات الخاصّة... وعن سؤال كيف تشخصون المرض أجاب 40% أنّ التعب الشديد والألم يؤشران على وجود توعك صحّي، و30% أنّ الهزال المفاجيء يعني وجود مرض ما، وقلّة الشهية بنحو 10 % من الأجوبة المصرّح بها و5%  بالنسبة إلى الاضطراب في النوم، بينما يجهل غالبيّة التونسيين أنّ كثرة الشهية أو التبول اللاّإرادي بالنسبة إلى الأطفال أو ترك الغائط  encoprésie أو احتمال الإصابة بالأمراض المزمنة قد تصيب اليافع والشاب والكهل الصغير الذي لم يتجاوز العقد الرابع من عمره كما كشفت الدراسات الميدانيّة عن جهل كبير وربّما عن تجاهل لأعراض الأمراض النفسيّة والعقليّة... وفي الواقع فإنّ هذه التمثّّّلات مصدرها وجود تعريف «تقليدي» راسخ في الذاكرة الجمعيّة يتمثل في أنّ المرض هو حالة انتقاليّة بين الحياة والموت وبالتالي قد لا ينفع التداوي والعلاج فعندما يصاب شخص ما بداء فذلك ابتلاء من اللّه عزّ وجلّ ولا حول لنا على ردّ قدره ونتذكر كيف قاوم الأطباء الأوائل هذه النظرة الموغلة في القدريّة والسلبيّة في الأرياف التونسيّة بالخصوص في أوائل القرن العشرين وربّما بعده، وقد نجد اليوم صعوبة كبيرة مع المسنّين في إقناعهم بضرورة احترام وصفة الطبيب أو قبول مبدأ العلاج والتداوي أو متابعة التداوي بعد الكشف الأولّي عن مرض ما مزمن شكّ الطبيب في احتمالات الإصابة به، وفي اتجاه آخر، قد يعني المرض المرور من حالة كانت فيها أعضاء الجسم صامتة خامدة نائمة إلى مرحلة تكلّمت فيها الأعضاء كالقلب والرأس والمعدة وأصدرت أصواتا هي بمثابة الألم كأن نقول «فلان عندو القلب» وكأنّه قبل أن يمرض لم يكن له قلب لأنّه كان خامدا وقديما كان يلجأ أجدادنا إلى عادة إزالة الدمّ من الرأس فيما يعرف بالتشليط أو إزالة الألم بحقن مواطنه في الظهر باستعمال «المغايط»، ورغم اندثار هذه العادات التي كانت مألوفة في تعامل التونسيين مع المرض، فإنّ بقاء بعض الرواسب لدليل على أن الطب الحديث لم يحدث قطيعة تامّة ونهائيّة مع التصوّرات التقليديّة، وهذه بعض الأمثلة الدالّة على ضعف القدرات والكفاءات المعياريّة والإدراكيّة في تعامل التونسيين مع المرض.
 غياب ممارسة الكشف المبكر للأمراض وضعف عنصر الوقاية
إنّ ما يميّز غالبية التونسيين هو إهمالهم لجدوى العيادة الطبيّة قبل إتمام مراسم الزواج قبل ثلاثة أشهر على الأقل للكشف عن بعض الأمراض المعديّة أو الوراثية التي يمكن الحدّ من انتشارها ونقلها للأطفال، فعادة ما يعمد الكثير من المقدمين على الزواج إلى القيام بهذا الإجراء بنوع من الاستخفاف أو التسرّع وكأنّ التحاليل الطبيّة الوقائيّة ستفسد مراسم الاحتفال بالزواج، كما كشفت الدراسات الميدانيّة أن الشبّان والأزواج حديثو العهد بالزواج عادّة ما يستخفّون بالمرض وكأنّ المرض لا يحدث إلاّ عندما يصبح الشخص مسنّا فيتجنبّون القيام بالتشخيص المبكر لأعراض بعض الأمراض التي قد تصبح خطيرة وكان من الممكن تجنّبها وتجنّب تعكّراتها وتبعاتها على الكبد وعلى الكلى بالقيام بتحليل بسيط غير مكلف ومتاح في كثير من المراكز الاستشفائيّة كالكشف المبكر عن أمراض الكلى وسرطان الثدي وعنق الرحم المنتشر عند النساء وسرطان المجاري البولية المنتشر عند الرجال، وفضلا عن هذا فإنّ  التونسيين يصنّفون من ضمن الشعوب الأكثر إقبالا على التدخين وعلى استعمال السيّارة والأقلّ ممارسة للرياضة والمشي وعلى تنظيف الأسنان والفم (57%من المستجوبين صرّحوا أنّهم لا يقومون يوميّا بتنظيف أسنانهم ونفس النسبة لا يذهبون بصفة دوريّة إلى طبيب الأسنان) و 70% لا يملكون جهاز قياس الحرارة أو علبة الأدوية الاستعجاليّة في المنزل في حالة جرح أو حرق بسيط و20% فقط من التونسيين ذهبوا لعيادة المختص النفسي أو الطبيب النفساني في حالة وجود مرض نفسي أو عقلي أو الشعور بحالات الانهيار العصبي والقلق النفسي...
ويلخّص الجدول التالي حالات اللاّكفاءة التي تميّز غالبيّة التونسيين ونلاحظ هنا أن وضعيّة الوسط الحضري (المشار إليه في الجدول بالوسط البلدي) أحسن حالا من حيث المعارف والممارسات والتمثلات المتصلة بالرعاية والوقاية الصحيّة من وضعية الوسط الريفي، كما أكدت الدراسة الميدانيّة المشار إليها «كفاءات الأسرة التونسيّة في الرعاية الصحيّة بأفرادها» أنّ الكفاءات مرتبطة بالمستوى التعليمي، فكلّما كان الشخص المستجوب متعلّما كلّما كانت لديه محصلة طيّبة من الكفاءات لارتباط عنصر الحيطة والرعاية والوقاية بوعي الشخص وتلقيه للمعلومات والخبرات في هذا المجال والذي تساهم فيه كثيرا، كما نعلم، المدرسة ووسائل الإعلام ومراكز التثقيف كدور الثقافة والشباب:
الممارسات في مجال الوقاية الصحيّة    القاطنون بالوسط  ير البلدي أو الريفي      القاطنون بالوسط البلدي أو الحضري
لا يقوم يوميّا بتنظيف أسنانه    57%    54%
لم يذهب ولو لمرّة
 واحدة لطبيب الأسنان    60%    40%
لا يمتلك في منزله ميزان
 أو مقياس الحرارة     96%    74%
لم يقم بكشف مبكّر على السرطان أو أمراض الكبد
 أو الكلى     96%    86%
يرى أن معايدة الطبيب قبل الزواج لا فائدة منه    29%    17%
يفكّر في الذهاب إلى الطبيب النفسي عند ملاحظة عوارض توتر نفسي أو عقلي     20%    31%
نصح زوجته بالقيام بكشف مبكّر على سرطان عنق الرحم أو التدين     68%    81%
يعارض مسألة التبرع بالأعضاء    80%    71%
ذهب إلى الطبيب
مع زوجته الحامل      6%    80 %
يعارض مسألة تنظيم الحمل وتناول موانع الحمل     25%    18%

 المصدر: دراسة «كفاءات الأسرة التونسيّة في الاحاطة الصحيّة بأفرادها»، 2005، وزارة المرأة وشؤون الأسرة ، تونس.
  أمّا عن تمثل التونسيين للأمراض «الخطيرة» أو المستفحلة، فبيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ أغلب الآراء المصرّح بها تعتبر أنّ الأمراض «القاتلة» هي أكثر خطورة من الأمراض الجديدة المنتشرة بحدّة في المجتمع التونسي في الوقت الراهن كالسكّري وأمراض الشرايين والقلب التي لا تؤدي مباشرة إلى الموت ولكن تعتبر من الأسباب الكبرى مع حوادث الطرقات والحوادث المنزليّة لوفيات الشبان والكهول، هذه الأمراض التي يمكن تلافيها بمجرّد إتباع نظام غذائي متوازن وممارسة الحركة والرياضة وتجنب التوتّرات النفسيّة، كما تبيّن الدراسة شبح الأوبئة والأمراض المعدية قد زال تماما من ثقافة التونسي إذ صرّح فقط 1 % من المستجوبين أنّها تعتبر الأكثر خطورة
جدول الأمراض «الخطيرة»
 كما يرتّبها المستجوبون
قائمة الأمراض      (%)النسبة
السرطان     38
السيدا    15
أمراض الشرايين والقلب    14،5
السكّري     9،5
ضغط الدمّ    8
أمراض الكلى    3
أمراض الجهاز التنفسي    2،5
أمراض الكبد    2
الأمراض العصابيّة والنفسيّة والعقليّة    2
الإعاقة    1،5
أمراض المعدة    1
الأمراض المعديّة    1

أما عن الأمراض التي تدفع بالتونسيين إلى تفضيل التطبّب الشعبي على الطبّ الحديث فهي على التوالي الأمراض العقلية والنفسية ووجود السحر بنسبة 46% من الآراء المصرّح بها، وأمراض المعدة (15% لوجود الاعتقاد أن المريض بمعدته هو شخص مسحور وقع إشرابه سوائل ضارّة يجب إخراجها واستئصالها من البدن) وأمراض العينين (11%) للاعتقاد في وجود السحر لدى المريض لأنّ الصحّة والعافية تعني في الثقافة الشعبيّة صحّة البدن والبصر وأمراض الكلى
(8 %) والإعاقة (5%) والعقم (5%) وأمراض الكبد المعروف بالبوصفير (4 %)...
وعن سؤال أيّهما تفضل في حالة المرض المداواة في المستشفى أم في المصحّة، أجاب 56 % أنّهم يفضّلون الذهاب إلى القطاع الخاص و22 % المستشفى والقطاع العام، في حين يرى 21 % من التونسيين أنّ لا وجود لديهم لتفضيل لقطاع على آخر وعن أسباب عدم الرضاء عن الخدمات الصحيّة سواء في القطاع العام أو الخاص يذكر 35% من المستجوبين أنّ رداءة الخدمات هي السبب في لا رضاهم ووجود العلاقات الشخصيّة والمحسوبيّة ويذكر(28  %) أنّ قلّة جدوى الدواء أو فقدانه وسوء معاملة الأطباء لهم تفسّر سخطهم وغضبهم على الخدمات الصحيّة المقدّمة خاصّة في القطاع العام.
إنّ التعامل مع المرض تبقى في الأساس مسألة وعي وإدراك عقلاني غير أن فهم ثقافة المريض وعالم التصورات والتمثلات التي تولّد ممارساته مع المرض تعتبر مرحلة هامّة في السيطرة على الأمراض التي تبقى رهينة الوقاية والتربية من أجل الصحّة للجميع التي تجسد الغاية المثلى للحداثة التي ننشدها جميعا والتي مازالت في الوقت الراهن، كما يقول دائما هابرماس، مشروعا غير مكتمل.