اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

تصور الروح في المعتقد الشعبي في مجتمع البحرين (قرية بوري) نموذجا
إن لكل حضارة إنسانية دينا يؤمن به أفرادها وهذا الدين يقوم على معتقدات وعادات وطقوس متعددة يلتزم بها أفراده وفق قوانين وض...

منهج البحث لدراسة الحرف والصناعات الشعبية اليدوية
إن دراسة الحرف والصناعات الشعبية اليدوية يمكن أن تهم قطاعات واسعة من المجتمع العربي،فهي تهم الصانع اليدوي الذي يصنع ليرت...

ألغاز الوطن العربي وعودة دوريات التراث الشعبي للوجود
إذا نظرنا للببليوجرافيات المتخصصة في التراث الشعبي العربي سنكتشف منذ الوهلة الأولى أن موضوع الأحاجي والألغاز من أقل المو...
14
Issue 14
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
الأدب الشعبي الفلسطيني
العدد 14 - أدب شعبي

إيمان سليمان  / كاتبة من فلسطين

عندما يحضر التراث، تحضر الذاكرة محملة بعبق تاريخ الأجداد، تشدنا وتأخذنا إليها في رحلة عبر ماض أنتجه الأجداد ليخلقوا منه تواصلاً بين الماضي والحاضر والمستقبل، فتُمنح الأصالة، وتتشكل الثقافة التي يترجمها الإنسان بأنماط سلوكية، وعادات، وقيم1.

 

ماهية الفن الشعبي:

 «الأدب الشعبي، أو التراث الشعبي، فرع مهم من فروع المعرفة، يُعنى بمظاهر الحضارة لشعب من الشعوب. ولتعدد المعايير التي يُنطلق منها في النظر إلى طبيعته ووظيفته ومجالاته، فإن تعريفاته التي يقع عليها المرء يلفها نوع من الغموض والاضطراب. وإلى جانب المعايير الثقافية التي تؤكد أن الفولكلور هو التراث الشفوي؛ فثمة معايير اجتماعية تُدخل ضمن هذا الحقل المعرفي كل ما ينتمي إلى حياة الطبقات الريفية وثقافتها؛ ومعايير نفسية - اجتماعية تنطلق من معطيات نفسية - اجتماعية، فالحياة الشعبية والثقافة الشعبية، تبعاً لهذه المعايير، توجد دائماً حيث يخضع الإنسان، بوصفه حاملاً للثقافة، في تفكيره أو شعوره أو تصرفاته لسلطة المجتمع والتراث؛ والمعايير الإثنولوجية التي ترى أن الفولكلور هو المعرفة التي تنتقل اجتماعياً من الأب إلى الابن، ومن الجار إلى جاره، وتستبعد المعرفة المكتسبة عقلياً، سواء أكانت محصَّلَة بالمجهود الفردي، أم بالمعرفة المنظمة والموثقة والتي تكتسب داخل المؤسسات الرسمية كالمدارس، والمعاهد، والجامعات، والأكاديميات وما إليها2. ويمكن تقسيم الأدب الشعبي إلى عدة أقسام منها الحكاية الشعبية، والأمثال الشعبية، والغناء الشعبي.

1- الحكاية الشعبية الفلسطينية:

وتشتمل الحكايات الشعبية على قيم عدة: اجتماعية، وجمالية، ووطنية، ودينية، وثقافية، ويمكن تقسيم الحكايات إلى حكايات: خيالية، وواقعية، وتربويـة، وبدويـة، ودينيـة، وحكايات الحيوان، وحكايات مرحة، وحكايات الأمثال3.

وفيما يلي نصان من النصوص المتداولة:

هل يكفي الحظ؟(*)

كان لأحد القرويين ولدان اسم الكبير سالم، واسم الصغير سويلم أنشأهما على عادة أهل القرى من حب الأرض وخدمتها بشؤون الفلاحة. فلما توفي خلف لهما أرضاً طويلة عريضة. فقسماها بينهما وشرعا يزرعان. ويعيش كل منهما على نتاج أرضه كما يعيش أهل قريتهما.

ومرت ثلاثة أعوام كانت أرض سالم خلالها تخصب وتعطي بكل قنطار من البذار ثلاثين قنطاراً. أما أرض سويلم فكانت تجدب. فراح سويلم إلى أخيه سالم وطالبه بإعادة القسمة، وكان سالم طيب القلب فأجابه وخيره، فاختار أرض سالم وتبادلا، ومرت ثلاث سنوات أخرى وزرع سالم يمرع ويخصب ويعطي بكل قنطار خمسين قنطاراً، وزرع سويلم لا يكاد يجمع بذاره. فتحير سويلم من هذا واغتاظ ورجع إلى أخيه يطالبه بإعادة النظر في قسمة الأرض. وكان سالم طيب القلب. فقال له: اسمع يا أخي، سأجعل البذار هذا العام من غلتي، وأحرث أنا الأرض جميعها ثم أترك لك الخيار في أخذ أي النصفين بعد أسبوع من نبت الزرع، على شرط أن لا تأكل من زرعي ولا آكل من زرعك. فرضي سويلم بهذا الاقتراح وتم تنفيذه كما اتفقا، ولما برز الزرع وحان موعد القسمة بدا لسويلم أن يقسم الأرض بالطول حتى يأخذ نصف ما كان له ونصف ما كان لأخيه، واطمأن باله لذلك. فلما رجع للأرض بعد أربعة أشهر، وجد قمحه لا يبلغ طول شبر وقمح أخيه يزيد على مترين فعجب أشد العجب، وتبلد ذهنه، فمشى في زرع أخيه نسي ما اتفقا عليه ومد يده ليقطف سنبلة قمح فامتدت يد لتمنعه من ذلك. نظر فوجد فارساً يشبه أخاه أشد الشبه ولكنه يبدو كالشبح، فسأله من أنت حتى تمنعني مال أخي؟ فقال: اذكر اتفاقكما على أن لا تمس زرعه واحترمه؛ أنا أمنعك لأني حظ أخيك. فقال: سويلم وأين حظي أنا؟ قال: حظك نائم في مغارة كذا من أرض كذا على مسيرة شهر من هنا. فقال: من أجل هذا أتعثر دائماً حتى ولا ينجح لي عمل أو مسعى؛ لأن حظي نائم. سأذهب لأوقظه. 

 

ورجع سويلم إلى بيته فتجهز لسفر طويل، وأخذ معه، زاداً يكفيه لشهر، وركب حماره، ومضى في لهفة وشوق وثقة ليفتش عن حظه ويوقظه ويحركه. وسار في طريقه يقطع البراري والقفار، فمر بأسد مريض. فسأله الأسد عن غايته. فأجاب: أفتش عن حظي. قال الأسد: إذا لقيت حظك فسله ما دواء الأسد المريض في موضع كذا؟ فأجاب حبا وكرامة. ثم تابع سيره وفي اليوم الخامس أقبل على حراث فطرح عليه السلام. فانتهره الحراث وقال: ما أبلغ شؤمك. لقد ارتطمت السكة فانكسرت. ثم بدا للحراث أنه قسا على الرجل الغريب، وقال في نفسه: طالما انكسرت لي سكة في هذه الارض قبل اليوم، فما ذنب هذا الرجل، ثم أقبل عليه يعتذر ويلاطفه ويسأله عن غايته. فأخبره بأنه يفتش عن حظه. فقال الحراث: إذا لقيت حظك فأخبره عن الحراث في موضع كذا ترتطم سكته فتنكسر. فوعده بذلك، ثم سار مسيرة عشرة أيام، فرأى إحدى وأربعين حمامة بيضاء كالثلج، فلما وردت الماء عادت سوداً كالغربان. فأثر ذلك في نفسه، وقال لأسألن حظي عن هذا المنظر العجيب. وبعد أسبوع نفق حماره، فحمل خرجه مع فضول زاده على كتفه، وسار أسبوعاً آخر، فإذا هو أمام مغارة مخيفة بين الصخور، فقال لعلها غايتي، فدخلها، فوجد رجلاً على صورته نائماً كأنه شبحه، فعلم أنه حظه، فرفع عصاه وضربه بها قائلا: أنا أشقى وأنت تغط في نومك. انهض وتحرك. فنهض الشبح وسار مسرعاً ينهب الأرض، فاستوقفه قائلا: قف أسائلك عن مسائل حصلت في طريقي. قال: أنت تسأل وأنا أجيب. قال: فما بال الحمام ينزل إلى البركة أبيض اللون ويخرج أسود كالغربان؟ قال حظ سويلم: هذا حمام مسحور في بركة مسحورة، وزوال السحر يكون بأن ينزل الحمام الماء عند تمام زوال الشمس عن كبد السماء، وسأله عن أمور أخرى فأجابه.

سار سويلم وراء حظه، ولكن سرعان ما غاب حظه عن عينيه. وبعد مسيرة أسبوعين، وصل البركة المسحورة، وأقبل الحمام أبيض كالثلج ليرد الماء فهجهج به سويلم، فلم يرد، وكلما حام حول الماء لينزل فيه هجهج به سويلم وطرده. وما زال دأبه كذلك حتى انتصف النهار فابتعد سويلم وغطس الحمام لشدة العطش، فحدث صوت عظيم فغطى سويلم بصره لبضع دقائق. فلما رفع يديه عن عينيه، وجد البركة قد تحولت إلى أرض خضراء فسيحة تظللها أشجار، وتخترقها غدران وفيها من جميع ما تنبت الأرض من خضر متنوعة، وفاكهة دانية القطاف، وأقبلت عليه صبية كأن وجهها فلقة قمر، وهي في نضرة الزهر، وميعة الصبا تتمايس نشوى بخمر صباها وجمالها، ومن خلفها وصائفها الأربعون، أقبلت عليه تشكره وتعرض عليه الزواج ويعيش معهن في هذا النعيم المقيم. رفض سويلم هذا الاقتراح، وقال إنه يريد أن يدرك حظه الذي كان نائما فتحرك، قالت الفتاة: بمنطق عذب يسقط في الآذان سقوط الماء من ذي الغلة الصادي: أليس هذا من حسن حظك وصعود جدك. أنت أنجيتنا فوجب حقك علينا وأنت أولى الناس بنا، وتوسلت إليه، وألحت في الرجاء وقالت: سأكون زوجتك، وهذه الوصائف التي كأنها غافلت رضوان وفرت من الجنان جواريك وملك يمينك، وأنت هنا في جنة بربوة لا تجوع فيها ولا تعرى، ونحن كلنا جواريك نرعى راحتك، ونتوفر على خدمتك لنحقق لك عيشا رخيا وبالا هنيا وحياة ناعمة، وسعادة دائمة، فرفض ذلك بعناد وعزم على متابعة حظه، فهمت البنات بقتله، ولكنهن كرهن أن يقتلن من أحسن إليهن فتركنه، وسار عنهن. فلما كان بعد أيام، أشرف سويلم على الحراث فوجده يأكل فسلم عليه، ودعاه ليأكل، فجلس وأكل معه. وسأله الحراث هل وجدت حظك؟ قال نعم. قال الحراث: وهل سألته عن حالي؟ قال: نعم، قال فماذا أخبرك؟ قال لي: قل للحراث ليحفر حيث ترتطم سكته. قال الحراث: الله أكبر! قم بنا نحفر، فقد والله ارتطمت قبل قليل، فتركتها حيث هي، وجئت لأتناول فطوري. نهض الحراث وتبعه سويلم فحفرا حيث سكته، فانكشفت الأرض عن بلاطة فيها حلقة فتعاونا على رفعها، فظهر سرداب فنزلا إليه بدرج، فسارا فيه فانبعث منه نور يشع من كل جانب وما هي إلا خطوات حتى بدا لهما شعاع الذهب وبريق الجواهر، فهجم الحراث على الذهب والجواهر يمسكها ويتركها ويقفز في فرح ومرح يشبهان الجنون، فلما سكنت نفسه وهدأ خاطره، وأطمأن قلبه إلى أن كل ما يرى ويلمس هو حقيقة راهنة لا ريب فيها التفت إلى سويلم فاحتضنه وعانقه ثم قال له: لك نصفه ولي النصف الآخر قال سويلم: لا أقبل. قال الحراث: لك ثلاثة أرباعه ولي الربع إن ربع هذا يكفي عيشا هنياً رخيا إلى ولد الولد. قال سويلم: لا أقبل. قال الحراث: فخذ منه ما تشاء واترك لي ما يطيب عنه خاطرك، وسأقاسمك غيره، فإني أعرف أكثر من خمسة عشر موضعاً في هذه الأرض ارتطمت فيها سكتي في هذه القرى التي أحرث فيها قال سويلم: لا أقبل. قال الحراث: ماذا تريد إذن؟ قال سويلم: أريد أن تتركني لألحق حظي فإنه تحرك. قال الحراث: نعم. لقد تحرك حظك حركة عظيمة، فجاءك بهذا المال الذي لو كان من حظ مدينة عظيمة لوجدته كثيراً. قال: دعني. فإني أريد أن ألحق بحظي.

وهم الحراث بقتله لأنه حسب أنه سيشي به ويجمع الناس عليه، ولكنه عاد فتركه مكتفياً بأخذ ما قدر على حمله وأعاد البلاطة إلى موضعها، وهو يعجب من أمر هذا الرجل الذي يرفض كل هذا الثراء العظيم، وتعف نفسه عن هذه الكنوز الهائلة.

وسار سويلم، وظل سائراً عدة أيام. فوفد على الأسد المريض فتلقاه الأسد مرحباً، وسأله عن قصته، فأعاد عليه كل الذي جرى من ساعة فارقه إلى أن رأى حظه، ثم ما كان من أمر الحمام، وأمره مع الحراث. قال الأسد: وهل سألته عن دواء لمرضي؟ قال نعم. لقد قال حظي: إن شفاءك أن تأكل دماغ رجل أحمق.

قال الأسد: لقد كان لك حظ أضعته بحمقك، وأعطيت لك فرصتان أضعتهما بخرقك، ولقد نجوت من الموت مرتين حين كان حظك أمامك، وما أراه إلا قد تخلف عنك الآن ورجع إلى نومه. ولعمري ما وجدت على ظهر الارض أحمق منك. فحيا الله صباحاً قذف بك إليّ لتكون دوائي وشفائي. وضربه ضربة صرعته لتوه، وثنى بأخرى على جمجمته فاستخرج دماغه وأكله.  

الطوير الأخضر(*)

كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، رجل يعيش مع ابنه وابنته اللذين توفيت أمهما، وظل هو يربيهما ويعتني بهما. وكانت فتاة من الجيران تحسن إلى الفتاة وتغسل لها الثياب، وتساعدها عندما تغتسل. وما زالت هذه الجارة كذلك إلى أن قالت للفتاة اليتيمة ذات يوم: «اطلبي من أبيك أن يتزوجني، لأعتني بك وبأخيك أكثر». فعرضت الفتاة الأمر على أبيها فأجاب: «أخشى أن تغدر بك وبأخيك فأكون أنا قد ظلمتكما بها». أما الصبي فكان يقول لا تتزوج يا أبي! وما زالت الجارة تلح على الفتاة، والفتاة تلح على أبيها حتى تزوج من هذه الجارة.

(رُوحْ يا يوم تعالْ يا يوم، رُوحي يا سَنة تعالي يا سَنَة) كبر الصغير وأصبح يافعاً، فاختارت زوجة أبيه يوماً كان فيه زوجها غائباً وقتلت الصبي، وقطعته قطعاً قطعاً، ووضعت بعض قطعه في الطعام، ليقدم أمامهم حينما يعود الأب، انتقاماً منه لأنه كان يطالب أباه ألا يتزوج!. فعلت ذلك به أمام أخته التي كانت تنهمر من عينيها الدموع الساخنة الصامتة، والمنظر يفتت قلبها، فتقول لها زوجة الأب: إذا أخبرت أباك بما رأيت فسيكون هذا مصيرك أيضاً!

وبعد أن خرجت المرأة من المكان لبعض شؤونها، جمعت الأخت عظام أخيها المطروحة على الأرض ووضعتها في حفرة في حديقة البيت.

وحينما عاد الأب سأل عن ابنه فقالت له زوجته: ذهب إلى بيت جده، وقدمت له الطعام المهيأ، ولما اطمأن على ابنه شرع يتناول الطعام، وجعل هو وزوجته يرميان بالعظام خارجاً أثناء الأكل، وكانت الابنة تلقف هذه العظام وتدفنها في الحفرة في الحديقة.

وفي صباح اليوم الثاني كانت مجموعة من النساء جالسات قريباً من المنزل وفيهن زوجة الأب والأخت، فتحولت عظام الصبي إلى طائر وأخذ يغني ويقول:

أنا الطوير الأخضر

 مرة أبوي ذبحتني

وأبوي العَرسْ أكل من لحمي

واختي الحنونة حن الله عليها

جمعت عظماتي وحطتهم في اجنناتي

فتعجبت النساء مما يسمعن من غناء، ثم سكتن ليسمعن فسمعن الطير يقول: لا أغني إلا عنها، تلك المرأة ويشير إليها ويقول: لتفتح فمها، فحملتها النساء على أن تفتح فاها، ففتحته، فألقى فيه إبرة مسمومة، فماتت على الفور فأضاف الطائر: وتلك الفتاة فلتفتح حجرها، ففتحت حجرها فألقى فيه المال والفضة والزمرد والذهب والماس مما لا تستطيع أن تحمله.

وذهبت إلى عظام أخيها فوجدت أنها قد تحولت إلى ذهب. وعاشت مع أبيها حياة سعيدة... وطار الطير تتمسوا بالخير..

2- الأمثال الشعبية4:

المثل الشعبي هو تعبير عن نتاج تجربة شعبية طويلة تخلص إلى عبرة وحكمة، وتؤسس على هذه الخبرة للحضّ على سلوك معين، أو للتنبيه من سلوك معيّن. والمثل جملة مفيدة موجزة متوارثة شفاهةً من جيلٍ إلى جيل. وهو جملةٌ محكَمة البناء بليغة العبارة، شائعة الاستعمال عند مختلف الطبقات.

المثل الشعبي الفلسطيني معبّر أصدق تعبير عن حياة الفلسطيني فوق أرضه الممتدة من البحر إلى النهر ومن الصحراء إلى الجليل، وسط بيئات مختلفة حسب الموضع الجغرافي، فهناك البيئات، البحرية، الداخلية، الجبلية، والصحراوية، لذلك فإن التعدد والتنوع نتاج جغرافيا المكان والتطور التاريخي، يؤدي في بعض الأحيان إلى تباين بالمفاهيم من منطقة إلى أخرى، ولا يلغي هذا الاختلاف البسيط وحدة المفاهيم التي قام عليها المثل الشعبي لأنه المرآة التي ترى ما بداخلها وتكشف ما حولها وكل ما يمت بصلة إليها.

يستمد المثل الشعبي من عدة مصادر أهمها:

 1- ما استمد من حادثة واقعية: «بَرضُه من فوق «أو «بَرضُه راكب»- الشيخ حامد كان قائد فصيل ثورة سنة 1936 في منطقة الناصرة، وكان ضريراً، كان مختبئاً في قرية معلول حين طوق الجيش البريطاني القرية. وفي التمشيط الذي أجراه الجنود وجدوه في عليّة أحد البيوت فاعتقلوه، ولما رفض أن يمشي اضطر أحد الجنود أن يحمله على ظهره وينزل به الدرج. وعلق الشيخ على ذلك قائلاً: «برضه راكب»، فذهب قوله مثلاً يستعمل حينما يراد التأكيد على عدم استسلام الإرادة في أشد الأوقات حرجاً.

2- ما استمد من حكاية أو نكتة شعبية: «مثل مسمار جحا»، «بين حانا ومانا ضاعت لحانا». وقد يستعمل المثل بين الناس، ولا يعرف كل من يستعمله تفاصيل الحكاية أو الحادثة التي وراءه، وإنما يتعاملون مع الإيحاء العام لعبارته. مثل: «صيف وشتا على سطح واحد.. كيف بيصير؟» أو «شو عرفك شو تحت ذيلها؟» أو «اللي بعرف بعرف واللي ما بعرف بقول كف عدس»، أو «مثل قصة الحية».

3- ما اقتبس عن الفصحى بنصه أو بشيء من التغيير الطفيف: «وافق شن طبقة»، «دوام الحال من المحال»، «الساكت عن الحق ناطق بالباطل» و«ما ساقطة إلاّ وراها لاقطة»عن «لكل ساقطة لاقطة» أو «الموت ولا الذليّة» عن «المنية ولا الدنية».

4- ما استمد من التراث الأدبي الشعبي مثل: «سيرة عنترة» أو «تغريبة بني هلال» وغيرهما: «عنتر أسود وصيته أبيض»، «ما عيك يا ذياب من غانم»، «كثر الهم بقتل يا سلامه أما فضاوة البال بتقوي العزايم».

5- المستمد من الأغاني الشعبية: «عيشة بالذل ما نرضى بها»، «دبرها يا مستر دل بلكي على يدك بتحل»، «كلمة يا ريت ما بتعمر بيت».

6- ومن الأمثال ما هو عصارة ملاحظة الطبيعة والمعرفة الجغرافية المناخية والزراعية: «آذار أبو الزلازل والأمطار»، «ظل الحجر ولا ظل الشجر»، «إن غيمت باكر احمل عصاتك وسافر وإن غيمت عشية شوف لك مغارة دفية».

7- وهناك أمثال تحمل بصمات معتقدات قديمة جداً: مما يشير إلى قدم هذا التراث الذي وصلنا، مثل «خطية القط ما بتنط»، أو «كل بالدين ولا تشتغل يوم الاثنين».

8- وأمثال تحمل ملاحظة دقيقة لأعماق النفس البشرية، أو التجربة الإنسانية العامة: «ما شجرة إلا هزتها رياح ولا سكرة إلا قلقلها مفتاح»، «أوله دلع وآخره ولع»، «القرد بعين أمه غزال»، «فرخ يزق عتيق».

9- ومما يلحق بالأمثال تعابير أعجب الناس بجماليتها، بالصورة الكاريكاتيرية الساخرة فيها: «شفة غطا وشفه وطا»، «لا إلو ولا عليه»، «أعور ويغامز القمر»، «لباس ماله ودكته بألفين»، «خزقنا الدف وبطلنا الغنا».

01- لا شك أن هناك أمثالاً مستمدة من خلال التعامل مع شعوب وثقافات أخرى، ومنها كتب الديانات الثلاثة، ومصادر أخرى: «الحق مثل الفلين ما يغرق»، «لا تكون راس لأنه الراس كثير الأوجاع».

3- الغناء الشعبي5:

تعتبر الأغنية الشعبية الفلسطينية من أبرز ألوان التراث الشعبي الفلسطيني التي أولاها الدارسون اهتماماً خاصَّا، حيث تشترك الأجيال في إبداع كلمات هذه الأغنية، وصياغة إيقاعها، وتعكس الأغنية الشعبية الفلسطينية صورة حية دقيقة لأشكال الحياة وهمومها، وتعبر عن مدى امتزاج الوجدان الجماعي، وأحلام الناس برائحة الأرض، وعبق التراب المضمخ بالعرق والدم، حيث تظهر قوة اعتزاز الشعب الفلسطيني بقيمه وتقاليده وتضحياته وتصور أمانيه وتطلعاته إلى العيش بحرية وكرامة وعزة.

مناسبات الغناء الشعبي

تتعدد أغراض الغناء الشعبي في فلسطين بين الأعياد والاحتفالات الدينية والأفراح والحماسة، والعمل، وكذلك أغاني الروايات والأقاصيص والسير الشعبية.

أ- أغاني الأعراس:

تمر عملية الزواج بعدة مراحل تبدأ بزيارة الأم وبعض النسوة لمنزل العروس لرؤيتها، ومعرفة مواصفاتها، ومن ثَم يحملون ذلك للعريس فإذا نالت الإعجاب تذهب النسوة مرة أخرى لطلب يد العروس، ويُطلب منهن أن يَعُدن بعد أيام قليلة لمعرفة موقفهم من العريس المتقدم إليهم، فإذا تم الاتفاق وكان هناك رضا وقبول، يتم الاتفاق على موعد يرى فيه العريس عروسه، فإذا تمت الموافقة من الطرفين تنطلق الجاهة من عائلة العريس إلى بيت العروس، وتقرأ الفاتحة، وبعدها تعلن الزغاريد... وتصاحبها هذه الأهازيج من النسوة:

الحمد لله صبّر قلبي ولا قصّر وانحل حبل الجفا بعد ما تعسّر

وحياة من لا نجوم الليل تتفسر إلى زمان عاهذا اليوم يتحسّر

واحنا ذبحنـا على الطريق ذبيحة لمّا وصلنا دار أبوك يا مليحة

واحنا ذبحنا على الطريق كبشين لمّا وصلنا حين إيدك شـاريني

وتذهب العروس مع والدة العريس ووالدتها وأختها؛ لشراء كسوة العروس، وذلك من سوق المدينة أو من القرية نفسها، ثم يقوم أهل العروس بذبح الذبائح، ومنذ لحظة وضع والد العروسين يديهما معًا تقول النسوة:

ريتها مبروكة سبع بركات كما بارك محمد على جبل عرفات

يا أبو فلان يا نسيبنا والنسب ما هو عيب

والنسب زي الذهب ينحط جوّا الجيب

 

وكانت معظم مواعيد الأفراح في الريف الفلسطيني يتم في يوليو وأغسطس حسب البيئة الجغرافية الطبيعية من ممارسة الفلاحة وغيرها، ويأتي يوم الحنة والذي يسبق ليلة الزفاف بيوم واحد، وتُحنّى العروس قبل ليلة الزفاف بيوم واحد، حيث تقول النساء في ليلة الحناء:

يا حبيبي يمشي مع القافلة جيعان جوعك يا حبيبي ولا جوع أهلي

يا حبيبي يمشي مع القافلة حافي حفيك يا حبيبي ولا صرامي أهلي

ويش هالغزال فوق السطوح يفوح خصره رقيق ونغماته ترد الرّوح

ويوم الزفاف تجتمع الصواحب والصديقات؛ ليودعن العروس، ومعهن نسوة وبنات الحارة، ويرددن:

لا ترحلي يا توحشينا يا رفيقتنا وانت سبب عشقنا وأوّل محبتنا

ثم يحجز الأهل حمّام البلد للعريس وتقام الزّفة بعدها.

ب ـ الزفّة الفلسطينية:

لقد كانت الزفة الفلسطينية من أجمل الاحتفالات الفلسطينية، حيث يركب العريس على الحصان، ويسير مكان الزّفّة، ومن حوله الصبايا والشبّان يرقصون، ويزغردون ويغنون، ومن هذه الأغاني:

طلع الزين من الحمام الله واسم الله عليه

محمد زين وذكره زين محمد يا كحيل العين

محمد خاطبه ربه جمعة وليلة الاثنين

ويقف الرجال قليلاً وهم يرددون:

هانا واربط باب الدار تا تطلع بنت المختار

تلولحي يا دالية يا ام غصون العالية

تلولحي عرضين وطول تلولحي لأقدر أطول

دير الميّة عالصفصاف واحنا بنذبح ما بنخاف

وهم يطلقون الرصاص ويسيرون مرددين:

درّج يا غزالي مال الناس ومالي

دير الميّ عالعريس واتهني يا ام العريس

عريسنا زين الشباب وزين الشباب عريسنا

ويستمرون هكذا سائرين إلى مكان الزّفة، وهم يغنون، وبعد أمتار قليلة يقفون وقتاً قصيراً وهكذا، ومن أمثلة الأغاني:

يا عمر يا بو العقال من وين صايدها لغزال

يا عمر يا بو حطة من وين جايب هالبطة

وتستمر الأغاني والمسيرة إلى مكان الزّفة الرئيسي، وهناك تبدأ رقصات الدبكة فترة طويلة من الزمن على أنغام اليرغول والشبابة. وفي هذه الأثناء يقف أهالي الحي أو المنطقة أو العشيرة؛ ليوقفوا الزفة أمام منازلهم وتقدم المشروبات الخفيفة للعريس ومن معه في الزفة، وكان في الماضي يقدم مشروب السكر والليمون.

ويقيم «العريس» ليالي «السامر» «التبايت» قبل أسبوع من ليلة زفافه في القرية وثلاث ليال في المدينة وتشارك فيها النسوة ورجال العائلة بينما تمنع العروس من حضورها ويقال فيها:

دير الميه ع السريس مبارك عرسك يا عريس

 دير الميه ع الليمون مبارك عرسك يا مزيون

دير الميه ع التفاح مبارك عرسك يا فلاّح

إن التراث الشعبي الفلسطيني علامة بارزة تدل على هوية هذا الشعب العريق حيثما حل أفراده وأينما ارتحلوا وهو لا ينتمي إلى الماضي البعيد فحسب، بل هو أيضاً ينتمي للماضي القريب، المتصل بلحظة الحاضر، التي تصل الماضي بالمستقبل...  وعلى هذا الأساس الانشغال بالتراث جزء من انشغال الإنسان بذاته.

ج - الأهازيج وقت حصيد القمح6:

وغرِّدْ يا طَيْر الحَسُّونْ

في البيّارة عَ اللّيْمونْ

تانِهْتِفْ باسْم الثِّوَّار

ِعيدِكْ يا ثورَة مَيْمونْ

 

يا طير البيّارة طيرْ

فُوق التَّلَّة والغَديرْ

واعْطِ بْشارَة للأثيرْ

وافراجُ قَرَّب يكونْ

عِيدكْ يا ثوْرة أفراح

نجمِك في السّما وضَّاح

شعبِك حمل السِّلاح

وتَيْحَررْ أرضِ الزَّيْتُونْ

 

فِعْلِ الثّوْرَة والثوّار

راح نِرجع كُلِّ الدِّيارْ

وشعبنا هذا الجبَّار

مثلْ ما تريدُه بيكون

 

ضفة وغزة الأبيّة

هَزُّوا الكرة الأرضيّة

منِ البَحر حتّى الميِّة

دوْلِتنا لازِم تكونْ

 

عيدِك يا ثورة المَنْشُودْ

عيدِ المَدْفَع والبارُودْ

عيدِ اللِّي تْعدَّى الحِدودْ

وضرَبِ رْصاصُه عَ الصَهْيون

 

وبنْغَنِّي طول الزَّمانْ

لأبطالِ الثّورَة الشِّجْعانْ

لمّا انزِلْنا عَ بِيسانْ

الصَّهيوني صابو جْنُونْ

 

يا ثورة جهدِك مُمتاز

وكُلِّك فخِرْ واعتِزازْ

في عِيدِكْ بَلْبِس قُنْبازْ

وبغَسِلِ بماء وصَابُونْ

 

لمّا بنرِجَعْ ع البْلادْ

أيّامْنا كُلّها أعيادْ

عيْوني ورُوحي والفُؤادْ

ودمِّي لأجلِك مَرْهُونْ

 

هَبّت أربابِ الإعلامْ

تحيِّي الجُرأة والإقدامْ

شعبِ الضَّفّة ثارْ وقامْ

مِن غزِّة حتّى اليامُونْ

 

جُوَّا الضَّفة الغَرْبيّة

انتفْضَتْ ثورةَ شَعبيّة

بِدْهُمْ سُلْطَة وطنيّة

وما بِدْهُمْ حُكُم نِيرونْ

 

هَبَّت كلِّ الملايينْ

تِحيا نابْلسْ وَجنينْ

غزِّة ومعاها برقين

حيفا ويافا واللّطْرونْ

 

يا قاضي بِدْنا دُولِة

من رَفَح حتى الحُولِة

وحيفا وعكا وعَفِّولة

ويافا إلنا والّلطْرُونْ

 

قصَفْنا المُستَعْمَراتْ

بْكاتيوشا وِبْهاوناتْ

خسائِرْ كانت مِيّاتْ

من جَيْشَك يا إبْنْ صَهْيونْ

 

ما نِرْضَى للْثّورَةِ بَديلْ

مهما حاوَلوا التّنْكيلْ

فلْتَعْلَم قَوْم إسرائيل

نصر هالثّورة مضمون.

د- أغاني المقاومة7:

يرجح بعض الدارسين للشعر الشعبي الفلسطيني أن الشاعر الشعبي (نوح إبراهيم) كان  الأسبق في  مضمار الشعر  الشعبي الفلسطيني المقاوم، والمعروف أن (نوح إبراهيم) كتب القصيدة الشهيرة  في  رثاء  شهداء  الثلاثاء الحمراء  (عطا الزير ومحمد  جمجوم  وفؤاد حجازي) ومن أبياتها:

مِنْ سِجِنْ عكا وطِلْعِت جَنازِة

محمَّدْ جمْجُومْ وفُؤادْ حجازي

جازي عليهُم يا ربِّي جازي

المنْدوبِ السّامي وربْعُه عِموما

 

محمّد جَمْجُومُ ومَعْ عطا الزِّيرِ

فؤادِ حْجازي عِزِّ الذَّخيرة

إنظُرْ لِمقدَّرْ والتّقاديرِ

بَحْكامِ المَوْلى تايِعدِمُونا

 

إمِّي الشّفوقة بالسِّجْنِ تنادي

ضاقَتْ عليها كُلِّ البلادِ

نادُوا فؤادْ ومُهْجِةْ فُؤادي

قَبِلْ نِتْفَرَّقْ تايِوَدِّعُونا

 

بابِ المحاكِمْ صاَحَتْ يا إبْني

تِدْعِي ع الحاكِمْ هاللي أتْعَبْني

والحاكِمْ ظالِمْ ما هُو مِعْجِبْني

وإعْدامِ الشّبابْ ما هو قانُونا

 

تِنْدَه عَ عَطا من ورا البابِ

وِقْفَتْ تِستنظر مِنُّه الجوابِ

عطا يا عطا زينِ الشبابِ

بِهْجِمْ عَ العَسْكَر ولا يهابونا

 

ثلاثة ماتُوا مُوتِ الإسُودِ

لا تِشْمَتْ فيهُم وَلَك يَهُودي

إحْنا بالْعَصا وانتَ بْبارودِة

بَسّك تِتْشَكَّى ولكْ صهيونا

 

جابوا المُرْجيحَة جابوالِحْبالِ

هذه المُرْجيحَة شَرَفْناالعالي

وهذه المُرْجيحَة شرَفْنا الْعالي

شباب العَرَبْ لا تِهْتَمُّونا

 

حَبْسَك يا عَطا ما عُدْنا نْهابُو

ما دامِ الظُّلُم ظارِبْ اطنابُو

هذا وَطَنّا واحْنا إصْحابو

حِزْبِ الصَّهيوني قُوموا ارْحلونا

 

خَيِّ يا يوسفْ وصاتَك إمِّي

إوْعي يا أُختي بَعْدي تِنْهَمِّي

لأجْلِ الوَطَن هَدَرِتْ دَمِّي

كُلُّه عَلَشانِك يا فَلَسْطينا

 

رئيس المَجْلس واحّنا رِجالَكْ

في نادي الأمَمْ ورجينا افْعالَكْ

حافِظْ عَ الوَطَنْ أحْسَن وابْقى لَكْ

لا يقُوموا خانُوا العَرَبْ ياعْيونا

الهوامش

(1) باسمة صواف، بحث مقدم في جامعة القدس المفتوحة، شهر كانون أول لعام 2009، بمناسبة القدس عاصمة الثقافة العربية.

(2) راجع الموقع الألكتروني، http://www.arab-ency.com

(3) الدكتور رشدي الأشهب، كان ياما كان، حكايات شعبية من مدينة القدس.

(4) راجع الموقع الالكتروني http://www.palestine-info.

(5) راجع الموقع الالكتروني: http://www.palvoice.com

(6) المصدر السابق.

(7) المصدر السابق.

(*) فايز علي الغول، الدنيا حكايات، المطبعة العصرية، القدس. ص 22.

(*) د. عمر عبد الرحمن الساريس، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، النصوص، دار الكرمل،عمان،  1985. ص 204.