English Français عريي العدد
«مهرجان التراث» في البحرين: تجربة في إحياء الثقافة الشعبية
لعل من المصادفات الجميلة عند انتقالي من عملي الأكاديمي، أستاذاً للأنثروبولوجيا بجامعة البحرين، إلى ت...

استلهام التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية بمنطقة الخليج والجزيرة العربية
يفضي بنا موضوع توظيف التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية - بصورة أو بأخرى - إلى ثنائية ذلك الجدل القا...

الثقافة الشعبية العربية دعوة للحوار
إن الحديث عن الثقافة الشعبية العربية، موضوع متشابك شديد التعقيد.      ...
Issue 4
استلهام التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية بمنطقة الخليج والجزيرة العربية
العدد 4 - آفاق

علي عبدالله خليفة
كاتب من البحرين

يفضي بنا موضوع توظيف التراث الشعبي في الأعمال الإبداعية - بصورة أو بأخرى - إلى ثنائية ذلك الجدل القائم حتى الساعة حول الأصالة والمعاصرة .. التراث والحداثة، في زمن عربي صعب تجتاحه رياح العولمة التي تطرح تحديات جديدة أمام أفكار الهوية والقومية، مما يثير العديد من الأسئلة المصيرية الخاصة بمستقبل الثقافة العربية وقدرتها على استـنباط منهج أصيل يخرجها من ثنائيات الجدل المتواصلة ويبلور رؤية مستقبلية جديدة تسهم في تعزيز ثقافة عالمية إنسانية ذات خصائص كلية محددة تعمل ضمن عوامل أخرى مهمة على النهوض الحضاري للأمة .

وعلى الرغم من أن جذور الاستهانة بالتراث الشعبي ليست بجديدة، فإن المشكل الذي ما يزال يواجه هذا التراث في الخطاب النهضوي العربي الحديث والمعاصر يتصل بتهميشه والتعالي عليه بل وبتغييبه وإقصائه والحكم بعدم شرعية انتمائه إلى تراث الأمة من خلال تلك النظرة القائمة على مفهوم الجانب الفكري فقط في الحضارة العربية الإسلامية، على الرغم من كون التراث الشعبي نتاج ثقافة شعبية عريضة شاركت في التأسيس والتنظيم لوجدان الإنسان العربي وعقله، وهي بالتالي إحدى مكونات الثقافة العربية.

إن الأعمال الأدبية والفنية التي عبرت بأصالة عن روح الشرق والتي طبقت شهرتها الآفاق وأعجب بها مبدعو العالم ومفكروه من الألمان والفرنسيين والأسبان وغيرهم، وعملوا على ترجمتها واستيعاب قيمها الجمالية والأخلاقية، وحاولوا تمثلها في أعمالهم الإبداعية، هي أعمال عربية خالدة تنتمي إلى الثقافة الشعبية كحكايات ألف ليلة وليلة وقصة مجنون ليلى وحكايات السندباد وعلي بابا ورسوم الواسطي وغير ذلك من الأعمال الإبداعية التي تــَـرافـَـق فيها إيقاع التفكير مع إيقاع المخيلة الشعبية، وسمت على نفسها بقوة في الخلق رفعتها فوق اللغات واللهجات والحدود والأزمان والأجناس.

وبداهة لا يمكننا أن نتوقع مستقبلا عربيا لتوظيف التراث الشعبي توظيفا ديناميكيا في الأعمال الفنية الحديثة وهو خارج حصيلة المعارف التراكمية التي يتأسس ذهن الجيل الجديد عليها الآن. وإذا وضعنا جانبا التوظيف الاستهلاكي للإيقاعات الشعبية في الألحان الغنائية الحديثة وما تذهب إليه بعض المسلسلات الرمضانية المحلية في الخليج من استعارة ساذجة ومشوهة لبعض من القصص الشعبي وسير كبار الشعراء الشعبيين، فإن مجرد النظرة العجلى إلى حصيلة النتاج الفني العام في منطقة الخليج والجزيرة العربية خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الماضي ستبدي لنا المؤشر الدال على تراجع حضور المادة التراثية جزئيا أو كليا كعنصر من عناصر الإلهام أو الإسقاط أو التناص معها أو التعالق بها باعتبار أنماطها التعبيرية طرفا في التعبير عن واقع الشعوب وأحلامها الجمعية ، حيث لا شيء ذا بال يمكن أن يعلق بالذهن لعمل فني باهر أنتج خلال الفترة المشار إليها ووظف فيه التراث الشعبي توظيفا ذا قيمة إلا فيما ندر. ولا يمكن لنا أن نلوم جيلا مولعا بالإنترنت لبعده عن التراث الشعبي إذا لم يجد على الشبكة موقعا متخصصا واحدا يقدم نماذج من حصيلة الجمع الميداني الموثق للمادة الشفاهية التراثية في الوقت الذي تتوفر أمامه على الشبكة ذاتها وبامتياز خيارات التنقل بيسر وفاعلية بين فنون وآداب الأمم الأخرى الصديقة منها وغير الصديقة. كيف سيمكننا محاسبة الجيل الجديد من الأدباء على سبيل المثال عن هذا القصور في إنتاجهم الكثير المتجه بعيدا جدا عما نطمح إليه إذ “الملاحظ في الآثار الأدبية التي تنتقل من عصر إلى عصر أنها تكاد تكون محصورة في أدب الخاصة ، فالأدب الشعبي قلما ينتقل من جيل إلى جيل، ومن موطن إلى موطن، بالكمية والسرعة التي ينتقل بها الأدب الرفيع”1  فهو في جانب والتراث الشعبي لكونه رهن الإقصاء والتغييب في جانب آخر.

نقول هنا الإقصاء والتغييب بملء الفم وكأننا قد قمنا فعلا بواجبنا كاملا في جمع وتدوين وأرشفة مواد التراث الشعبي لهذا الإقليم أو ذاك وفق الأسس العلمية، وهو ما لم يتم بالفعل وبالقدر وبالكيفية التي يمكن بها أن يتاح لمن يطلبه على الأقل. وأرى أن من واجبنا جميعا قبل البحث في كيفية توظيف التراث الشعبي أن نجمع مواد هذا التراث وأن نعمل حثيثا على نشره بكافة السبل الممكنة، وأن نناضل من أجل تقريبه إلينا وأن نكسب له الحضور والشرعية والمكانة الثقافية اللائقة وأن نيسر للأجيال الطالعة مهمة الاتصال به والتواصل الدائم معه. من بعد ذلك علينا أن نبحث في أمر توظيف تراث نعرفه وعلى صلة به.

وإذا قبلنا، على مضض، بهذا الوضع المتردي للمادة التراثية في ذاكرة الجيل الطالع، وسلمنا به كحقيقة واقعة من حقائق وضعنا الثقافي الراهن فلا بأس من المضي لتلبية المطلوب من هذا البحث أملا بإمكان استعادة الوعي فيما يخص الأولويات في هذا المجال .

تأصيل مفهوم ( الاستلهام) .. لغة ً واصطلاحا ً:

حين نقف أمام عبارة (توظيف التراث الشعبي في الأعمال الثقافية والفنية) فقد يتبادر إلى الذهن بأن المقصود هو عملية (استحضار) المادة التراثية أو (اقتباسها) والاستفادة منها في الأعمال الفنية بشكل أو بآخر، بحيث ينتج في نهاية المطاف عمل فني ذو صلة بالتراث الشعبي، وإن كان ذلك على شكل قص ولصق Collage)) تجميعي، إلا أن الأمر كما نراه يختلف عن ذلك تمام الاختلاف، فالتراث الشعبي له رؤيته وفلسفته الجمالية الخاصة التي قد تختلف مع الفن كما هو سائد في زماننا، ولابد لعملية التوظيف أو الاستحضار هذه من أن تكون عملية إبداعية تضع الشذيرة (الثيمة) التراثية في بنيان التجربة الشعورية لتتألق في صورة جديدة ذات دلالات غير مطروحة. ولا يمكن لهذه العملية أن ترتفع إلى مستوى الفن العظيم إلا إذا تمثلت روح تلك المادة التراثية أو موضوعها، مما يجعلنا نتأنى كثيرا عند ملامسة عملية التوظيف هذه ونرجعها إلى جذورها المتصلة بعملية الإبداع الفني ونستبدلها بالمصطلح الأقرب المتداول في الخطاب النقدي الحديث وهو (الاستلهام) .

لا ترد كلمة (استلهام) في المعاجم الأدبية واللغوية القديمة والحديثة بالمعنى المتداول الشائع استخدامه في الدراسات الأدبية والنقدية المعاصرة، وترد معانيها بصفة حصرية في اشتقاقات جذر (لـ هـ م) من الإلهام (Inspiration) المتصل بالغيب أو بالقدرة الإلهية العظمى. وفي أغلب هذه المعاجم، إن لم يكن كلها، يأتي المعنى للدلالة على الطلب بالدعاء من الذات الإلهية أن تلهم أمرا، واستلهمه إياه: سأله أن يُـلهمَـه إياه  فهو (يَسْـتـلهــُم الله الرشادَ) و(استـلهم الله الصبرَ)، و»استلهم فلان الله تعالى خيرا: سأله أن يُـلهمه إياه»2 والمعنى في كل الحالات متصل بالإلهام وهو ما يعـرّفه لسان العرب بـ «أن يُـلقي الله في النفس أمرا يبعثه على الفعل أو الترك، وهو نوع من الوحي، يخص الله به من يشاء من عباده». وفي محيط المحيط «الإلهام مصدر ألـهَـمَ. وفي التعريفات: الإلهام ما يُـلقى في الروع بطريق القبض وقيل الإلهام ما وقع في القلب من علم وهو يدعو إلى العمل من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة وهو ليس بحجة عند العلماء إلا عند الصوفيين».3 وفي الدين الإسلامي: «الإلهام نور يقذفه الله في القلب،وعلم يحصل للمرء بالكشف، من خصائص الأنبياء والمصطفين، فيض من الله، وضرب من الوحي، وكان النبي محمد (ص) ُمـلهما من عند الله. والـوحـي هـو ما أنـزل على الأنبياء عن طريـق الرؤيـا الصادقـة»4، فيترادف هنا معنى (الاستلهام) المشتق من الإلهام مع معنى (الاستيحاء) المشتق من الوحي واللذين بهما يتوصل الفنان عبر مخاض شعوري إلى إبداع عمل فني جديد غير مسبوق.

ولقد بدأ الإلهام في تاريخ الحضارة الإنسانية مرتبطا أشد الارتباط وأوثقه بالدين، فعندما ترد كلمة الإلهام فإن التفكير يذهب مباشرة إلى الناحية الروحية من شخصية الإنسان ويتوغل بعيدا في عمق الذاكرة الثقافية فقد «ربط أفلاطون الشعر بقوى خارجة عن الطبيعة الانسانية عندما أكد أثر الإلهام في الشعر، وقد رفض أرسطو هذا المنطق تماما حين قال بأن الشعر مصدره أعماق الطبيعة الإنسانية».5 وتبقى هذه الجدلية محتدمة– نعني صلة الإبداع بالشعور واللاشعور أو بانثياله بتأثير خارجي أو بتحفيز داخلي أو بين الفطرة والصنعة– حتى اندفاق نظريات المنهج النفسي التي ُتماهي بين الشعور واللاشعور في صياغة المعمار الإبداعي. ويقول دي لاكروا في هذا الشأن:»إن للإلهام وجوده لكنه لا يكفي لتفسير الإبداع، وليست ميزة الفنان أن يقف مسلوب الإرادة  أمام وابل الإلهام، بل لعل ميزته الكبيرة أنه يستطيع أن يمسك بهذه الإشراقات ويتأملها.»6  ويتطرف إدغار ألن بو في هذه الرؤية حين يُعلي من شأن الشعور على حساب اللاشعور فيقول:»العملية الإبداعية خاضعة للتوجيه من الألف إلى الياء، توجيها مشعورا به يَحسِبُ فيه الشاعـر حساب كل صغـيـرة وكبـيـرة ويُـرتــّب لخطواته التالية.»7 وقد فرق كارل غوستاف يونج بين التفكير السلبي والتفكير الإيجابي وقال عن الأخير بأنه «العملية الحدسية التي تجري في مستوى ما تحت الشعور ولا يظهر في مستوى الشعور سوى نتائجها، وتتغذى من نفسها بنفسها، فكل مرحلة من مراحل التقدم الذهني تصبح مادة للمرحلة التالية حتى تصل إلى البنية النهائية.»8 ونستشف من تقسيم ديبلي للحدس بالخالص والراقي بأن الأخير يقترب من مفهوم الاستلهام لاسيما وقد عرّفه بـ «الفعل الذي نتبين فيه آثار التفكير الشعوري، لأنه حدس مشـيّـد على التجربة، يأتينا بعد أن نبذل جهدا، وينتابنا التعب دون الوصول إلى المبتغى، فنترك أمر المشكلة، وبعد فترة ما نفاجأ بالحل يبزغ في ذهننا ككل لا جزءا بعد جزء»9 ما يعني بأن الاستلهام ينحو المنحى ذاته. غير أنه يمكننا استخلاص ما يذهب إليه مصطلح الاستلهام في مفهومه المتداول في زماننا بأنه وجود تجربة شعورية حاضرة يمر بها الفنان وتلتقي بآثار تجربة تراثية مستقرة في الذاكرة وتتبادل التجربتان التأثر والتأثير، ويستثير هذا التفاعل بين التجربة الحديثة والقديمة نوعا من التوتر وعدم الاتزان وعدم الاستقرار النفسي يجعل من الفنان في مرحلة بحث استبصاري واستكشافي عن مدى التماهي والتوازي، المشابهة والاختلاف، التشابه والتضاد، التشاكل والتعارض، التماثل والتجاوز بين ما لديه من تجربة حديثـة وتلك التجربة التراثية القديمة. إن استحضار ترسبات الذاكرة لا بد هنا من أن يرتفع بما فيها من مجرد الحفظ والاستظهار إلى استخلاص الخبرة الفنية التي تغذي الملكة الإبداعية وتخصبها وتكون الأساس للتفاعل ما بين الموهبة وما في الذاكرة من مخزون بحيث يقود ذلك إلى حالة التأمل الاستغراقي التي يستمرئها الفنان خاليا وقبل إقدامه على الإنتاج الفعلي حتى كان من الملاحظ أن مخاض اللحظة الإبداعية لا يأتيه إلا وهو مستغرق فيما يشبه حلم اليقظة وهي تلك الـفـتـرة الواقعة ما بين الصحو والسكر تعـقبها لحظة الولادة الفنية . 10

ولا ندعي أن مصطلح الاستلهام رديف الإلهام في كل حالاته ولوازمه بل إنه رؤية معاصرة تتطلب قناعة راسخة بخطورة التراث عبر صلته المباشرة بالهوية، ويترتب على ذلك عودة واعية إلى فنونه وأجناسه الثرية من أجل إعادة صياغتها وتوظيفها، ويمكن النظر إلى الاستلهام على أنه بنية إبداعية ترتكز إلى الذاكرة الجمعية وما صاغته المخيلة الشعبية من رموز وإسقاطات فنية وأقنعة وصور ميثولوجية لتنشد من خلالها وبها السفر إلى آفاق مستقبيلة تارة ومواجهة مكابدات الراهن المعاش تارة أخرى، إنه حركة واعية ومتوازية بين الشعور الجمعي المخزون في الذاكرة الشعبية وهي الملكة الفكرية المشاعة وبين اللاشعور الشخصي وهو ملكة ثقافية خاصة .

 

تفاعل (الإلهام) و(الاستلهام) في العملية الإبداعية:

يمكن القول بأن الخطاب الإبداعي المعاصر قد أتقن عملية استلهام التراث كمادة معرفية ومنجز إنساني لا بوصفه ركاما مـرمّــدا يحمل سكونية الماضي ورفض التعامل معه على انه أمر واقع واجب الانحباس داخل قدسيته، وعلى هذا الأساس خطف المبدع المعاصر تأثير التراث إلى الذات، لتكون الذات المبدعة في تنقيب واع عن تراثها ضمن أكداس التراث، ويكون لها من بعد، أفق واضح تبلور منه رموزها الشخصية، وتبدع كذلك أساليب تجلي التراث في الهيكل الإبداعي على اختلاف أشكاله. ونـظـرة خاطفة إلى الأنساق الشعرية- على سبيل المثال- في مرحلة الرواد وشعراء ما بعد الرواد نكتشف وببساطة الاستلهام الواعي للتراث ولاسيما الأسطوري والتاريخي وعبر أسماء لمعت في سماء الحركة الإبداعية ولعل الأبرز بين هؤلاء أدونيس الذي خلع اسمه (علي أحمد سعيد) ليتقلد اسما ذا أبعاد أسطورية يعي الشاعر دورها في ذاكرة التلقي، ولو أصغينا لحديث الشاعر أمل دنقل وهو يجيب عن مسوغات استـلهام التراث في واحدة من مقابلاته الصحـفـيـة بما يلي:».. إنه جزء هام من تطوير القصيدة العربية .. و .. يلعب دوراً هاماً في الحفاظ على انتماء الشعب لتاريخه، ولكن يجب التنبه إلى أن العودة للتراث لا يجوز أن تعني السكن فيه، بل اختراق الماضي كي نصل به إلى الحاضر، واستشراف للمستقبل. لقد تأثرت في بداية حياتي بالتراث الإغريقي، وكتبت أيضاً قصائد استلهمت فيها التراث الفرعوني، ولكن تواصلي مع الناس لم يـبـدأ إلا عندما استـخـدمت التراث العربي.»11  ويضـيـف الشاعر في مقابلة أخرى:» .. أنا أواجه مشكلة انك شاعر قومي توصل قيماً قومية داخل الإنسان، من بين القيم القومية الانتماء التاريخي، ولكي يحس فرد ما أنه منتم تاريخياً، لابد أن تذكره بأساطيره وتاريخه وتراثه.. وبطريقة فنية، فأنا أستخدم الأساطير والتراث الفني ليس فقط كرموز، وإنما أيضاً، لاستـنهاض أو لإيقاظ الـقـيـم التراثية والتاريخية في نفوس الناس.» 12 ومما لاشك فيه أن استلهام الموروث يمنح المبدع وتجربته الشعورية هندسة مدهشة، ففيها تندمج (الأنا) بـ (النحن) أي الذات بالجماعة لنتحصل على نتاج جمالي فذ يرتكز على استيعاب الحقيقة التي ُيتقاسم فيها الإيقاع الفني بين المبدع والذات الجماعية باعتبار أن التجربة تعود ملكيتها للآخرين لا لصاحبها وفردانيته. وربما تحضر ذاكرة التلقي بوصفها بؤرة المنتج الإبداعي المستلهم  فهي تتحرك أفقياً وعمودياً بين المنصرم والراهن وهي حركة تفجر في مخيال التلقي اللهفة إلى استشراف الآتي. زد على ذلك أن جوهر الاستلهام يشحن المنتج الإبداعي بطاقة خيالية هائلة تمنحه حرية هندسة الأمكنة وتشكيل الأزمنة المتسقة مع منطق الموروث الشعبي من جانب ومن جانب آخر فإنه ينأى بالنسق الإبداعي بعيداً عن سلطوية الذات وتغييب للغنائية والتقريرية التي «أورثت الملل في المتلقي وهو يستقبل مواقف مكررة ترسخ المباشرة في موقف المبدع أو موقعه إزاء موضوعه. ولا نشك في أن ما نسميه وعي التلقي  كان وراء الهجرة إلى الماضي، متجلية في تكريس التراث إنسانياً وقومياً ووطنياً، فلقد أصبح المبدع المعاصر على يقين بأن صلة المتلقي بنتاجه تضعف وتنقطع»13 كلما تمادى في الغموض والإبهام ليصبح نتاجه مجرد أحاجي ورموز مغلقة أو كلما أوغل في المباشرة والخطابية والشعارات، لأنه ليس هذا ما يريده المتلقي المعاصر من الإبداع.

 

الذاكرة الفردية و الذاكرة الجمعية ودور الكمون أو الاختمار:

من المهم النظر بعناية إلى دور عملية اختمار مفردات وعناصر المادة التراثية في الذاكرة الجمعية بصفة عامة وفي ذاكرة المبدع بصفة خاصة، إذ يعد هذا الاختمار محوريا في عملية الاستلهام وفي عملية الإبداع ككل، حيث يشكل مخزونا تراكميا تم تحصيله منذ وعي الذاكرة الأول وتنامى مع التنشئة ثم قام المبدع بهضمه واستيعابه وإعادة إخراجه مخرجا فنيا يحمل تهويماته وانفعالاته وينم عن قريحته وما اختص به من ذكاء يؤهله للإلمام بالمعنى والتفنن في عرضه وصياغته. وما تختزنه ذاكرة الفنان لا يظل في مرحلة اختماره جامدا بل هو دائما في حالة نمو وتطور، ويقاس الاقتدار لدى الفنان بمدى الخصوبة والتدفق العاطفي وتأجج القوة الخلاقة والإبانة عنها فضلا عن المرونة الذهنية والانفتاح على ذوات الآخرين وعدم الانغلاق على الذات والنهل فقط من الموهبة الفطرية التي ستظل فقيرة من دون تنمية الخبرات، كما حاول توفيق الحكيم أن يطلعنا في كتابه (زهرة العمر) على مدى ما عانى من مشقة في سبيل إعداد نفسه كفنان، فأساس إنتاج أي عمل فني هو معرفة صاحبه بالعالم، وهذه المعرفة هي ركيزة تأويل هذا العمل من قبل المتلقي أيضا، هذا المتلقي الذي «لا يستطيع أن يتذوق العمل الفني العظيم إلا إذا كان من أولئك الذين لا يقعدون عن بذل الجهد العظيم في سبيل الثقافة الشاملة العميقة، الثقافة الإنسانية بوجه عام، والفنية بوجه خاص.»14 ولتلك الخبرة الاختمارية التراكمية صفة الحياة فهي لا تضاف إضافة إلى المرء وإنما تولد لديه وتمر في أطوار النمو صعودا حتى التوهج ومن ثم التضاؤل والذبول والموت «إن الخبرات كائنات حية بكل ما في الكلمة من معنى ونحن نستخدم هنا  لفظ  خبرة، ولا نستخدم لفظ فكرة، ذلك أننا نعني بالخبرة  ثلاثة أشياء أساسية هي أولا: الأفكار، ثانيا: العواطف، ثالثا: المهارات اليدوية والاجتماعية.»  15

إن الاستلهام ليس ولادة تلقائية، ولكنه توليد موجه يقوم على الذكاء وحسن التصرف والوعي بالأصول الفنية، فالمبدع هنا لا ينهل فقط من طبعه الفطري، ولا يظل مسلوب الإرادة انتظارا لأولياته من الإلهام، ولكنه يتلقى أولا ويحفظ وتتلاقح محفوظاته لتتمخض في عمل خلاق عن صورة مبتكرة غير مسبوقة تنم عن طبعه ومزاجه ونـَـفـَـسِه الفني الذي عرف كيف يَجُوس خلال المعاني التراثية التي يغترف منها ويستنبط منها معاني غير التي أرادها مبدعوها، قد يجاورها أو يتجاور معها ثم يتجاوزها في بنيتها النوعية إلى بنية نوعية مغايرة تنطوي على إنتاج أو تكوين دلالات جديدة .

ويمكننا تلمس مفاصل الاستلهام الأساسية من خلال تقصي واقع المادة التراثية المستلهمة (جذورها – أصولها – منشؤها البكر– مكوناتها الإبداعية) وكيف تم تشكيل عمل إبداعي جديد على تخومها القديمة وفي إقامة علاقات جدلية بينهما تتجلى من خلالها خصوصية العمل الفني الجديد وتفرده وتمايزه، بوصفه عملا فنيا قائما بذاته ينطوي على سماته الخاصة ومكوناته الذاتية في بنيته النوعية، وعندئذ تصبح المادة التراثية قناعا استعاريا موازيا أو مناسبا تماما لعملية الاستلهام التي قد تضيف بعدا دلاليا لموضوع أو لمجموعة من المشاعر والأحاسيس أو تورية بلاغية إزاء الراهن الواقعي أو ضربا من المحايلة أو المخاتلة للالتفاف حول المسكوت عنه تقوم على الفطنة في الترميز واختيار الأسطورة والأقنعة الشعبية التي تقول بالتلميح ما لا تقول بالتصريح  . ويعول هنا على مدى إسهام المادة التراثية المستلهمة في توليد نصوص أو أشكال أو حركات إبداعية جديدة، ومدى إسهام  ذلك العمل الإبداعي الجديد في إبراز المادة التراثية ذاتها وتفجير معناها الظاهر والخفي وإعادة إحيائها واستيعاب طرحها الجديد والتفاعل مع معطياتها في زمن اندثار التراث الشعبي.16

ولا بد هنا من التفريق ما بين استلهام حيوي (ديناميكي) للتراث الشعبي قوامه في الأساس علاقة جدلية فاعلة وليست منفعلة فقط.. يأخذ بقدر ما يعطي محاورا ومتجاوزا في علاقة أصيلة تأخذ منطوق التراث الشعبي وصامته، تلامس سطحه وتحفر في أغواره.. تترجم غيابه حضورا وسكونه حركة وما ضيه حاضرا ومستقبلا، علاقة تتدخل في وجهة هذا التراث وتجعله يسير في اتجاه ما هو إنساني وحيوي وعقلي وعلمي معاصر، هذا التفريق لا بد وأن يكون واضحا ما بينه وما بين استلهام سكوني (استاتيكي) استنساخي، إذا جاز لنا التعبير،  يقوم باستحضار مجاني للمادة التراثية دون دلالة تفاعلية لتكون إما عالة على العمل المستحدث وإما أن يكون هذا العمل متطفلا على مائدة التراث الشعبي الذي يأتي توظيفه هنا إما لسد فراغ أو لاستجداء شكل من أشكال الفرجة أو قيمة من القيم التراثية ذات المكانة الخاصة لدى المتلقي .

 ومن المسلم به أننا لابد وأن نـنـحّـي جانبا عن عملية الاستلهام تلك الأعمال الفنية التسجيلية التي تقوم بتشكيل أو نقل أو مسرحة مظاهر الحياة الشعبية أو تصويرها أو تسجيلها بغض النظر عن الهدف من عملية التسجيل هذه، كالأعمال العديدة البارعة لعدد كبير من التشكيليين المحليين الذين أولعوا بتصوير لقطات من الأحياء الشعبية القديمة وتجسيد بعض الشخوص وأصحاب المهن الصغيرة فيها، إلى جانب أعمال الفرق الغنائية الشعبية الأهلية منها والرسمية التي ما تزال إلى اليوم تحاول تقديم الفنون بتحويرات شكلية تـقـتـضيها المسرحة أو التسجيل التلفزيوني.

إن دور هذه الفرق كان وما يزال دورا مهما في مجال التسجيل، فقد أسهم في حفظ بعض أصول تلك الفنون وساعد على تـنـاقـلها وعدم ضياعها، وكانت عروضها محفزا مهما للذاكرة الجمعية وعنصر جذب لطرح العديد من التساؤلات حول وظائف تلك الفنون في زمانها.

 

الأصالة في استلهام التراث الشعبي:

وإذا كان الإغريق الذين وجـدوا في تـراثـهم الأسـطوري واجهة للعقيدة الدينية 17 قد وضعوا معايير لاستلهام هذا الموروث المقدس أوضحها أرسطو ومن تبعه، فإن الاستلهام وكما تبناه هذا البحث يتطلب فيما نعتقده جهدا واعيا باتجاه ترميم الأصل التراثي وتأمله ليعيد المخيال الإبداعي إنتاجه في قوالب أدبية متنوعة نشهد من خلالها حركة دائرية لأنساق الموروث الشعبي، فمن الفضاء الجماعي إلى الفضاء الفردي الذي يستل شذيرة (ثيمة) فولكلورية ليصهرها في بوتقة التجربة الشعورية ومن ثم قدرة هذه (الثيمة) على إفلات النص وانفلاته من الفردانية إلى حميمية الجماعة التي يجانس بينها عبق الموروث الشعبي، وعملية إعادة الصياغة هذه تجعل الفنان - الذي يقتنع بالاستلهام - أمام معادلة أحد طرفيها الأصل التراثي والآخر العمل الإبداعي الجديد وهنا لا ينبغي أن يطغى أحد طرفي المعادلة على الآخر، فإعادة صياغة التراث الشعبي في ذاكرة المبدع كما هو عليه وبأمانة علمية هو الخطوة الأولى التي تأتي بعدها خطوة الاستلهام كما نفهمه، فضلا عن أن الإسراف في المعاصرة بحيث يغـيَّـب التراث فلا نلمح منه إلا أطرافا ًلا أثر لها في العمل الإبداعي المستلهم تجعل هذا العمل لا ينتمي إلى التراث وإنما إلى ما يستجد في عصره من الأجناس الأدبية، وأحسب أيضا أن عملية الانتقاء الواعي ضرورة لامناص منها إذ المعروف أن خزين التراث الشعبي يشبه اللاشعور كما عبر عنه يونج حيث تختلط فيه التجارب وتتكدس بحيث يغيب المنطق وحدود الزمان والمكان وهنا يأتي دور الانتقاء الواعي الذي يستبعد الجانب السلبي والمعتم في التراث وهو غير بعيد عن أذهاننا حيث ينفذ منه أعداء التراث الشعبي كالشعوذة وضروب السحر الأسود وما يشاكل من طقوس وأفكار لسنا بصدد استعراضها.*

وكلنا يتساءل في الخليج العربي لماذا يشدنا المسلسل التلفزيوني الكويتي (درب الزلق) كلما عرض، على الرغم من أن الجميع قد شاهده عند بداية أو منتصف السبعينيات لأكثر من مرتين على الأقل، وحاول استعادة حلقاته لمرات حتى أنه ما يزال يعاد عرضه عبر الفضائيات إلى ما قبل أشهر؟!  وهو مسلسل لا يستلهم مادة محددة من التراث الشعبي ولا يتكئ على أي بعد من أبعادها وإنما يتناول في حكاية مستحدثة حياة عائلة بسيطة في مرحلة ما قبل الطفرة النفطية في المجتمع الكويتي وكيف تداهمها التغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتؤثر على أفرادها وعلى الآخرين من حولهم. إن سر انجذابنا حسبما أراه،  ليس في القصة ولا في الفكاهة وتألق نجوم الكوميديا الكبار في الأداء فقط وإنما كون المسلسل قد نجح في المواءمة ما بين (الثيمات) التراثية لنقل روح الحياة الشعبية الصميمة في المجتمع الخليجي وبثها في كل الزوايا مع إتقان تجليها في كل لقطة من لقطات ذلك العمل المتميز، وجعلنا لا نمل من استعادته، ونشعر إلى أبعد حد بالانتماء إلى الحكاية والتعامل مع شخوصها بتعاطف وحب إلى الدرجة التي ظلت فيها أسماء الأبطال في المسلسل عالقة بشخوص الممثلين إلى اليوم.

 

قصور الوعي بثراء الثقافة الشعبية:

لعله من البديهي أن نورد هنا بأن الرؤية المتدنية للتراث الشعبي لا يمكن أن تثمر عملا إبداعيا يرقى في استلهامه إلى مستوى الأصل التراثي الخالد، إذ أن أي خطوة باتجاه الاستلهام تتطلب قناعة عميقة بأن التراث ليس كتابا قديما لم نعد نقرأه أو بيتا عتيقا يجب نسفه وإنشاء عمارة جديدة مكانه18، لاسيما وأن هذه الرؤية قد شكلت ظاهرة ثقافية تبنت النظرة الطبقية المتدنية للتراث بوصفه نتاجا للطبقات الشعبية (العامة أو السوقة) ولم تأنف من تسميتهم بالرعاع والغوغاء لتسقط بذلك أدباً غنياً بالتنوع الفني والمواقف السياسية والاجتماعية والنفسية والعقائدية، وهي بذلك تعيد إلى الذاكرة ملامح التعالي الأكاديمي المتكئ إلى أرضية شاسعة من النرجسية الفكرية واليأس، وأصحاب هذه الرؤية بإحساسهم المغالي بامتلاك الحقيقة إنما يعلنون عن نخبوية الثقافة وانفصالها الحاد عن الفئات الأوسع في المجتمع، ويتأكد هذا من خلال ممارسة الوصاية الفكرية على المجتمع برمته وتحت مظلة حراسة الهوية وهي مظلة لا تقدم البدائل وإنما تشير فقط بأصابع الاتهام إلى التراث بوصفه نسقاً ماضوياً لا يتجانس مع انتكاساتنا السياسية  الراهنة .

وبالرغم من الاجتهادات الفردية العديدة التي قام بها المهتمون بهذا المجال لنشر الوعي بقيمته على مدى سنوات طويلة منذ أن أطلق توفيق الحكيم صيحته الأولى عام 1920 ملفتا النظر إلى أهمية التراث الشعبي، إلا أن هذه الجهود، على محورية عطائها ودورها التاريخي، تظل قاصرة في نشر الوعي بثراء المادة التراثية على النطاق الأوسع في الوطن العربي وتحريرها من كونها مجرد ديكور في المنازل والمطاعم وتوفيرها موثقة ونقلها لتكون مادة للدرس والتحليل والحضور الحي في الذاكرة. ومما يؤسف له أن مثل هذا الدور لا يمكن للأفراد القيام به وهم نثار مبدد، حيث يتأتى ذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني الثقافية ومراكز البحث العلمي ذات الكفاءات البحثية المتخصصة والقدرات المالية المتوفرة، وهي إن وجدت في وطننا العربي فلا تلبث أن تسري إليها أمراضنا السياسية والثقافية والاقتصادية، فإما أن تنتكس أو تتراجع أو تخيب، مما يعطي الذرائع لتهميشها وإغفال دورها، فتظل عالة على موازنات الدول إلى أن تضمحل وتموت، كما حدث مؤخرا مع مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي أغلقته الدول المؤسسة عام 2005.

ويبدو أن الخسران سيلازم مادة التراث الشعبي على المدى البعيد قبل أن تحتل مكانتها الطبيعية، فمنذ متى والمنادي ينادي بأهمية هذا الجانب الغني في ثقافتنا العربية؟! وكم من مؤسسة أهلية ورسمية تنادت للقيام بأعمال الجمع الميداني ثم تراجعت؟! والمادة الغنية في اضمحلال وضمور بفقدان أصولها ورواتها، ونشعر كلما مر عام بأننا نبتعد شيئا فشيئا لتصبح هذه المادة مجرد ذكرى في أذهان أجيال ترحل تباعا. فالجيل الجديد في عجلة من أمره  ولن يلتفت إلا إلى ما هو متاح ومتوفر بين يديه بأيسر السبل، وهو في طريق الانقطاع عن التفاعل مع خصوصية التراث الشعبي واستلهامه والسعي ربما إلى تراث آخر أكثر حضورا. وقد تبدو صورة هذا الانقطاع قاتمة إلا أنها ماثـلة بقوة في وجدان وضمير جيلنا الذي يراها أقرب ما تكون إلى الحقيقة «إن سبب الانقطاع إنما يكمن في القلب الذي لم يعد يؤمن والذي لم يعد يخفق وفي الروح التي هجرها النور»19

إشكالية إقصاء التراث الشعبي وتغييبه:

ولأن التراث الشعبي هو السجل الثقافي الحافل بتجارب الإنسان ومعتقداته وطقوسه والرصيد الأدبي الذي يعطي للأمكنة هويتها. فمن المؤكد أن الحركة باتجاه إلغائه تأتي متنوعة ومختلفة الأغراض، ولعل الناظر إلى تراثنا الشعبي، بما يحمل من طابع يميز المنطقة، يستشعر بأنه تعرض ويتعرض لحركتين من الإقصاء تستندان إلى عزوف الجيل الحالي عن القراءة والتصاقه بالمعرفة السهلة والثقافة المسطحة، تنبع الحركة الأولى من الخارج إذ تفرضها وسائل الإعلام العملاقة وتطلع علينا في أكثر من وجه للغزو الثقافي وبطشه بالمحلية وحفريات العولمة التي تكسر بمعاولها خصوصياتنا وملامحنا اللصيقة بالمكان واختلاجاته وتعمل على تفكيك ثقافتنا الوطنية وليكون العالم قرية صغيرة - نعم، ولكن بملامح غريبة عن معـتـقداتنا وقيمنا -  وتنطلق الحركة الثانية - وهي الأشد خطورة - من الداخل وترفع لافتات تدين التراث بحجج الاتباع والتخلف والبقاء على القديم والبالي، بل إنها تذهب بعيداً حين تؤدلج مزاعمها فتؤطر العودة إلى التراث بإطار استعماري وتعلن بأنه ردة ثقافية تضع الثقافة، التي يجب أن تواكب الغرب الأوربي في أطروحاته، تحت عمامة التخلف وتعيد الأمة التي ما لبثت أن خرجت من قوقعتها المحلية إلى الانحطاط، حتى أن أحد دعاة هذه الحركة قال “إن رباطنا بالتراث الإسلامي في واقع الأمر قد انقطع نهائياً، وفي جميع الميادين، وإن الاستمرار الثقافي الذي يخدعنا لأننا مازلنا نقرأ المؤلفين القدامى ونؤلف فيهم إنما هو سراب. وسبب التخلف الفكري عندنا هو الغرور بذلك السراب، وعدم رؤية الانفصام الواقعي، فيبقى حتماً الذهن العربي مفصولاً عن واقعه، متخلفاً عنه بسبب اعتبارنا الوفاء للأصل حقيقة واقعة مع أنه أصبح حنيناً رومانسياً منذ أزمان بعيدة.”20 ولعل هذه المقولة تعيد إلى أذهاننا جذور الاستهانة بالتراث الشعبي إذ يلتفت أحد الباحثين إلى هذه المسألة قائلا:”رحم الله مفسري كتاب الله فمنذ قعدوا التفسير، فقد جنح بهم تعصبهم للإسلام إلى الميل عن وثنيات الجاهلية ظانين أن صنيعهم هذا رفعا لكلمة الله وما كان في القرآن قط دعوة إلى ذلك ولا حض عليه، وإنما كان فيه بيان رصين لحياة اجتماعية متطورة، ولم يشذ خلفاء هؤلاء عن هذا الاتجاه العام، فكانت كتاباتهم - بخاصة ما يتصل بالقصص القرآني- عملية طمس، ووصف كل ما جاء في تراثنا عن العرب الأول بأنه من الإسرائيليات على سبيل التهوين مع أنه في الحق من البابليات أو من عربيات تدمر وعُـمـان.”21 وفي ذلك إشارة خفية إلى طبيعة الحركة الشرسة التي أطاحت بهذا الخزين المعرفي الذي يعكس المسار الثقافي للإنسان العربي، وقد أدى هذا التغييب الواعي إلى ارتباك التأويل النقدي وحيرته إزاء النصوص الشعرية الجاهلية المستلهمة من التراث الشعبي إذ بقيت عصية المنال، ويمكننا القول إنها صارت  قوالب لغوية مفرغة من محتواها. والجدير بالذكر أن بعض المصادر تورد:”أن الرسول الكريم (ص) قد استمع إلى حكاية (الجساسة والـدجـال) رواها له تـمـيـم الـداري - وهو أول قاص في الإسلام -  وقد استأذن عمر بن الخطاب فكان يقص في يوم الجمعة بعد الصلاة وأذن له عثمان بن عفان أن يقص يومين في الأسبوع بدلاً من يوم.” 22 

وهناك نظرة أخرى يمثلها صراحة أو ضمناً الدكتور محمد عابد الجابري والقائمة على المفهوم الفكري للتراث المكتوب، أو كما يقول، على “الجانب الفكري في الحضارة العربية الإسلامية:العقيدة والشريعة واللغة والأدب والفن والكلام والفلسفة والتصوف. “ 23

ويقول الزواوي بغورة في معرض مناقشته لهذا الطرح “يلغي هذا التحديد  (التراثات) الأخرى ولا يهتم إلا بالتراث الفكري والمكتوب، ويتفادى التراثات المنسية أو المهمشة أو المنحطة كالتراث الشعبي وتراث الأقليات. وباختصار: التراث المسكوت عنه، بالرغم من أن الهدف المعلن عنه من جانب الجابري يتمثل في دراسة ونقد ما يسميه بالعقل العربي المنظم للثقافة العربية أو أبستمية الثقافة العربية. فكيف تتم مناقشة العقل في ثقافة معينة عن طريق استبعاد مجالات ثقافية مشاركة في التأسيس والتنظيم لما يسمى بالعقل العربي؟!)24

وقد يمر وقت طويل من دون أن يجد هذا التساؤل جوابا.

 

أبعاد المنجز الإبداعي في استلهام التراث الشعبي العربي:

يقول الشاعر الإنجليزي جون درايدن في تمهيد لإحدى قصائده: أول نجاح لخيال الشاعر هو الابتكار أو العثور على فكرة .

وما يذهب إليه الشاعر ينطبق على مختلف الفنون الإبداعية، وعلى مدى القرون الماضية تلتمع بعض تجارب الاستلهام لتعطينا دلالات مشعة على قدرة التراث الشعبي في التفاعل مع الإلهام في عملية الإبداع الفني. وليس هنا بالطبع مجال حصر كل الأعمال الإبداعية العربية التي حققت منجزا خالدا في استلهام الموروث، وحسبنا أن نتمثل هنا الأبعاد التي وصل إليها بعض النماذج الاستلهامية التي يؤرخ لنجاحها وانتشارها وتخطيها الحدود الإقليمية والقومية لتصل إلى مستوى العالمية منطلقة من تلك الجذوة الشعبية .

وإذا شئنا الاقتراب من استلهامات الموروث في الخطاب النصي فلابد أن نذكر على سبيل الاستدلال الحكاية على لسان الحيوان التي نسبها بعض الباحثين إلى أصول فرعونية أو هندية أو سومرية ورأى بعضهم الآخر أن ايسوبوس الإغريقي (620 - 564 ق.م) هو أول من نسق هذا النمط من الحكاية 25 وحين جاء ابن المقفع الأديب العربي ثقافة والفارسي أصلاً وكتب كليلة ودمنة فإنه تمثل هذا التراث عن الحكاية على لسان الحيوان واستلهمه باتجاه آخر مختلف إذ حمّله إيحاءات سياسية لا تخفى إيماناً منه بصعوبة الوقوف في وجه الخليفة المنصور آنذاك، صحيح أن الباحثين يعدون صنيع ابن المقفع ترجمة عن الأصل الهندي والإضافات الفارسية لكليلة ودمنة، بيد أن ما وصلنا  بأسلوب عربي مشرق وبصياغة سردية متقنة محملة بدلالات ترمـيـزيـة لا يـبدو كذلك لاسـيما وأن الأصل الـهـنـدي قد ضاع. 26

ويقر لافونتين بفضل ابن المقفع في استلهامه الحكاية على لسان الحيوان بالاتجاه نفسه الذي سار فيه ابن المقفع وبوعي منه، فالحكاية لديه هي مجرد جسم ويكون المعنى التربوي أو الأخلاقي هو روحه.27 ولا يبتعد الشاعر العربي متعدد المواهب أحمد شوقي عن هذا النمط من الاستلهام إذ يخصص جزءا من ديوانه الواسع للحكاية على لسان الحيوان والمضمخة بعبير الدلالة ولاسيما الدلالة السياسية وليس أدل على ذلك من قصيدته (الديك الهندي والدجاج البلدي) التي يطرح من خلالها تنمية الوعي القومي لدى المواطنين إلى خطر الغفلة والسذاجة في علاقتهم بالأجنبي الدخيل، وكانت تلك قضية شائكة في عصره على حد تعبير محمد غنيمي هلال .

وفي دراسته حول أنماط من التناص الفولكلوري في أعمال توفيق الحكيم المسرحية يقول محمد رجب النجار “شرع الحكيم منذ البداية وفي إطار مشروعه الإبداعي يستلهم الأدب الشعبي بكل أنماطه التعبيرية، من أساطير وحكايات ونوادر وأغان شعبية... إلخ؛ استلهاما جزئيا أو كليا في معظم أعماله الإبداعية، المسرحية والروائية، على نـحـو ما هـو مـعـتـرف به بـين نـقاده ودارسـيه على نـحو مـن الأنـحاء.”28 ويسعى النجار في دراسته تلك إلى الكشف عن تجليات النص الشعبي  الذي يضع له مفهوما شاملا يعني كل أنماط الإبداع الشعبي الشفاهي والمدون التي تنطوي عليها الثقافة الشعبية المتمثلة في الكلمة والنغمة والحركة وتشكيل المادة؛ ابتداء من الإبداع الأدبي كالملاحم، والتمثيل الشعبي، بما في ذلك الأراجوز وخيال الظل، والحكايات الشعبية والأمثال والعبارات الدارجة والمسكوكات اللغوية والألغاز الشعبية وانتهاء بجماليات الطقوس والمعتقدات والعادات والتقاليد والمعارف الشعبية مرورا بجماليات التشكيل الفني والتعبيري والحركي كالرقص والألعاب والرسوم الجدارية واللوحات الشعبية.. وما إلى ذلك .

ويذهب النجار إلى تحديد مستويات الكشف عن تجليات استلهام النص الشعبي وأكثرها أهمية في تلك التجربة الرائدة وهي “المستوى الموضوعاتي، والمستوى التجريبي، والمستوى النوعي أو التأصيلي، وهو البحث عن قالب مسرحي عربي الهوية، والكشف عن تنوع أنماط التناص الفولكلوري في النص الحكيمي، على نحو يلقي ضوءا جديدا لأول مرة، ليس لأن الأدب الشعبي عند الحكيم رافد من روافد التجربة الإبداعية فحسب، باعتباره إطارا للنص المسرحي أو قناعا تتشكل من خلاله أو تتجلى به رؤية الحكيم للعالم، بل هو- في الوقت نفسه - محفز إبداعي نشط أيضا على المستويين البنائي والوظيفي أو التركيبي والدلالي بما هو حافز لبناء الوقائع وبما هو حافز لتنشيط الدلالات في آن.“29

وقد قامت شهرة الأديب القاسم بن محمد بن عثمان الشهير بـالحريري (1054 – 1122) على مقاماته الخمسين التي كتبها تقليدا لبديع الزمان الهمذاني ( 969 – 1008) وصور فيها شخصيتين: الحارث بن همام الراوية، وأبا زيد السروجي السائل الذي يعرف كيف يسلب الناس أموالهم بجمال منطقه، ويبين فيها كل خصائصه الأدبية، وما يتعمد من ألفاظ غريبة. ولقيت هذه المقامات شهرة  ذائعة في حياة مؤلفها، ما زالت تتمتع بها، حتى ترجمت إلى لغات  أوروبية كثيرة واحتذاها الأدباء بعده ونشرها المستشرق دي ساسي مع تعليقات هامة .

وقارىء هذه المقامات على ما فيها من ألفاظ غريبة وسجع ثقيل وتلاعب بالألفاظ مما هو غير مقبول في زماننا ينكشف له، من خلال حكايات الراوي وما بها من وصف للتجوال في المدن والأحياء الشعبية ومن سرد لما يلاقيه السروجي من أحداث ومشاكل ومواقف ومفارقات، الكثير من مظاهر الحياة الشعبية في تلك الفترة الزمنية. ومن بعد مرور مائة عام على تلك المقامات جاء الفنان يحيى بن محمود الواسطي وهو مزخرف عراقي قرأ مقامات الحريري وبزّ أقرانه من المصورين والمزوّقين المسلمين في استلهام أجوائها وأشكال شخوصها وتصوير مشاهد لأحداثها والأدوات والمعدات والحياة العامة للطبقات المختلفة في كتبها وذوقها في ذلك العصر، وقد نجح هذا الفنان في التخيل وفي استخدام الألوان والفراغات وخلق عالما تشكيليا جديدا من تلك المادة المكتوبة ظل ُيتداول كأثر نادر  لفنان غير عادي قياسا لزمانه والظروف المحيطة به. وتستقر الآن في المكتبة الأهلية بباريس أعظم مخطوطة من مقامات الحريري، الواسطي حوالي عام 1237 هـ .

قد يبدو صنيع الواسطي في زماننا هذا عملا استلهاميا عاديا إذا أجلنا النظر في الأعمال التشكيلية العديدة التي يَـستلهم فيها الفنانون التشكيليون السرديات والأشعار الحديثة ويبرعون في تصويرها أية براعة، إلا أننا في حالة الواسطي أمام عمل استلهامي ابتكاري له ريادة في تاريخ الفن التشكيلي العربي، فيه قدر كبير من الجرأة والثقة في الاعتماد على مخزون الذاكرة واستخدام المخيلة إلى جانب اتقاد الفكر وخصوبة الخيال في العثور على أول خيط في نجاح عملية الإبداع وهو الفكرة، كما قال درايدن في السطور القليلة السابقة، خصوصا إذا تصورنا وضع هذا الفنان في زمانه محاطا بالنظرة الدينية المتحفظة تجاه تجسيد الكائنات الحية والتي  تحرم التصوير، وتنظر إلى تجسيد الكائنات الحية على الورق مروقا عن الدين، حيث ظل الفن التشكيلي في الحضارة الإسلامية فنا زخرفيا وظيفيا وجماعيا بمعنى أن دور الفنان الفرد فيه غير ظاهر وأن الأعمال الزخرفية على الورق والمسطحات الجدارية كانت تقوم بها مجموعات من الحرفيين المهرة بقيادة أستاذ(معلم)، وقلما وصل إلينا عمل فني من تلك الأعمال منسوبا إلى مبدعه الفرد، وينسحب ذلك حتى على تزيين وتذهيب الكتب بالزخارف النباتية من قبل المزخرفين وكانت مكانة الخطاط في المجتمع أرفع بكثير من مكانة المصور فجاء عمل الواسطي ليلفت النظر بقوة إلى أهمية التصوير وتجسيد المقروء أو المسموع .. المحسوس أو المتخيل إلى عمل فني مادي ذي أبعاد وألوان ومعان. وتعتبر هذه التجربة الإبداعية في استلهام التراث الشعبي تجربة متفردة وعلى درجة كبيرة من الأهمية في تاريخ الفن التشكيلي العربي، وكأنها ضوء باهر في ظلام دامس فلا توجد قبلها - حسب علمنا - تجربة مسبوقة في مجال التشكيل (وظلت هي الأبرز في تـفـردها حتى الثلاثـينيات والأربعـيـنيات من القـرن الماضي.) 30

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى ذلك التيار الفني في حركة الفن التشكيلي العربي وهو تيار الحروفية الذائع الصيت الذي يقرب من أن يكون مدرسة فنية اعتمدت استلهام الحرف العربي الذي يعد عنصرا من عناصر الزخرفة الإسلامية المميزة والذي ظل عبر التاريخ بأنواعه وأشكاله الإبداعية مجالا لإظهار المهارة الفائقة في الجمع ما بين الالتزام بالأصول الفنية التقليدية الصارمة وما بين ابتكار علاقات جديدة بين أشكال الحروف ذاتها والتي جاء تيار الحروفية الحديث من خلال استلهام مدروس ليفجر طاقات وأشكال وعلاقات جديدة في إمكانيات إعادة تشكيل الحرف العربي ليعطي دلالات معاصرة، أبعد بكثير من الوظيفة الكتابية والدلالة  الزخرفية التي وظف الحرف أساسا من أجلها، في بُعد جديد لم يكن ليخطر ببال أساتذة الخط القدماء.

هذه مجرد نماذج لما أمكن أن يحققه المنجز العربي في استلهام التراث من أبعاد، عرضناها أمثلة للتدليل على الأفق الذي يمكن أن يذهب به الاستلهام والفضاءات التي قد يقود إليها .

 

حدود المنجز الإقليمي في استلهام التراث الشعبي:

سيكون من غير المنصف لهذه المقالة، أن تتناول بالتقييم في عجالة الأعمال العديدة التي حاول المبدعون العرب في منطقة الخليج والجزيرة العربية أن يستلهموا فيها التراث الشعبي، فهو بلا شك موضوع مهم أسهم فيه حسب تقديرنا جيلان من المبدعين على مدى ما يقرب من نصف قرن تقريبا هي عمر تأثير النقلة الحضارية التي عاشتها المنطقة وانعكاس أبعادها على شتى النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وغيرت بشكل جذري أنماط العيش والإنتاج، مما كان له أثر بليغ في درجة حساسية المبدع تجاه المتغيرات وبالتالي في مجمل النتاج الفني وصلته بالماضي بصفـة عامة وبالتـراث الشعبي بصـفـة خاصة .

وحيث أن الدراسات التي تعنى برصد النتاج الثقافي العام في المنطقة وتعمل على تحليله تكاد تكون شحيحة ومتفرقة، ويبرز منها على سبيل المثال ما قام به إبراهيم عبدالله غلوم في دراستيه التحليليتين عن القصة القصيرة والمسرح في الخليج 30 وما يقوم به الباحثون في كل قطر بشكل منفرد ومتقطع لرصد نتاجهم الوطني، فإن الحاجة لتبدو ماسة إلى عمل إقليمي بحثي يرصد ويستقصي مجمل المنتج الإبداعي ويقوم بتحليله وإتاحة فرص دراسته وتثمينه للآخرين .

ولا يمكننا هنا، أن نقوم برصد كل النتاج الفني الـمُـنـْـشـأ في المنطقة خلال خمسة عقود من الزمان، لنضع أيدينا على الأعمال الفنية التي تم فيها استلهام التراث الشعبي، في وضع يكاد يكون فيه نتاج المنطقة الإبداعي برمته خارج اهتمام حركة النقد العربي المعاصر والحديث.

 

في الأعمال الشعرية:

لقد تركت علاقة الإنسان بالبحر في المنطقة أثرا كبيرا على إبداعه الفني، وبرز مجتمع الغوص على اللؤلؤ في ظل نظام الإقطاع البحري الجائر ليشكل جانبا مهما من تراث مرحلة زمنية فاصلة بينه وبين نقلة أخرى ذات أبعاد خطيرة على كل ما ينتمي إلى تلك المرحلة. وكان الشعر- بحكم المكانة التاريخية التي يحتلها في الوجدان العربي- حتى أوائل الستينيات من القرن الماضي أول الفنون المبادرة إلى التعبير عن علاقة الإنسان القديمة بالبحر، فكانت الصورة في مجملها صورة وردية رومانسية تصف الشراع والموج وريادة البحر والسواعد السمر القوية لأحفاد السندباد وهي تتحدى المخاطر وترتاد المجهول لتجلب الدر الثمين وأنواع التوابل من البلاد البعيدة. لكن هذا الغلاف الخارجي للصورة ندعي بأنه قد تحطم تماما بصدور ثلاثة أعمال فنية بعد ذلك بسنوات قليلة وهي ديوان (مذكرات بحار) 32 للشاعر الكويتي محمد الفايز وديوان (أنين الصواري)33 لكاتب هذه المقالة والفيلم السينمائي (بس يا بحر)34 للكاتب الإماراتي عبد الرحمن الصالح ومن إخراج وإنتاج الفنان الكويتي خالد الصديق، والأعمال الثلاثة تتناول علاقة الإنسان بالبحر في هذه المنطقة مستلهمة أجواء الغوص على اللؤلؤ وتقاليده وعاداته وأنظمته بثلاثة مستويات متفاوتة، المستوى الأول مثله الفايز في (مذكرات بحار) وهي صورة البحار الفرد الشريد الضائع الذي يقف مسلوبا أمام جبروت الطبيعة مسلما أمره للأقدار وكانت فيه المادة التراثية بحضورها المتوهج الجديد خلفية للحدث.

والمستوى الثاني مثله (أنين الصواري) الذي قدم صورة مغايرة لاستلهام الأحداث والأجواء التراثية الخاصة بتلك المرحلة، وابتدع شخوصا لأبطال لهم أدوار محورية تفصيلية في تلك الحياة وأنطقهم بمعاني معاصرة تعبرعن روح الجماعة، وعن ثورة على الواقع المعاش والرغبة في الخلاص منه والتحرر من استلابه، مركزا على الأثر السيئ لاستدانة البحارة الربوية من ممولي رحلة الغوص، والتي تجعل منهم وأبناءهم من بعدهم أرقاء طيلة حياتهم. ويخيل لقارىء النص للوهلة الأولى بأن استلهام هذه المادة جاء ليعبر عن ظروف مرحلة ذهبت لكنه عندما يمعن النظر في الإضاءات والـلـُّـمَح والإشارات التي يبثها الشاعر هنا وهناك يكتشف أن شخوص وأحداث تلك التجارب الشعرية والجو العام للغوص على اللؤلؤ جاء قناعا وإسقاطا على أحداث معاصرة معاشة وآخذة في التفاقم وليخدم قضية إنسانية محددة، وهي قضية إنسان اليوم التي لا تختلف عما عاشه البحار المدين سوى في الشكل والمسميات فقط. إذ أصبح ممول رحلة الغوص على اللؤلؤ البنك التجاري الحديث، ودين البحارة أصبح قرضا استهلاكيا بأرباح  فاحشة .. ورحلة الغوص الشاقة في البحر أصبحت أكثر تحضرا على اليابسة لكن في مصارعة وحوش بشرية أكثر شراسة وذكاء من وحوش البحر.. نفس الاستلاب.. نفس المشكلات .. الإنسان في (غوص) جديد.. بأدوات ومعان جديدة، وأصبح فيه البحث عن حياة رغدة كريمة كالبحث عن زهرة الخلود .. ضرب آخر من ضروب المستحيل .

وعندما قدم خالد الصديق عمله السينمائي المستوحى من نفس المادة التراثية وتمت مشاركته في المهرجانات السينمائية العالمية ُدهشَ العالم لأول مرة وهو يرى صورة للمعاناة الإنسانية الكامنة خلف تلك اللآلىء الجميلة الصقيلة التي تزدان بها معاصم وصدور الملكات وبنات الذوات والغانيات. وقد وظف المخرج بنجاح كل الثيمات التراثية التي تحف بمهنة الغوص على اللؤلؤ وقدم لقطات نادرة لعملية جمع المحار من الأعماق مستخدما الكاميرا تحت الماء ومجسدا ما كان يقوم به الغواصون العزل من مهام محفوفة بالمخاطر. كما صور جزءا من العادات والتقاليد المرتبطة بدورة حياة الإنسان واستطاع الجمع ما بين الدراما والعمل التسجيلي في مزاوجة فنية ناجحة أثرت العمل وأضفت عليه صدقية لا تتحقق بسهولة، ساعد عليها انتماء الممثلين إلى الحصيلة العامة للذاكرة الشعبية وارتباطهم بأحداث البيئة وقربهم من روح الحدث الروائي. وكانت قصة (بس يا بحر) إحدى حكايات صراع الإنسان الأزلي مع قوى الطبيعة في ظل ظروف القهر والاستلاب الاجتماعي الذي مثلته قوانين وتقاليد مهنة الغوص وهي تطرح مأساة فقد أم لابنها الشاب الذي يمثل المستقبل في مقابل لا شيء وتنتهي الحكاية بالغصة التي تملأ فم الأم وهي تذري رمال الشاطىء على رأسها حسرة وهي تقول ما معناه .. كفاية أيها البحـر.

وفي الشعر العامي لم تستطع القصيدة النبطية التقليدية بشكلها الفني الممتد بقوة وجسارة حتى زماننا أن تطور من مضامينها وتتخطى الموضوعات التي كررها شعراء النبط على مدى القرون الماضية، اللهم إلا استثناء هنا وآخر هناك من أمثال بدر بن عبد المحسن ومسفر الدوسري اللذين تجاوزا الشكل التقليدي وانتصرا لشيء من الجدة في المضامين، إلا أن شيئا من استلهام التراث الشعبي لم يبرز بقوة في نتاجهما، بعكس الحاصل في الشعر العامي الحديث الذي استحضر في (عطش النخيل) عام 197035 الشكل التراثي الـفـني لـ (الموال) بأصوله التقليدية الصارمة، واستوحى روحه وجوّه العام، وشحنه بالتجارب الشعورية المعاصرة معبرا عن قضايا جديدة للإنسان العربي في الخليج بمفردات وصور ندعي أنها لم تكن معهودة في ذلك الفن من قبل.

 وقد استطاع شاعر الموال الجديد وهو يستلهم الشكل الشعري التراثي أن يستعيد استخدام هذا الشكل من جديد على نطاق واسع، وأن يتمثل روح ذلك الفن العريق، وأن يتصل بها ليكسب قطاعا عريضا من جمهور ذلك الفن الذي ما تزال له مكانة خاصة في وجدان المتلقي في كل أقطار الوطن العربي. ومع نضج هذه التجربة الاستلهامية استطاع شعراء العامية المحدثون التنويع في أوزان الموال أولا وفي إضافة عدد غير مألوف إلى أشطره تتجاوز ما كان متعارفا عليه، «إن مواويل (عطش النخيل) سعت - وبوعي جمالي- إلى أن تؤطر الصورة الكنائية بنغمية خاصة إذ استثمرت إضافة إلى تفعيلات بحر البسيط تفعيلات بحري الــهَــَزج والــرّجَــز يضاف إلى ذلك أن متخيل النص قد بلور هندسة متميزة تمظهرت في إضافة أشطار أخرى إلى كيان الموال أثرت الولع في التحليق بهذا الفن الشعبي بعيدا عن عتبات التكرار والرتابة.»36 ثم قام هؤلاء الشعراء بعدها بكسر قالب الشكل كلية وتفتيت أشطره ليتلاءم مع تجاربهم الشعورية الجديدة، ولينبثق بذلك شعر التفعيلة في العامية الحديثة، التي من خلالها استلهم علي الشرقاوي مجموعة من (الثيمات) التراثية التي وظفها في العديد من المسلسلات التلفزيونية، إلى جانب تجربة استلهام قوية قدمها خليفة اللحدان عن حكاية (سرور) الطفل يتيم الأم الذي تغيبه امرأة أبيه، وهي الحكاية الشعبية المؤثرة التي كانت تروى للأطفال قبل النوم بهدف ذي بعد تربوي كانت به الأم تهيء الأبناء للوقوف إلى صفها عندما تدخل البيت امرأة غريبة وشريرة كضرة لها. وتدور الحكاية كما هو معروف حول سر اختفاء سرور فجأة من البيت ومعاناة الأب في البحث عنه. وقد استلهم اللحدان هذه الحكاية الشعبية ليسقطها على تجربة تغييبه شخصيا في السجن لأسباب سياسية نتيجة لوشاية مغرضة وهو بريء، ويحاول اللحدان جاهدا في عمل يحمل نفس عنوان الحكاية المتداول (سرور) إسقاط روح هذه الحكاية الشعبية وعقدتها على تجربته الشخصية في حوارية بالشعر العامي الحديث يتماهى فيها صوته مع صوت الأم في دوران حول هذا السر وتلك الكلمة المؤرقة وذلك الظلم الواقع على الأبرياء دون مبرر.

ولا أملك إحاطة يعتد بها في مجال استلهام التراث الشعبي في القصة والرواية في الخليج العربي، ولا تعلق بذاكرتي أعمال بارزة في هذا المجال تمت فيها عملية استلهام خلاقة. إذ ركزت غالبية الأعمال القصصية القصيرة والرواية من بعدها على تناول هموم الواقع الاجتماعي ومشكلاته المعاصرة وطرح نماذج بشرية لشخصيات تمثل سلطة العادات والتقاليد في صراعها مع المؤثرات الجديدة المنعكسة على الأبناء، وبرزت شخصية المرأة العربية في الخليج عبر أغلب النتاجات وهي تحاول التخلص من تلك السلطة القهرية. وحتى لا نبتسر القول ونلقي بالحكم جزافا فلا بد من استقصاء هذا المجال في دراسة نقدية كاشفة لنتاج المنطقة يقوم بها مختص. ومن المهم أن نشير هنا إلى أهمية الدراسة التي قام بها صبري مسلم حمادي حول أثر التراث الشعبي في الرواية العراقية الحديثة المشار إليها في هامش النجمة ضمن مصادر هذه المقالة.

 

في الأعمال المسرحية:

أفرزت مرحلة الغوص على اللؤلؤ في الخليج نماذج بشرية مثلت مختلف مستويات العملية الإنتاجية، وبرزت شخصية الربان (النوخذا) كشخصية محورية كونه في أغلب الحالات الممول والربان ورب العمل الذي يتعامل مباشرة على السفينة مع مختلف مستويات البحارة وفي حالات أخرى يكون فقط الأداة القاسية الشديدة البطش لممول أكبر، والتي هي في الحالتين تدل على مفهوم أوسع للسلطة القهرية. وقد ظل عهد الغوص والبحر يثيران حساسية درامية شديدة التوتر لدى كثير من كتاب المسرحية في الخليج العربي، ويرى إبراهيم عبد الله غلوم بأن الحركة المسرحية في الخليج العربي عرفـت ضربين من الرؤية المستبصرة للماضي (التراثي) ، أو لنموذج (النوخذا) تجمع الرؤية الأولى بين جمود التسجيل الطبيعي للواقع ونبض الاستبصار الميلودرامي. والرؤية الثانية تجمع بين التفسير التاريخي لحركة المجتمع والدعـوة السافرة لتغيـير النظام الاجتماعي الراهن. 37

وإذا سلمنا بوجهة النظر هذه، وهي وجهة نظر أحد أبرز المختصين في هذا المجال، فإننا نرى بأن الأعمال المسرحية التي أدرجها غلوم تحت المستوى الأول هي الأقرب إلى موضوع الاستلهام، وإن كانت لا تعبر عنه بالصورة الدقيقة التي ذهبنا إليها في هذا البحث، مثل مسرحيات:(النواخذة) لسالم الفقعان،(سبع ليالي) و(توب توب يا بحر) لراشد المعاودة،(يا ليل دانه) لعبد الرحمن المناعي،(نورة) لجاسم الزايد. وحتى استحضار الحكاية الشعبية ظل يدور في فلك التسجيل- كمسرحية (الحذاء الذهبي) لعبد الرحمن المناعي عن الحكاية الشعبية المعروفة (فسيجرة) ومسرحية (سرور) لإبراهيم بوهندي عن  حكاية (سرور)- وإن جاهدت هذه الأعمال بمشقة في أن يكون لها بعد في إسقاط أحداثها الاجتماعية البسيطة على الواقع الحديث الأكثر تعقيدا.

(وأكثر من لجأ إلى توظيف التراث الشعبي العربي، أو استعان بزخرفته، وأخيلته حسن يعقوب العلي  في مسرحيتيه (الثالث) و(عشاق حبيبة) وخلف أحمد خلف في مسرحية (مصباح علاء الدين) وأحمد جمعه في مسرحية (شهرزاد الحلم الواقع) وعبد الرحمن المناعي في مسرحيتي (المغني والأميرة) و(هالشكل يا زعفران) ومحمد عواد في مسرحيتي (العطش) و (حسن وفرارة الخير)38

إن المتتبع للحركة المسرحية الجادة في المنطقة، لا بد وأن يدرك خلال السنوات الأخيرة، ما أحاط بهذه الحركة الفتية من أزمات وظواهر سلبية، وما وصلت إليه، على المستوى الفني والإنتاجي، من تراجع على أكـثر من صـعـيـد ولعدة أسباب، ليس هنا مجال ذكرها، حتى اقترب هذا الحال من اعتباره أزمة في كيان الثقافة برمتها عندنا. وليس أدل على ذلك من رواج ظواهر سلبية آخذة في التفاقم، أخطرها ظاهرة المسرح التجاري الذي قــزّم أعمال الفرق الأهلية ونحا باهتمامات الجمهور إلى فكاهة التهريج وكرّس الكوميديا المفرغة من أي طموح فكري أو فني، مما حفلت به التجارب الجادة السابقة في هذا الميدان الإبداعي العريق. هذا إلى جانب استمراء المسرحيين الجدد للتغريب ومحاولات التجريب المبتسرة التي جعلت منهم ومن المسرح  يتامى دون جمهور.

ولا نسأل هنا بالطبع عن أي استلهام أو حتى محاكاة لأي شيء له علاقة بالتراث الشعبي .

 

في الموسيقى و الغناء:

في المجال الموسيقي استمر تداخل ضروب الإيقاعات التراثية في الأغاني الخليجية وظل هذا التداخل في الغالب ساكنا لا يفضي إلى عمل فني ذي سمات إبداعية خاصة ومتميزة. كما ظل توظيف الإيقاعات النجدية والحجازية وضروب (الخماري)،(السامري)،(الـقـادري)،(الشكشكة) وأنـواع (الـبـسـتـة) الـمـخـتـلـفـة مـن( النقازي) وغيره قاصرا على النقل الحرفي لهذه الضروب لتكون مجرد خلفية لكلام مغاير في تكرار للألحان القديمة دون إضافة عصرية تذكر إلى تلك الضروب الإيقاعية الغنية بإيحاءاتها اللحنية. فبعد  انتهاء عصر الإبداعات الإيقاعية اللحنية التي شكلت ذاكرة الفنون الشعبية المتداولة في المنطقة بانحسار فترة الغوص على اللؤلؤ وبداية تأثير المتغيرات الجديدة ظهرت تجارب لحنية تـَمَـثـّـلَ بها النزوع إلى التجديد دون التفريط في تلك الخلفية الغنية المكتسبة من الفنون الشعبية التي ظلت مصدر الانطلاق إلى أي عمل جديد بحيث اعتبرت امتدادا طبيعيا لها، إلا أن تلك التجارب الغنائية كانت قليلة.. متقطعة..ومبعثرة، برزت منها أعمال الراحلين عبدالله سالم بوشيخه وراشد سالم الرفاعي، وُعـدّ أول ظهور لأغنية (شبعنا من عناهم وارتوينا) لبوشيخه من كلمات محمد الفيحاني في خمسينيات القرن الماضي على سبيل المثال نقلة متواضعة لكنها مهمة في تلحين الأغنية الخليجية الحديثة المتصلة وثيقا بالتراث الشعبي استلهاما. لكن بروز فنانين كويتيين كبيرين في مجال استلهام التراث الغنائي الشعبي هما سعود الراشد وعوض الدوخي أدخل إلى استلهام المادة التراثية الموسيقية روحا جديدة ومتفردة، عـبـّر عنها بأصالة الفنان الراحل سعود الراشد الذي يعتبر أحد أبرز المواهب العزفية على آلة العود في الخليج، ومؤد ينتمي إلى مرحلة الرواد المشـبـّعـين بالمادة التراثية وملحن من طراز خاص بالنسبة لملحني زمانه، فقد تتلمذ في بداياته الأولى عند الأريعينيات على يد جميل بشير أحد أرباب المدرسة النغمية العراقية التي أنجبت منير بشير ونصير شمة. وقد تمكن هذا الفنان الذي عاكسته ظروف عديدة من تقديم محاولات غير عادية في استلهام فن (الصوت) لاستخراج إبداعات لحنية جديدة مثلت شخصيته الفنية ومرتكزاته التراثية. ومن أعماله الجديرة باهتمام الباحثين الموسيقيين على سبيل المثال صوت (السحر في سود العيون لقيته) و(من علمك يا غصين البان) فقوالب الصوت الخليجي وأداءاته التقليدية معروفة إلا أننا أمام هذه التجارب اللحنية وبالأداء المغاير غير المألوف ندرك إلى أي مدى يمكن استلهام التراث الشعبي إذا ما تم التشبع به وتمثله ومن ثم ابتداع عمل فني جديد يعبر عن سريان تلك الروح الأصيلة فيه.

والفنان عوض الدوخي استلهم فن (الصوت) كذلك وأجاد في توظيف هذا الفن ليتناسب مع طبقة (قرار) صوته فأبدع لنا طريقة جديدة في تطويع نوعية الأداء اتسمت بخصوصية أضفت على الأصوات التي أداها طلاوة غير معهودة في هذا الفن، كما أنه أبدع ألحانا مميزة أخرى زاوج فيها بين ثقافته الشعبية الصرف واطلاعه على الأعمال الغنائية العربية مما أكسب تلك التجربة اللحنية أبعادا رحبة أضاف إليها أسلوبه الأدائي وطبقة صوته المميزة بعدا آخر.

ومن الملحنين المحدثين الذين هضموا التراث الموسيقي للمنطقة واستلهموه في أعمال موسيقية امتد التفاعل معها إلى الجيل الجديد الذي استطابها وشارك في الرقص على إيقاعاتها غنام الديكان الذي أجاد تلحين ( الأوبريت ) الغنائية الراقصة التي كان يؤديها الفنان شادي الخليج بمرافقة طلبة المعاهد بوزارة التربية الكويتية في المناسبات الوطنية. وكان هذا الثنائي عبد العزيز المفرج (شادي الخليج) الذي امتلك موهبة الصوت وثقافة المؤدي وغنام الديكان الملحن ذو التواصل الحميم مع التراث الموسيقي يشكل ظاهرة فنية تبنت العديد من المواهب وأشاعت نهوضا في مادة التربية الموسيقية بالمدارس الكويتية. وقد ارتكزت تجارب هذا الثنائي في استلهامها للتراث على ابتكارات لحنية جديدة قوامها روح الإيقاعات الشعبية المتنوعة فخلقت تواصلا بين روح الإيقاع التراثي ومعاصرة اللحن الإيقاعي الحديث المبتكر خصيصا للرقصات التعبيرية الممسرحة.

كما أن الفنان محمد عبده يشكل لوحده في وقتنا الراهن مدرسة فنية في التلحين وفي الأداء وفي استلهام المادة التراثية وتقديمها بروح لحنية معاصرة زاوجت الألحان الموسيقية العربية الحديثة المبتكرة بأنماط الإيقاعات الشعبية الخليجية وتواصلت معها نصا وروحا تخللتها استلهامات عابرة من فنون إيقاعات السماعي الثقيل أو الدارج في رجوع استدراكي إلى أوجاع مقامات الحجاز وإيقاعات الفنون النجدية والحجازية، وهي أعمال ذات صفة تصاعدية على مستوى غنى التجربة الأدائية والنصية واللحنية. وعندما نستمع إلى بعض أعماله الغنائية في السنوات الأخيرة كـ  (فوق هام السحب) و(يا بنت النور) و(بقايا إنسان)  ثم نعود إلى واحدة من أقدم وأشهر أغانيه المتداولة على الساحة العربية مثل أغنية (لنا الله ياخالي من الشوق) سنجد فنانا يؤصل موهبة متجددة في أداء أغنية حديثة ذات نكهة تراثية، فاستطاع بذلك أن يكــّون له قاعدة جماهيرية عريضة بمختلف المستويات العمرية.

ويمتاز محمد عبده من بين أقرانه بأنه خارج دائرة الاستهلاك الغنائي العربي الحالية،لامتلاكه شخصيا كل أدوات الانتاج، فلا يستطيع أي منتج كاسيت أن يفرض عليه ما يفرض على غيره من مواد غنائية استهلاكية يتطلبها منطق السوق، فهو ينتج ما يحلو له بأناة وصبر وتفكير وحسن اختيار.

ومن الجهود الفنية في مجال استلهام التراث الشعبي ما قام به الفنان أحمد الجميري عام 1981 في المسلسل القطري (دانه)39 من أداء مقاطع من الشعر العامي الحديث على إيقاعات الفنون الغنائية البحرية وإدخال آلة العود كرديف للإيقاع مما أنتج عملا إبداعيا جديدا تحس وأنت تستمع إليه بأن حوار آلة العود العريقة مع إيقاعات الطار والطبل حوار متفرد الغنى ما بين الماضي والحاضر، فيه الكثير من الاشتراطات الفنية التي أتينا على ذكرها في مستهل حديثنا. كما أن للفنان نفسه تجارب فنية أخرى في الاستلهام التراثي حاول من خلالها التعامل مع فن (الصوت) مرة كما هو في إطاره اللحني التقليدي المتعارف عليه ولكن بنص شعري جديد وبتقنيات تسجيل حديثة وهو صوت (بالله قفوا بي)، ومرة خارج إطاره التقليدي في صوت (عزيز أسىً مَـن داؤه الحـدق الـنجـلُ) من قصيدة للمتنبي بلحن جديد ُوزّع توزيعا موسيقيا حديثا مكتوبا بالنوتة الموسيقية وبه إشراقات لحنية متميزة وغير مسموعة قبلا ضمن قوالب إيقاعات هذا الفن، وأداه بمصاحبة فرقة موسيقية بتقنيات الاستوديوهات الحديثة بحيث أبرز دور الآلات الوترية وقـيّـد دخول آلة الكمان التي كانت ترافق الأداء التقليدي لفن (الصوت) بحرية، وقام  بحذف الحِـلـْـيات الارتجالية واعتمد نـفـَـسا ً خاصا في الأداء، ذلك الـنـفـَس الذي تربّى في (الدور الشعبية) وبين الفرق الغنائية واكتسب تفرده الجديد الخاص.

وللفنان خالد الشيخ هو الآخر تجربة جديدة نرى أنها ذات قيمة في مجال استلهام فن (الصوت) فقد اختار الشيخ القصيدة الرثائية الشهيرة لمالك بن الريب(ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة) وأداها بمصاحبة جمل لحنية عكست تفردا وعمقا فنيا في تناول النص الفصيح وتطويعه لإيقاعات (الصوت) في استهلالات لحنية عبرت بأصالة عن مدى أحزان النص الرثائي العربي بتوزيع موسيقي أضاف فهما جديدا للصيغ اللحنية في هذا العمل الذي احتشد بكليته للتعبير عن مضامين النص الشعري موظـِّـفا أغنى ما يمكن أن يتيحه الإيـقاع التراثي لخدمة التوجه اللحني الجديد في هذا العمل .

يبدو وكأنني هنا لا أذكر عملا فنيا به استلهام موسيقي إلا وينتمي صاحبه إلى جيل الرواد المحدثين الذين نضج نتاجهم خلال الطفرة الاقتصادية أو من بعدها بقليل، بمعنى أن الجيل الجديد في منأى عن استلهام التراث الشعبي في الأعمال الغنائية الحديثة التي تكتسح سوق الكاسيت الآن وتتوسل الفيديو كليب بشطحاته الغرائبية الخاطفة، وهذا الذي نذهب إليه قد يكون صحيحا طالما أن الهوة تـتسع مابين الجيل وتراثه كما أسلفنا.

 

في الأداء الحركي:

مجال الرقص الشعبي الفردي أو الثنائي أو الجماعي ظل على ماهو عليه لا جديد ذو قيمة في الساحة يمكن له أن يستلهم من القديم، والالتماعات التي لا تكاد تظهر حتى سرعان ما تختفي أو تضمحل أو تموت نتيجة ما يحاط بالرقص بصفة عامة من تحفظات اجتماعية. لكن على مستوى الفرق الوطنية هناك أكثر من فرقة على الساحة في قطر وعمان والكويت والبحرين إلى جانب الفرق الشعبية الأهلية الموجودة بوفرة في كل أنحاء المنطقة والتي تؤدي الرقصات الجماعية التقليدية في المناسبات الوطنية. ولم تتمكن الفرق الوطنية الحكومية أو شبه الحكومية أن تخرج عن إطار الحركات والإيماءات والتشكيلات الجماعية المتداولة في الرقص الشعبي الخليجي، وإذا ما قــدّر لإضافة ما هنا أو هناك أن تظهر فإنما لمقتضيات مسرحة الرقصة أو لضرورات التسجيل والتصوير وظروف مستجدات العرض في الساحات العامة، وهي إضافات ليست ذات قيمة فهي تكرر ما انتقل إلينا كما هو دون تغيير، ربما لافتقار هذا المجال إلى وجود متخصصين أكاديميين أو خبراء من ذوي التجارب الأصيلة الخاصة ليتعهدوه بالرعاية والتطوير.

وأذكر عـند نهاية السبعـينيات حين كنت أعد البرنامج التلفزيوني (خليج الأغاني)40  ضمن بحث ميداني لدراسة فنون الغناء والرقص في الخليج والجزيرة العربية التقيت في البحرين بفتاة بحرينية في العشرين من بيئة الفرق الشعبية النسائية تؤدي رقصات شعبية فردية بأسلوب مبتكر لفت انتباهي، فما تؤديه تلك الفنانة المبدعة ليس هو الرقص الفردي الخليجي المعروف الذي يؤدى بمصاحبة ضروب إيقاعات الخماري والسامري وغيرهما ولا هو بالرقص الشرقي الشهير ولا هو بالرقص الهندي التعبيري وإنما هو مزيج من كل تلك الفنون مجتمعة مع شيء يسير من فن الـ ( بانتومايم ) وقد كان رقصا أخـّـاذا اعتبرته وقتها خطوة متقدمة في استلهام تراث الرقص الشعبي للمنطقة ومزجه بما لدى الحضارات المجاورة من فنون . ولا أعرف إن كان يجوز لي أن آسف لاختفاء تلك الموهبة بعد أن حالت ظروف الزواج والإنجاب دون مواصلتها ذلك الطريق، مما ألزمها الحجر على ما لديَّ من تسجيلات لأدائها من بعد  ذلك الوقت.

 

في الفن التشكيلي:

قد يبدو الفن التشكيلي أغزر فن تناول المادة التراثية الشعبية في كافة أقطار الخليج العربية، إلا أن هذا التناول في معظمه جاء سكونيا، إما ضمن أعمال تسجيلية عنيت بنقل ملامح الشخوص وأشكال الأدوات أو أجواء الأحياء والمزارع والحرف والصناعات الشعبية أو تصوير لمظاهر الحياة الشعبية المتفرقة الأخرى. وفي الغالب لا تخلو أعمال أي فنان تشكيلي خليجي من عمل أو عملين تسجيليين متصلين بالحياة الشعبية، وقد اشتهر في كل قطر من أقطار المنطقة اثنان أو ثلاثة ممن ارتبطت مثل هذه الأعمال بنتاجهم.

وهناك تيار المدرسة الحروفية الذي واكب فيه فنانو المنطقة ذلك الاستلهام القومي الممتد لتراث الحرف العربي وأسهموا مع الرواد العرب في هذا الاتجاه لتقديم أعمال فنية متميزة خرجت عن نطاقها المحلي الإقليمي .

 

دعوة لابتكار استلهامات جديدة:

أمام هذا التيار الاستهلاكي الجارف من النتاج الفني والأدبي الذي تروج له كل وسائل الإعلام في الوطن العربي، ويغلب عليه التسطيح والفجاجة والتكرار، ما أحوج الجيل الجديد من المبدعين العرب إلى تمثل وجدان الأمة واستيعاب حكمة الشعب وتقمص روح الجماعة عن طريق الاقتراب من الثقافة الشعبية والنهل من معطياتها وتأمل المضيء من نتاجاتها والتفاعل معه بحب، واستلهام ما يمكن رفده بحياتنا المعاصرة وتوظيفه في أعمال فنية وأدبية مبتكرة تخطو بذائقة الجماعة خطوات متقدمة إلى الأمام ، وإنها لدعوة إلى الفعل، نأمل بألا تكون مجرد صرخة في واد.

 

الهوامش

1 - توفيق الحكيم، فن الأدب، دار الكتاب اللبناني، ص 306.

2 - إ بن منظور، لسان العرب المحيط، دار لسان العرب، بيروت ( د. ت )، مادة (ل هـ  م).

3 - بطرس البستاني، محيط المحيط، مكتبة لبنان، بيروت 1944- 1979، مادة (ل هـ  م).

4 - الموسوعة العربية الميسرة –  دار الجيل والجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، ط 2،  بيروت – القاهرة، ص 1002.

5 - شكري عزيز ماضي، في نظرية الأدب، دار الحداثة، بيروت 1986، ص 39

6 - مصطفى سويف، الأسس النفسية للإبداع الفني، دار المعارف، ط 3 القاهرة 1969، ص 191 .

7 - نفسه، ص 190 .

8 - نفسه، ص 194 .

9 - نفسه، ص 192

10 - محمد طه عمر، مفهوم الإبداع، القاهرة ( د. ت )، ص 108

11 - من حديث أمل دنقـل في مجلة (التضامن) نشر عام 1983 ، نقلا عن خالد الكركي(الرموز التراثية في الشعر العربي الحديث)، دار الجيل، بيروت –  مكتبة الرائد،عمان، 1989، ص 90 .

12 - مقتطف من لقاء سيد البحراوي مع الشاعر المنشور في كتابه (البحث عن لؤلؤة المستحيل)، دار الفكر الجديد، بيروت 1988، ص 141 – 149 .

13 - حاتم الصقر، مرايا نرسيس،المؤسسة الجامعية، بيروت 1999 ، ص 222 .

14 - مصطفى سويف ، الأسس النفسية للإبداع الفني، دار المعارف، القاهرة 1969، ص 41 – 42 .

15 - يوسف ميخائيل أسعد، سيكلوجية الإلهام، مكتبة غريب، القاهرة 1983، ص 309 .

16 - محمد رجب النجار، توفيق الحكيم والأدب الشعبي،عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، ص 12 .

17 - محمد حمدي إبراهيم، نظرية الدراما  الإغريقية، دار توباد، القاهرة  1994،ص 67

* للاستزادة ينظر: صبري مسلم حمادي، أثر التراث الشعبي في الرواية العراقية الحديثة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت 1980، مبحث (سلبيات استخدام التراث الشعبي في الرواية)، ص 187 وما بعدها .

18 - طلال حرب، أولية النص – نظرات في النقد والقصة والأسطورة والأدب الشعبي، المؤسسة الجامعية، بيروت 1999، ص 7 .

19 - مقتبس من حديث الفنان التشكيلي العراقي المغترب فؤاد الطائي، حول توظيف التراث، من مقابلة تلفزيونية أجراها معه المذيع محمد كريشان، منشورة  بموقع قناة الجزيرة على شبكة الانترنت.

20 - عبدالله العروي، العرب والفكر التاريخي، دار الحقيقة، بيروت 1980، ص 53 .

21 - أحمد كمال زكي ، الأساطير–  دراسة حضارية مقارنة ، دار العودة ، بيروت (د.ت) ص 33  .

22 - نفسه ، ص 39 .

23 - محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، بيروت 1991، ص 30 .

24 - الزواوي بغورة ، ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 2001، ص45 .

25 - محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، دار نهضة مصر، ط 3، القاهرة  1977،ص 179 .

26 - نفسه، ص 180 .

27 - نفسه، ص 184 .

28 - مقتبس من حوار الفنان التشكيلي العراقي المغترب فؤاد الطائي، حول توظيف التراث، من مقابلة تلفزيونية أجراها معه المذيع محمد كريشان، منشورة بموقع قناة الجزيرة على شبكة الإنترنت .

29 - محمد رجب النجار، توفيق الحكيم والأدب الشعبي، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2001،ص 6 .

30 - نفسه ، ص 6 .

31 - ينظر: إبراهيم عبد الله غلوم، القصة القصيرة في الخليج العربي-  الكويت والبحرين – دراسة نقدية تأصيلية،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2، بيروت 2000، وينظر أيضا كتابه: المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي –  دراسة فيسوسيولوجيا التجربة المسرحية في الكويت والبحرين، المجلس الوطني للثقافة والفنونوالآداب (سلسلة عالم المعرفة)، الكويت 1986 .

32 - محمد الفايز، مذكرات بحار، مطبعة حكومة الكويت ( د . ت ) .

33 - علي عبدالله خليفة، أنين الصواري ، دار العلم للملايين ، بيروت 1969 .

34 - خالد الصديق، بس يا بحر، فيلم سينمائي ، إنتاج خالد الصديق ، الكويت 1973 .

35 - علي عبد الله خليفة، عطش النخيل، مطابع دار العلم للملايين، بيروت 1970 .

36 - وجدان عبد الإله الصائغ، زهرة اللوتس – قراءات بلاغية في شعر علي عبد الله خليفة، الملتقى الثقافي الأهلي، البحرين 2002، ص 129 – 130 .

37 - إبراهيم عبد الله غلوم، المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- سلسلة( عالم المعرفة )، الكويت  1986، ص 320 .

38 - وللاستزادة ينظر: نفسه، ص 350 .

39 - مسلسل دانة، تأليف جاسم صفر، إخراج إبراهيم الصباغ، إنتاج تلفزيون قطر، الدوحة   1981 .

(40)  خليج الأغاني ، برنامج تلفزيوني تسجيلي ، إعداد وتقديم علي عبد الله خليفة ، إخراج  إبراهيم الصباغ ، إنتاج تلفزيون قطر ، الدوحة 1980.