فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

حكاية الجنعدة نموذجا - قراءة في الدلالات السردية في الحكايات الخرافيـة

العدد 26 - أدب شعبي
حكاية الجنعدة نموذجا - قراءة في الدلالات السردية في الحكايات الخرافيـة
كاتبة من البحرين

حكاية الجنعدة حكاية خرافية من السعودية(1) تدور أحداثها، باختصار، حول صياد سمك فقير ووحيد أهداه أحدهم صندوقا من السمك تحولت إحدى سمكاته إلى فتاة جميلة تقوم بخدمة الصياد دون أن يعلم، وحين اكتشف وجودها، أحبها وعاملها كابنته وحذرها من ساحرة تسكن البلاد، وفي أحد الأيام طارت قطعة قماش كانت تخيطها الفتاة فخرجت من المنزل لتستعيدها، فرأتها الساحرة فسحرتها بأن جعلتها تنام النهار وتستيقظ في الليل، مما أدخل الحزن في قلب الصياد فبنى لها ضريحا من  السكر.

وحين كان الملك يتجول رأى حصانه يأكل ضريح السكر فاكتشف وجود الفتاة وعرف قصتها مع الساحرة، وكان الملك قد تزوج الساحرة سرا وله منها ولد في عمر الثالثة، فقام الملك وابنه بانتزاع المناديل السحرية من صدر الساحرة وفكوا السحر عن الفتاة الجميلة. ثم دعا الملك الساحرة إلى حفل غداء مزعوم وألقى بها في قدر ماء مغلى موهما إياها بأنه يعرض عليها الخراف المطهية، فماتت الساحرة وتخلصت المملكة من شرها وعاش الجميع في سعادة.
وتُصَنَّف حكاية الجنعدة بأنها حكاية خرافية؛ لأنها تتميز ببنية مختلفة عن بنى باقي الحكايات ومنها الحكاية الشعبية. وتلك البنية المختلفة تجعلها أقرب إلى الصيغة الأدبية وأكثر اتساقا مع عوالم الخيال والأحلام التي تهيمن على بنى الحكايات الخرافية ومنطق ائتلاف عناصرها. فـ “ الحكاية الخرافية بكل ما فيها تعد أدبا: أما الحكاية الشعبية فهي تمتزج بالواقع الحقيقي في أعمق أعماقه، وليس لها طابع أدبي صرف(2) ”، وإننا نجد خلطا واضحا في تداول مصطلحي الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية في بعض كتب النقد التي تتناول الأدب الشعبي،  حيث يطلق بعض النقاد والدارسين مصطلح الحكايات الشعبية على كل الآثار السردية القديمة، أو يختص البعض قصص الحيوان والجان*بأنها حكايات خرافية دون التدقيق في وظيفة تلك الشخوص الخيالية أو الواقعية لخلق مقاربة بين الجنس الأدبي السردي إن كان شعبيا أو خرافيا، لذلك فإن هذه الدارسة قد تقتبس من بعض المصادر التي تتعامل مع الحكاية الخرافية والحكاية الشعبية باعتبارهما جنسا واحدا إلا أنها تقتبس المعنى المنسجم مع مقصد الدراسة وتوصيفها لمفهوم الحكاية الخرافية.
وحين نقرأ الحكاية الخرافية من وجهة أدبية، فإننا لا نتقفى منطق الأحداث من حيث كونها أحداثا منطقية، ولا نبحث عن العلية السردية في تصاعد حبكة الحكاية، وإنما نبحث في منطق السرد الخرافي نفسه باعتباره جنسا أدبيا له خصوصيته الفنية وأدواته التعبيرية الذاتية، وقوانينه المؤسِسة والمفسرة، ومرجعياته الإحالية الفردية والجمعية تبعا لدلالة الرموز المكتنزة في السيرورة السردية للحكاية الخرافية. لذلك يرى فريدريش ديرلاين أن “ الحكاية الخرافية ليست منطقية، وإنما هي خيالية، وهي غير غنية بالمغزى ولا يسودها نظام، وإنما هي فيما تبدو خليطا لا شكل له ولا بنية(3) ”، والقول السابق لفريدريش لا يعني عبثية الحكاية الخرافية بسبب تولدها عن الخيال، وإنما يعني بالضرورة البحث عن الاتساق فيها والكشف عن القانون الخاص بكل حكاية.
فالحكاية الخرافية من حيث هي أثر أدبي تتجلى فيه السمات الأدبية؛ فإن الاتساق وانسجام عناصر النص هو، بالضرورة، سمة أصيلة فيها، وإن غارت معالم الاتساق والانسجام في أعماق النص نتيجة تَسَيُّد المكونات الخيالية وتأثير الأحداث العجائبية والغرائبية*، ولأن “الأثر الأدبي يكون كلا منسجما، بنيةً، فإنه يلزمنا أن نفترض أن معنى كل عنصر (ونقصد هنا كل موضوعه) لا يمكنه أن ينفصل خارج علاقته بالعناصر الأخرى(4)”، والحكاية الخرافية من حيث هي جنس أدبي له خصوصيته فإنها “ وحدة بنائية واحدة، للشكل فيها مضمون خاص به، هو ترتيب أجزائه وفق سياق زمني داخلي. وللمضمون فيها شكل خاص به، هو ترتيب أحداثه وتفاعلها اجتماعيا وفكريا. بعضها مع بعضها الآخر(5)”.  وإذا كان ذلك كذلك؛ فإن هذه الدراسة في تحليلها لحكاية الجنعدة تقرأها باعتبارها نصا أدبيا مكتمل البنية منفتح الدلالة، وتبحث في معمارية اتساق النص، وتنقب عن أدوات انسجامه، وكيفيات توليد النص لدلالاته بمكوناته الذاتية وإحالاته المرجعية.

أولا: البنية السردية في حكاية الجنعدة:
هي بنية سردية قصيرة، محدودة المكان والزمان والشخصيات، لا تتفرع البنية الرئيسة فيها إلى بنى فرعية، ولا تحيل البنية الأصلية، كذلك، إلى بنى مرجعية مضمرة كالحلم أو النبوءة أو اللغز. والأحداث العجائبية التي ترتكز عليها منطلقات سرد الحكاية لا تتصادم سلبا مع أفق توقع القارئ، ذلك أن تلك العجائبيات الواردة في الحكاية هي من المشتركات السردية الخيالية في الحكايات الخرافية عند شعوب العالم: فتحول السمكة إلى فتاة جميلة، يحيلنا إلى تمثلات حكاية ، والنوم السحري الذي وقعت تحت تأثيره الفتاة يذكرنا بتجليات قصص الأميرة النائمة. تلك التناصات المضمرة في الحكاية تهيئ استقبال القارئ لعجائبيات الحكاية دون الإحساس بأية مبالغة سردية “ فكل لحظة من لحظات القراءة هي جدلية ترقب وتذكر، تعبر عن أفق مستقبلي هو في حالة انتظار أن يحتل مجاله. وكذلك تعبر عن أفق ماض (يضمحل باستمرار) وقد مُلئ سابقا (6) ” بما يُمَكِّن القارئ من بناء إدراك تراكمي لمدلولات الحكاية مستأنسا بخبراته السابقة ومرتقيا، في الآن نفسه، مغامرة جديدة مع قراءة جديدة، فكل قراءة جديدة هي خوض مغامرة فكرية جديدة يمتحن القارئ فيها خبراته.
لذلك فإن القارئ لم يتعجب من تقبل الصياد لتحول السمكة إلى فتاة جميلة. ولم يُصَبْ بخيبة حين كان فك السحر عن الفتاة لا يستدعي أكثر من نزع المنديل من صدر الساحرة دون الدخول في مغامرة مثيرة لإنجاز تلك المهمة. وربما يكون الحدث الوحيد غير المتوقع في الحكاية هو عدم زواج الفتاة، التي تصفها الحكاية دائما بأنها (جميلة)، من الصياد أو الملك كما جرت عليه العادة في أغلب الحكايات الخرافية والشعبية!!. إن وعي القارئ بطبيعة الحكاية الخرافية البنيوية والدلالية، الذي هو في حقيقة الأمر وعي جمعي، يضفي حالة من حالات التهيئة النفسية لاستلهام مدلولات الحكاية وإيجاد آليات لربط عناصرها التي قد تبدو متنافرة، ظاهريا، والعمل على بلوغ المعنى الخفي للحكاية حتى لو كان  من باب البحث عن الحكمة التي تربط عناصر الحكاية بجماليات الحلم والخيال، “وليس من الضروري بالنسبة للفكر الجمعي أن تجتمع الأشياء على أساس عقلاني، بل يكفي أن تقوم على أساس ذهني وشعوري يثير الأفكار التي تهتدي إلى تعليل ما للظواهر الكونية وطريقة تكيف الإنسان معها لصالحه. ومهما تكن درجة العقلانية في تلك التعليلات، فهي تحتوي على المعنى الغائب الذي يحاول الإنسان أن يستحضره في كليته وضبابيته المكثفة(7) ”. ومتى ما تمكنا من بلوغ ذلك في قراءتنا للحكاية الخرافية فإننا نكون قد اهتدينا إلى صيغة من صيغ الاتساق التي تكشف عنها بنية الحكاية، ذلك أن “بناء الاتساق هو الأساس الضروري لكل أفعال الفهم. وهذا الفهم بدوره يعتمد على عمليات الانتقاء. وتستغل النصوص الأدبية هذه البنية الأساسية بشكل يمكن أن يتم به معالجة خيال القارئ وإعادة توجيهه(8)”.
وإذا قسمنا بنية حكاية الجنعدة (القصيرة) إلى بنى حدثية (جزئية) رئيسة استنادا إلى تمفصلات السرد  فإن في الحكاية ثلاث بنى حدثية رئيسة توالت وفق تراتبية خاصة تقتضيها دلالة البنية الكلية. و“يجب أن نضع في اعتبارنا أن حكاياتنا الخرافية لا تتألف اعتباطا من  مجموعة من الموضوعات رصت بجانب بعضها البعض، وإنما تقف وراء هذه الموضوعات قوة قادرة على التشكيل، استطاعت أن تكوّن الحكاية الخرافية وفقا لقوانين محددة بحيث لا يكون في وسع الإنسان أن يحل موضوعا عن عمد محل آخر(9) ” . ونستطيع القول إن القانون الذي ينظم تراتبية البنى الجزئية في حكاية الجنعدة هو قانون (التحول) الذي نورده على النحو التالي:

 التحول  البنية الحدثية ترتيب البنى
 - تحول حياة الصياد من الحزن إلى السعادة.
- تحول حياة الصياد من الوحدة إلى الألفة الأسرية.
- معاملة الصياد للفتاة كابنته
 تحول السمكة إلى فتاة جميلة  الأولى
 - حزن الصياد
- ظهور الملك
 وقوع الفتاة تحت تأثير السحر  الثانية
 - تخلص المدينة من شر الساحرة.
- تحول حال المدينة إلى السعادة مرة أخرى.
 قتل الملك للساحرة  الثالثة



وبقراءة المخطط السابق نجد أن البنى الحدثية المسيطرة على البنية السردية هي بنى التحولات المرتبطة بأفعال التحول والأحوال. فكل بنية حدثية تصف حالا سابقة يتخللها حدث مفصلي يؤدي إلى انقلاب الحال السابقة إلى حال جديدة يليها حدث آخر يقلب الأحوال مرة أخرى. ثم يتجذر قانون التحول في الحكاية حتى يمس بتأثيره رموز الحكاية فتتظافر جميعا لتثبيت دلالة التحول في الحكاية.
والحكاية تبدأ بفعل تحول رئيس يحمل (مفارقات خيالية) هو تحول السمكة إلى فتاة، ذلك التحول الذي سبقه إحساس الصياد بالوحدة وتلاه إحساسه بالسعادة التي مصدرها المشاركة الأسرية. ثم تلتقي الفتاة بالساحرة فتقلب الساحرة حالها إلى حال غير طبيعي تنام نهارا وتستيقظ ليلا ويعود الصياد إلى حاله الحزينة الأولى. حتى يظهر الملك فيخلص الفتاة من سحرها فتعود السعادة للصياد، ثم يقتل الملك الساحرة فتعود السعادة لجميع أهل المدينة.

وبتتبع الأحوال المتحوِّلة في الحكاية نجد أن حال السعادة كان مصدره الأول (الفتاة الجميلة)، وأن حال الحزن كان مصدره (الساحرة)، وباستجلاء الحالة الرمزية المحيطة بالفتاة الجميلة والساحرة، تتكشف لنا دلالات الرموز عن أن الفتاة الجميلة هي في الأصل سمكة، و“السمكة تعد رمزا للإخصاب منذ العصور القديمة حتى اليوم(10)”، ومعاني الخصب في التراث الشعبي هي من معاني السعادة التي تتكل بالطقوس الاحتفالية وبالمعتقدات الإيجابية نحو كل مصدر من مصادر الخصوبة. ثم تتعزز دلالات الإخصاب بتجاور الرموز المحيلة إليه، فالسمكة مخلوق مائي خرجت من البحر وبقيت حية وزادت أمارات الحياة فيه حين صارت السمكة فتاة، وهذا يعيدنا إلى رمز الماء وإلى العديد من “ الدراسات التي أثبتت أن الماء رمز الميلاد (11)” في المعتقدات القديمة، فالتقت دلالات الإخصاب مع دلالات الميلاد التي هي دلالات مرتبطة بعوامل العلية والسبب والنتيجة؛ فعلة الميلاد وسببه وجود حالة الخصب، وحدوث الميلاد هو بدء حياة جديدة، وإضافة خلْق جديد وسعادة متجددة.
إن الفتاة الجميلة في حكاية الجنعدة هي رمز الخصوبة والميلاد من حيث كونها سمكة سابقة تكتنز بدلالات الإخصاب، ومن حيث كونها امرأة جديدة حملت دلالات الخصب في كل الأساطير والحكايات عبر التاريخ، ومن حيث كونها خرجت من الماء رمز الميلاد ومن حيث قدرتها على الإنجاب وخلق ميلادات متعددة. وهكذا يكون البحر قد أنجب للصياد ابنة جميلة تساعده في شؤون حياته وتشاركه وحدته، وهذا تصور مقلوب (للبحر)، في الحكاية الخرافية الخليجية عن التصورات الأسطورية الشائعة لطقوس الإخصاب عند الكثير من الشعوب التي تقضي بإلقاء فتاة جميلة في مياه (النهر) كي تفيض ويزدهر موسم الزرع والحصاد.

وإذا كانت الفتاة الجميلة قد اكتنزت بدلالات الخصب والميلاد الناتجة عن رموزها المكثفة. فإن الساحرة قد حملت دلالات العقم والضرر بتصدرها رمز السحر الذي استقر في الضمير الجمعي العالمي أداة من أدوات الإعاقة وتعطيل الخصب والميلاد وبث الفرقة بين الأحبة ونشر الشرور والأمراض. وبدا ذلك واضحا في تحول الأحداث السردية في الحكاية حين أثرت الساحرة بسحرها على الفتاة ففرقت بينها وبين الصياد، وغيرت نظام نومها إلى من الليل إلى النهار معطلة بذلك جذوة حياة الفتاة.
إذا كانت السعادة الأولى في الحكاية هي أثر ميلاد الفتاة، فإن السعادة الثانية هي أثر موت الساحرة، وإذا كان ميلاد الفتاة انبعث من الماء، فإن موت الساحرة كان في الماء أيضا، وهنا تباغتنا الحكاية بتحول دلالة رمز الماء من الحياة والميلاد في البنية الحدثية الأولى إلى رمز التطهير في البنية الحدثية الثانية، إذ إن “ فكرة التطهير مركزية في كل سياقات الماء، بما فيها أشدها سذاجة، فالتطهير مدخل لتحقيق كل أشكال الخلاص التي تبشر بعودة جديدة (12)”وسعادة جديدة تجب خلفها آثار السحر وما يسم به حياة الناس من تفشي الشر والحزن. وتزداد شدة التطهير في رمزية الماء في حكاية الجنعدة كون الماء (مفليًّا)، أي أنه اختلط بالنار التي هي رمز (طقوسي مقدس) من  رموز التطهير.
وهكذا تكون البينة السردية (المتحولة) في الحكاية قد افتُتحت بمظهر (طقوسي رمزي) وهي ميلاد الفتاة الجميلة واختتمت بمظهر (طقوسي رمزي) آخر وهو إعدام الساحرة، وفي المظهرين كان الماء هو الأداة الرمزية (المتحوِّلة) لتمكين حدوث فعل (التحول) في بنى سرد الحكاية.

ثانيا: المدلول الثقافي في حكاية الجنعدة
المتعة هي إحدى وظائف الحكاية الخرافية، ولكنها المتعة المتولدة عن الولوج إلى عالم الخيال والانشغال في فك الرموز والبحث عن المقاصد والغايات. فـثمة حكمة قابعة في جوف كل حكاية خرافية، وربما تحول بنيتها الخاصة وكثافة رموزها وعمق دلالاتها دون بلوغ جوهر تلك الحكمة، إلا أن الحكمة تبقى ضالة الناقد في الحكاية الخرافية، لذلك يرى الأديب والفيلسوف الألماني يوهان جوته أن الحكاية الخرافية “هي بعينها الحكمة، وإذا كنا نحن لا نعرف مصدر هذه الحكمة فإن هذا لا يرجع إلى بلاهة في الحكاية الخرافية، وإنما يرجع إلى إحساسنا البليد. هذا العمق بعينه الذي تتسم به الحكاية الخرافية، والذي لا يدرك بالعقل، وإنما بالحدس فقط(13)”. وعلى الرغم من البنية المعقدة للحكاية الخرافية إلا أن الحكمة الإنسانية العامة في كل الحكايات الشعبية والخرافية لا يُخطئها  القارئ، وهي التي تختزلها الشعوب في الصراع الأبدي بين الخير والشر وانتصار الخير وانكسار الشر. ولكن للخير صور شتى وللشر موضوعات متعددة وللصراع ميادين مختلفة، وهذا ما يستدعي تجاوز القراءة الشعبوية للحكايات الخرافية من حيث هي صراع بين الخير والشر إلى كونها تجسد قيما ورؤى إنسانية تهجس بها نفوس الشعوب حين تصور بطل الحكاية الخرافية وهو يواجه الأخطار والشرور والطبيعة القاسية والمخلوقات الخرافية من جان وغيلان وسحرة ومردة، ثم” يصور بعد كل هذا قدرة الإنسان على أن يتخطى كل ألم وكل شر. وهذه الصورة يحبها الشعب ويصورها في حكاياته الخرافية. لا لأنه يعتقد أن مثل هذه الحياة لا تتحقق إلا في عالم الخيال، بل لأنه يؤمن بأن هذه هي الطبيعة الأصيلة للحياة. فالحياة كاملة كما الطبيعة(14)”. ولا ينقصها إلا أن نسعى لاكتشاف ذلك الكمال وأن نعمل لبلوغه.
   والحكايات الخرافية تتكشف لنا مضامينها ودلالاتها عن أبعاد ثقافية كثيرة، يرمي بها الإنسان القديم إلى التعبير عن تفسيره لهذا الكون ولطبيعة الحياة الاجتماعية وحركة العلاقات الاجتماعية. الحكايات الخرافية ذخيرة فكر الإنسان وفهمه لنفسه وللآخر وللكون. وسنكتفي في هذه الدراسة بسبر مدلولين ثقافيين تظهر معالمهما في حكاية الجنعدة أشد ما تَظهر، وتعبر عنهما تعبيرا بليغا بمنهجية شفافة وأدوات عالية التأثير.
المدلول السياسي :
  بمجرد أن يظهر الملك في الحكاية فإننا أمام حدث سياسي، وفي حكاية الجنعدة ظهر الملك إبان تعرض أحد رعاياه، وهي الفتاة الجميلة للضرر بيد فرد آخر من الرعية وهي الساحرة. وبمجرد أن تتطرق الحكاية للأسرة المالكة فنحن نكون بصدد قراءة رؤية اجتماعية شعبية لمؤسسة الحُكم التي، غالبا، ما تتمثل في الحكايات الشعبية في الأسرة المالكة. لذلك فإن حكاية الجنعدة تورد لنا أن الملك كان قد تزوج الساحرة (سرا) ثم طلقها بعد أن أنجب منها ولدا يبلغ ثلاثة أعوام!!. ثم بعد ذلك تولى الملك بنفسه فك السحر عن الفتاة الجميلة بمساعدة ابنه من الساحرة، ثم قام بقتل الساحرة.
وإذا قرأنا الدلالة السياسية للحدث السردي في الحكاية فإن سبب انتشار الشر في المدينة هو وجود الساحرة وقيامها بدق السحر بين أفراد الشعب، ويتضاعف شر الساحرة التي تنتمي إلى الفئات المهمشة والمنبوذة من الشعب حين يتعزز وضعها الاجتماعي في المملكة، فهي زوجة سابقة للملك وأم أحد أبنائه. ويقدم الباحث ياسين نصير تفسيرا اجتماعيا للشر الذي تبثه ما أسماها بقوى التدمير في الحكايات الشعبية والخرافية بأنها لا تنطلق من بواعث طبقية اجتماعية، برغم “ أن حامل هذه الأفعال غالبا ما يكون من الفئات الاجتماعية الثانـــــــوية، كـــــالعبيد والخـــــــدم والجــــــــــــــواري والــعـــجـــــــائـــــــــــز والزوجات الخائنات والنســــــوة الــــــعـابرات وغير المهمات. بمعنى أن مثل هذه الفئات لا تمارس فعل التدمير عن وعي طبقي قائم على الإدراك السياسي والفكري، وإنما تمارسه كجزء من خللها وثانويتها(15)”، وهذا ما يجعل زواج الملك وإنجابه من شخصية تنتمي إلى تلك الفئات التدميرية (الساحرة) أمرا يعزز قواها التدميرية وتأثيرها الضار على المجتمع، كما أن مخالطة الملك لتلك الفئات الشريرة يخلق اضطرابا في التصور المثالي الشعبي لتركيبة الأسرة المالكة، ولأن زواج الملك بالساحرة كان (سرا) أخفاه عن رعيته فهو إشارة إلى مظهر من مظاهر (الفساد) الذي لم ينقطع أثره ونتائجه بانقطاع العلاقة بين الملك والساحرة، فالولد امتداد لذلك (الفساد)، وتفشي خطر الساحرة في الإضرار بالرعية مظهر آخر. لذلك جرت مقتضيات السرد في حكاية الجنعدة أن يتولى الملك وابنه من الساحرة تخليص الفتاة الجميلة من تسلط الساحرة عليها بالسحر، ثم القضاء على الساحرة للقضاء على مصدر الشر في المدينة.
إن الحكمة، حسب تعبير جوته، في الحكاية هي حكمة سياسية. مارستها طبيعة السرد الخاصة بشفافية دلالية عالية، فالإصلاح السياسي يبدأ بإصلاح مؤسسة الحكم أيا كانت، وإصلاح مؤسسة الحكم يبدأ بالكشف عن الأخطاء التي مارستها المؤسسة (سرا) وتصحيح مسارها. ثم القضاء على آثارها وأسبابها بما يمنع تكرار مساوئها مرة أخرى.
كيف يُضمر السرد الخرافي مدلولا ثخينا كهذا في انسيابية شفافة؟ إنها خصوصية البنية الحكائية الخرافية.
عـــمـــلــــــت بـــنــــــــــى التحولات الحـــــــــدثية على تصعيد مــغـــــــازي الحكاية ومدلولاتها عبر تواتر الرموز والأحداث العجائبية التي تكمن فيها المقاصد والدلالات المضمرة في الحكاية. حيث أبرزت الحكاية شخصيتي الفتاة الجميلة والمرأة الساحرة وجعلت منهما قطبي الحكاية ومناط التحولات فيها، فالفتاة الجميلة التي اكتنزت بدلالات الخير والخصب والميلاد قد تعطلت تلك الدلالات فيها بتعرضها للسحر، والساحرة التي عطلت دلالات الخير والخصب والميلاد في الحكاية هي ذات صلة بالملك نفسه. غير أن حركة السرد في الحكاية اتجهت نحو (التسريع) حين ربطت الملك بالشخصية (الشريرة) حيث أوردت علاقة الملك بالساحرة في جملة واحدة “ كان الملك من قبل قد تزوج تلك الساحرة في السر، وله منها ولد عمره ثلاثة أعوام (16)” ، والعلة من تسريع السرد هو تخفيف عمليات تصعيد الدلالات السياسية المضمرة والحفاظ على الهوية الخيالية في الحكاية الخرافية ومنع انجراف الحكاية نحو الخطابية أو الإنشائية التي لا تتوافق والسمات الأدبية، وتجنبا للكشف عن النقد السياسي والاجتماعي الضمني الذي تمتلئ به الحكايات الخرافية.
إن البنى الحدثية التحولية جعلت الملك في منتصف الأحداث التي واجه تحولها بنفسه، وواجه علاقته بها، وبذلك يصبح التعليل مقبولا بأن يصبح الملك هو الأداة التي تعيد اتزان التحولات في الحكاية بتوليه هو وابنه إعادة تحويل (الحال) الحزينة التي سادت المملكة إلى (الحال) السعيدة والهانئة التي كانت عليها المملكة.

المدلول الديني:
الحكاية الخرافية هي إحدى وسائل الإنسان التي عبر بها عن معتقداته الدينية والفكرية والروحية، والخيالات والرموز التي تضج بها الحكايات الخرافية كثيرا ما تمتزج بآثار المعتقدات الدينية أو الشعبية المفسرة للظواهر الكونية المستعصية على فهم الإنسان “ إن الحكاية الشعبية بأسرها ومثلها الحكاية الخرافية والأساطير هي بكل تأكيد بقايا المعتقدات الشعبية، كما أنها بقايا تأملات الشعب الحسية وبقايا قواه وخبراته، حينما كان الإنسان يحلم لأنه لم يكن يعرف، وحين كان يعتقد لأنه لم يكن يرى، وحين كان يؤثر فيما حوله بروح ساذجة غير منقسمة على نفسها(17)”، وحكاية الجنعدة غنية بالآثار الدينية المغلفة لرموزها. وأغلب تلك الآثار مقتبسة من قصص سورة الكهف ومتفرعة عنها، ويمكن تفسيرها على النحو الآتي:
1 - النوم السحري الذي أصاب الفتاة  مقتبس من نوم فتية الكهف لأكثر من ثلاث مائة عام.
2 - سريان الحياة في السمكة وتحولها إلى فتاة جميلة مقتبس من قصة موسى عليه السلام في سورة الكهف حين نسي حوته المشوي (السمكة) عند الصخرة، فانزلق إلى ماء البحر، فسرت في الحوت الحياة، فاتخذ سبيله في البحر سربا*، استنادا إلى العديد من تفاسير القرءان الكريم.
3 - موت الساحرة برميها في قدر به ماء تغلي مقتبس من قصة موسى عليه السلام عندما أهلك الله عدوه (فرعون وجنوده) في البحر.
والسؤال الذي يتبادر إلى ذهننا ونحن نحلل العناصر السابقة هو كيف نظر الإنسان الشعبي إلى القصص القرآني السابق؟ ثم كيف وظفه في حكاية الجنعدة؟
وليست الإجابة سهلة أو محددة إذ يتعين ألا تخرج عن اتساق القراءة الكلية (الفنية) السابقة للحكاية وعن قراءة عناصرها الجزئية والعلائق التي تنسجها في سبك رصين. أما مقاصد القصص القرآني السابقة فإنها جميعا تطرح قضية البعث بعد الموت والحياة الآخرة من منظور ديني قرآني، فإحدى دلالات سورة الكهف هو مجادلة الكفار في قدرة الله تعالى على بعث الموتى. فضرب الله لهم مثلا بالموت المؤقت قصة فتية الكهف الذين أنامهم الله أكثر من ثلاث مائة عام ثم استيقظوا محتفظين بهيئتهم الأولى كاملة. وضرب الله مثل الحياة بعد الموت الكامل قصة السمكة المشوية التي انزلقت إلى مياه البحر فسرت فيها الحياة.
الموت والحياة هما السر الأكبر في تاريخ البشرية. الموت هو المصير الذي يرافق الإنسان في حياته، والحياة هي الأمل الذي يواجه به الإنسان قوى الموت المتعددة. القصص القرآني السابق عبر عن أن البعث بعد الموت هو أمل جديد في حياة جديدة يسودها السلام والنعيم والخلود. وحكاية الجنعدة عبرت عن الأمل في الحياة  الدنيا الجميلة وعن تجدد الحياة في نفسها، وأن التخلص من الشرور وأسباب الحزن والألم هو ميلاد جديد لحياة سعيدة.
السعادة التي كانت تتحول إليها البنى الحدثية في حكاية الجنعدة ودلالات الخصب والميلاد التي رمزت إليها الفتاة الجميلة هي بعث جديد لحياة جديدة ضمن هذه الحياة التي يتمتع بها الإنسان. حكاية الجنعدة هي صورة من صور حب الإنسان للحياة وتمسكه بها وانهماكه في أن يطهرها ويجملها وأن يملأها بالسعادة والراحة والهناء.

الهوامش

1 - مركز التراث الشعبي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، حكايات شعبية من الخليج، ص 201، حررها بالفصحى فايز الصايغ، أشرف على اختيار المادة وإعداد الكتاب آمنة راشد الحمدان، ط 1، عام 1994م.
2 - ديرلاين، فردرش فون: الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ص 141، ترجمة نبيلة إبراهيم، مراجعة عزالدين إسماعيل، دار القلم، بيروت ـ لبنان، ط1، عام 1973م.
*يرى ماكس لوتي أن “الحكاية الشعبية تعرف كائنات العالم الآخر من شياطين ومردة وسحرة إلى غير ذلك. وفي استطاعة الإنسان فيها أن يتصل بشخوص العالم الآخر،في حين أن الأمر في الحكاية الخرافية على خلاف ذلك.فهي وإن كانت تحكي كذلك عن المردة والسحرة والأقزام،فإنها لاتنشئ علاقة مع عالمنا الممكن إدراكه”انظر الحكاية الخرافية،ص65.
3 - الحكاية الخرافية، ص 21
*يميز تودوروف بين العجائبي والغرائبي في السرد استنادا إلى قوانين الواقع؛ فعندما تظل قوانين الواقع غير ممسوسة وتبقى هي المفسرة للظواهر المذهلة في الحكاية يكون الأثر ينتمي إلى جنس الغريب. أما حينما نكون بصدد قوانين جديدة تحكم الواقع وتفسر الظواهر، فإن الأثر ينتمي إلى جنس العجيب. انظر: تودوروف، تزفيتن: مدخل إلى الأدب العجائبي، ص 75، ترجمة الصديق بوعلام، مراجعة محمد برادة، دار شرقيات، القاهرة ـ مصر، الطبعة الأولى، عام 1994م.
4 - مدخل إلى الأدب العجائبي، ص 101.
5 - النصير ياسين: المساحة المختفية قراءات في الحكاية الشعبية، ص 25، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الأولى، عام 1995م.
6 - إيزر. فولفغانغ: فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب في الأدب، ص 61، ترجمة وتقديم حميد لحميداني والجلالي الكدية، مكتبة المناهل، فاس ـ المغرب، 1994م.
7 - إبراهيم، نبيلة: الإنسان والكون في التعبير الشعبي، ص 64، المكتبة الأكاديمية، القاهرة ـ مصر، ط 1، 2009م.
8 - فعل القراءة، ص 78
9 - الحكاية الخرافية، ص 44
10 - الإنسان والكون في التعبير الشعبي، ص 124
11 - الدويك، محمد طالب: القصص الشعبي في قطر، ج 1، ص 230، مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية، الدوحة ـ قطر، ط1، عام 1984م.
12 - بنكراد، سعيد: (2009م)،  ذاكرة الماء ولا وعي السرد، الطوفان الرمزي في السرد الروائي، مجلة علامات، العدد 18، ص 5
13 - الحكاية الخرافية، ص 23
14 - إبراهيم، نبيلة: قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية، ص 32، مكتبة غريب، القاهرة ـ مصر، ب ت.
15 - المساحات المختفية، ص 47
16 - حكايات شعبية من الخليج، ص 202
17 - الحكاية الخرافية، ص 23 ـ 24
*انظر تفسير برهان الدين البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ج4، ص486، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط1، عام 1995م. الذي أود العديد من الآثار التي دلت على أن تفسير الآية (اتخذ سبيله في البحر سربا)، أي أن الله بعث الحوت حيا وانزلق يسبح في ماء البحر ليكون آية لموسى عليه السلام.

أعداد المجلة