اللغة العدد
رؤية سميوأنثروبولوجية لليلة الحنّاء مدينة تلمسان أنموذجا
رؤية سميوأنثروبولوجية لليلة الحنّاء مدينة تلمسان أنموذجا
العدد 45 - عادات وتقاليد

أ‭. ‬بكوش‭ ‬نصيرة‭  - ‬كاتبة‭ ‬من‭ ‬الجزائر

أ‭. ‬رحماني‭ ‬نعيمة‭  - ‬كاتبة‭ ‬من‭ ‬الجزائر

 

مقدّمة

الحنّاء‭ ‬لغةٌ،‭ ‬وااللغة‭ ‬نظام‭ ‬من‭ ‬الرّموزب،‭ ‬وقيمة‭ ‬هذه‭ ‬الرّموز‭ ‬اللّغوية‭ ‬كما‭ ‬تقول‭ ‬الكتابات‭ ‬الحديثة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنّها‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬العُرف؛‭ ‬أي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الاتّفاق‭ ‬الكائن‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬الّتي‭ ‬تستخدمُها‭ ‬في‭ ‬التّعامل،‭ ‬ولذا‭ ‬فالرّموز‭ ‬وسائل‭ ‬اتّصال‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الجماعة1‭.‬

تعرض‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الشهير‭ ‬Durkheim‭ ‬لأهميّة‭ ‬موضوع‭ ‬ا‭ ‬الرمزيةب‭ ‬وتناولها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬ديني‭. ‬وركز‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الاختلافات‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الأشياء‭ ‬نفسها،‭ ‬والتي‭ ‬تخلق‭ ‬معاني‭ ‬مختلفة‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬دوركايم‭ ‬يُحاول‭ ‬دائما‭ ‬أن‭ ‬يبيّن‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬بأن‭ ‬الرّموز‭ ‬تُشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬القداسة،‭ ‬وبأنها‭ ‬لغة‭ ‬عبّر‭ ‬بها‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬مخاوفه‭ ‬أحيانًا‭ ‬أو‭ ‬طموحاته،‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخرى‭. ‬وأنّ‭ ‬الإنسان‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭ ‬ستظلّ‭ ‬له‭ ‬مخاوفه‭ ‬وطموحاته،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬فإنّ‭ ‬اللّغة‭ ‬وما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬تُشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬المقدّس‭ ‬وستظلّ‭ ‬مع‭ ‬تقدّم‭ ‬العلم‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزّأ‭ ‬من‭ ‬التُّراث‭ ‬الإنساني‭ ‬2‭. ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬الطقوس‭ ‬المليئة‭ ‬بالرموز‭ ‬يسعى‭ ‬الإنسان‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬المقدس‭ ‬لتهدئة‭ ‬اضطراباته‭ ‬وإعادة‭ ‬توازنه‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬يمزقه‭ ‬اتصاله‭ ‬مع‭ ‬تقلبات‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭.‬

 

أولا‭: ‬تحديد‭ ‬المفاهيم

1‭)‬تعريف‭ ‬السيميولوجيا‭:‬

كلمة‭ ‬سيميولوجيا‭ ( ‬Sémiologie‭) ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬يونانية‭ ‬التألّيف‭ ‬من‭ ‬شطرين‭ ‬يحملُ‭ ‬الأوّل‭ ( ‬Sémio‭) ‬المأخوذ‭ ‬من‭ ‬الكلمة‭ ‬اليونانية‭ ( ‬Séméion‭) ‬معنى‭ ‬العلامة،‭ ‬ويحمل‭ ‬الثاني‭ (‬Logia‭) ‬معنى‭ ‬الدراسة‭ ‬والعلم‭ ‬وبذلك‭ ‬يكون‭ ‬معنى‭ ‬كلمة‭ ( ‬Sémiologie‭) ‬علم‭ ‬العلامة‭ ‬أو‭ ‬العلامات‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬دراسة‭ ‬العلامة‭ ‬أو‭ ‬العلامات‭. ‬والسّيميولوجيا‭ ‬هي‭ ‬علم‭ ‬العلامات‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬لسانية‭ ‬أم‭ ‬غير‭ ‬لسانية‭ ‬يهتمُّ‭ ‬برصد‭ ‬العلامات‭ ‬المختلفة‭ ‬وبتصنيفها‭ ‬ببيان‭ ‬دلالتها،‭ ‬ويكشف‭ ‬القوانين‭ ‬الّتي‭ ‬تحكمها‭ ‬3‭.‬

2‭) ‬تعريف‭ ‬الحنّاء‭: ‬

نبات‭ ‬شطرِي،‭ ‬مستديم‭ ‬الخضرة،‭ ‬غزير‭ ‬التفريخ‭ ‬ذو‭ ‬اللّون‭ ‬الأحْمر‭ ‬البُنّي،‭ ‬يصل‭ ‬طوله‭ ‬إلى‭ ‬3‭ ‬أمتار،‭ ‬تحتوي‭ ‬الأوراق‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬جيليكوسيدية‭ ‬منها‭ ( ‬اللاّوسُون‭) ‬Lawsone،‭ ‬و‭ ‬الهيدروكس‭ ‬ونفثوكينون،‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬البيولوجي‭ ‬طبيًا،‭ ‬وكذا‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬على‭ ‬الصّبغة‭ ‬واللّون‭ ‬وتحتوي‭ ‬الأزهار‭ ‬على‭ ‬زيت‭ ‬طيّار‭ ‬زكيّ‭ ‬الرّائحة‭ ‬ومواد‭ ‬قابضة‭ ‬ومطهّرة‭ ‬هامة4‭.‬

3‭) ‬تعريف‭ ‬الرّمز‭: ‬

إنّه‭ ‬شيء‭ ‬يُذكّرٌ‭ ‬بشيء‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬يأخذ‭ ‬مكانه‭ ‬أي‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الّذي‭ ‬يتعدّي‭ ‬معناه‭ ‬المباشر،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬كلمة‭ ‬قد‭ ‬تُمثل‭ ‬معاني‭ ‬أخرى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬لها5‭.‬

4‭) ‬تعريف‭ ‬الشّعائر‭:‬

الشعيرة‭ ‬هي‭ ‬وحدة‭ ‬من‭ ‬التّعبير‭ ‬الرّمزي‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬والاتّجاهات،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬Raymond‭ ‬Firth‭ ‬النّشاط‭ ‬الّذي‭ ‬يتبعه‭ ‬شكل‭ ‬محدّد‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬السّلوك،‭ ‬والغرض‭ ‬من‭ ‬ممارستها‭ ‬أو‭ ‬القيام‭ ‬بها‭ ‬تحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬محدّدة6‭.‬

‭ ‬تاريخ‭ ‬ونشأة‭ ‬طقوس‭ ‬الحناء

كيف‭ ‬نشأت‭ ‬ومن‭ ‬أين‭ ‬جاءت‭ ‬طقوس‭ ‬ربط‭ ‬الحنّاء‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬الزّواج؟

بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬يرجعونَ‭ ‬نَشأتها‭ ‬إلى‭ ‬أسطورة‭ ‬إيزيس‭ ‬وأزيريس‭ ‬فيرون‭ ‬أنّ‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬إيزيس‭ ‬وأوزيريس‭ ‬عندما‭ ‬عَمَد‭ ‬إله‭ ‬الشرّ‭ (‬ستّ‭) ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬أوزيريس‭ ‬طمعًا‭ ‬في‭ ‬الملك‭ ‬ومَزّق‭ ‬جسدَه‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬قطعة‭ ‬ووزّعها‭ ‬على‭ ‬أقاليم‭ ‬مصر،‭ ‬فجمعت‭ ‬زوجته‭ ‬إيزيس‭ ‬أشلاءه‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬أنحاء‭ ‬مصر،‭ ‬فكانت‭ ‬كُلّما‭ ‬جمعت‭ ‬أشلائه،‭ ‬تصبغ‭ ‬يدها‭ ‬باللّون‭ ‬الأحمر،‭ ‬فاعتبر‭ ‬المصريون‭ ‬القدماء‭ ‬هذا‭ ‬رمزًا‭ ‬لــ‭ ‬اوفاء‭ ‬الزّوجةب‭. ‬فحرصَتْ‭ ‬الفتيات‭ ‬على‭ ‬تلوين‭ ‬أيديهنَّ‭ ‬قبل‭ ‬الزفاف‭ ‬رمزًا‭ ‬للوفاء7،‭ ‬كما‭ ‬سادَ‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬الأساطير‭ ‬القديمة‭ ‬أن‭ ‬استعمال‭ ‬العروس‭ ‬للحنّاء‭ ‬ليلة‭ ‬الزّفاف‭ ‬كفداء‭ ‬وتعويض‭ ‬لدم‭ ‬البكارة‭ ‬التي‭ ‬تفقدها‭ ‬العروس‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللّيلة8‭. ‬وقد‭ ‬فُتحت‭ ‬فكرة‭ ‬الفدو‭ ‬مجالاً‭ ‬لأن‭ ‬يرمز‭ ‬بشيء‭ ‬لغَيره،‭ ‬لعلاقة‭ ‬ما‭ ‬بينهما‭ ‬في‭ ‬اللّون‭ ‬أو‭ ‬الشّكل،‭ ‬أو‭ ‬المادَّة‭ (‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحناء‭ ‬ايقونة‭ ‬للدم‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬استخدمت‭ ‬الحنّاء،‭ ‬وكغيره‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الأحمر‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬الدّم‭ ‬لتُغْمس‭ ‬فيه‭ ‬أطراف‭ ‬العروسين‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬بالفعل‭ ‬الخصبيب9‭ ‬وهذا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬للحنّاء‭ ‬علاقة‭ ‬بدم‭ ‬بكارة‭ ‬العروس‭. ‬وتخضيب‭ ‬أطراف‭ ‬العروسين‭ ‬الأيدي‭ ‬والأرجل‭ ‬بالحنّاء‭ ‬استعدادًا‭ ‬للزّفاف‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬الانغماس‭ ‬الكُلّي‭ ‬في‭ ‬الفعل‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬طقوس‭ ‬الحناء‭ ‬قد‭ ‬نشأت‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬حيث‭ ‬وَجد‭ ‬النَاس‭ ‬طرقا‭ ‬صائبة‭ ‬نجحت‭ ‬لإشباع‭ ‬حاجاتهم‭ ‬فبدأوا‭ ‬يُكرّرونها‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مناسبة‭ ‬وتمسّكُوا‭ ‬بها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬فتبلورت‭ ‬وأصبحت‭ ‬عادة‭ ‬اجتماعية‭. ‬فتجربتهم‭ ‬للحنّاء‭ ‬في‭ ‬الزّينَة‭ ‬والعلاج‭ ‬عُضويا‭ ‬ونفسيًّا‭ (‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الأرواح‭ ‬الشريرة‭) ‬جعلهم‭ ‬يستعملونها‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّاء‭. ‬وأصبحنا‭ ‬نحن‭ ‬نتوارث‭ ‬هذه‭ ‬العادة‭ ‬ونحاكي‭ ‬أجدادنا‭ ‬وآباءنا‭ ‬لا‭ ‬شعوريًّا‭ ‬ودُون‭ ‬وعي‭ ‬منّا10‭.‬

 

علاقة‭ ‬الشعائر‭ ‬بالرّموز

تلعب‭ ‬الشعائر‭ ‬دورا‭ ‬هاما‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاتصال‭. ‬وقد‭ ‬اعتبر‭ ‬إدموند‭ ‬ليتش‭ ‬Leach‭ ‬الباحث‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬أنّ‭ ‬أحسن‭ ‬استخدام‭ ‬للشعائر‭ ‬يكون‭ ‬عند‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الاتّصالي‭ ‬للسّلوك‭. ‬وهو‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭ ‬الثقافة‭ ‬مجموعة‭ ‬السّلوك‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬وظيفة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬والشّعائر‭ ‬لاَ‭ ‬تُمارسُ‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬تُوحي‭ ‬بأشياء‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الممارسة11‭.‬

وتعتبر‭ ‬الرّموز‭ ‬إحدى‭ ‬الصّيغ‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬تُساعدنا‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الأشياء،‭ ‬وترسخ‭ ‬بعض‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬الأذهان،‭ ‬وهي‭ ‬الوسائل‭ ‬الأولى‭ ‬لكي‭ ‬ندرك‭ ‬بها‭ ‬الأشياء،‭ ‬وكُلّمَا‭ ‬زادت‭ ‬معرفتنا‭ ‬بالرّموز‭ ‬كلّما‭ ‬زادَ‭ ‬إدراكنا‭ ‬لأنماط‭ ‬السّلوك‭ ‬المختلفة‭. ‬وتمثل‭ ‬الرّموز‭ ‬الدّينية‭ ‬مكانة‭ ‬خاصّة‭ ‬لأنّها‭ ‬تُساعد‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬الجَمَاعات‭ ‬وترابُطها12‭.‬

وقد‭ ‬اعتبر‭ ‬فيكتور‭ ‬تيرنر‭ ‬Victor Turnor‭ ‬أنّ‭ ‬الرّمز‭ ‬هو‭ ‬أصغر‭ ‬وحدة‭ ‬للشعيرة،‭ ‬وهو‭ ‬الّذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬صفات‭ ‬معيّنة‭ ‬فتوضّح‭ ‬السّلوك‭ ‬الشعائر،‭ ‬واعتبره‭ ‬الوحدة‭ ‬النّهائية‭ ‬لبناء‭ ‬معيّن‭ ‬في‭ ‬محتوى‭ ‬الشّعائر‭ ‬يُمكنُ‭ ‬ملاحظته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرّضا‭ ‬والقبول‭ ‬العام‭ ‬كما‭ ‬أنَّه‭ ‬يرتبط‭ ‬بفكرة‭ ‬أو‭ ‬بحقيقة‭ ‬معيّنة‭ ‬13‭.‬

 

‭ ‬ليلة‭ ‬الحناء‭ ‬وشعائر‭ ‬المرور

الاحتفال‭ ‬بليلة‭ ‬الحناء‭ ‬لها‭ ‬معانيها،‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬المدلولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والنفسية‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬سواء،‭ ‬إذ‭ ‬يُفرض‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬مجتمع‭ ‬إنساني‭ ‬عند‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أو‭ ‬مكانة‭ ‬القيام‭ ‬ببعض‭ ‬الشعائر‭ ‬والطقوس‭ ‬باعتبارها‭ ‬علامات‭ ‬وإشارات‭ ‬تمارس‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬خاصّة‭ ‬بها‭. ‬ورغم‭ ‬التطوّر‭ ‬التكنولوجي‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬الحنّاء‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬مكانتها‭ (‬وإن‭ ‬حدث‭ ‬بعض‭ ‬التغيّر‭ ‬فيها‭) ‬وهذا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬وظيفتها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬فلا‭ ‬زالت‭ ‬عادة‭ ‬الحنّاء‭ ‬تتوارث‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يُدْلي‭ ‬بقيمتها‭ ‬وأهمّيتها‭ ‬عند‭ ‬المجتمع‭ ‬التلمساني‭ ‬ويقول‭ ‬اcassinerب‭.‬

ا‭ ‬إنّ‭ ‬قيمة‭ ‬العلامات‭ ‬والإشارات‭ ‬ليست‭ ‬فيمَا‭ ‬تُمثّل،‭ ‬ولكن‭ ‬فيما‭ ‬تتعدّاه،‭ ‬فكلّ‭ ‬إشارة،‭ ‬وكلّ‭ ‬علامة‭ ‬تحملُ‭ ‬في‭ ‬مضمونها‭ ‬معنى‭ ‬معيّن‭ ‬يكون‭ ‬هدفها‭ ‬الأوّل‭ ‬والأخير‭ ‬توصيلها‭ ‬للآخرينب14‭.‬

إنّ‭ ‬انتقال‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أخرى‭ ‬ومن‭ ‬منصب‭ ‬ومكانة‭ ‬إلى‭ ‬منصب‭ ‬ومكانة‭ ‬أخرى،‭ ‬يتطلّب‭ ‬منه‭ ‬القيام‭ ‬ببعض‭ ‬الطّقوس‭ ‬والشعائر‭ ‬ومنها‭ ‬االتخضب‭ ‬بالحنّاءب‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬فان‭ ‬جنب‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬النّوع‭ ‬من‭ ‬الشعائر‭ ‬والطقوس‭ ‬شعائر‭ ‬المرور‭ ‬أو‭ ‬الانتقال‭ ‬افإنّ‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬يُطلقون‭ ‬عليها‭ ‬أزمة‭ ‬الحياةب‭ ‬اLife chisis-ritualsب‭ ‬لأنّها‭ ‬تُميّز‭ ‬المراحل‭ ‬الحرجة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأفراد15‭.‬

وتعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الشعائر‭ ‬علامة‭ ‬تدلُّ‭ ‬على‭ ‬انطلاق‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية،‭ ‬وتتطلب‭ ‬ممارسة‭ ‬هذه‭ ‬الشّعائر‭- ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬Taylor‭ -‬استخدام‭ ‬مجموعة‭ ‬متنّوعة‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬والأشياء‭ ‬أو‭ ‬المكنات‭ ‬الضّرورية‭ ‬والمناسبة‭ ‬لإقامتها16‭.‬

كَمَا‭ ‬يعكسُ‭ ‬هذا‭ ‬الاحتفال‭ ‬ا‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّاءب‭ ‬ما‭ ‬تتحمّله‭ ‬النّسوة‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬عبر‭ ‬شعائر‭ ‬المرور،‭ ‬فالتحوّل‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬اجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬مكانة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أخرى،‭ ‬ومن‭ ‬العذرية‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬المرأة‭ ‬تُصاحبه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭ ‬الشعائرية‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالتحوّلات‭ ‬والتغيّرات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬الاجتماعية17‭.‬

 

سميولوجية‭ ‬الحنّاء

بعد‭ ‬أن‭ ‬يتكرّر‭ ‬الرّمز‭ (‬الحنّاء‭) ‬يُستخدم‭ ‬كدليل‭ ‬وعلامة‭. ‬ويُمكن‭ ‬تحديد‭ ‬معناه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ملاحظة‭ ‬الظّروف‭ ‬أو‭ ‬المناسبة‭ ‬التي‭ ‬يُستخدم‭ ‬فيه،‭ ‬فالحنّاء‭ ‬مثلاً‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬المرأة‭ ‬دليلٌ‭ ‬يُجسّدُ‭ ‬حدثا‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬ومنها‭ ‬حدث‭ ‬الزّواج‭. ‬وهذا‭ ‬الدّليل‭ ‬يتكوّن‭ ‬من‭ ‬دال‭ ‬ومدلول‭ ‬فالدّال‭ ‬هو‭ ‬علامة‭ ‬بصرية‭ (‬حُمرة‭ ‬راحة‭ ‬اليد‭) ‬والمدلول‭ ‬هو‭ ‬زواج‭ ‬المرأة‭. ‬والبقعة‭ ‬الحمراء‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬راحات‭ ‬الفتيات‭ ‬مثلا‭ ‬دليلٌ‭ ‬على‭ ‬حضورهنّ‭ ‬في‭ ‬عرس‭ ‬صديقتهنّ‭ ‬أو‭ ‬إحدى‭ ‬بنات‭ ‬أقاربهنّ،‭ ‬ولا‭ ‬يغيب‭ ‬على‭ ‬بالنا‭ ‬تنافس‭ ‬الفتيات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللّيلة‭ ‬لوضع‭ ‬حنّاء‭ ‬العروس‭ ‬في‭ ‬راحتهّن‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬هذه‭ ‬العادة‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬مُعيّن‭.‬

ولقد‭ ‬اهتم‭ ‬علماء‭ ‬السّيميولوجيا‭ ‬بالمواد‭ ‬التّزينية‭ ‬للمرأة‭ ‬كالكحل‭ ‬والسّواد‭ ‬والخضاب،‭ ‬واعتبروا‭ ‬ألوانها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأنساق‭ ‬الدالة‭ ‬تجعل‭ ‬عالم‭ ‬اللّون‭ ‬مفتوحًا‭ ‬لقراءات‭ ‬متعدّدة‭ ‬يكشف‭ ‬عنها‭ ‬المتلقّي‭.‬

ا‭ ‬واعتبروا‭ ‬أنّ‭ ‬اللّون‭ ‬الأحمر‭ ‬يرمز‭ ‬للحياة‭ ‬والخصب‭ ‬والحبّ‭ ‬والإثارة‭ ‬والرّغبة‭ ‬الجنسيةب18‭ ‬لذلك‭ ‬فالعروس‭ ‬محبوبة‭ ‬على‭ ‬التزيّن‭ ‬بالحنّاء‭ ‬لزيادة‭ ‬الشوق‭ ‬ودفع‭ ‬النّفور‭.‬

 

مراسيم‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّاء

يعكس‭ ‬الاحتفال‭ ‬بليلة‭ ‬الحنّاء‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬الدّراسة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الاندماج‭ ‬والتضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعائلي‭ ‬وقد‭ ‬أسماه‭ ‬دوركايم‭ ‬بالتّضامن‭ ‬الآلي،‭ ‬حيث‭ ‬تجتمع‭ ‬النّسوة‭ ‬من‭ ‬أقارب‭ ‬العروس‭ ‬لمساعدة‭ ‬الأمّ‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الطّعام‭ ‬ومستلزمات‭ ‬أخرى‭ ‬ترتبط‭ ‬بهذه‭ ‬اللّيلة‭. ‬ونفس‭ ‬الأمور‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬العريس‭. ‬فالتّفاعل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬اللّيلة،‭ ‬ولا‭ ‬يحدث‭ ‬التّفاعل‭ ‬إلاّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمليّات‭ ‬الاتّصال‭ ‬الّتي‭ ‬تعدُّ‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬الأساسية‭ ‬لإحداث‭ ‬التّفاعل‭ ‬والّذي‭ ‬يتجلّى‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬تعاون‭ ‬وتبادل‭ ‬منافع‭ ‬ومساعدات‭ ‬تُقدّمها‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة19‭ ‬مثل‭ ‬كبش‭ ‬أو‭ ‬خضر‭ ‬وفواكه‭ ‬أو‭ ‬خبز‭ ‬أو‭ ‬هدايا‭ ‬أخرى‭ ‬خاصّة‭ ‬بتفريش‭ ‬البيت‭.‬

تبدأ‭ ‬مراسيم‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّاء‭ ‬باستقبال‭ ‬المدعوّين‭ ‬ثمّ‭ ‬تقديم‭ ‬الطّعام‭ ‬لهم،‭ ‬ويتمثل‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬الحريرة‭ ‬والبرقوق،‭ ‬ويفضّل‭ ‬أهالي‭ ‬منطقة‭ ‬تلمسان‭ ‬الأكل‭ ‬الحلو‭ ‬وذلك‭ ‬لاعتباره‭ ‬رمزا‭ ‬للمودّة‭ ‬والسعادة‭ ‬التي‭ ‬ستجمع‭ ‬العروسين‭ ‬ويَضمن‭ ‬لهما‭ ‬الدّيمومة‭ ‬والاستمرارية‭. ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬تلبس‭ ‬العروس‭ ‬لباسًا‭ ‬أبيضًا‭ ‬أثناء‭ ‬ربط‭ ‬الحنّاء‭ ‬لأنّ‭ ‬هذا‭ ‬اللّون‭ ‬يُشيرُ‭ ‬إلى‭ ‬الطهارة‭ ‬والنقاء‭ ‬والصّفاء‭ ‬في‭ ‬اعتقادهم‭. ‬وتحمل‭ ‬فتاتان‭ ‬صغيرتان‭ ‬شمعتين،‭ ‬فالإنارة‭ ‬شيء‭ ‬مهمّ‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬طرد‭ ‬الظّلام‭ ‬والأرواح‭ ‬الشريرة‭.‬

وتُرافق‭ ‬هذه‭ ‬الطّقوس‭ ‬أغاني‭ ‬شعبية‭ ‬خاصّة‭ ‬بربط‭ ‬الحنّاء‭ ‬وهي‭ ‬تعتبر‭ ‬إعدادا‭ ‬نفسيا‭ ‬للعروسين‭ ‬بحيث‭ ‬تُهيّئهما‭ ‬للفعل‭ ‬الخصبي،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الأهازيج‭:‬

حلِيمَة‭ ‬سَابَغْ‭ ‬لَنْجَارْ‭                   ‬يَا‭ ‬اللّي‭ ‬هَلَّكْتْلي‭ ‬غَواني

حْلِيمة‭ ‬سَابْغْ‭ ‬لنْجَارْ‭                 ‬والزَّايخة‭ ‬ترضى‭ ‬علَى‭ ‬البَرّانْي

تُؤثّرُ‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬تأثيرًا‭ ‬شديدا‭ ‬في‭ ‬نّفس‭ ‬العروس؛‭ ‬إذْ‭ ‬يمتزج‭ ‬فيها‭ ‬الألم‭ ‬بالسّعادة‭ ‬أي‭ ‬سعادتها‭ ‬بيوم‭ ‬زفافها،‭ ‬وألمها‭ ‬لمفارقة‭ ‬حُضْنِ‭ ‬عائلتها،‭ ‬فتبكي‭ ‬العروس‭ ‬عند‭ ‬سماعها‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭. ‬وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬عدّة‭ ‬رموز‭ ‬لبكاء‭ ‬العروس؛‭ ‬فهي‭ ‬تبكي‭ ‬على‭ ‬فراق‭ ‬أسرتها‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬الّذي‭ ‬حَبَا‭ ‬على‭ ‬تربيتها،‭ ‬والأمّ‭ ‬الّتي‭ ‬غَمرتها‭ ‬بْحنانها‭ ‬الصّادق‭ ‬الدّافئ‭ ‬وإخوتها‭ ‬الذّين‭ ‬عوّدُوها‭ ‬على‭ ‬الألفة‭ ‬والمحبّة‭ ‬وتبادل‭ ‬الحديث‭. ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يركز‭ ‬البكاء‭ ‬أيضًا‭ ‬للإخصاب‭ ‬والفأل‭ ‬السّعيد‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يعتبره‭ ‬رمزا‭ ‬وإشارة‭ ‬للحشّمة‭ ‬والوقار‭.‬

وَالأغنية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬ليست‭ ‬للتّسلية‭ ‬والترويح‭ ‬فقط‭ ‬وإنّما‭ ‬تعكس‭ ‬قيما‭ ‬اجتماعية‭. ‬ويظهرُ‭ ‬ذلك‭ ‬جليًّا‭ ‬في‭ ‬الشطر‭ ‬الثّاني‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الثّاني‭ ‬ا‭ ‬الزّايخة‭ ‬تَرضى‭ ‬على‭ ‬البّرانيب‭. ‬والمعنى‭ ‬الذي‭ ‬نستخلصه‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬ابنتهم‭ ‬بنت‭ ‬حسب‭ ‬ونسب‭ ‬وشرف‭ ‬وهي‭ ‬مطيعة‭ ‬لأبيها‭ ‬بمن‭ ‬يختارُهُ‭ ‬هُوَ‭ ‬لَهَا‭ ‬كزوج‭ ‬فهو‭ ‬ا‭ ‬بَرّانيب‭ ‬كما‭ ‬جَاءَ‭ ‬في‭ ‬الأهزوجة‭.‬

 

وظائف‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّاء

اهتمّ‭ ‬التّلمسانيونَ‭ ‬بالاحتفال‭ ‬بليلة‭ ‬الحنّاء‭ ‬بوصفها‭ ‬علامة‭ ‬وميزة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬وظائف‭ ‬اجتماعية‭ ‬هامة‭ ‬كالوظيفة‭ ‬التزيينية‭ ‬والعلاجية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والنفسية‭.‬

1‭) ‬الوظائف‭ ‬التّزيينية‭:‬

الحنّاء‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الزّينة،‭ ‬كانت‭ ‬تستعملها‭ ‬المرأة‭ ‬قديمًا،‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬تستعملها‭ ‬لغاية‭ ‬اليوم‭ ‬كمادّة‭ ‬لتجميل‭ ‬اليد‭ ‬والقدم‭ ‬وصباغة‭ ‬الشّعر‭.‬

وقد‭ ‬رغّب‭ ‬الرسول‭ ‬ﷺ‭ ‬المرأة‭ ‬للتزيّن‭ ‬بالحنّاء‭. ‬وقد‭ ‬أخبرنا‭ ‬أبو‭ ‬أحسن‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬المقرئ‭ ‬أنّ‭ ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬محمّد‭ ‬بن‭ ‬إسحاق‭ ‬أنّ‭ ‬يوسف‭ ‬بن‭ ‬يعقوب‭ ‬أنّ‭ ‬محمّد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬أنّ‭ ‬بشر‭ ‬بن‭ ‬المفضّل‭ ‬أنّ‭ ‬أبو‭ ‬العقيل‭ ‬قال‭: ‬

قالت‭ ‬بهية‭: ‬سمعتُ‭ ‬عائشة‭- ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنها‭- ‬تقول‭: ‬كان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬ﷺ‭ ‬يكره‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬يديها‭ ‬أثر‭ ‬حنّاء‭ ‬أو‭ ‬أثر‭ ‬خضاب20

كما‭ ‬كان‭ ‬للحنّاء‭ ‬مكانة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الشّعر‭ ‬العربي‭ ‬حيث‭ ‬تغنّى‭ ‬الشعراء‭ ‬القدماء‭ ‬بجمالها‭ ‬في‭ ‬راحة‭ ‬يد‭ ‬المرأة،‭ ‬وفي‭ ‬بواطين‭ ‬أقدامها،‭ ‬يقول‭ ‬النَّابغة‭: ‬

بِمُخضّب‭ ‬رخْص‭ ‬كأنّ‭ ‬بنانه

عنمّ‭ ‬يَكادُ‭ ‬من‭ ‬اللّطافة‭ ‬يُعْقَدُ‭ ‬21

واستعمال‭ ‬الحنّاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬إشارة‭ ‬للجمال‭ ‬والزّينة‭ ‬وترطيب‭ ‬البشرة‭ ‬وتلطيف‭ ‬الجسم،‭ ‬والعروس‭ ‬مجبولة‭ ‬على‭ ‬التزيَّن‭ ‬والتعطّر‭ ‬لزيادة‭ ‬شدّة‭ ‬الشوق‭ ‬والحبّ‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الزوج‭. ‬فالحنّاء‭ ‬ترمز‭ ‬لجذب‭ ‬النّظر‭ ‬وفيها‭ ‬رَائحة‭ ‬عطرية،‭ ‬وهذا‭ ‬يُضفي‭ ‬على‭ ‬ليلة‭ ‬الدّخلة‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬الجاذبية‭ ‬والإثارة‭.‬

فمفهوم‭ ‬الزّينة‭ ‬مشحون‭ ‬بمضمون‭ ‬جنسي،‭ ‬والعلاقة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬العناية‭ ‬بالجسد‭ ‬والجنس،‭ ‬فالعناية‭ ‬والزّينة‭ ‬وُضعتا‭ ‬لخدمة‭ ‬غرض‭ ‬إثارة‭ ‬الرّغبة‭ ‬الجنسية‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أهمّ‭ ‬الأسباب‭ ‬لحضوة‭ ‬المرأة‭ ‬عند‭ ‬زوجها‭.‬

2‭) ‬الوظيفة‭ ‬العلاجية‭: ‬

للحنّاء‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬العلاج،‭ ‬بسبب‭ ‬احتوائها‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬جليكوسيدية‭ ‬ذات‭ ‬دور‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬البيولوجي‭ ‬طبيًّا،‭ ‬ولذلك‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬التئام‭ ‬الجروح‭ ‬والتشقّقات‭ ‬التي‭ ‬تُصيبُ‭ ‬القدمين،‭ ‬وكذلك‭ ‬تعالج‭ ‬الالتهابات‭ ‬التي‭ ‬توجد‭ ‬بين‭ ‬أصابع‭ ‬الأقدام‭ ‬والنّاتجة‭ ‬عن‭ ‬نموّ‭ ‬الفطر22

كما‭ ‬ثبت‭ ‬أنّ‭ ‬للحنّاء‭ ‬تأثيرا‭ ‬فعّالاً‭ ‬في‭ ‬علاج‭ ‬تساقط‭ ‬الشّعر‭ ‬وتثبيته،‭ ‬وإزالة‭ ‬القشرة‭ ‬منه،‭ ‬ومعالجة‭ ‬آلام‭ ‬الرّأس،‭ ‬وقد‭ ‬روى‭ ‬ابن‭ ‬ماجة‭ ‬أنّ‭ ‬النبيّﷺ‭ ‬كان‭ ‬إذا‭ ‬صدَعَ‭ ‬غلَّفَ‭ ‬رأسه‭ ‬بالحنّاء‭ ‬ويقول‭:‬اإنّهُ‭ ‬نافع‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬الصُّداعب23‭.‬

3ـ‭) ‬الوظيفة‭ ‬النفسيّة‭:‬

يعتقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬منطقة‭ ‬تلمسان‭ ‬أنّ‭ ‬للحنّاء‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬تَهْدِئة‭ ‬الأعصاب‭ ‬وإراحتها‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬غرس‭ ‬العواطف‭ ‬النبيلة‭ ‬في‭ ‬النّفس‭ ‬ودليلهم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬تسميتها‭ ‬مأخوذة‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬حنان،‭ ‬والتخضب‭ ‬بالحنّاء‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الزّفاف‭ ‬ا‭ ‬بَاشْ‭ ‬ربّي‭ ‬يْحَنّْ‭ ‬عليهُمب‭.‬

وتستعمل‭ ‬الحنّاء‭ ‬أيضًا‭ ‬لعلاج‭ ‬السّحْر‭ (‬طرد‭ ‬الأرواح‭ ‬السّريرة،‭ ‬ودرء‭ ‬العين‭ ‬والحسد‭)‬،‭ ‬وقديمًا‭ ‬كان‭ ‬الفراعنة‭ ‬يضعون‭ ‬الحنّاء‭ ‬في‭ ‬الأيدي‭ ‬والأقدام‭ ‬ليُحفظُوا‭ ‬من‭ ‬الشَرّ‭.‬

4‭) ‬الوظيفة‭ ‬الاجتماعية‭:‬

تُعَدُّ‭ ‬الحنّاء‭ ‬دلالة‭ ‬رمزية‭ ‬اجتماعية‭ ‬تُميّز‭ ‬العروس‭ ‬عن‭ ‬قريناتها‭ ‬الأخريات،‭ ‬وتضفي‭ ‬عليها‭ ‬بهاء‭ ‬ورونقًا‭ ‬وجمالاً‭. ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬أنّ‭ ‬الحنّة‭ ‬هي‭ ‬اللّيلة‭ ‬الّتي‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬الاحتفال‭ ‬بتحضير‭ ‬العروس‭ ‬وتهيئها‭ ‬ليلة‭ ‬الزّفاف‭ ‬والدّخلة،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الاستحمام‭. ‬وانتهاء‭ ‬بوضع‭ ‬الحنّة‭ ‬في‭ ‬يديها‭ ‬ورجليها‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬خاصّة‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬امرأة‭ ‬غير‭ ‬مطلّقة،‭ ‬وسعيدة‭ ‬في‭ ‬حياتها‭.‬

ولتحنية‭ ‬العروسين‭ ‬قبل‭ ‬الزّفاف،‭ ‬مدلولاتها‭ ‬الوظيفية‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬البحث،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنّها‭ ‬تُشكّل‭ ‬معنى‭ ‬جماعيًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬وثقافيًا‭ ‬يُجمع‭ ‬عليه‭ ‬أبناء‭ ‬المجتمع،‭ ‬فليلة‭ ‬ا‭ ‬الحنّاءب‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬اجتماع‭ ‬بعض‭ ‬قرينات‭ ‬العروس‭ ‬وصديقاتها‭ ‬وأحبابها،‭ ‬بل‭ ‬هُو‭ ‬رمز‭ ‬للتّضامن‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهو‭ ‬يُشكّل‭ ‬بدوره‭ ‬أداة‭ ‬حقيقية‭ ‬لضبط‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬وتنظيمهم،‭ ‬ويكون‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تعايشهم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتكييفهم‭ ‬مع‭ ‬مجتمعهم‭ ‬لتحقيق‭ ‬استقرارهم‭ ‬ورفاهيتهم‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذّي‭ ‬يُدعّم‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بعض‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬والحكم‭ ‬المتوارثة‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأغاني‭ ‬والأهازيج‭ ‬التي‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬ممارسة‭ ‬هذه‭ ‬التّحنية24‭.‬

وقد‭ ‬يعود‭ ‬الاحتفال‭ ‬بهذه‭ ‬اللّيلة‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬التقليدية‭ ‬والّتي‭ ‬تُقيم‭ ‬ا‭ ‬حفلا‭ ‬للعُزَّابب‭ ‬إلى‭ ‬الإعلان‭ ‬بانتهاء‭ ‬حياة‭ ‬الوحدة‭ ‬والعزوبية‭ ‬والتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬المكانة‭ ‬الزواجية‭ ‬الجديدة25‭.‬

خاتمة

الطقوس‭ ‬والممارسات‭ ‬هذه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬الشعبية‭ ‬مارسها‭ ‬الإنسان‭ ‬قديما‭ ‬ولا‭ ‬زال‭ ‬يمارسها‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬معينة‭ ‬كالاحتفال‭ ‬بليلة‭ ‬الحناء‭.‬وللحنّاء‭ ‬عدّة‭ ‬مدلولات‭ ‬مدلول‭ ‬مادّي‭ ‬ينمّ‭ ‬عند‭ ‬استعمالها‭ ‬للزّينة‭ ‬والتجميل‭ ‬والتّداوي،‭ ‬ومدلول‭ ‬معنوي‭ ‬وصل‭ ‬لدرجة‭ ‬المعتقد،‭ ‬وهو‭ ‬وسيلة‭ ‬للتطهير‭ ‬ودَرء‭ ‬الحَسد‭ ‬وإبعاد‭ ‬العين‭ ‬الشريرة،‭ ‬وإثارة‭ ‬العواطف‭...‬ويتّضح‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬أنّ‭ ‬للحنّاء‭ ‬رموزًا‭ ‬كثيرة،‭ ‬تتفرع‭ ‬حسب‭ ‬لونها‭ ‬ووظيفتها‭ ‬عند‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية‭ ‬قديمًا‭ ‬وحديثا،‭ ‬وهي‭ ‬تختلف‭ ‬وتتعدد‭ ‬باختلاف‭ ‬وتعدّد‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وما‭ ‬يطرأ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭. ‬وتبقى‭ ‬ظاهرة‭ ‬الحنّاء‭ ‬هاته‭ ‬ذات‭ ‬خصوصيات‭ ‬يختصُّ‭ ‬بها‭ ‬كلّ‭ ‬مجتمع،‭ ‬وقد‭ ‬يختلف‭ ‬بهذه‭ ‬الخصوصية‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأخرى‭ ‬بحيث‭ ‬تمثل‭ ‬عنصرًا‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الثقافية‭ ‬وتتعرّض‭ ‬لما‭ ‬تتعرض‭ ‬له‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭.‬