اللغة العدد
العبور بلاّ بلل...
العبور بلاّ بلل...
العدد 49 - لوحة الغلاف

في زمن شح الموارد، ما كان مفهوم "إعادة التدوير" مفهوماً رفاهوياً، بل كان حضوراً ضرورياً في حياة المجتمعات البسيطة، لا لأسبابٍ فلسفيةٍ تتعلقُ بالبيئة والحفاظ على الموارد، أو الإفلات من دائرة الاستهلاك المفرط.. وإنما لدواعي الضرورة الحياتية، التي تفرضُ نفسها على الفرد والمجتمع، بوصفه مجتمعاً يفتقرُ للوفرة، ويحتاجُ لإعادة استخدام مختلف الموارد، وكل الأشياء القابلة لإعادة الاستخدام، حتى تستنفذ قدرتها التامة على العطاء، حينها يتسنى لها الخروج من دائرة إعادة التدوير، لتصير إلى عدمها، أو الإتلاف النهائي.

في ذلك الزمن، بالغ البساطة، وما تسودهُ من أوضاعٍ اقتصادية بائسة، كان لـ "الخيش" حضورهُ اليومي من حيثُ الاستخدام المجتمعي، فإلى جانب كونهُ الحافظ للحبوب المستوردة، كان يعادُ استخدامهُ بأشكالٍ مختلفة، بلغت في بعض الأزمنة، ليكون كفناً للفقراء المدقعين، ممن لم يمتلك أهلوهم كلفة شراء رقعة قماش، لتكفين الميت.

وكان الخيش، وهو نسيجُ يمتازُ بمتانته وقوته، يستوردُ من الهند وباكستان، حيثُ يصلُ إلى سواحل الخليج العربي، محملاً بالأرز، وبعض الحبوب، والربيان (الجمبري) المجفف، والخضار كالبصل مثلاً، مشكلاً أفضل حافظٍ لنقلها بكل ما تحتويه من حمولة تتجاوزُ الكيلوغرامات. ونظراً لمتانته، كان المجتمع المحلي يعيد تدويرهُ مرات ومرات. ومن أشكال إعادة التدوير تلك، ما تعكسهُ صورة الغلاف الخلفي لهذا العدد (49)، حيثُ يرتدي الصبي خيشاً للوقاية من زخات المطر، عبر جعل زاويتي الخيش الداخليتين تلتقيان، لتشكل وضعاً مثلثاً، أشبه برداء "دراكولا"، الأسطوري، يوضعُ على الرأس، ليقي لابسه زخات المطر أثناء تنقلاته بين المسافات القصيرة، وذلك نظراً لسماكة الخيش آنذاك، بحيثُ يتسنى للابسه أن يعبر تلك المسافات دون أن يتمكن المطر من التغلغل للطبقة الملامسة لملابسه، ما يبقي ثيابهُ جافة، بيد أن ذلك لا يطول، إذ سرعان ما يُغمرُ الخيش بالماء، ولا يعودُ صالحاً لأداء وظيفة الحماية من البلل. وكانت هذه الظاهرة شائعة أثناء ذهاب الطلبة إلى مدارسهم، أو أثناء تنقلاتهم السريعة بين البيت والآخر.

وفي السياق المحلي البحريني، كانت تسمى حمولة الخيش بـ"جواني العيش"، إذ تردُ من تلك البلدان بأوزان مختلفة، كان الشائعُ منها بالنسبة للخيش المحمل بالأرز، تلك التي تحتوي على أربعة أمنان من الأرز، أي ما يساوي بمقاييس اليوم، ثمانون كيلوغراماً من الأرز في الخيشة الواحدة تقريباً.

وتتفاوتُ مساحات الخيش، حسب محتوياتهُ، بيد أن الشائع آنذاك، أن تكون "جواني العيش"، ذات مساحات طولية تتجاوزُ المتر وبعض المتر، فيما يتفاوتُ عرضها بين السبعين والثمانين سنتيمتر، وهذا ما يجعلها مناسبةً لتشكيل رداء، مضاعف الطبقات، للوقاية من البلل!

سيد أحمد رضا