اللغة العدد
الوحدة العربية في الموسيقي: ودور الجزيرة العربية
الوحدة العربية في الموسيقي: ودور الجزيرة العربية
العدد 49 - موسيقى وأداء حركي

أ.د.  فتحي الخميسي - مصر

تراجعت الأصوات التي تنادي بوحدة العرب، تراجعت تلك الآمال وذلك الرجاء المعقود على الوحدة، وأضحى هذا الطموح الكبير وكأنه ذكريات ماضية وصورا باهتة لطفولة قد عبرت، وكأن دلائل وجود الوحدة كانت مجرد خداع للبصر، غير أن واقع الموسيقى العربية يؤكد عكس ذلك تماما. 

وبداية، تجدر الإشارة إلى إن جوهر التصنيف الآتي والتقسيم إلى أنواع موسيقية عربية عامة من جهة ومحلية خاصة بكل قطر  من جهة أخرى هو اجتهادي الشخصي.

يشهد واقع الموسيقى العربية على الوحدة العربية الحقيقية الموضوعية، وحدة لم تتراجع على مدار الزمن، لقد وقفت ومازالت "الموسيقى العربية" (في الماضي وفي الحاضر) قوية قوة المعابد القديمة، شاهدة بما لا يدع مجالا لأي شك على الروابط  الوثيقة التي انعقدت على أساسها هذه الوحدة والتي تتجلى بوضوح في "الأنغام"، وتلك لو يعلمون هي الروابط الأكثر صلابة لأي وحدة بين العرب عبر التاريخ. 

لقد ارتفع صرح بناء الموسيقى العربية وامتد على مساحة أكثر من عشرين قطرا عربيا. ومنذ مطلع التاريخ العربي – منذ القرن السابع الميلادي – ودول الخليج تضع في هذا البناء حجر أساس، ومرة أخري تضع سوريا حجرا، ثم يضع العراق صخوره الثقيلة، وتدخل مصر بساعدها لتأتي في إثرها المغرب. وعلى هذا النحو قامت قوالب موسيقية (أي طرق متبعة في التأليف الموسيقى) عامة بين العرب (الصوت والموشح والقصيد والموال، سنأتي على ذكر هذا تفصيلا لاحقا)، وها نحن نرى الموال مثلا يحيا في سوريا وفي العراق وفي دول الخليج والأردن، كما نراه نشيطا ومتعدد الأنواع في مصر وفلسطين ولبنان، وافر القوة في المغرب وتاما مكتملا في السودان. وبرغم أن هذه القوالب "عامة" كان كل قطر عربي يضع جزءا من روحه في كل منها.

ولا تنفي هذه الوحدة الموسيقية حقيقة أن كل قطر على حدة كان يصنع لنفسه على مدار التاريخ فنونه الخاصة في التأليف الموسيقى (أي قوالبه الموسيقية الخاصة) والتي تعود إليه وحده وتميزه عن غيره، لهذا السبب تنقسم قوالب العرب الموسيقية إلى قوالب مُوَحِدة "عامة" تأخذ بها وتتقاسم صناعتها إن لم تكن كل الأقطار فكثرة منها، وقوالب داخلية "خاصة" يصنعها هذا القطر أو ذاك وتميزه عن غيره. وكأن الموسيقى العربية توحد بين أطرافها توحيدا تارة، وتتنوع وتثرى باختلاف الأقطار تارة أخرى.

وهكذا، وإلى جانب الرباعي العربي العام تخلقت في كل قطر عربي على حدة قوالب موسيقية داخلية، كقالب "النوبة" في ليبيا والذي يدعي "نوبة المألوف" و"الغرناطي" و"الصنعة" في الجزائر أو "الآلة" في المغرب و"الدور" و"النشيد" في مصر و"الحقيبة" في السودان، و"القدود" في سوريا و"الصنعاني" في اليمن و"المقام" في العراق. ولما كان هذا القطر أو ذاك يستخدم في ذات الوقت قوالب عربية عامة، فإننا نستطيع مشاهدة بلد كالعراق وهو يصوغ "البَسْتَه" المحلية الخاصة، وهو القالب المخصص لغناء النساء في العراق، بينما في ذات الوقت يصوغ ألحان القصيد العربي العام، أو السودان وهو يصوغ غناء "الحقيبة" الداخلي، بينما يؤلف في آن الموال.

أما عن النغم المستخدم عند العرب، فنرى أن العرب يتقاسمون كثرة من المقامات (أي تنظيم النغم) مثل الراست والبياتي والحجاز والنهاوند والكرد والعراق والحسيني، كلها تجرى في مياه العرب وتوحد بينهم، بل أننا لن نقع مهما اجتهدنا على موسيقى عربي واحد، موسيقي من قطر عربي واحد، يجهل تلك المقامات، حتى أن كل موسيقى عربي يستطيع استخراج هذه المقامات من عوده. مثلما يحدث في مصر على حدوده.

اولاً: قالب "الغناء المُتْقَن" ابداع الجزيرة
العربية ومَهْدْ الوحدة الموسيقية العربية
كانت الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي مسقط رأس ما يُعرف ب"الغناء المُتْقَن" الذي ظهر كأول أشكال التأليف الموسيقى العربي تبلورا في التاريخ، أي أول شكل عربي عام مهد للوحدة الموسيقية العربية. وهكذا، وبينما كان الغناء في الجاهلية وصدر الإسلام يقتصر على مصاحبة آلة إيقاعية واحدة تُعرف ب "القَضِيب"، أصبح يضيف للقضيب آلة موسيقية واحدة أخرى هي "العود"، وسمي هذا النوع بـ"الغناء المُتْقَن" لاتخاذه قواعد ثابتة تتمثل في:

1. إيقاع محدد - لم تكن الإيقاعات الموسيقية العربية قد تبلورت تماما بعد في تلك المرحلة التاريخية، كانت ما تزال قائمة على إيقاعات الشعر العربي تابعة لنقرات تفاعيله، لذا كانت غير ثابتة الاستخدام هشة البناء. وظل القرن السابع الميلادي يشهد هذا الارتباك الإيقاعي حتى أعلن "الغناء المُتْقَن" إنهاء ذلك وإقرار بعض الإيقاعات "الضروب" وبلورتها لاستخدامها كمصاحب دائم للغناء، وعلى هذا النحو ظهر أول إيقاعان عربيان (الثقيل الأول والهزج) ما جعل "الغناء المُتْقَن" يدعي أيضا ب"الغناء المُوَقَع".

2. مقام محدد - بعد أن كان من الممكن تبديل المقام، حديث النشأة آنذاك، وفقا لمزاج المطرب المرتجل، تبلور مع "الغناء المُتْقَن" أول تنظيم عربي للمقامات "منظومة الأصابع"1 ليبدأ عصر استقرار القواعد الموسيقية العربية.

لقد امتص "الغناء المُتْقَن" خبرات أشكال التأليف الموسيقى الأقدم لدي قبائل الجزيرة العربية، وارتقى منها وكبر عليها وظل في ذلك حتى قضي على الارتجال المطلق لتلك الأشكال القبلية كافة (ارتجال الإيقاعات وارتجال المقامات)، وبهذه الخطوة اختفت تدريجيا القوالب القبلية ذات الارتجال المطلق (مثل: الرجز والحداء والهزج والسناد والنصب والتهليل والنواح والرثاء والمديح) إذ لم تكن هذه الأشكال قد أنبتت لنفسها ضروبا إيقاعية ثابتة ومقامات راسخة بعد. لقد انتهت فنون القبائل والعشائر العربية ما قبل قيام الدولة المركزية في الجزيرة – فنون القرن السادس ومطلع السابع الميلادي.

وهكذا كان "الغناء المُتْقَن"، بمثابة الإعداد والتمهيد التاريخي لميلاد القوالب العربية العامة2، وكان الملحن "طويس" في الجزيرة هو أهم أعلام هذا الشكل الجديد، ومن بعده يأتي "سائب خاثر".

الطرق المُوَحِدة في التأليف الموسيقى العربي
تشكلت "أربعة" قوالب عربية عامة، قوالب كالأهرامات في التاريخ، ومضت العصور الوسطي العربية بكاملها، منذ مطلع القرن السابع وإلى نهاية القرن الثامن عشر، لتعيش المنطقة قرابة الألف ومائتي عام والموسيقى لديها تظل مرتكزة على هذا الرباعي الكبير:
1. قالب الصوت
2. قالب الموال
3. قالب الموشح
4. قالب القصيد

1) قالب الصوت :
نضج قالب "الصوت" على مشارف الدولة الأموية (نهاية القرن السابع الميلادي) بعد أن تمكن من امتصاص خبرات "الغناء المُتْقَن" وكبر عليه، وإذا به يحل محله لنفس الأسباب التي سمحت للغناء المُتْقَن فيما سبق بالقضاء على أسلافه من أهازيج القبائل.

كان قالب الصوت أكثر تطورا من "الغناء المُتْقَن"، لأن المُتْقَن كان يسمح بترديد نفس مقاطع الشعر بألحان وإيقاعات مختلفة، ويسمح في ذات الوقت بالعكس، أي باستخدام لحن واحد لترديد مقاطع شعر مختلفة، وفي المحصلة النهائية كانت الكلمات المحببة "التي ذاعت بين الناس سابقا" تتردد بأكثر من لحن، واللحن المحبب يتكرر في أكثر من نص شعري، وهكذا يُبِيح " المُتْقَن" تغيير الكلمات وتغيير الألحان، الأمر الذي أفضى بلا شك إلى وضع البناء الموسيقى الواحد في مهب تغييرات من هنا وهناك.

أما القالب الموسيقى الجديد "الصوت" فقد قضي تماما على أي حراك للحن أو للإيقاع أو النص الشعري، فأصبح الضرب أو المقام أو النص الشعري الخاص بـ"صوت" ما يلازم هذا الصوت دون غيره. وهكذا أضحى البناء الفني ثابتا مستقرا لا يتعرض لتغييرات.

وثبات استخدام المقام والإيقاع والنص هي الشروط التاريخية الثلاثة التي استقرت بفضلها أهم قواعد ونظريات الموسيقى العربية، بل وأخطر أسس العلوم الموسيقية العربية. وهي ذاتها شروط التأليف الموسيقى التي ما يزال العمل يجري بها بصرامة اليوم. 

ومازال "الصوت" يمثل أهم ركائز الموسيقى في الجزيرة العربية والخليج، وقد دفعه هذا الاستقرار إلى حياة دامت حتى القرن الواحد والعشرين. ولقالب "الصوت"- على سبيل المثال- في دولة الكويت اليوم أربعة أنواع: العربي والشامي والخيالي والرودماني3.

وعلى الرغم من كل الثبات والتبلور الذي وهبه قالب "الصوت" للموسيقى العربية طوال القرون السابع والثامن والتاسع الميلادي، إلا أنه كان قالبا محدودا للغاية من حيث حجمه وتكوينه إذ كان ما يزال محصورا في حدود بيتين من الشعر، يقوم عبرهما بإلقاء حكمة أو موعظة أو فكرة واحدة بسيطة. ولم يكن هذا ممكنا إلا في إطار لحن موسيقي واحد، وكان هذا اللحن يتكرر عادة عددا من المرات مرهونة بقدر جماله وعذوبته.

2) الموال:
الموال4 هو أهم الطرق المُوَحِدة في التأليف الموسيقى العربي، إنه رأس القوالب العربية العامة. نشأ الموال في القرن التاسع الميلادي على يد موالي الفرس في بغداد العباسية وراح في عناد وإصرار يجول أرض العرب كلها ويدخل كل بيت وينشده كل المزارعين وتردده كل جماعة في الريف مهما باعدت بينهم الأرض.

ويحمل الموال في كل مكان عربي نفس الملامح، فلا تختلف الشروط الأساسية لصياغته من قطر عربي لآخر، إذ تقوم صياغته على الارتجال الغنائي من جانب فرد واحد منشد لا يشاركه أحد في الإنشاد أو العزف، حيث يتقدم هذا المنشد بلحن رئيسي في البداية، ثم يرتجل لحنا ثانيا هو مجرد تنويع للحن الأول، ثم يرتجل لحنا ثالث بمثابة تنويع آخر للأول، فلحن رابع كتنويع للأول أيضا... وهكذا يظل المنشد يستحضر تنويعا وراء الآخر من لحن واحد لتتشكل نفس سلسلة الألحان المتعاقبة - المفتولة من جسد واحد، وهي نفس الصياغة الموسيقية للموال داخل كل قطر عربي، أي أن شرط وضع الموال من لحن واحد مرتجل هو قانون كل موال عربي.

وقبل أن نبدأ سنتفق على استخدام بعض حروف الإنجليزية للإشارة إلى فقرات اللحن وترتيبها، فيشير كل حرف: A إلى اللحن الرئيسي (بداية الأغنية أو المعزوفة) وكل: B إلى اللحن الثاني وكل: C إلى الثالث و:D إلى الرابع تواليا.
وهكذا فاللحن الأول A هو ذلك الذي يتم ارتجاله مباشرة من قبل فرد واحد "مؤدي"، يأتي بعده استخراج لحن ثاني A2 من نفس الأول، فلحن ثالث منه A 3 فرابع A4 (تكثر الألحان المستخرجة من اللحن الأول بقدر الكلمات المطلوب إنشادها) بحيث تصبح الألحان كلها تنويعات (كثيرة الشبه) لنفس اللحن بما يرسم الخريطة الآتية:
اللحن الأساسي                 A
لحن ثاني تولد من الأول     A 2
لحن ثالث تولد من الأول     A 3
لحن رابع تولد من الأول     A 4

أفضى الموال، القائم على تقديم لحن واحد ثم ألحان هي تنويعات عليه، إلى نشأة لحن ثاني مستقل إلى جانب الأول ما أدى بدوره إلى مزيد من تبلور "البناء الثنائي" الذي قاد بدوره إلى مبدأ حاسم ومهم هو "البداية والوسط والنهاية"، أي وضع مسار واضح لكل عمل موسيقي يتألف من: "بداية ونهاية ووسط".

ولا ينفي القانون العام لصياغة الموال حقيقة أن الموال في كل بلد عربي يكتسب شكلا خاصا عند "التطبيق" فنجده في السودان يختلف عن نظيره العراق وفي لبنان مثلا نجد منه "الميجانا" و"العتابا"، ويتخذ في مصر أكثر من مظهر فمنه: "الموال الأخضر" و"الموال الأحمر".

3) الموشح:
سار "الموشح" على طريق الموال تغزله كل البيوت، وظهر الموشح في نفس زمن ظهور الموال في القرن التاسع الميلادي على يد الموسيقى "زرياب" وأتباعه في أقطار الأندلس. ويقوم بناء الموشح على ثلاثة أقسام5: "البدنية" و"الخانة" و"القفلة". ولكل من الأقسام الثلاثة لحنه، وتتكرر "البدنية" لتصبح اثنتين متعاقبتين: "بدنية أولى" و"بدنية ثانية"، ولحن البدنية الأولى هو نفس لحن البدنية الثانية مع اختلاف الكلمات، كما إن اللحن الأول المتكرر للبدنية هو ذاته لحن القفلة. فبناء الموشح إذن يتركب من لحنين اثنين فقط، يبدأ بالأول (الذي يتكرر) ثم يتلوه الثاني، ثم يُخْتَتَم بعودة الأول.

لم يكن تَقَدُمْ بناء الموشح العربي بخطوة قليلة الشأن أبدا، إذ كان وضع لحنين متعاقبين في عمل فني واحد يعني بالضرورة عقد صلة بينهما، صلة الذهاب والتنقل والتبدل من لحن أول للحن ثاني، صلة التباين والاختلاف الضرورية لتبرير وجود لحنين. كان المطلوب إنشاء جسدين من النغم كل منهما مختلف عن الآخر ومرتبط به في آن، كل منهما يعاكس الآخر وينافسه ولكنه يقود إليه في ذات الوقت. ويعني هذا أيضا وجود أكثر من شخصية فنية (أكثر من لحن)، الأمر الذي أفضى بالضرورة إلى تكرار اللحن الأول لإحكام "الختام".

أقام الموشح الدنيا وأقعدها بسبب التقدم الديالكتيكي الدرامي الذي حققه في بني الموسيقى العربية، ولذا ظل الموشح يمثل الأساس الأهم لتطور الصياغة الموسيقية حتى النصف الأول للقرن العشرين. كيف لا يصبح الموشح أهم بناء موسيقي عربي؟ وهو الذي أقر الصيغة الثنائية ودفع العقل الموسيقى بذلك إلى الخروج عن فكرة "اللحن الواحد" وإلى التفكير في تكوين عمل فني من أكثر من شخصية موسيقية؟ 

4) القصيد:
كان طريق نشأة القصيد6 الموسيقى طويلا ومتعرجا، إذ تَوَلَد تدريجيا من منبعين اثنين: فمن ناحية كان يخرج من قالب "الصوت"، ومن ناحية أخرى من قلب "الموشح"، يخرج من منبعين على الرغم من أن انتسابه لقالب الموشح أكبر بكثير من انتسابه إلى قالب "الصوت". وقد كان الغالب على قالب "الصوت" الأموي – العباسي أن يتخذ من أبيات الشعر العمودي بيتين اثنين (أي أربعة اشُطْر) مع احتمالات بعض الزيادة. بيد أن امتداد محافل بني العباس تطلب إنشاد العديد والعديد من "الصوت" إشباعا لتلك الجلسات المطولة في أحضان قصورهم المترفة، وقد كثرت أعداد "الصوت" وتوالت على نحو دفع قالب "الصوت" ذاته إلى التغيير، حيث كانت تتردد في المحفل الواحد عشرات "الأصوات" المتتالية، لذا سعوا – اتقاء لتفتت فنون المحفل - إلى "تجميع وضم تلك الفقرات الموسيقية" بطريقتين اثنتين:

1. ضم بعض "الأصوات" إلى بعضها البعض لصقا؛
2. إطالة كل "صوت" على حدة باستخدام أبيات أكثر من الشعر وصولا إلى قصيدة شعرية كاملة.

وبديهي أن يصبح "الصوت" الأكثر شعرا هو الأكثر ثراء، وتلك شروط تخلق "القصيد"، حيث امتد زمن "الصوت" وظل على امتداده حتى تخلق منه ذلك الجنين الجديد لقالب "القصيد" الموسيقى. كان "القصيد" الموسيقى الوليد يمتص من الموشح ما هو أهم من مجرد استخدام كلمات قصيدة شعرية كاملة، إذ أخذ (طالما أن الكلمات أصبحت كثيرة وتضم أكثر من فكرة) باستخدام أكثر من لحن موسيقي في تتالي، وهكذا وبينما كان "الصوت" يعتمد على لحن واحد ويعتمد الموشح على أكثر من لحن، أصبح بوسع "القصيد" الوليد أن يرث صفة "تعدد الألحان"، وفي النهاية اكتمل هذا "القصيد" مُشَكَلا من عدة أبيات وعدة ألحان متتالية، آخذا ملمحا شعريا من "الصوت" تارة وملامح من الموشح (تعدد الألحان) تارة أخرى.

ولما كانت الألحان المتعاقبة للقصيد تختلف عن بعضها بعضا ويشكل كل منها وحدة نغمية مستقلة، برز خطر تشتت هذه الألحان، وأصبح القصيد مهددا على الدوام بفقدان صلات الترابط و" الوحدة العضوية" الداخلية، لذلك عمل القصيد حثيثا للتوصل إلى لحن ما يصلح لمهمة "الربط" بين الألحان وبعضها. لحن يدخل على أي من الألحان المختلفة للقصيد ليضع داخل كل منها جزءا منه وليصبح بذلك قاسما مشتركا بينهم. لحن يُمْكِنُه الالتحام عند الضرورة بأي لحن آخر داخل القصيد. وبتقدم الزمن ومرور السنين تخلق هذا "الرباط" القصير المشترك، وبفضله استطاع القصيد أن يضم ما شاء من ألحان "كوبليهات" وما يلزمها من أبيات الشعر. وغدى القصيد بذلك أطول القوالب العربية وربما أهمها شأنا في التاريخ المعاصر، لماذا لا وهو الذي يضم:

1. شخصيات فنية (ألحان) مختلفة ثم يضم ؛
2. موضوعا يربط بينها (الرباط)، فكأنه مشروع لمسرحية درامية موسيقية.

على أن القصيد لم يكتمل بناؤه علي هذا النحو دفعة واحدة، إذ لم ينضج ذلك كله إلا بعد أن قاربت العصور الوسطي على الانتهاء وقاربت العصور الحديثة على الإشراق. وقصيد اليوم "وريث الأمس" هو ذات الألحان المتعاقبة (كوبليهات) وذات الرباط (اللحن الرئيسي) الذي يتكرر هنا وهناك، كله أو جزء منه على النحو الآتي: 

اللحن الرئيسي
اللحن الثاني: وقد يتلوه اللحن الرئيسي "الرباط" A أو جزء منه
اللحن الثالث: وهو بمثابة تذكرة باللحن الرئيسي "الرباط" A
اللحن الرابع: وقد يضم الرئيسي "الرباط" A أو جزء منه
اللحن الخامس: وقد يضم الرئيسي "الرباط" A أو جزء منه
اللحن الرئيسي: ويأتي للختام وإنهاء دورة الألحان

وفي التاريخ المعاصر نشاهد القصيد الموسيقى وهو يتشكل عند محمد عبد الوهاب أو السنباطي أو القصبجي أو زكريا أحمد على نفس الأسس الموسيقية الأموية العباسية.

وهكذا يبدو العرب في التفافهم حول الأعمدة الأربعة (الصوت والموال والموشح والقصيد) طوال هذا الزمن وكأنهم عقدوا العزم على نسج رباط وثيق للروح العربية من خيوطها هي نفسها، وقاموا بذلك بأن صنع كل قطر لنفسه نموذجا (خاصا) من هذه الأربعة. ولقد تبنى كل عرب آسيا ولا يزالون قالب الصوت – في الماضي وفي الحاضر، وتبنى أكثر العرب قالب الموال، بينما يكاد الموشح يصبح قاسما مشتركا للجميع وإن تبدلت بعض أساليبه من قطر عربي لآخر، بل أن الموسيقى المعاصرة لأي قطر تخلى عن الموشح لم تنج من تأثيرات الموشح القادمة من البلاد المحيطة.

وعود على بدء،
ورغم كل، هذا مازال البعض يتساءل والشك يغلب عليهم: هل هناك موسيقى عربية ذات تقاليد وأعراف متميزة حقا؟ هل يشير مصطلح "موسيقى عربية" إلى منظومة فنية متماسكة ومتبلورة حقا؟ ويوجه البعض السؤال للتدليل على بساطة شأن الموسيقى العربية – وهي في أزمة التطور الحالية - مقارنة بالموسيقى الأوروبية، ولزرع شكوك قاتلة حول جدوى موسيقى العرب المعاصرين عامة؟

وردا على هذا التشكيك نقولها مؤكدة علميا: نعم هناك موسيقى عربية موحدة لها نظم وقواعد مترابطة وفيها من تماسك النظام الواحد ما يثير الدهشة، كيف لا وهي تلك الموسيقى التي ما تزال تجري بيننا برغم تناثرها إربا عبر أقطار تزيد عن العشرين، وبين سكان ينتمون إلى أصول عرقية تتجاوز هذا الرقم؟

لو يعلم من يسأل: "هل يشير مصطلح "موسيقي عربية" لمنظومة فنية متماسكة" أن قالب "الصوت" الذي ينشده سعود الراشد في الكويت هو ذلك النبات القديم الذي قاد إلى "قصيد" الأطلال لأم كلثوم! والذي نما جزء منه في دمشق الأموية وجزء آخر في بغداد العباسية، وجزء ثالث أمتد إلى مصر المعاصرة، وأنه ما يزال هناك جزء منه باق في أرض الكويت بعد أن شد عبد الله الفرج جذوره للنماء من جديد! وأن الموشح باختلاف وتعدد ألحانه هو الذي منح سوريا أهم منجزاتها الموسيقية أي "القدود الحلبية"، فالقدود في غناء المطرب الكبير صباح فخري ليست إلا موشحات على الطريقة السورية سميت "قد" لأنها صيغت على "قد" الموشحات العربية، وأن الموشح هو الذي شكل لبلاد المغرب العربي الأربعة تراثهم المتنوع: "النوبات" و"المألوف" و"الآلة" و"الصنعة" و"الأندلسي"!

لو يعلم من يوجه هذا السؤال: إن ضربا إيقاعيا سوريا مثل "الشنبر الحلبي" لعب دوره في موسيقى مصر المعاصرة، وأن موسيقى سوريا تعرف حق المعرفة إيقاع "المصمودي" مصري النشأة ، وأن إيقاعات أقطار العرب قد وصلت إلى أقصى حد من التقارب.

كيف لنا بعد ذلك أن نحتمل الشكوك في وحدة وتبلور منظومة "الموسيقى العربية"؟

إنجازات الموسيقى العربية في البناء والصياغة
هل تعد جزء من الإنجازات الإنسانية الفنية العامة؟
نعم تعد إنجازات الموسيقى العربية جزءا من الإنجازات الإنسانية الفنية العامة، ولم يكن بوسع أي حضارة في العصور الوسطى أن تقدم أكثر مما قدمته الموسيقى العربية.

فبعد نشأتها في العصور الوسطى أتمت الموسيقى العربية مهمة بناء اللحن الواحد المستقر: من حيث الإيقاع (الضروب) والنغم (المقامات) وذلك في شكل قالب "الصوت"، ثم تحركت للأمام بإنجاز اللحن ومن حيث التنويعات عليه أو توابعه في شكل قالب "الموال"، ثم شيدت اللحنين المتعاقبين (A B) في "الموشح". وأصبح من الممكن بعد خطوة تعاقب اللحنين بناء صيغة: "بداية ووسط ونهاية" (A B C) – كما أسلفنا. ومن ثم تقدمت الموسيقى العربية على طريق تطورها لتصل إلى الألحان المتعددة المتعاقبة التي يربط بينها لحن واحد داخل العمل الفني كما في قالب "القصيد".

هل أضافت حضارة روما إلى تركيب الشخصيات الموسيقية شيئا آخر؟ هل كان هناك جديد لدي بيزنطة أو دولة البابوية؟ وهل قدمت غير ذلك حضارات إيران وتركيا العثمانية؟ في الحقيقة لم تقدم كل حضارات العالم الوسيط (أو القديم) سوى البنى ذاتها التي قدمتها الموسيقى العربية في التطور العام:

1. إنشاء وإقرار النظام الإيقاعي؛
2. إنشاء وإقرار النظام المقامي؛
3. تشيد البناء اللحني على مراحل أربعة كبرى:
- اللحن المفرد (البطل الواحد)
- اللحن وتنويعاته (البطل الواحد في حالات مختلفة)
- اللحنين (فكرة وجود أكثر من بطل)
سلسلة الألحان ذات القاسم المشترك (الأبطال المختلفون والذين يربط بينهم موضوع واحد)
لماذا نوجه إذن سيوف الوخز والاتهام للفن العربي، لماذا نشكك في وحدة وتبلور المنظومة الموسيقية العربية؟
وأخيرا، لقد تميزت الموسيقى الأوروبية وحدها بخطوة أخري إضافية في البناء الموسيقى العام، قطعتها في عصر النهضة بالقرن السادس عشر، وتدور حول تركيب الألحان في ضفيرة "الألحان المتزامنة" حيث يتشكل مجرى النغم من عدة ألحان تمضي معا في وقت واحد وتتركب فوق بعضها البعض كأعمال الأوركسترا السيمفوني الأوروبي (السيمفونية والكونشرتو وغير ذلك).
صحيح إن الموسيقى العربية الآن تعاني أزمة تطور عميقة، وصحيح إن هناك تردي فني شديد الوطأة في الأعمال الموسيقية الحالية، غير أن هذا لا يدعو للشك في وحدة المنظومة الموسيقية العربية، ولا في نضج هذا المنظومة وجدواها، ولكنه يدعو لشحذ الهمم من أجل تصحيح المسار وبذل الجهود من أجل استعادة النماء للموسيقى العربية.

الهوامش

1. راجع كلمة "الأصابع" في مواضع كثيرة من أغاني أبو الفرج الأصفهاني.
2. راجع: هنري جورج فارمر: تاريخ الموسيقي العربية حتى القرن الثالث عشر الهجري، منشورات دار مكتبة الحياة 1955 م، بداية من صفحة 101.
3. رسالة الماجستير للأستاذ حمد راشد حمد بورسلي: خصائص فن الصوت بدولة الكويت، دراسة تحليلية، القاهرة، مكتبة المعهد العالي للموسيقي العربية، مايو 2009.
4. يشار كثيرا إلى الموال في الأجزاء الخمس لكتاب مجدي العقيلي "السماع عند العرب"، سوريا 1970، وكتاب فيكتور سحاب "السبعة الكبار في الموسيقي العربية" دار العلم للملاين، بيروت 1987.
5. ترد تفاصيل البناء الموسيقي للموشح في: "حلقة بحث الموسيقي" – الحلقة الأولى، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، القاهرة 1959، وعند سليم الحلو في "تاريخ الموسيقي الشرقية" دار ومكتبة الحياة، بيروت 1970، ولدي سهير عبد العظيم في "أجندة الموسيقي العربية"، دار الكتب القومية، مصر 1992، وعند مجدي العقيلي في "السماع عند العرب"
6. راجع بحث: القصيد أهم بناء موسيقي لأغاني مصر في موضعه بالكتاب

2019