اللغة العدد
دراسات شعبية في سلسلة الموسوعة الثقافية العراقية.. وأضواء جديدة على الحكاية المغربية
دراسات شعبية في سلسلة الموسوعة الثقافية العراقية.. وأضواء جديدة على الحكاية المغربية
العدد 49 - فضاء النشر

أ. أحلام أبو زيد - مصر

نعرض في هذا العدد لمجموعة كتب صدرت عن "الموسوعة الثقافية" وهي سلسلة ثقافية شهرية تتناول مختلف العلوم والفنون والآداب، تصدر عن دار الشئون الثقافية العامة ببغداد. وقد وقعنا على مجموعة من الإصدارات التي اهتمت بفنون الموسيقى والغناء والألعاب الشعبية العراقية ضمن هذه السلسلة، والتي قد لا نجد حولها معلومات كافية على مواقع شبكة المعلومات الدولية، ومن ثم فإن عرضها في جديد النشر قد يفيد المختصين في مجال الثقافة الشعبية من ناحية والقارىء العام من ناحية أخرى، خاصة أن المادة العلمية لهذه السلسلة كتبت في لغة سهلة، إلى جانب التزامها بالمصادر المرجعية الموثقة. وفي رحلة إلى شمال أفريقيا وقعنا على دراسة جديدة في بحث الحكاية الشعبية المغربية، لنتعرف على أصول هذه الحكايات، وأبعادها الاجتماعية وتداخلها مع الأساطير والأحلام والاستيهام والأجناس السردية. وكما يسجل الكتاب فإن عالم الحكاية الشعبية هو عالم خفي الملامح تتناسل قضاياه باستمرار، مما جعله قبلة لمقاربات متعددة، تجد فيها غايتها لأنه مرآة الحياة العامة التي تعيشها الجماعة بكل مكوناتها.

الألعاب الشعبية في الحلة:
صدر عام 2016 عن سلسلة الموسوعة الثقافية رقم 155 الطبعة الأولى لكتاب الألعاب الشعبية لأولاد وبنات مدينة الحلة (1960-1990) للمؤلف محمد حمزة العذاري، ويقع الكتاب في 207 صفحة من القطع الصغير. ويشير المؤلف إلى أن الألعاب المتضمنة بالكتاب قد مارسها وهو طفل في منطقة "الحلة" ومن ثم فقد وضع كتابه بعد أن استشعر طغيان الإعلام والتكنولوجيا على فكر الأطفال وانفصالهم عن تاريخهم وهويتهم الثقافية، فالألعاب في الحاضر اختلفت في الشكل والجوهر عن الماضي، وذلك بعد أن غزت البيوت والصالات الألعاب الألكترونية وغيرها، فهي ألعاب تؤدى في أماكن ضيقة مغلقة ليست فيها حركة لعضلات الجسم ولا تعتمد على القوة البدنية أو تنميها، وإن كان البعض من ألعاب الأمس موجودًا في الوقت الحاضر إلا أنها محدودة وتمارس في مناطق دون أخرى. ويؤكد المؤلف على أن ما يهمنا من التراث هو الألعاب الشعبية التراثية، وبالتحديد تلك الألعاب الخاصة بالأطفال التي تناقلتها الأجيال عبر العصور، ونمتها وطورتها بما يتلاءم والتطور الحاصل في تلك العصور عبر الزمن. وتبدو أصالة تلك الألعاب وانتماؤها إلى عصور قديمة واضحة جدًا من خلال انتشارها بشكل ملفت للنظر، فهي موجودة في كافة بقاع وطننا العربي، وتُلعب بالأسلوب ذاته في العراق ودول الخليج وفلسطين والشام والمغرب العربي واليمن، إلا أن اختلاف اللهجات غيرت أسمائها، وإن كان ذلك يدل على شيء فهو الدليل الأكيد على أن منبعها واحد هو الحضارة العربية والإسلامية عبر العصور..

ويسجل العذاري العادات المرتبطة بألعاب الأطفال في الحلة في فترة تقع بين عامي 1960 و1990، حيث اعتاد الأطفال ممارسة ألعابهم إما في الساحات القريبة من منازلهم، أو في الزقاق أمام بيوتهم، أو في باحة البيت (الحوش) فيما إذا كان واسعًا ومناسبًا لممارسة اللعب. وكانوا يلعبون العديد من الألعاب التي تنمي قدراتهم ومواهبهم، وتمنحهم المزيد من الصحة والعافية، وتغمرهم بالفرح والسعادة. وتختلف الألعاب الشعبية عن بعضها من حيث المضمون وطريقة الأداء، وتمارس من قبل الصغار ذكورًا وإناثًا على حد سواء، وإن كان هناك تخصص في بعض الألعاب، أي أن منها ما يمارس من قبل الإناث فقط ومنها ما يمارس من قبل الذكور والإناث معًا. كما أن الألعاب تختلف في أوقات لعبها فمنها ألعاب صيفية تمارس في الهواء الطلق، ومنها ألعاب شتوية تمارس في حجرات البيوت عند تجمع العائلة، ومنها ألعاب موسمية تمارس مرة واحدة في السنة، ومنها ما يخص مناسبات معينة، ومنها ما هو دائم يمارس في كل وقت.. ويذكر المؤلف أنه قد شارك في ممارسة هذه الألعاب في الحلة في واحدة من أقدم محلاتها وهي محلة "التعيس"، حيث شاهد عن قرب الكثير من ألعاب البنات تُلعب في المحلة أو بين البنات من الأقارب، وقد صنف الألعاب كما شاهدها وسجلها إلى أربع مجاميع، تشمل الفصول الأربعة للكتاب، حيث حرص على تسجيل أسماء الألعاب كما يتداولها الأطفال، وقد جائت على النحو التالي:

أولاً: ألعاب الانتخابات:
وهي الألعاب الخاصة بانتخاب من سيبدأ اللعبة، وهناك طرق عدة لهذا النوع من الألعاب، حيث تمثل "قرعة" من أجل تحديد الفريق الذي سيبدأ باللعب أو الشخص الذي سيبدأ باللعب، ومنها "المحاججة أو الحجة: ويقولون (ياله خل نتحاجج) أي تعالوا نتحاجج، وتتم بأن يمسك اللاعبون بأيادي بعضهم ثلاثة ثلاثة، وذلك بأن يضع كل منهم يده اليسرى باليد اليمنى لزميله أو زميلته، ويعملون مثلثًا متساوي الأضلاع ثم يحركون أيديهم إلى الأعلى والأسفل وهم يرددون:
حجة الله والرسول ما بينه واحد زاغول..

وتستمر طقوس اللعبة لمرحلة الاختيار. وقد يتم الانتخاب باستخدام العملة المعدنية، أو بواسطة الزهر وذلك بالحصول على (الشيش) وهو الوجه الذي يحمل ست نقاط، أو "دو شيش" في حالة كون اللعبة تلعب بزهرين، ومن تلك الألعاب لعبة "الحية ودرج" ولعبة "الليدو" وغيرها.

ثانيًا: الألعاب الشعبية القديمة:
ويقصد المؤلف بالألعاب القديمة تلك الألعاب المتوارثة عبر الأجيال لعشرات بل مئات السنين، والخاصة بالأطفال والصبية في مدينة الحلة التي كانت معروفة بين الناس، ويلعبها أولاد محلاتها في تلك الفترة التي حددها المؤلف- الذي يؤكد دومًا على أنه مارسها مع الإخوة والأقارب في البيت أو مع الأقران أو في المدرسة الابتدائي. وتشمل ألعاب: امصبحكم بالخير- باجر عيد ونعيد- بلي.. يبلبول.. بلي– بيت بيوت- توكي ومحلق– جرّ الحبل- الجعاب- الجقلبمبة- الجلكة- حجنجلي بجنجلي- حدية بدية- حزورات– حنجيلة كافي- الدعبل أو الدعابل- دكي الملوح- الركيضان- السباحة- سمبيلة السمبيلة- سه سه سه مه مه مه- شده ياورد شده- شرطة وحرامية- الصكله- صندوكنه العالي- طباخ .. طباخ- طم اخريزه – الطيارة الورقية- غميضان وختيلان- الغميضه – فرارة الخيط (الخدروف)- قطار السريع- القفز بالحبل- كرة القدم- الكزوة- اللعابات –المحيبس- المرصع- النكيرة- النون والكلكلي- هوس..هوس- يحمصه يزبيبة- ايكول سلمان.

ثالثًا: الألعاب الشعبية الحديثة:
وهي تلك الألعاب التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي، ومنها ألعاب: أريد لون- بايسكلات- تايرات- التصاوير والطرق– التلفون- الجرخ– الجفرة– الحيه ودرج– سبعة والبيضة- الشطح– الطكطاكية- الطين الاصطناعي- العربانه- الفيشه– الليدو- لعبة الميكانو والمكعبات- الرزق ورق.

رابعًا: ألعاب الأعياد:
وهي الألعاب التي كانت تلعب في الحلة أيام عيد الفطر وعيد الأضحى، وهي ألعاب متعددة وبسيطة بساطة العيش في ذلك الوقت، حيث قلة الإمكانات والحالة المادية المتواضعة لأغلب العوائل. ومن هذه الألعاب: البايسكلات- ديلاب الهوه- المراجيح- نركب بالعربانه- النفاخات.

واستخلص بعض الوظائف المرتبطة بهذه الألعاب، حيث لاحظ بعض المهارات التي يكتسبها الأطفال من خلال ممارستهم لبعض الألعاب منها مهارة التصويب، وتظهر في لعبتي (الدعبل) و(الجعاب)، ومهارة التفكير وتنمية الذكاء، وتتضح في لعبتي (الدعبل) و(الجلكة)، كما يكتسب الطفل مهارة استخدام الحواس كالسمع والتركيز من خلالها كما في لعبتي (الختيلة) و(الغميضان). أما القدرة على التحمل والمقاومة وتنمية القدرة على التوازن الجسدي فتظهر في لعبة (الحنجيله كافي) و(سباق الركض) و(جر الحبل). وقد حرص المؤلف في كل لعبة على تسجيل وصفًا دقيقًا لها مع تسجيل قوانين كل لعبة ومراحلها مع بعض الصور للتوضيح، كما سجل بعض النصوص والأهازيج المصاحبة لتلك الألعاب، مثال:

(لعبة شده ياورد شده) تُلعب من قبل البنات وعدد اللاعبات غير محدد، حيث يجلسن على شكل دائرة وتقوم إحداهن التي تم انتخابها بالقرعة (الحجة) بالهرولة والدوران حول الدائرة وهي تنشد:
شده يا ورد.. فتجيبها الجالسات.. شده:
منهيه الورد شده؛
فلانة الورد (وتذكر اسم واحدة من الجالسات) ثم تجيبها الجالسات: شده؛
ضحكتها ورد شده؛
كعدتها ورد شده؛
كومتها ورد شده؛
فتنهض البنت التي ذكر اسمها ثم تقول الأولى:
دورتها ورد شده.
فتبدأ بالدوران ولكن عكس دوران الأولى، بينما تجلس البنت الأولى في مكان البنت التي نهضت، ثم تعاد الكرة بذكر اسم بنت أخرى حتى يأتي الدور على جميعهن.. وتنتهي اللعبة.

الأغاني الشعبية في هيت:
وصدر عام 2014 كتاب "الأغاني والألعاب الشعبية في هيت لعبد الرحمن جمعة الهيتي، عن سلسلة الموسوعة الثقافية رقم 138، في 118 صفحة. والكتاب يتخذ المنهج نفسه المرتبط باستدعاء الذاكرة التي شاركت في ترديد الأغاني والأهازيج، ومارست الألعاب الشعبية منذ عقد السينيات حتى الآن، غير أننا قد انتقلنا الآن إلى منطقة أخرى في العراق الشقيق وهي مدينة "هيت" التي تتسع للكثير من الممارسات والعادات والتقاليد والفنون والحرف الشعبية. ويقدم المؤلف وصفًا لمدينة هيت مرتبطًا بإيقاع الحياة الشعبية المغناة، ففي المدينة مهن وصناعات شعبية عديدة، وكان العمل فيها جماعيًا يتطلب الكثير من التآلف والتكاتف لإنجاز أكثر، فكانت ترافق هذا العمل الجماعي أغان غاية في البساطة والأداء في مفرداتها وألحانها، فهي المحفز الكبير في بذل الجهد يرافقه الغناء الجماعي الذي يشحذ الهمم، وذلك في عمليات إنزال الكايات إلى النهر وعمليات الحصاد وجني التمور، وعمليات السخرة والفزعة في بناء بيت أو أدامة النواعير، أو في عمليات نقل القير في دياجير الليالي المظلمة، وعلى صوت الأجراس المعلقة في رقاب الحمير. كما تُنشد أغان عذبة في أثناء عملية تهبيش الحنطة في الميجنة أو جرش البرغل في الرحى، إذ يبعث صوتها في النفوس شجونًا فتطربها.. وينشد الحايك وهو يعمل بجومته أغان غاية في الروعة والعذوبة، أو في السفر في الكايات المنحدرة نحو جنوب العراق. ويشير المؤلف إلى الأغاني المرتبطة باحتفالات الأعراس حيث طول فترة أيام العرس التي تتجاوز السبعة وما يرافق ذلك من غناء ولعب في عصاري الأيام ولياليها وحركة سير (السراديج) أصدقاء العريس المرافقين له قبل أيام عرسه إلى ما بعد انتهاء أيامه السبعة، فهم يرافقونه ابتداء من زفة العريس وما يصاحبها من هواسات شعبية وغناء وإقامة الدعوات والعزائم وغنائهم في دروب البساتين، كل هذا يشيع البهجة في النفوس.

ويستطرد عبد الرحمن جمعة في وصف الحياة الشعبية في هيت وارتباطها بالغناء الشعبي مشيرًا إلى أن وجود ساحات في المدينة قد ساهم في انتشار الغناء الشعبي، فكانت ملتقى العشاق ومحبي اللعب والطرب، حيث كان الرجال هم الذين يمسكون بزمام الأمور في انتظام سير اللعب، ودعوة الآخرين إلى الالتزام بقواعد الأدب وسير أداء الوصلات الغنائية في الجوبي والمولية والساس.. ومن أسباب شيوع الغناء في المنطقة وجود النواعير المختلفة في سرعة دوران الواحد عن الآخر، وما تحدثه كل واحدة من هذه النواعير من أصوات موسيقية نتيجة دورانه بقوة الماء، فتسمع نغمات موسيقية تشبه سيمفونية رائعة لأعظم فنان هو الطبيعة. كما أن للنساء في هيت أغان خاصة، فهن يهدهدن الوليد في مهده بأنغام شجية وأغان رائعة، ومنهن من يغنين في الأفراح والأعراس غناءً جماعيًا، أو عند ختان أبنائهن، أو ينشدن في الاحتفال عند قدوم الحاج من مكة المكرمة، أو عند فوز أبنائهن في المسابقات الرياضية وفي تفوقهم المدرسي أو الديني بعد ختم القرآن الكريم. وكان إذا اتفق أربعة شبان على لعب الجوبي في بستان (ناعور شوكة) فإنهم يقيمون اللعب، وسرعان ما يزداد عددهم ليصبح أكثر من أربعين شابًا ورجلاً، يلعبون ويغنون ولا يربو عشاؤهم في بيوتهم عن حساء عدس أو ماش أو الهرطمان.. وكان يأتي إلى مدينة هيت مغنون متجولون يحملون الربابة فاستلطف الهيتي أصوات هؤلاء، فكانوا يكرمونهم على أغانيهم التي تطربهم وتدخل السرور إلى نفوسهم.

ويتألف الكتاب من حوالي أربعين أغنية شعبية، وعشرين لعبة.. غير أن المؤلف اهتم في مقدمته أكثر بالأغاني الشعبية التي سجل بعضها باسمها في سياقها الشعبي فجاء ترتيب الأغاني على النحو التالي: الميجنة- المولية- هلا يانور عيوني- يا ام اردانه- الميمر- الشوملي- اللاله ولا له ولا له- من يادرب- الوجن- الكسلة- البلوني بعشرته- اكعد ياناي- العيديه- خايب هو- على اللاي لوي- جان الكلب- بالمال بالمالية- يهدر هديري- ابن عمي- ابنيه ويا بنيه- يادريول السيارة / الراوية- ابو جناغ. هوسة (بالمختار احمد امنا)- على سناسل- المكحلة- لول بعد ليل يا عيني- يا وريقة بالطبشي- يالبنية يالبنية- نخلة طويلة- خشف النحرني / الهودلك- الوحيد امه- الهيركله- الهجع / اشرب كاسك / للمولف اسهردوم- خدري الشاي- بياع الورد / ام جرغد المايل اللومة/ اللومة- اغنية الشمول- الساس- الإبوذية.

وقد حرص المؤلف على تسجيل نص الأغنية وكيفية تأديتها، وبعضًا من تاريخها، وعما إذا كان يصاحبها عنصر الرقص، أو إذا كان يؤديها الرجال أو النساء أو كليهما. وعلى سبيل المثال يصف الأغنية الأولى (الميجنة) بأنها من أغاني مدينة هيت وأعالي الفرات لم يُعرف مؤلفها، يؤديها الرجال والنساء معًا مع صفقات خفيفة بالأيدي وتمايل في الجسم. شاع غناؤها حتى وقت قريب ومازال بعض العوائل تغنيها في أعراس أبنائها، ويلازمها الرقص البريء، وهي تغنى على نغم العجم (ماهوري)، ويسجل نص الأغنية الذي يحتوي أربعة عشر بيتًا بدأت بـ:

الميج يابو الميج يابو الميجنة
لاتعني يا وليفي جيت آنه
يا ريام الواردة مشهد على
ومن عيون الناس يحفظهم على
يا ريام الوردة مشمش وتين
وناسفة زليفة على الكتف اليمين
هاتلي المصحف واحلفلك يمين
مايطب البيت غير انت وانا...إلخ

كما يسجل المؤلف بعض الأغاني ذات الأبيات القصيرة دون أن يلتزم بشروحات لها ربما لشيوعها وبساطتها وقصر كلماتها، مثل أغنية "الهجع" التي تقول كلماتها:

اجلبنك ياليلي اتنعش تجليبه
تنام المسعده وتكول مدريبه
وأغنية:
بسكوت اون بسكوت ما ورج أحد
فاضحني دمع العين يسكب ع الخد

أما الجزء الخاص بالألعاب الشعبية فقد سجل المؤلف ما يقرب من عشرين لعبة، واهتم بشرح قواعدها وأدواتها ومراحلها، وشرح بعض المفردات المستغلقة فيها. وقد جاءت مجموعة الألعاب بالكتاب تحمل العناوين التالية: لعبة الخوزل- لعبة صمينة صمينة- لعبة انزل يادود النمل- حوس عجريب- لعبة الأفرار والغيبة- دور دهانه- لعبة الكعاب- لعبة الدعبل/ الأورطة/ النكيرة- الطيارة الورقية- عشة وعصفورة- المشاويش (المصاريع)- لعبة الحاح- لعبة الكورة- المفقاس (مصياد الطيور المهاجرة)- الشقة- النشابة- ألعاب الذكاء- لعبة صينية- المحيبس- الألعاب النهرية- ألعاب أخرى. ويشير المؤلف إلى أن الكثير من واضعي الألعاب المسلية اعتمد على تطوير وتنمية القوى الجسمانية للإنسان، وإظهارها بمظهر ترقى به ليكون ذا قوة بدنية وعقلية متنورة لخلق فتوة ممتلئة صحة وعافية مدافعة عن مدنهم الصغيرة ضد هجمات اللصوص، خاصة في الفترة المظلمة أواخر أيام الدولة العثمانية. فابتكرت ألعابًا تعنى بذلك إضافة إلى أنها تعتمد في بعضها على الكر والفر والخوزل وقطع الإمداد، فتجسدت في ألعاب الخوزل والتدريب على التخفي والتنصت والحدس، وذلك في لعبتي (الغبية وانزل يادود النمل). والتأكيد على التدريب الرياضي وبناء القدرة الجسمانية في لعبة (صمينة الصمينة) ذات الاستمرارية العالية في الأداء، وتدريبات الفتيان والشباب على الركض والمطاولة فيه في لعبة الإفرار وسباق الخيل وألعاب السباحة، والتأكيد على حسن التصويب إلى الهدف بتكرار لعب المشاويش (الألعاب العظيمة)، وهذه كلها تصب في تنمية القدرات الجسدية لبناء الفتوة العربية التي درجت عليها العوائل في مدينة هيت.

آلات الأطفال الموسيقية
وصدر عن سلسلة الموسوعة الثقافية عام 2012 كتاب "آلات الأطفال الموسيقية الشعبية والتقليدية في التربية" لمؤلفه حسام يعقوب اسحق، تحت رقم 119، في 143 صفحة. ويشير المؤلف إلى أن هذا البحث يركز على استعمال الآلات الشعبية والتقليدية العراقية القديمة، التي يمكن تصنيعها محليًا، ومنها ما باستطاعة الأطفال صناعته بأنفسهم، في البيت أو الصف وبإشراف المعلم، لأن صناعة الآلة الشعبية، وتعلم العزف عليها جماعيًا، يهيئ للطفل فرص تعلم موسيقاه الشعبية عن كثب، وبشكل غير مباشر.. كما يهتم البحث بتوجيه المربين الموسيقيين نحو استثارة الأطفال لاكتشاف الأصوات الموسيقية من بيئتهم، ابتداء بالأصوات المألوفة، التي يمكن أن يؤدوها بأطرافهم (الأيدي والأرجل) وبأبدانهم وحلوقهم، وانتهاء بالأصوات التي تصدر عن الآلات الموسيقية الشعبية، لجعل الطبيعة أساسًا للمعرفة الموسيقية الابتدائية، ولكي يتعلم الأطفال إدراك العلاقة السببية للأصوات (حدتها وشدتها وجرسها).

ويقدم حسام يعقوب بعض التوجيهات العامة في طرق تدريس الآلات، مشيرًا إلى أن صيغ التعرف على الآلات الموسيقية الشعبية وممارستها تتنوع حسب سن الطفل، فإذا كان لأطفال الصفوف المبتدئة (الأول والثاني)، الإكثار من استخدام آلات الإيقاع، فإن أطفال الصفوف الوسطى (الثالث والرابع) والعليا (الخامس والسادس) يتعرفون على آلات أكثر تنوعًا وأصعب تقنية كالشبابة وبعض ذوات الأوتار وغيرها. ويستطرد المؤلف في تسجيل التوجيهات المهمة من قبل المعلم للتلميذ، فيشير إلى أنه على المعلم البحث عن الآلات والأدوات الشعبية الموسيقية المعروفة في منطقته والمناسبة لاستخدامها في الدروس، وتصنيعها أو تعليم الأطفال طريقة صناعتها. وتربية الإبداع الفطري لدى الأطفال إما بصيغة العزف البحت أو بإنشاد الكلام المنظوم أو الغناء. كما أن المعلم مطالب بتطوير قدراته الشخصية في التوزيع للآلات الموسيقية التي يعلمها للأطفال بالطريقة الشفاهية. إذ أن على الأطفال العزف والغناء على السمع شفاهيًا، كما يجب تخفيف شدة صوت الآلات الموسيقية المرافقة لكي لا تطغى على الغناء أو الإنشاد. ومن التوجيهات أيضًا وجوب جلوس الأطفال بشكل نصف دائرة بحيث تقع على يمين المعلم الآلات الثقيلة الصوت، وعلى يساره الحادة الصوت، وتقع آلات الإيقاع في الخلف. ثم يسجل المؤلف في جدول مفصل عدد الآلات التي يجب توافرها لاستيعاب 30 طفلاً من أطفال صفوف المدرسة الابتدائية، أي ما يعادل صف كامل تقريبًا.

وينتقل يعقوب لاستعراض الآلات الموسيقية الشعبية والأدوات، فيبدأ بآلات النفخ الهوائية، والتي جاءت على النحو التالي: 1- المصفرة 2- ذات الريشة، ومنها: المزمار- مزمار بالون، 3- النفيرية، ومنها: إطار الدراجة- القوقعة الحلزونية. ثم الهوائية المقيدة ومنها: الفرارة- صفارة الإنذار- ورق الحشائش. ثم الهوائية المطلقة، ومنها: ذات الخور- الخدروف- الدوامة- النفاخة؛ أما الآلات ذوات الأوتار فمنها: النقرية، ومنها آلات: القانون- السنطور- العود. والجرية (القوسية) التي تصوت أوتارها بالجر عليها بالقوس، ومنها: البرباب البدوي. أما الآلات ذوات الجلد أو آلات الإيقاع فمنها: المفردة الجلد، ومنها آلات: الرق- الدف- البندير- المزهر- المربع- الطبلة- النقارة. ثم الآلات مزدوجة الجلد ومنها: النوبة (الطبل الكبير)- الدنفة (أصغر من النوبة بما يقارب الثلث)- المرواس (الطبل الصغير)- الطبيل. أما الآلات الاحتكاكية فمنها: الوغواغة، ثم المستجيبة ومنها: المشط- الزمارة. أما آلات الموسيقى الشعبية المصوتة، فتصنف إلى عدة أنواع هي: الجوفية، ومنها: الجُحلة- الأصيص. ثم الحفيفية، ومنها: الكشاشة- الأكياس. ثم المقرشة، ومنه: الجوز- الخشخاشة- إطار الرق- الخرخاشة- الشنشانة. ثم المفرقة، ومنها: اللسان- الأصابع- ورق الورد- البالون المنفجر- القنينة- المطاطة- الفناجين- الطوب. أما المخروطة والمحكوكة، فمنها: المسننات- القصبة- الطقطاقة- عجلة الدراجة- المسامير- المصقلة- غطاء الكولا. ثم الآلات المصفقة، ومنها: الكف- الركبة- القدم- القبقاب- الصفاقات- الكستناء- الصندوق- الشخاطة (علبة الثقاب)- جوز الهند- الملاعق- الطير الخشبي- الصنيجات- الشكشات- الكماشة- الصنوج. أما الآلات الجرسية فمنها: الأجراس- النواقيس- الكاسات- الصيص. ثم قسم الآلات الصفيحية والصنجية إلى: الصفيحة المعدنية- علبة الصفيح- الصينية- أواني الطبيخ- الصنج. ثم الآلات الحجرية، ومنها: الحصى- الزجاجية. الآلات الخشبية، ومنها: لوح الخشب- الخشبية (الكسيلفون)- الرحلة المدرسية- العلب- القصبية (الكسيلفون القصبي). ثم الآلات المعدنية ومنها: المعدنية (الميتالفون)- الجلاجل- الجريسات- المراوح- الهاون- المثلث. وأخيرًا الآلات النابضة، ومنها: النابض- السانسة. وقد حرص المؤلف في عرضه للآلات الموسيقية بالكتاب على توثيق كل آلة مبينًا: اسم المادة التي تصنع منها، وصفة الأداء وكيفيته، وشكل الأداة وكيفية استعمالها، ومكانة الآلة الموسيقية، ومحاكاة الصوت الصادر عن الأداة أو الآلة الموسيقية، ثم الغرض من استعمال الآلة، مع صورة خطية لكل آلة.

مثال: (الوغواغة) بودقة من الفخار قطرها 4 - 7سم، تغطي فوهتها بغشاء جلدي، يلصق بالصمغ، وتخترق الغشاء من المركز خصلة من شعر ذيل الخيل، طولها 10سم تلتف برخاوة حول أخدود في طرف مقبض من الخشب. ويمسك الطفل بالمقبض، وبعد أن يبلل بلعابه، موقع احتكاك الشعر بالمقبض الخشبي، يلوح بالوغواغة بحكة دائرية، لجعل البودقة تدور حول المقبض، ما يؤدي إلى احتكاك الشعر بالخشب وإحداث ذبذبات تنتقل، عبر خصلة الشعر، إلى الغشاء الجلدي الذي يكبر صوتها، فيسمعه الطفل بشكل "وغوغة" مختلفة الأجراس والمقادير. وبوجود أحجام مختلفة من الوغواغات، يمكن إحداث مؤثرات صوتية تعبيرية مناسبة لمشاهد كثيرة مختلفة، ويمكن صياغتها بالاستعاضة عن البودقة بالعلب والأكواب البلاستيك. (الماصول) صفارة طينية، معروفة في منطقة الفرات الأوسط، مثلثة الشكل ومجوفة من الداخل، يوجد في زواياها ثلاثة ثقوب، الأول للنفخ والآخران يسدهما الطفل ويفتحهما بأصابعه لإخراج نغمات مختلفة. وفي أحد وجهيه ثقب مثلث الشكل يتحطم تيار الهواء المزفور على حافاته الحادة، فيؤدي إلى تذبذب الهواء داخل الآلة وإخراجه صوتًا صفيريًا، وباختلاف حجم اللعبة تختلف النغمات التي تخرجها. وينهي المؤلف كتابه بعرض لأنواع المضارب المستخدمة في النقر على الإيقاع، ومنها البسيطة والمركبة. ثم قدم سجلاً مفصلاً بالرموز البيانية للآلات الموسيقية الشعبية، واقتراحات للأحاديث الصفية والتقارير.

الحكاية الشعبية المغربية
صدر عام 2016 عن معهد الشارقة للتراث كتاب "أضواء على الحكاية الشعبية" للباحث المغربي محمد فخر الدين القاسمي، ويقع الكتاب في 172 صفحة من القطع المتوسط، ومؤلف الكتاب مهتم ببحث الأدب الشعبي عامة والحكاية الشعبية المغربية بصفة خاصة، حيث قدم العديد من الدراسات حول الحكاية الشعبية وتوثيقها ميدانيًا، فضلاً عن إعادة تقديمها للأطفال منذ مايقرب من عشرين عامًا حتى الآن، فصدر له كتب: دفاعًا عن الحكاية الشعبية 2002-- موسوعة الحكاية الشعبية 2005- الحكاية الشعبية في دكالة 2009- سلسلة حكايات من التراث الشعبي المغربي لأطفال المرحلة العمرية 9سنوات 2007 - سلسلة حكايات من التراث الشعبي المغربي لأطفال المرحلة العمرية 6 سنوات 2013- سلسلة قصص الأطفال أجيال ابتداء من 4 سنوات 2013- الحكاية الشعبية المغربية: بنيات السرد والمتخيل 2014- دراسة في خراريف الإمارات 2014- المتخيل في الحكاية الشعبية 2014، وأخيرًا الكتاب الذي بين أيدينا "أضواء على الحكاية الشعبية".

ويشير المؤلف في كتابه إلى إشكالية محورية تفيد بأن الانتشار السردي للحكاية الشعبية المغربية يتقلص باستمرار، فالساكنة لم تعد تقبل على هذا النمط من السرد كما كانت في الماضي بحكم تغيرات الحياة وسرعتها، وبحكم النظرة السلبية التي ما فتئت تنمو تجاه مختلف أشكال السرد التقليدية. فالمتلقي لم يعد يطلب الاستماع إلى هذه الحكايات التي كانت تؤنس ليالينا وتقوي روابطنا الاجتماعية والأُسرية وتغني مخيلتنا، والراوي ما زال يختزن في ذاكرته المتعبة هذه الحكايات كالجمر تحت الرماد الذي يخنقه، وقد يأتي عليه بفعل الزمن والإهمال. كما أشار إلى ضرورة إعادة النظر في تصنيف الحكاية الشعبية إلى: حكاية عجيبة، وواقعية، ومرحة، وحكاية حيوان؛ لامتزاج أجناس الحكاية الشعبية وتداخل عناصرها ومكوناتها، لأن مصدرها واحد وهو الشعب، وهو يعبر عن آلامه وآماله وأحلامه وأعياده، وهذا بالضبط ما أشار إليه "فون دير لاين" غير مرة في كتابه "الحكاية الخُرافية" بقوله: "ترتبط الحكاية الهزلية بالحكاية الخُرافية ارتباطاً وثيقاً... وقد سبق أن رأينا كيف أن حكاية البطولة ترتبط ارتباطاً بالحكاية الخُرافية... ولابد من أن نفترض أن الحدود بين الحكاية الخُرافية وأسطورة الآلهة ليست دائماً مؤكدة".

وارتبط منهج جمع وتوثيق مادة الحكاية الشعبية بالكتاب إلى اقتناع المؤلف بأن متن الحكايات قد حافظ على طابعها الشفهي، إذ أن الكتابة أو الترجمة أو حتى النقل إذا كان محرفًا يؤثر في طبيعة النص، وقد قام بعمل استبيان شمل مجموعة من مناطق: مراكش- قلعة السراغنة- ميدلت- وارزازات- الرباط- بني ملال- سلا- آسفي- دمنات- الدار البيضاء- فاس- المحمدية- الرشيدية- القنيطرة- الخميسات، وهذه العينة تعطي صورة صادقة عن واقع الحكاية الشعبية المغربية وعن أشهر الحكايات التي ظلت الذاكرة الشعبية المغربية محتفظة بها. ويناقش القاسمي في كتابه موضوع "مجتمع الحكاية الشعبية" مشيرًا إلى أن المقصود هنا هو الإطار العام الذي أنتج الحكاية الشعبية بحسبان أن له شروطه التاريخية ومواصفاته الخاصة، وهو مجتمع أصبح الآن في عِداد الماضي بحكم التغيرات الاجتماعية الأخيرة . وأشار إلى أن الحكاية هي الحلم الجماعي الذي يهرب فيه الجميع من ذواتهم ويحققون خلاله رغباتهم الدفينة.. عالم مفتوح لكل أنشطة المتخيل: تختلط فيه السخرية والمرح بعنف الرغبات الطفولية، وتطلق فيه حكمة السنين منظومة أحوال البشر من جديد.. فهذه الحكايات المغاربية تعبر أحسن من الدراسات الوثائقية عن بعض من روح المغرب، بعض الأشياء الأقرب إلى كل رجال الأرض.. فالأشخاص في مجتمع الحكاية الشعبية سجل لما تكلم به غيرهم.. ويحمل مجتمع الحكاية الشعبية كلام غيره ويضمن استمراريته، ويقوم بالاستشهاد به لأنه يمثل الحقيقة المطلقة، لذلك يستحضره في كل محطات حياته كلما اعترضته مشكلة، أو عرض له مجلس أنس، أو أراد تربية أبنائه أو أبناء غيره.

ثم يتعرض الباحث للحكاية الشعبية والتنشئة الاجتماعية، متسائلاً: ما القيم التي تنقلها الحكاية للناشئة؟ وكيف تفهم الحكاية محيطها وتؤول العلاقات الاجتماعية؟ وكيف تتصور وضعية الطفل والراشد معًا، ملخصًا مجموعة القيم التي تتضمنها الحكاية الشعبية المغربية، في مقدمتها: ضرورة استعمال الحيلة لتأمين المنافع ومواجهة الأخطار، وعدم احتقار الإنسان لمن هو أضعف منه. ثم يبحث في السيولة السردية للحكاية الشعبية، ليجد أن طبيعة الحكايات المتداولة من خلال عينة المتلقين، يمكن الكشف عنها من خلال عرض لائحة للنصوص الحكائية الشعبية المغربية المتداولة في الوطن، منقسمة إلى أربع مجموعات هي: حكايات دينية وتاريخية وأسطورية- حكايات أو جزء من حكايات مرتبطة بالاعتقاد الجمعي- حكايات الحيوان- حكايات أخرى.. شملت جميعها سبع وسبعين حكاية، مؤكدًا على أنه ليس هناك حدود فاصلة نهائية بين هذه الحكايات، لأن التداخل بين هذه الحكايات واقع لايمكن إنكاره. فالحيوان حاضر في مختلف المجموعات الحكائية، كما أن المعتقد الجمعي يصاحب مختلف أنواع الحكايات حتى الغارقة في الخيال، لأن الاعتقاد الجمعي لا يميز بين الواقع والخيال. وينتهي هذا الجزء من الكتاب ببحث الحكاية الشعبية والثقافة الشعبية، مشيرًا إلى أن الحكاية الشعبية جزء من الثقافة الشعبية السائدة في المجتمع، وبالتالي فإن كل مقاربة لنصوص الحكاية الشعبية ينبغي أن تأخذ مكونات ومبادئ الثقافة الشعبية.

وينتقل القاسمي لمبحث "الحكاية الشعبية والأسطورة" ليتفق مع فلاديمير بروب على أنه من الصعب الفصل بين الحكاية والأسطورة، فنحن لا نستطيع تحديد طبيعة العلاقات التي تجمع بينهما، والشىء الذي ينبغي عمله هو حسبان الأسطورة أصلاً من الأصول الممكنة للحكاية. ويقدم عدة نماذج من الحكايات الشعبية العربية والمغربية للتدليل على هذا المدخل. فالعفريت الذي يسكن في الغابة يحرس كنوزًا كثيرة لاتنفذ، لكنه لايعطيها من دون مقابل، لذلك فهو يطالب الحطاب بأن يزوجه بأصغر بناته مقابل صناديق من الذهب. ويتخذ هذا الكنز شكل مهر، وهذا الزواج يحيلنا إلى اعتقاد آخر يأهل المتخيل الشعبي، وهو إمكان زواج الجن بالأنس. وعلى هذا النحو فإننا نلاحظ أن الحكاية الشعبية قد حافظت على بعض مظاهر الأسطورة، لكن البطل فيها فقد اسمه وهويته. وفي مبحث "الحكاية الشعبية والحلم" يصدر المؤلف لنا سؤالاً يحاول الإجابة عليه: هل يمكن عدّ الحكاية الشعبية بما تحمل من عوالم متخيلة حلمًا جماعيًا؟ وما العلاقات المحتملة التي تجمع بين حكاياتنا الشعبية وأحلامنا الأكثر عمقًا؟.. إن الجواب عن هذه الأسئلة سيؤدي بنا إلى الحديث عن الحلم وعن لغته الرمزية، وخاصة عن وضعية الحلم في المجتمعات التقليدية عندما كان الإنسان يصدق بسرعة ما يراه في أحلامه، وكأنه يعيش الواقع من جديد. ويبحث المؤلف في هذا الإطار في ثلاثة موضوعات رئيسية هي: طبيعة الحلم- الحكاية الشعبية والاستيهام- الحكاية الشعبية المغربية بين الحلم والاستيهام، من خلال محاور: الرجوع إلى بطن الأم- استيهام تحطيم الجسد- استيهام الفطام- استيهام الولادة- استيهام المشهد البدائي. ويستخلص من خلال تحليله لعلاقة الحكايات الشعبية بالحلم والاستيهامات أن الحكاية الشعبية المغربية هي أقرب إلى أن تكون حلم الإنسان المغربي من أن تكون سردًا لمجموعة من الوقائع التي شهدها الناس وعاشوها في الواقع التاريخي. إنها مرتبطة بالحلم الجماعي لأنها المعبر عن أحلام الجماعة واستيهاماتها الذي اختزنتها الذاكرة الشعبية أجيالاً عديدة، وعبرت عنها رمزيًا في مختلف إنتاجاتها الذهنية.

أما المبحث الأخير في هذا الكتاب فكان محاولة من المؤلف للمساهمة في تجنيس الحكاية الشعبية، مشيرًا إلى الحكاية الشعبية ونظرية الأجناس السردية الشعبية، وتبادل الحكاية الشعبية، وأخيرًا يقدم الباحث- على عكس التيار المتبع- في نهاية الكتاب تعريفًا للحكاية الشعبية، وكأنه يؤكد على أن المفهوم الذي توصل له هو نتاج ما قدمه بالكتاب منذ البداية.. فالحكاية الشعبية المغربية شكل بسيط مرتبط باللغة العامية واشتغالها عن طريق السرود الشعبية كإبداع تلقائي يتخذ منابعه من الأعماق الغامضة للروح الشعبية، حيث تُنسى أسماء المبدعين وتُفقد.. لأنهم مجرد حلقة وصل بين المنتج والمتلقي اللذين لا يمكن الفصل بينهما بحال من الأحوال: "فالحكاية الشعبية هي إبداع مجهول لأنه نابع في نفس الوقت من الذاكرة الشعبية والإبداع الفردي الخاص بالراوي العبقري الذي يعد فنانًا كاملاً يحين المحكي من دون أن يخلخل الخطاطة السردية". إن الحكاية كائن لغوي معقد يتكون من كلمات وجمل وملفوظات، فكل حكاية هي نسيج من الكلمات والسكتات والنظرات والميمات والحركات. والحكاية وسيلة أساسية لمساعدة الذاكرة "فالحكاية لها بنية ثابتة، تنتقل من جيل إلى جيل، بشكل قبلي.. حيث يمكن أن يتدخل المتلقي ليصحح السرد أو ينبه الراوي إلى خطئه". الحكاية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالشعب الذي أنتجها، فهي مرتبطة بالمرحلة الشفاهية التي عاشها هذا الشعب، وهي تقوم بطريقة غير مباشرة بوصف حياته وأحلامه وآماله ومتخيله.. ويمكن أن نختزل "ثوابت الحكاية" في خمسة محاور هي: كونها محكيًا- كون أحداثها تدور في الماضي- انغلاقها- غياب العمق ودواخل الشخصيات- محافظتها على قدراتها الشفاهية.