فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

استـلهام الحكايات الشعبية للتنشئة الاجتمـاعيـة في مسرح الطفل

العدد 11 - أدب شعبي
استـلهام الحكايات الشعبية للتنشئة الاجتمـاعيـة في مسرح الطفل
كاتب من مصر

يعتبر مسرح الطفل واحدًا من أهم الوسائط التربوية التي تشغل العديد من المسرحيين والتربويين، وذلك لما يحققه المسرح من تدعيم للقيم الإيجابية وتقديم النموذج الإيجابي الذي يتوحد معه الطفل، بالإضافة إلى الجانب الترفيهي الهادف الذي يساعد على إمتاع الطفل من جهة، وتمثله لثقافة بيئته وقيمها وأعرافها من جهة أخرى حتى يتكيف مع مجتمعه، بجانب ما لمسرح الطفل من أهداف تربوية وتعليمية تساعد على النمو النفسي السوي، وخلق توازن نفسي للطفل، وإشباع بعض من احتياجاته المعرفية.

كما يهدف مسرح الطفل بالقيام بوظيفة اجتماعية تكمن في إبراز مشاكل وقضايا المجتمع  الآنية، فيسعى إلى إلقاء الضوء عليها وبلورتها، فالمسرحية الجادة التي تحوي أفكارًا جادة تؤثر في الطفل، ويتأثر بما تحمله من أفكار ورؤى في السلوك الإنساني.

وباعتبار أن المسرح نتاج المجتمع، فإنه يتأثر بكل ما يطرأ على المجتمع من تغيرات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية وفكرية أو اقتصادية... فالمسرح كظاهرة اجتماعية يخضع بدوره لكل ما يصيب المجتمعات من تغير ، وبالتالي فإنه يتأثر بعوامل التغير الاجتماعي التي تصيب البنية الاجتماعية بالقدر الذي قد يساعده على تطوره ونموه من جهة، وتدهوره أو انهياره من جهة أخرى، كما أنه أيضًا يؤثر في هذه البنية، ويساعد على تدعيم التغير بنقده.

  (كمال الدين حسين 1992 ، ص15)

وبذلك.. فالمسرح بصفة عامة لا يمكن أن ينفصل عن الحياة وإلا يصبح عديم القيمة وبلا فائدة، لذا أصبح من الضروري أن يرتبط مسرح الطفل بواقع المجتمع ومشاكل الطفل وقضاياه المختلفة، والسعي إلى تنشئته اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا من خلال إلقاء الضوء على مشاكله وقضاياه، سواء أكانت قضايا اجتماعية أم سياسية أم فكرية أم ثقافية.

والأطفال فئة عمرية تمثل عنصرًا هامًا من عناصر التنمية البشرية حيث تولي الهيئات والمؤسسات المعنية بالطفولة اهتمامًا كبيرًا بالطفولة لأن طفل اليوم هو رجل الغد، والذي يمثل العنصر الأول من عناصر تنمية المجتمع ورقيه ، والمساهمة الجادة في دفع وتسيير عجلة الإنتاج في المجتمع من كافة جوانبه، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومن هذا المنطلق يجب أن تلعب المؤسسات التربوية والاجتماعية دورًا بالغ الأهمية في توجيه الأطفال وتنشئتهم اجتماعيًا، وإرشادهم، وتنمية كافة جوانب شخصيتهم حتى نملك أطفالاً قادرين على حمل مشعل التنوير مستقبلاً، وذلك من خلال مسرح الطفل، والذي يساعد على تعميق الوعي الاجتماعي والسياسي بالعديد من القضايا المجتمعية، حتى نساعد تلك الفئة العمرية الهامة بفهم واقع مجتمعهم وظروفه ومشاكله.

وقد اتخذ مبدعو مسرح الطفل من إبداعهم أداة للتعبير، ووسيلة لتربية الطفل من خلال الحكايات الشعبية بأنماطها المتعددة كحكايات الجان، وحكايات الحيوان، وألف ليلة وليلة، والتي تعد من أهم المصادر التي يلجأ إليها كاتب الدراما في مسرح الطفل لاستلهام موضوعاته، وذلك لما تتسم به من خلق عالم سحري وخيالي مثير يعيش معه الطفل ويستمتع به، كما تساعد على إثارة خيال الطفل والذي يتشكل بدرجة كبيرة من خلال توحده مع أبطالها ذوي السمات الإيجابية المرتبطة بثقافة المجتمع المبدع لهذه الحكايات.

وتنبع أهمية الدراسة من خلال إدراك أهمية توظيف الحكايات الشعبية في مسرح الطفل، وذلك لدورها الأساسي في التنشئة الاجتماعية والنفسية للطفل من جهة، ولقربها من وجدان الأطفال من جهة أخرى بما تتضمنه من عناصر خرافية تسهم في إثارة خيال الأطفال، كالشخصيات الخرافية، والأدوات السحرية، والأماكن والأزمنة الخرافية وغيرها، ومن خلال السعي للتعرف على كيفية توظيف موضوعات من الحكايات الشعبية في مسرح الطفل، والاستفادة منها في عملية التنشئة الاجتماعية، باعتبار مسرح الطفل لا يعد ترفًا يقدم إلى الطفل من أجل المتعة والترفيه، بل تكمن أهميته في تنمية وعي الطفل بالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والعقائدية.

هذا بالإضافة إلى ما أشارت إليه نتائج الدراسات العربية والأوروبية والأمريكية، والتي ركزت بعضها كما في دراسة (محمد السيد زعيمه 2000، ص5) على كيفية الاستفادة من الحكاية الشعبية في تقديم دراما تربوية وتعليمية وترفيهية للطفل، من خلال اعتماد بعض الكتاب على روح الحكاية الأصلية لتصبح مرتكزًا ينطلق منه الكاتب لعرض رؤية عصرية، مع التركيز على الخصائص الفنية والفكرية لهذه الحكايات ، وما قد تنفرد به واحدة عن أخرى من سمات.

كما أثبتت بعضها كما في دراسة

(Koelle , Barbara. Shryock , 1981) أن توظيف حكايات الجان تشتمل على فوائد لنمو الأطفال في المدارس المتوسطة بين 9 - 14 سنة، بينما تتباين ردود أفعال قلقة بالنسبة للفئة العمرية الأقل وذلك عند تعرضهم لأشكال العنف والعدوان في هذه الحكايات، خصوصًا تلك التي تبثها محطات الإرسال التليفزيوني،

وهو ما حدا بأحد الباحثين الغربيين

 (Milner,Sharon. Carol , 1982)  إلى مواجهة هذه الأشكال عبر التوظيف العلمي المدروس للحكايات الخرافية في مناهج الدراسة المقررة للأطفال في المرحلة العمرية من سن 3 – 5 سنوات ، وقد أثبتت التجارب أن الطلاب الذين تعرضوا لقصص الجنيات قبل التحاقهم برياض الأطفال استطاعوا تحقيق نتائج عالية في مستوى القراءة، مقارنة بنظرائهم ممن لم يتعرضوا لتلك الروايات، كما أثبتت بعض الدراسات كما في دراسة

(Coulacoglou ,Carina 1987)  قدرة حكايات الجان على تحقيق النمو الإدراكي والاجتماعي واللغوي للأطفال، كما أوضحت ضرورة الاعتماد على الحكايات الشعبية، والاستفادة منها لما تتضمنه من قضايا اجتماعية وأخلاقية يمكن أن يتأثر بها الطفل.

ومن هنا تنبع أهمية الدراسة في ضرورة الاستفادة من توظيف الحكايات الشعبية بأنماطها المتعددة في مسرح الطفل، بما تحمله من قيم تربوية وتعليمية تسهم بشكل فعال في عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال.

وتتمثل مشكلة الدراسة في محاولة التعرف على مدى استفادة كاتب مسرح الطفل في استلهام الحكايات الشعبية في نصوص مسرح الطفل بما تحمله من قيم التنشئة الاجتماعية؟، والتعرف كذلك على كيفية الاستفادة من بنية الحكايات الشعبية عند توظيفها في نصوص مسرح الطفل؟ بالإضافة إلى محاولة تعرف سمات الشخصيات المسرحية، وما تحمله من رموز تسهم في التنشئة الاجتماعية للطفل؟.

وبذلك انطلقت مبررات البحث من محورين رئيسين:

الأول: يتعلق بالصياغة الفنية للحكايات الشعبية، وما تتضمنه من قضايا يمكن أن تسهم في التنشئة الاجتماعية للأطفال.

الثاني: يتعلق بمدى استفادة كاتب مسرح الطفل من الحكايات الشعبية بغرض التنشئة الاجتماعية  للطفل، انطلاقًا من دوره كمرب في المقام الأول.

وتنتمي الدراسة إلى الدراسات الوصفية، التي تستهدف التعرف على الأوصاف الدقيقة لظاهرة أو مجموعة من الظاهرات التي يقوم الباحث بدراستها من حيث ماهيتها، وطبيعتها، ووضعها الحالي، والعلاقة بينها وبين العوامل المختلفة المؤثرة فيها، وذلك بهدف الحصول على معلومات كافية ودقيقة عنها دون الدخول في أسبابها والتحكم فيها.

(سمير محمد حسين 1995 ، ص123)

وتعتمد الدراسة الراهنة على منهج المسح Survey Method داخل إطار هذا المنهج يعتمد الباحث على منهج المسح بالعينة، وذلك لصعوبة إجراء المسح الشامل لجميع مفردات مجتمع الدراسة من نصوص مسرح الطفل.

ولقد لجأ الباحث إلى استخدام المنهج التحليلي للنصوص المسرحية المختارة – عينة الدراسة - للوقوف على أهم محاور التنشئة الاجتماعية في بعض نصوص مسرح الطفل والتي استلهمها كتابها من الحكايات الشعبية على اختلاف أنماطها ، وذلك من خلال تحليل البناء الدرامي لتلك النصوص المسرحية، كما اعتمد الباحث على المنهج المقارن للتعرف على مدى الاختلاف بين أصل الحكاية الشعبية وعن كيفية معالجة الحكاية الشعبية في النص المسرحي. 

وتتحدد عينة الدراسة التحليلية في مجموعة من النصوص المسرحية المستوحاة من الحكايات الشعبية على اختلاف أنماطها، والتي يمكن تحديدها في الجدول التالي:

توصيف العينة

 

عينة الدراسة التحليلية

توصيف العينة عينة الدراسة

تأليف

أنماط الحكايات الشعبية فى النص المسرحى من النصوص المسرحية

1.مسرحية سندريلا

السيد حافظ

حكاية خرافية

2.مسرحية علي بابا 

السيد حافظ

ألف ليلة وليلة

3.مسرحية قطر الندى

السيد حافظ

حكاية خرافية

4.مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة

الفريد فرج

حكاية خرافية

5.مسرحية هردبيس الزمار

الفريد فرج

قص شعبى

6.مسرحية حلم علاء الدين

سمير عبد الباقى

ألف ليلة وليلة

7.مسرحية مملكة القرود

سمير عبد الباقى

حكايات الحيوان

8.مسرحية الديك الأحمق

صلاح عبد السيد

حكايات الحيوان

9.مسرحية وداد بنت الصياد

كمال الدين حسين

ألف ليلة وليلة

 

وبذلك يتحدد البعد الموضوعي في دراسة "استلهام الحكايات الشعبية للتنشئة الاجتماعية في مسرح الطفل - دراسة تحليلية"، وبناء على ذلك:

- تقتصر الدراسة على بحث أهم محاور التنشئة الاجتماعية في مسرح الطفل والمستوحاة من الحكايات الشعبية.

- تقتصر الدراسة على تحليل مجموعة من نصوص مسرح الطفل ، والتي تم استلهامها من الحكايات الشعبية.

وسوف أتعرض في هذه الدراسة إلى أربعة محاور رئيسية هي:-

أولاً: التنشئة الاجتماعية:

ثانيًا: مسرح الطفل والتنشئة الاجتماعية:

ثالثًا: الحكايات الشعبية وتنشئة الطفل اجتماعيًا:

رابعًا: محاور التنشئة الاجتماعية في نصوص مسرح الطفل:

أولاً: التنشئة الاجتماعية

لكل مجتمع معاييره الاجتماعية والثقافية الخاصة به، والتي يسعى إلى بثها في نفوس أطفاله حتى يتكيفوا مع مجتمعهم، وهناك معايير اجتماعية يقرها المجتمع كالتعاون وإنكار الذات ومساعدة المحتاج، وغيرها من المعايير والقيم الايجابية التي يسعى المجتمع إلى بثها في نفوس أطفاله، كما يحرم المجتمع ضروبًا أخرى من القيم السالبة التي ينبذها، ويسعى إلى التنفير منها كالعدوان والإهمال والأنانية والطمع والاغتراب والتخريب.

والتنشئة Socialization هي عملية تلقين الفرد قيم ومقاييس ومفاهيم مجتمعه الذي يعيش فيه بحيث يصبح متدربًا على إشغال مجموعة أدوار تحدد نمط سلوكه اليومي. ( دينكن ميتشل 1981، ص225 ) أما عملية التنشئة الاجتماعية فهي تكييف الطفل لبيئته الاجتماعية ، وتشكيله على صورة مجتمعه، وصياغته في القالب والشكل الذي يرتضيه ، فهي عملية تربية وتعليم تضطلع بها الأسرة والمربون، بغية تعليم الأطفال الامتثال لمطالب المجتمع والاندماج في ثقافته والخضوع لالتزاماته، ومجاراة الآخرين بوجه عام.

   (فوزية دياب 1995 ، ص114)

ويعرف «فؤاد البهى» التنشئة الاجتماعية بأنها نتاج العمليات التي يتحول بها الفرد من مجرد كائن عضوي إلى شخص اجتماعي ، وتمتد لتشمل  كل ما يحدث للفرد حتى يتوافق سلوكه مع معايير الجماعة التي ينضم لها ولأسلوب حياتها.

  (هدى محمد قناوي 1988 ، ص19)

والتنشئة الاجتماعية عملية تعلم اجتماعي Social Learning يتعلم فيها الفرد عمومًا – طفلاً أو راشدًا – عن طريق التفاعل الاجتماعي أدواره الاجتماعية Social Roles، ويتمثل ويكتسب المعايير الاجتماعية Social Norms ، والاتجاهات Attitudes النفسية ، ويتعلم كيف يتصرف ويسلك بأسلوب اجتماعي توافق عليه وترتضيه الجماعة والمجتمع.

  (زكريا الشربيني، يسرية صادق 1996، ص18)

وبذلك فتنشئة الطفل اجتماعيًا تعني إكسابه المفاهيم والعادات والاتجاهات والقيم السائدة في مجتمعه بالإضافة إلى القيم التربوية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والتي يتمكن من خلالها من التفاعل والتكيف مع المجتمع، ويعتبر هذا الاكتساب تعلمًا اجتماعيًا، ويتم ذلك من خلال مجموعة من الوسائط.

وباعتبار أن عملية التنشئة الاجتماعية عملية تعلم اجتماعي، وتتم عملية التعليم إما بشكل مباشر: وذلك من خلال تعليم الكبار للصغار قيمًا ترتبط بمكانة اجتماعية أو بأدوار اجتماعية، أو يعلمونهم معايير سلوك تحدد ما ينبغي عمومًا، وما لا ينبغي عمله، وإما بشكل غير مباشر، وهذا يتم من خلال اللعب، أو التقمص، أو التقليد.

 (هدى محمد قناوي 1988 ، ص17)

 لذا يلعب مسرح الطفل دورًا هامًا في تنشئة الطفل من خلال عملية التعلم الاجتماعي وتلقينه قيم المجتمع سواء كانت سلوكية أم خلقية أم دينية أم اجتماعية وذلك بشكل غير مباشر.

وتفسير تصرفات الطفل ومظاهر تنشئته يجب أن تدور في نطاق بيئته التي نشأ فيها والتي يمكن تقسيمها إلى:

      (زكريا الشربيني، يسرية صادق 1996 ، ص59)

 

أ- تنشئة اجتماعية أولية Primary Socialization داخل الأسرة فيما قبل الست سنوات الأولى وهي أعمق أثرًا في تكوين شخصية الفرد.

ب- تنشئة اجتماعية ثانوية Secondary Socialization  يتعرض لها الطفل خارج أسرته في الحضانة والروضة والمدرسة والمسجد والنادي ووسط الرفاق، وتستمر مع الإنسان أثناء حياته، وقد يتعرض خلالها لإعادة تنشئته Resocialization نظرًا لتردده على مجتمع مغاير أو أكثر عن الأسرة.

ج- تنشئة موازية Parallel Socialization وتعتبر موازية لأي من الصورتين السابقتين وهي عبر وسائل الإعلام

 (تليفزيون – راديو – قصص – مسرح ....).

وتقوم عملية التنشئة الاجتماعية على ضبط سلوك الفرد وكفه عن الأعمال التي لا يقبلها المجتمع وتشجيعه على ما يرضاه منها ، حتى يكون متوافقًا مع الثقافة التي يعيش فيها، فالضبط الاجتماعي لازم لحفظ الحياة الاجتماعية، وضروري لبقاء الإنسان ، وطبيعة الإنسان لا تكون بشرية صالحة للحياة الاجتماعية إلا بخضوعها لقيود النظم المختلفة ، التي تهذب النفس وتسمو بها ، وبذلك يعيش الإنسان في سلام مع غيره من الناس ويكتسب حبهم واحترامهم.

  (فوزية دياب 1995 ، ص114)

كما تتدخل التنشئة الاجتماعية في إحداث العمليات الآتية والتي ترتبط بتعلم الطفل الاجتماعي.

(هدى محمد قناوي 1988 ، ص14-16)

1- تكوين الأنا والأنا الأعلى

حيث تصبح التنشئة الاجتماعية هي العملية القائمة على التفاعل الاجتماعي التي يكتسب فيها الطفل أساليب ومعايير السلوك، والقيم المتعارف عليها في جماعته بحيث يستطيع أن يعيش فيها ويتعامل مع أعضائها بقدر مناسب من التناسق والنجاح.

2- تعلم الأدوار الاجتماعية

فالتنشئة الاجتماعية هي العملية التي يتعلم فيها الطفل أن يسلك بما يتفق مع ما تتطلبه أدوار اجتماعية معينة، ومع ما يتوقعه أعضاء الجماعة من سلوك وتصرفات ممن يقوم بهذه الأدوار.

3- تعلم ضبط السلوك

فالتنشئة الاجتماعية هي العملية التي تنشأ عن طريقها ضوابط داخلية عند الطفل توجه سلوكه وتحدده وتقيده، كما تنشئ عنده الاستعداد لمطاوعة الضوابط الاجتماعية والحساسية لها، وبذلك يصبح الضبط الاجتماعي هو لب عملية التنشئة الاجتماعية.

وبذلك فإن لعملية التنشئة وظيفة ظاهرة Manifest Function تنحصر في تدريب الطفل على أداء أنماط معينة من السلوك يرضى عنها المجتمع ، ويتخذها الشخص دعامة لسلوكه أثناء حياته ، كما أن لها وظيفة مستترة أو كامنة Latent Function تهدف إلى توحد الطفل مع مجموعة الأنماط الثقافية للمجتمع تعرف باسم القيم الاجتماعية Social Values التي تتكون منها بنية الشخصية Structure of Personality.

  (زكريا الشربيني، يسرية صادق 1996، ص19)

ثانياً: مسرح الطفل والتنشئة الاجتماعية

تعتبر ممارسة الطفل للنشاط المسرحي أومشاهدة العروض المسرحية من بين الأساليب التربوية والنفسية والاجتماعية المساعدة على التنشئة الاجتماعية الإيجابية للطفل، وذلك من خلال تدعيم الأنماط السلوكية المرغوب فيها والتي تتوافق مع قيم المجتمع وحضارته، ونبذ القيم السالبة والسلوك الغير مرغوب فيه من قبل المجتمع.

وبذلك يعد مسرح الطفل احد مصادر التنشئة الاجتماعية للطفل الغير مباشرة، حيث يتركز دوره في تكثيف أحداث الحياة وقضاياها، وتحديد موقف تجاهها وتربية الطفل وتنشئته اجتماعيًا.

أساليب التنشئة الاجتماعية

من خلال المسرح:

ومن أهم أساليب التنشئة الاجتماعية من خلال المسرح كوسيط تربوي ما يلي:-

1- المشاركة:

يسهم المسرح في مشاركة الطفل مشاركة فعالة في نقد التصرفات الخاطئة غير المرغوب فيها أو تأييد التصرفات الايجابية والمرغوب فيها وذلك من خلال طريقتين، الأولى: وتتمثل في مشاركته في تنفيذ العرض المسرحي بالقيام بأداء بعض الشخصيات في المسرحية، والثانية: من خلال أسلوب وتكنيك الإخراج المسرحي والذي يسهم كذلك في مشاركة الطفل، ففي مسرح العرائس يمكن أن يشارك الطفل أثناء العرض في توجيه النصح إلى الشخصيات المسرحية أو إلقاء اللوم على بعض تصرفاتها.

2- الملاحظة والتقليد:-

يميل الطفل بطبيعته إلى ملاحظة تصرفات من حوله - سواء من داخل الأسرة أو أقرانه - ثم يسعى بعد ذلك إلى تقليد تلك النماذج التي يتأثر بسلوكها وتصرفاتها، ومن خلال المسرح يسعى الطفل إلى ملاحظة السلوك القويم للشخصيات ذات السمات الايجابية ويسعى إلى تقليدها، وأحيانًا يسقط التصرفات الخاطئة لتلك النماذج على من حوله - خاصة أثناء اللعب -، فيمكن أن يسقط تلك التصرفات على الدمية التي يلعب بها ، فيوجه إليها النصح والإرشاد، فالطفل يلاحظ ثم يقلد ويحاكي.

3- القدوة والتوحد:-

وتعد القدوة والمثل الأعلى الذي يراه الطفل ويتوحد معه أحد أساليب التنشئة الاجتماعية ومن العوامل التي تسهم فيها ، فقد يتوحد الطفل المتلقي للرسالة المسرحية مع بطل المسرحية كشخصية أبي زيد الهلالي أو عنترة بن شداد أو الظاهر بيبرس أو ست الحسن، ويتخذ من تلك الشخصيات قدوة له في حياته، ويتمثله في سلوكه وتصرفاته ويسعى إلى أن يحقق ما حققته تلك الشخصيات من إنجاز.

فالتقمص عملية لا شعورية يمتص من خلالها الفرد الصفات المحببة إلى نفسه من شخصية أخرى يكن لها الإعجاب، أو الحب سواء أكانت تلك الصفات طيبة أم سيئة، ويساعد التقمص الطفل على اكتساب الكثير من العادات والتقاليد واللغة وأنماط السلوك اﻟﻤﺨتلفة، وقد تكون بعض أنماط التقمص ضارة كتقمص الطفل شخصية منحرف أو مجرم، أو طائش أو صاحب شهرة زائفة، أو تقمص طفل ما لا تتلاءم شخصيته وظروفه مع شخصية وظروف المتقمص عنه، ومن هنا جاء التأكيد على وجوب تصوير الأبطال للأطفال من عالم الواقع أو الخيال ممن لهم من الخصائص الأخلاقية المتوافقة مع خصائص الطفولة وأهداف اﻟﻤﺠتمع في تثقيف أطفاله.

(هادي نعمان الهيتي ١٩٧٨ ، ص183)

فالطفل يتوحد مع الشخصيات والأحداث في القصص، ويعمل على إحداث التكامل بين كل هذه المكونات، كما أنه يربطها بمواقف حياته اليومية، ويقوم الطفل بهذا الدور –  كما يشير جاردنر – من خلال ما يسميه بالدافع السردي Narrative motive، وهو ذلك الدافع الذي يلعب دورًا مهمًا في تنظيم عالم الطفل.

 (شاكر عبد الحميد 2001 ، ص245)

لذا وجب على كاتب مسرح الطفل الحذر عند استلهام الحكايات الشعبية في مجال أدب الأطفال عامة، ومسرحيات الأطفال خاصة، نظرًا لما تتضمنه بعض الحكايات من نواحي قصور تتعارض ونظريات التربية الحديثة، فيجب أن يكون كاتب مسرح الطفل على وعي تام بالتراث الذي يستلهم منه مادته المسرحية، وأن يختار ما يصلح ليقدم إلى الأطفال ويتجنب ما قد يتعارض واتجاهات التربية الحديثة وما تحذر منه نظريات علم النفس، ومن هنا أرى أن كاتب مسرح الطفل يجب أن يكون متفهمًا للتراث من جانب، ومدركًا لقواعد وأصول التربية الحديثة من جانب آخر، حيث يعتبر كاتب مسرح الطفل مربيًا في المقام الأول.

4- الثواب والعقاب:-

استخدام الثواب والعقاب له أهمية كبيرة في عملية التنشئة الاجتماعية لأنه يساعد في تنمية أنماط سلوكية مرغوب فيها، ومحو أنماط سلوكية أخرى غير مرغوب فيها، فعندما يرى الطفل البطل في المسرحية ذوا السمات الايجابية ينال المكافأة، والشخصية الشريرة تنال العقاب، يتعلم من خلال ذلك أن السلوك القويم هو من يؤيده المجتمع، والسلوك الغير مرغوب فيه هو السلوك الذي ينفره المجتمع وبالتالي تتم عملية التنشئة الاجتماعية.

5- تقديم صورة حية للسلوك:-

تجسيد صورة حية للفعل المرغوب فيه وتقديمه إلى الطفل من الأمور التي تسهم في عملية التنشئة الاجتماعية بشكل أساسي لأنها تجعل تلك الصورة أكثر التصاقًا في أذهان الأطفال، فيظل طوال حياته يتذكر تلك الحكاية التي شاهدها مجسدة أمام عينه، وهذا بالطبع أفضل من مجرد الكلمات المباشرة المسطحة التي نقدمها للأطفال في صورة وعظ وإرشاد بأن سلوكاً معيناً ايجابي أو سلبي، وهذا ما يتسم به المسرح، حيث يتم استيعاب الأطفال للمضمون والرسالة المقدمة إليهم، والتي تتوقف على حسب طبيعة المتلقي وخصائصه العمرية والنفسية والتي تساعده على تقبلها وفهمها.

6- المواقف المربية:-

عادة ما نسعى إلى تصميم بعض المواقف التي نربي من خلالها الأطفال ونقدم لهم السلوك القويم، وقد يقدم المدرس داخل المدرسة، أو الوالدان داخل الأسرة تلك المواقف لتربية الأطفال وإن كانت المواقف تتوالى تباعًا، ودون تصميم مسبق ودون حرفية متقنة، أما تلك المواقف فيتم تصميمها في المسرح وبشكل عمدي من خلال البناء الدرامي وحبكة المسرحية، فكاتب مسرح الطفل يقوم بتصميم الموقف التعليمي بحرفية عالية، وإتقان بارع بحيث يظل عالقًا بأذهان الأطفال ويتعلمون من خلاله، وتتم بذلك عملية التنشئة خطوة بخطوة.

وبذلك يتبين أن التنشئة الاجتماعية للطفل يمكن أن تتم من خلال المسرح كوسيط تربوي من خلال ما يلي:-

- إكساب الأطفال العديد من القيم التربوية والسياسية والاجتماعية والدينية والتي تمكنه من التفاعل مع أقرانه وأسرته والاندماج في المجتمع.

- تسهم مشاركة الطفل في العرض المسرحي من تعلمه ما له وما عليه من أدوار، وإدراكه أن لكل فرد دوراً عليه أن يؤديه بإتقان، كما يساعده على التفاعل مع أقرانه وفريق العمل والتنسيق فيما بينهم، فنجاح العرض المسرحي لا يتوقف على فرد بذاته بل على الفريق بأجمعه، فيدرك أنه جزء من منظومة، وأنه فرد من أفراد المجتمع كل له دوره الذي يؤديه لخدمه مجتمعه.

- الوعي بحاجات الطفل السيكولوجية والعاطفية المرتبطة بمراحل نموه المختلفة، حيث يتفهم كاتب مسرح الطفل الفروق الفردية بين الأطفال، ويدرك أن لكل مرحلة عمرية خصائص خاصة ...، لذا أمكن القول إن هناك ثقافة خاصة للأطفال في كل طور من هذه الأطوار، بحيث تتوافق مع خصائص وحاجات الأطفال في كل طور من أطوارهم، وهي تشترك في سمات عامة ولكنها تختلف عن الأخرى في سمات عديدة، فقيم الأطفال في طور الطفولة المبكرة وعاداتهم وطرق التعبير عن انفعالاتهم، ووسائل إشباع بعض حاجاتهم وحصيلتهم اللغوية تختلف عن تلك التي يختص بها الأطفال في طور الطفولة المتأخرة.

 (هادى نعمان الهيتي 1978 ، ص30)

- تنمية الجانب الجمالي لدى الأطفال أحد أهم الأمور التي لا يمكن أن نغفلها في تنشئة الطفل، فحضارة الأمم تقاس بتقدمها في الفنون، فأي حضارة قائمة على العلم والفن معًا، ولا يمكن إغفال أحدهما دون الآخر، كما لا يمكن أن ننشئ أطفالاً في ظل إهمال قيمة الفنون، والمسرح فن يتضمن كافة الفنون المختلفة كالرقص والباليه والموسيقى والديكور والغناء، وبالتالي يسهم المسرح في التربية الجمالية للطفل التي تعتبر جزءًا أصيلاً في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل.

ثالثاً: الحكايات الشعبية وتنشئة

الطفل اجتماعيًا

تعتبر الحكاية الشعبية إحدى أجناس الأدب الشعبي المحببة إلى الكبار والصغار، ويرجع ذلك لما تتضمنه من عناصر جذب وتشويق وإثراء للخيال بالإضافة إلى ما تتضمنه من قيم إيجابية يسعى كتاب المسرح عامة ومسرح الطفل خاصة إلى بثها في نفوس الأطفال، وكذلك لبساطة البناء والتركيب الذي تتسم به، لذلك نجد الأطفال يستمتعون بالإصغاء إلى هذه الحكايات - على اختلاف أنواعها - من حكايات جان أو حيوان أو الليالي، كما اعتمد مسرح الطفل في إبداع العديد من مسرحياته على المادة الخصبة من هذه الحكايات ومن موضوعاتها.

وتعرّف «نبيلة إبراهيم» الحكاية الشعبية نقلاً عن المعاجم الألمانية«بأنها الخبر الذي يتصل بحدث قديم ينتقل عن طريق الرواية الشفوية من جيل لآخر، أو هي خلق حر للخيال الشعبي ينسجه حول حوادث مهمة وشخوص ومواقع تاريخية»، أما المعاجم الإنجليزية فتعرفها «بأنها حكاية يصدقها الشعب بوصفها حقيقة وهي تتطور مع العصور، وتتداول مشافهة، كما أنها قد تختص بالحوادث التاريخية الصرفة أو الأبطال الذين يصنعون التاريخ»، وعلى هذا فإن التعريفين يشتركان في أن الحكاية الشعبية قصة ينسجها الخيال الشعبي حول حدث مهم، وأن هذه القصة يستمتع الشعب بروايتها والاستماع إليها إلى درجة أن يستقبلها جيلاً بعد جيل عن طريق الرواية الشفوية.

(نبيلة إبراهيم ، ص119)

وقام "أنتي أرني" بوضع فهرس لطرز الحكايات الشعبية ، ويتضمن الفهرس أربعة أبواب بالإضافة إلى باب للطرز غير المصنفة، وتلك الأبواب الأربعة هي (حكايات الحيوان – الحكايات العادية – النوادر والطرائف – حكايات الصيغة)، وينقسم كل باب من هذه الأبواب إلى مجموعة من الجزئيات، فحكايات الحيوان تتضمن (حيوانات وحشية – وحيوانات وحشية وحيوانات أليفة – والإنسان والحيوانات الوحشية – وحيوانات أليفة – وطيور – وأسماك– وحيوانات وأشياء أخرى)، أما الحكايات العادية فتشتمل على (حكايات السحر – وحكايات دينية – وحكايات رومانسية – وحكايات عن الغول الغبي)، أما حكايات النوادر والطرائف فتتضمن (قصص الحمقى – وقصصًا حول الأزواج – وقصصًا عن المرأة – وقصصًا عن الرجل – وحكايات الكذب)، وباب الصيغ يشتمل على (الحكايات المتراكمة – وحكايات المزاح – وحكايات لا تنتهي).

 (فوزي العنتيل 1999 ، ص99-100 )

ومن أهم أنماط وطرز الحكايات الشعبية ما يلي:

أ- حكايات الجان Fairy Tales 

كثيرًا ما يلجأ كاتب مسرح الطفل إلى حكايات الجان للاستلهام منها لما تتضمنه من عناصر خرافية تجذب إليها الأطفال بجانب ما تشتمل عليه من قيم ومعارف متنوعة، وتزخر الليالي بالكثير من حكايات الجان مثل حكاية التاجر والعفريت، والصياد والعفريت، ومصباح علاء الدين، وغيرها من الحكايات الأخرى، كما تتضمن العديد من الأدوات السحرية كخاتم سليمان، وبساط الريح، والحصان الطائر، والبوق السحري، ولقد استفاد كتاب مسرح الطفل في توظيف تلك الموتيفات في أعمالهم المسرحية.

ويعرف "Joseph, Jacobs" حكايات الجان في مقدمته لكتابه "قصص الجنيات الإنجليزية" بقوله: إن اصطلاح قصص الجنيات Fairy Tales يشمل القصص التي تحدث فيها الخوارق أو الأمور الغريبة، كأن يكون فيها جنيات أو عمالقة أو أقزام أو حيوانات تتكلم، ويشمل كذلك القصص التي يكون فيها الشيء الغريب الخارق، أو الغريب غير الطبيعي كحماقة الشخصيات وغبائها، وقد عرفتها "روث توز Ruth Tooze" بأنها القصة التي كتبها مؤلف واحد وتدور حول قوى سحرية أو خارقة تحقق الآمال والأحلام وهي في رأيها غير القصة الشعبية لأن القصة الشعبية مجهولة المؤلف أو يتعدد مؤلفوها.

(علي الحديدي 1989 ، ص140-143)

ويطلق بعض الباحثين على حكايات الجان اسم حكايات الخوارق، وأرى أن تلك التسمية أقرب إلى الصواب من تسميتها بالحكاية الخرافية أو حكايات الجان، ويرجع ذلك إلى أن معظم أنماط الحكايات الشعبية تشتمل على عناصر خرافية، ولكنها تتوافر بكثرة في الحكاية الخرافية أكثر من توافرها في حكاية الحيوان والحكايات الهزلية، كما أن بعض حكايات الجان ليس بالضرورة أن تتضمن شخصيات من الجان، بل تتضمن عناصر خرافية وشخصيات خيالية لها قوة خارقة تتجاوز بها قدرات البشر، لذا فإن تسميتها بحكايات الجان جاءت هي الأخرى غير دقيقة.

وتتسم حكايات الجان بكثرة العناصر الخرافية الخارقة، فغالبًا ما نجد شخصيات خارقة كالعفاريت والأقزام والمردة والغيلان والتي تقوم بمعجز الأعمال، كما أن الشخصيات الإنسية في تلك الحكايات تمتلك أيضا العديد من القدرات الخاصة التي تميزها عن غيرها من بني البشر ، كما تزخر الحكاية بالحيوانات الخرافية، فهناك الحصان الطائر الذي يمتلك القدرة على الطيران بجانب امتلاكه حاسة النطق والسمع كالبشر، والطيور العملاقة، والحيوانات التي تتكلم وتفكر والتي قد تتخذ أحيانًا شكلاً مخالفًا عما هي عليه في الطبيعة، كما تتضمن حكايات الجان أيضًا العديد من الأدوات السحرية والصيغ السحرية التي تحول الإنسان إلى حيوان وتفتح بها كنوز الأرض.  

ب- حكاية الحيوان:

تلقى قصص الحيوان أهمية كبيرة بالنسبة للأطفال، فهذا اللون من الأدب وغيره من الألوان الكلاسيكية في أدب الأطفال، له مكانته في وجدان الطفل وقيمته الأدبية والإنسانية المتميزة، لكن قصص الحيوان وقصص التراث الشعبي العربي والعالمي وقصص الخيال والمغامرة يجب أن تصب أهدافها الأخيرة في البناء العلمي للطفل وتنمية تفكيره العلمي والإبداعي.

 (محمد عماد زكي 1990 ، ص151)

ويتعلق الأطفال بالقصص التي تقوم الحيوانات بأداء أدوار الشخصيات فيها، وليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة إذ يبدو أن هناك نوعًا من الصلة بين الأطفال وبين الحيوانات، كما قد يرجع ذلك إلى السهولة التي يجدها الأطفال في تقمص أدوار الحيوانات، أو رغبتهم في قيام ألفة مع بعضها، أو في السيطرة على بعضها الآخر، كما أنها تتيح للأطفال أن يمارسوا التخيل والتفكير دون عناء لاعتمادها على الصور الحسية في التعبير، خصوصًا وأن شخصياتها في العادة قليلة، وأفكارها خالية من التعقيد

 (هادي نعمان الهيتي 1978 ، ص179)

وحكايات الحيوان إحدى أهم أنماط الحكايات الشعبية التي يولع بها الأطفال، وربما يرجع ذلك إلى السهولة التي يجدها الأطفال في تقمص أدوار الحيوانات وسعادتهم في تكوين صداقات مع بعض الحيوانات، وعلاقة الطفل الوجدانية بالحيوانات أيسر على الفهم من علاقته بالإنسان، ولعل ذلك يرجع إلى أن بعض الحيوانات أصغر حجمًا من الراشدين من بني الإنسان، وثمة شواهد كثيرة تدل على قرب الحيوان من نفس الطفل ويبدو ذلك من ظهور الحيوانات في أحلام الأطفال وفي مخاوفهم، كما تعتبر الحيوانات على المستوى الشعوري أصدقاء للأطفال، وعلى أية حال فإن الحيوانات مثيرات ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الأطفال، ويجد الأطفال في هذا اللون من القصص عالمًا جديدًا وغريبًا، لذا يحبونه، ويربطون بين صفات وسلوك أبطاله، وبين صفات وسلوك أصدقائهم.

 (هادي نعمان الهيتي ، الألف كتاب "الثاني30" ، ص148)

وقد استفاد كتاب مسرح الطفل في توظيف العديد من الحيوانات - على اختلاف أنماطها - في مسرحياتهم، ويرجع ذلك إلى رغبتهم في الاستفادة من العلاقة الودودة بين الطفل والحيوان، فقد يبرز الكاتب طبيعة الحيوانات وأهم سماتها كالنشاط في النحلة والنظام في النمل والذكاء والحكمة في القرد وغير ذلك، كما قد تنتقد بعض عادات ووجهات نظر البشر الغير مرغوب فيها، وأوجه الصراع فيما بينهم.

ج - ألف ليلة وليلة  Arabian Nights

والليالي قصص شعبية فولكلورية مصدرها قارة أسيا وتعرف باسم ألف ليلة وليلة، وكتبت هذه الحكايات باللغة العربية قبل القرن الثامن، وقد استخدمت الطريقة التي كانت شائعة في القرون الوسطى والتي استخدمها كل من "تشوسر" Chaucer، و"بوكاشيو" Boccaccio، وهذه الطريقة عبارة عن سرد قصة واحدة كبيرة تحتوي على قصص صغيرة كل منها ليس له علاقة بالآخر.

(Alison Jones , P31)

وتعد ألف ليلة وليلة إحدى أهم المصادر التي يستقي منها الأدباء والفنانون التشكيليون والموسيقيون أعمالهم الإبداعية، وقد نالت الليالي من الشهرة والذيوع ما لم يحظ به أي عمل أدبي آخر، وتداولها المبدعون في كل المجالات واقتبسوا منها قصصًا وروايات ومسرحيات وأوبرات واستلهموا منها قطعًا موسيقية، كما تعد ألف ليلة وليلة كذلك مصدرًا أساسيًا لأدب الأطفال، حيث استقى العديد من كتاب الأطفال أفكارهم من الليالي ومن أشهر تلك الحكايات، حكاية علاء الدين والمصباح السحري، وحكاية علي بابا والأربعين حرامي ، وحكاية السندباد البحري، وحكاية عقلة الإصبع، وحكاية عبد الله البري وعبد الله البحري، وكل هذه الحكايات أصبحت جزءًا من ثقافة الأطفال.

ومن أهم الأسباب التي جعلت العديد من كتابي ومبدعي مسرح الطفل ينهل من الليالي ما تتمتع به من عناصر جذب وتشويق متمثلة في العناصر الخرافية، التي تثير خيال الطفل وتجعله يعيش في عالم خاص به يجمع ما بين الخيال والواقع، كما أنها أمدت الأدباء بعالم وافر من الشخصيات والحوادث والمناظر، حيث تتناول حكاياتها موضوعات متنوعة، كما تغلب على حكايات الليالي نزعة الخير، وهي تؤكد في كل مناسبة أن الخير جزاؤه الخير وأن كل شرير لا بد أن يلقى جزاءه، وأن الآثم لا يفلت من العقاب العاجل، وهذا هو المغزى الحقيقي الذي نبغي توصيله إلى الأطفال، كما تحمل بعض حكايات "ألف ليلة وليلة" موضوعات تعليمية وقيمًا تربوية لا يمكن أن يستغني عنها مبدعو أدب الأطفال، كما في حكاية التاجر والعفريت، والتي تدور حول قيمة تربوية هامة وهي ضرورة الوفاء بالعهد مهما كانت نتائجه.

ولقد فتن الأطفال بحكايات ألف ليلة وليلة بما فيها من عناصر جذب وتشويق، واحتلت شخصياتها مكانة خاصة في نفوس الأطفال، ودائمًا ما نجد أن الطفل يربط ما بين الأبطال في تلك الحكايات والأداة السحرية التي يستخدمها أو ما يفعله من عناصر خرافية ، فالطفل لا ينسى علي بابا بكلمته السحرية «افتح يا سمسم»، والتي يشعر كل طفل أنها الكلمة السحرية التي تفتح له كل الأبواب المغلقة، وعلاء الدين من خلال مصباحه السحري العجيب حيث يتمنى كل طفل أن يحوز مصباح علاء الدين السحري ليحقق كل أحلامه، والبساط السحري الذي ينقل الطفل إلى أي مكان يريد الذهاب إليه، وخاتم سليمان الذي إذا قام أحد بدعكه يخرج منه الجني خادم المصباح، ويحقق لصاحبه كل ما يتمنى.

وتعد الحكايات الشعبية أحد أهم مصادر التنشئة الاجتماعية للطفل، حيث تزخر بالعديد من القيم والأعراف والتقاليد التي تسهم في خلق طفل سوي نفسيًا، وقادر على التكيف مع مجتمعه، لذلك يسعى العديد من كتاب دراما مسرح الطفل إلى استلهام الحكايات الشعبية في أعمالهم المسرحية.

وتتسم الحكايات الشعبية بقربها من وجدان الأطفال، فلا يوجد طفل إلا ويسعد بالاستماع إلى تلك الحكايات لما تتسم به من بساطة في التركيب وخلوها من التعقيدات، كما أنها تمثل الأحاسيس الفطرية في الإنسان، ويجد كتاب مسرح الطفل جمهورًا مولعًا بالإصغاء إلى الحكايات الشعبية لما تتسم به من أحداث غريبة ومثيرة كوجود الجان والعفاريت والمردة والساحرات، كما أنها تتضمن في أحداثها على العديد من القيم والمضامين التربوية والمعارف.

وتتعدد وتتنوع القيم والمضامين في مسرح الطفل، سواء كانت قيما ومضامين تربوية وتعليمية أم قيما ومضامين مرتبطة بالتنشئة الاجتماعية أم قيما ومضامين فكرية وسياسية، أم قيما ومضامين ثقافية ودينية، حيث يعي كاتب مسرح الطفل أنه مرب في المقام الأول يسعى إلى تقديم الأسوة الحسنة والقيمة التربوية من خلال أعماله المسرحية، والتي يبغي أن يبثها في أذهان أطفالنا من أجل بناء شخصية طفل المستقبل.

أهمية الحكايات الشعبية:

ويمكن أن نستخلص أهمية الحكايات الشعبية ودورها في التنشئة الاجتماعية للطفل فيما يلي:-

1- إمتاع وتسلية الطفل

تهدف الحكايات الشعبية إلى التسلية والترفيه وبث المتعة في نفوس الأطفال، ولا نجد طفلاً يرفض سماع أي حكاية، والتي تظل عالقة في أذهان الأطفال لفترة طويلة من العمر، فلا يمكن أن ينسوا حكاية علي بابا والأربعين حرامي، وعلاء الدين والمصباح السحري، والشاطر حسن، والسندباد، وعقلة الإصبع، وغيرها من القصص المستمدة من الحكايات الشعبية، وذلك نظرًا لما تحتويه من متعة وترفيه للأطفال بجانب ما تبثه من قيم وسلوكيات ومعارف يستمتعون بها ويحرصون على متابعتها.

كما تزخر الحكايات الشعبية بالعديد من الحكايات التي تقدم للأطفال المتعة والفكاهة والتسلية، كالحكايات المرحة وحكايات الحمقى والمغفلين والنوادر، حيث تتناول تلك الحكايات شخصيات تتسم بالغباء والحمق في تصرفاتها وأفعالها مما يجعلها مسارًا للسخرية، فالأطفال يسخرون من تلك الشخصيات، ولكنهم في الوقت نفسه يتعلمون من خلالها.

2- التأكيد على القيم الأخلاقية

كما تهدف الحكاية الشعبية إلى تحقيق التواصل الثقافي واللغوي بين الأجيال حيث تبرز التراث الإنساني على مر العصور ليتعرف كل جيل على تراث وثقافة أسلافه، وتسعى الحكايات الشعبية إلى بث العديد من القيم الأخلاقية من خلال العديد من حكاياتها، وتقديم نماذج من السلوك القويم وأنماط من الشخصيات تتسم بالمثل والقيم والتي تهدف إلى الاقتداء والاهتداء بها، فالعديد من الحكايات الأخرى تبث فضائل متعددة كالتواضع والحنان والشفقة والمساعدة والصبر والتعاطف والشجاعة، وهي فضائل وقيم تجد المكافأة والنجاح دائمًا، والنجاح والمكافأة يعكسان أهداف الحياة الطويلة للإنسان، وتؤكد القصص الشعبية من خلال موضوعاتها معايير للسلوك الذي يجب الاقتداء به.

وتتضمن معظم حكايات الجان العديد من قيم التربية الأخلاقية والفضائل كالأمانة والوفاء بالوعد والشجاعة والإخلاص والتي تهدف إلى سمو العاطفة والمشاعر والأحاسيس، حيث لا تخلو الحكايات من توجيه الأطفال إلى السلوك الحسن، فحكاية التاجر والعفريت تبرز قيمة تربوية هامة من خلال وفاء التاجر بالعهد الذي قطعه على نفسه أمام العفريت، بعد أن أراد قتله ليقتص منه لأنه رمى نواة التمر على ابنه فقتله دون قصد، وطلب منه التاجر أن يمهله فرصة عام حتى يسدد ديونه ويعود إليه بعد ذلك ليقتص منه، وعلى الرغم من أن التاجر يعلم مسبقًا أن العفريت سوف يقتله إلا أنه أوفى بعهده إليه، وهي قيمة يجتهد كتاب مسرح الطفل إلى بثها في نفوس الأطفال ، وتنتهي الحكاية بعفو العفريت عن التاجر بعد أن استمع إلى ثلاث حكايات لثلاثة من الرجال، فيهب لكل رجل ثلث دم التاجر وذلك وفاء لإنسانية الإنسان، أما في حكاية الصياد

 وزوجته ( ) فنجدها تهدف إلى بث قيمة تربوية هامة، وهي أن القناعة كنزلا يفنى، وأن الطمع يجعل صاحبه يفقد كل شيء.

3- التأكيد على القيم الاجتماعية

تعبر الحكايات الشعبية عن ضمير الجماعة الشعبية، لذا تقوم بدور هام في تأكيد القيم الاجتماعية التي تعبر عن الجماعة، وذلك من خلال إبراز أبطال الحكايات بصورة مقبولة، فالبطل يحب من حوله ويسعى عادة إلى تقديم يد العون، والمساعدة إلى كل محتاج، كما يتسم بالصفات الحسنة كالذكاء والصدق والأمانة، لذلك يفوز البطل في النهاية بالمكافأة نتيجة لخصاله الحسنة، وتأتي هذه الصفات المثالية تأكيدًا على قيم المجتمع، كما أن صفات الحسن والجمال التي تمنح لبطلات الحكايات الشعبية هي صفات تمنح لهن من الطبيعة نتيجة حسن سلوكهم، ففي حكاية أمنا الغولة يدعو النبات إلى ست الحسن فتصير أكثر جمالاً جزاء لفعلها الطيب، في حين يدعو النبات على أختها زليخة فتصير أكثر قبحًا مما كانت عليه نتيجة سوء سلوكها، فإذا كان للبطل صفات مخالفة لقيم المجتمع، فإنه عادة ما يلقى جزاء تلك الصفات السيئة التي ينكرها المجتمع.

كما تؤثر الحكايات الشعبية تأثيرًا كبيرًا على مشاعر الأطفال ووجدانهم، وذلك من خلال توحد الطفل مع البطل المظلوم وكراهيته للظلم، فالأطفال يتعاطفون مع ست الحسن فيما تواجهه من قسوة وظلم زوجة أبيها وأختها غير الشقيقة، كما يتعاطفون مع الشاطر حسن ويخشون أن يصيبه أذى من المارد الشرير، ويأتي انتصار البطل على القوى الغاشمة المجسدة في شخصيات لا تعرف الرحمة من أجل نيل المكافأة.

4- إثارة خيال الأطفال

وتساعد الحكايات الشعبية على تنمية خيال الأطفال من خلال عالم الخيال الرحب الذي تبلوره الحكايات الشعبية بجانب عالم الواقع، فالطفل ينبهر بالشخصيات الخرافية كالجان والمردة والسحرة وهي تتعامل مع الشخصيات الآدمية جنبًا إلى جنب، وبالأدوات الخرافية التي تسخر لخدمة البطل من أجل الانتصار على الشخصيات الخرافية، كبساط الريح وطاقية الإخفاء والعصا السحرية، كما تظهر الحيوانات الخرافية في الحكايات الشعبية والنباتات والجمادات، والتي تمتلك القدرة على الفعل وتطوير الأحداث.

5- تنمية قدرة الأطفال على التفكير  

تشتمل الحكايات الشعبية على عناصر كثيرة، كالصوت، والحركة والشخصيات، والمعلومات الجغرافية والتاريخية، والعناصر الواقعية والخيالية، والرموز، وتداخل الأزمنة، والحكاية داخل الحكاية، والموتيفات أو التيمات التي هي أصغر وحدة في المضمون الروائي، وهي يمكن أن تكون حيوانًا خرافيًا كالغول، أو مادة كالعصا السحرية، أو حادثة مثل الهروب السحري المليء بالعوائق، وغير ذلك من العناصر التي تساهم في تنمية المفاهيم والتصورات الأساسية لدى الطفل عن الزمان والمكان والحركة والإنسان والواقع والحياة.

(شاكر عبد اللطيف 1996 ، ص90)

وتهدف العديد من الحكايات الشعبية إلى تدريب الطفل على التفكير السليم لأن عادة ما تأتي حلول الأزمات عن طريق الحيلة واستخدام الشخصيات الخيرة لذكائها للانتصار على القوى الشريرة، ومن أشهر حكايات الجان في ألف ليلة وليلة والتي تبرز حدة وقوة الذكاء والقدرة على التفكير حكاية الصياد والعفريت()، حيث نجح الصياد في الإفلات من العفريت الذي خرج له من القمقم وكاد أن يقتله، وذلك عن طريق الخدعة والمكيدة، حيث قال الصياد للعفريت إنه لم يصدق أنه كان محبوسًا في هذا القمقم، وعندما أراد العفريت أن يثبت له صحة هذه الحقيقة تحول وصار دخانًا كثيفًا ودخل في القمقم، وعندئذ سارع الصياد بإحكام غلق فوهته، ولم يحرر الصياد العفريت من حبسه إلا بعد أن وعده بأن يفعل شيئًا يغنيه مدى حياته.

6- إشباع دوافع حب الاستطلاع لدى الأطفال

غالبًا ما يكون الأطفال مشدودين لكلمات الحكاية الشعبية لأنها تشبع دافع حب الاستطلاع لديهم، وتبعث فيهم الرغبة في الانطلاق من حياتهم التي تسودها الرتابة، فحكايات الماضي المثيرة تشد المستمعين دائمًا بسحرها الغامض في كل مكان من هذا العالم الرحيب، وهي تنتقل من عصر إلى عصر، ولكنها في كل مكان تقوم بخدمة نفس الحاجات الاجتماعية والسياسية، كما تقوم بخدمة نفس الاحتياجات الفردية، وأخصها إشباع دافع حب الاستطلاع، والتشويق للأحداث الغامضة التي حدثت في غابر الزمان.

(هدى قناوي 1995 ، ص187)

وتعتبر الحكاية الشعبية المستمدة من التراث الشعبي هي أكثر الحكايات مناسبة للطفل، وذلك لقدرتها على إثارة خيال الطفل بما تقدمه من عوالم مختلفة تتفاعل معًا دون وجود أي فواصل فيما بينها وكأنها عالم واحد، حيث تلغي الحكايات الشعبية الفواصل الزمنية والمكانية والاجتماعية بين البشر، وذلك من أجل خلق عالم واحد يحقق فيه الطفل ما يعجز عن تحقيقه في عالمه الواقعي.

ومن هنا ينبع سر الإعجاب بما في الحكاية الشعبية، من ظواهر الطيران السحري، والحياة بعد الموت، والبطل الذي يهزم أعداءه بالسحر .. الخ، تلك الظواهر التي تحقق للمتلقي الوظيفة البيولوجية حيث يخرج فيها من قيده الزماني والمكاني ومن عجزه الفيزيائي، كل هذا بجانب وظيفة التسلية والإمتاع، فالحكاية أيًا كانت تؤدي الوظيفتين معًا، التسلية والتثقيف، وكل ما قد يلتمس هنالك من فرق بين حكاية وأخرى في هذا الصدد لا يعدو أن يكون فرقًا كميًا لا فرقًا نوعيًا. (كمال الدين حسين 1993 ، ص79)

عناصر بناء الحكايات الشعبية:

كما أن عناصر بنية الحكايات الشعبية تسهم في التنشئة الاجتماعية للطفل، ويمكن أن نتبين ذلك من خلال النقاط التالية:-

1- بنية الحكايات الشعبية

تقوم بنية الحكايات الشعبية على عدد من العناصر التي تسهم في التنشئة الاجتماعية للطفل، حيث تتضمن الحكايات الشعبية بين طياتها العديد من الأفكار والقيم الأخلاقية والاجتماعية، كما تبرز كذلك العديد من الفضائل كالشجاعة والصبر ونصرة الحق ومساعدة المحتاج، وأصحاب هذه الفضائل عادة ما يفوزون بالمكافآت والنجاح وحب من حولهم، كما تسهم في التنشئة الثقافية للطفل من خلال ما تقدمه من معارف وما تتناوله من سير الأبطال كسيرة عنترة بن شداد وأبى زيد الهلالي.

كما تقوم بنية الحكاية الشعبية على الصراع بين الخير والشر، وعادة ما تتجسد قوى الشر في شخصيات خرافية كالجان والغيلان والساحرات ويواجهها البطل صاحب القيم والمبادىء والذي يسعى في نضاله إلى إعلاء الفضيلة، وقد يحظى البطل بالمساعدات من القوى المانحة حتى تساعده على مواجهة قوى الشر الغاشمة، والبطل يمثل النموذج الإيجابي الذي يتحلى بكل القيم الإيجابية التي يتبناها المجتمع، وقد يأخذ الصراع شكلاً آخر كما في بعض حكايات الحيوان، حيث يخالف البطل القيم الإيجابية ويكتسب صفة لا يقرها المجتمع كالطمع أو الغرور أو الكذب، ويدخل البطل عددًا من التجارب يتعرض خلالها للعديد من المخاطر، وتأتي النهاية لتؤكد سلبية هذه الاتجاهات التي تبناها البطل، ويكتشف البطل خطأه ويتعلم الدرس، وفي هذا تأكيد على القيم الإيجابية بشكل غير مباشر، وكثيرًا ما يقدم كاتب مسرح الطفل هذا النموذج للبطل الذي يخالف القيم الإيجابية.

وتأثر كتاب مسرح الطفل في بناء أحداث نصوصهم المسرحية ببنية الحكاية الشعبية، فعادة ما يقوم الصراع في مسرحيات الأطفال بين عدد من الثنائيات المتناقضة كالخير والشر، الواقع والخيال، حب الذات وإنكار الذات، وكل هذه الثنائيات تزيد من عمق بنية النص المسرحي، وتهدف إلى إعلاء قيم الخير والسمو بها في نفوس الأطفال، وهذه الثنائيات المتناقضة إحدى أهم سمات الحكايات الشعبية، ففي حكاية أمنا الغولة () نجد هذه الثنائية بين الخير والشر، وبين الجمال والقبح، بين الواقع والخيال، وفي حكاية الشاطر حسن تتمثل هذه الثنائيات فيما بين الشخصيات الخرافية والشخصيات الإنسية، وبين إنكار الذات والمتمثل في شخصية الشاطر حسن، وحب الذات والمتمثل في أخوات الشاطر حسن.

2- الشخصيات

قدمت الحكايات الشعبية صورا متعددة للبطل ومنها البطل الذي يتسم بالجرأة والشجاعة على مواجهة الأخطار، وهو يسعى دائمًا لمساعدة الآخرين ومواجهة الصعاب والتضحية بالنفس من أجل سعادة الغير، وهناك نموذج آخر للبطل وهو البطل الكسول الذي يترك نفسه لغيره ليحركه، وهو بطل كسول لا يفعل شيئًا وينتظر دائمًا أن يمنح الهبات أو الكنوز من شخصيات خرافية دون أن يتحرك من موضعه، وهو الذي يخسر في النهاية نتيجة كسله وضعفه وعدم اعتماده على قدراته الربانية.

كما تقدم بعض الحكايات صورة لازدواجية البطل - المقابلة في الشخصيات - حيث تركز الحكاية على شخصين على قدر من المساواة، فيكون البطل مزدوجًا، أخا أو أختا كما في حكاية الشاطر عزيز والشاطرة عزيزة، أو أختين إحداهما جميلة والأخرى قبيحة كما في حكاية أمنا الغولة، أو أفوبن كما في حكاية علي بابا، والأخوان يتمتعان بصفات مختلفة، كأن يكون أحدهما طيبًا والآخر شريرًا، أو يتشابهان ويتعرضان للأحداث نفسها معًا، وقد يكون الإخوة ثلاثة أو سبعة أو أقل أو أكثر، وكثيرًا ما يكون الإخوة أعداء لأصغرهم وهم يحاولون التخلص منه، وينسبون لأنفسهم ما حققه من نصر، وعادة يحقق البطل ذو الخصال الطيبة النجاح في رحلته ويفوز في النهاية بالزواج من الأميرة والمكافأة.

أما بطلات الحكايات الشعبية كست الحسن وسندريلا، فعادة ما تمثل النموذج القويم للشخصية بما تتمتع به من خصال إيجابية وصفات طيبة، حيث يتوحد الطفل دائمًا مع الشخصيات الخيرة، ويدرك أن ما تناله من مكافأة إنما نظير حسن صفاتها وخصالها الطيبة.

3- الرموز

وتلعب الرموز في الحكايات الشعبية دورًا هامًا في التنشئة الاجتماعية للأطفال، ويعتبر استخدام الرمز والتجريد أحد أهم العناصر الفنية التي تدخل في بنية الحكاية الشعبية، لذلك جاء عالم الحكاية الشعبية زاخرًا بالصور الرمزية، ومن أبرز الرموز في الحكايات الشعبية، صورة الشيء المحرم الذي لا يحق للبطل الاقتراب منه وإلا تعرض للعديد من المخاطر، وبذلك تهدف الحكايات إلى بث في نفوس الأطفال قيمة الإصغاء لنصائح الكبار، والابتعاد عن المحرمات حتى لا يتعرضوا للمخاطر.

والرموز في الحكايات الشعبية لابد أن تقدم إلى الطفل بصورة بسيطة حتى يستطيع أن يفهمها ويعيها جيدا، وهي بالنسبة للطفل قد تتمثل في بعض المحرمات التي يجب أن يبتعد عنها، ففي حكاية الديب والمعيز الثلاثة ()، والتي تدور حول المعيز الثلاثة الصغار التي تتركها أمها وتذهب إلى المرعى، وتحذرها من فتح الباب إلى أي شخص آخر، وتأتي الثعلبة وتطرق الباب وتدعي أنها أمها فتفتح لها، وتدخل عليها البيت، لكنها تصرخ فتهرب بعد أن تأخذ الجبن من البيت، وعندما يعلم الديب هذا يذهب إليها ويدعي أنه أمها، لكنها تعرف أنه الذئب ولا تفتح له باب البيت، وللحكاية مغزى تعليمي وهو أن على الأطفال سماع نصائح أمهاتهم حتى لا يتعرضوا للمخاطر والهلاك.

وفي بعض الحكايات الشعبية يقتنع البطل بما وجد في الغرف الأخرى ولا يتجاسر على فتح الغرفة المحرم عليه فتحها وهو بذلك يبتعد عن المجهول ويعيش في هناء وسعادة وسلام،  كما في حكاية الثلاث بنات وابن السلطان وهي حكاية مصرية، فالغول يعطي الفتاة أربعين مفتاحًا ويطلب منها عدم فتح غرفة معينة، وتلتزم الفتاة في الحكاية بما أمرها به الغول، وتفوز بالذهب والياقوت والجواهر التي حصلت عليها من الغرف الأخرى.

كما أن أسماء أبطال الحكايات الشعبية ما هي إلا رموز، فيمكن معرفة الشخصية من خلال اسمها فست الحسن والجمال أو بدر البدور هي رمز لكل الجميلات، وقمر الزمان رمز لكل فتى يتسم بوجه مليح، والشاطر حسن هو رمز لكل الأبطال الذين يسعون لتحقيق العدل والحق، وسلطان السبع بحور رمز لاتساع المملكة، والمسافة التي تقاس بالسنين ترمز على بعدها الشديد.

والكلمة الطيبة أحد رموز الحكايات الشعبية التي تؤدي مفعول السحر، فست الحسن في حكاية أمنا الغولة تكسب ود الغولة بالكلمة الطيبة، وعندما تطلب منها أن تنزل البئر وتملأ بلاصًا من الماء وتسقي كل شجرة تقابلها، تكسب دعاء كل شجرة بفعلها الحسن، فتدعو لها شجرة الفل بأن يكون بياضها في وجهها، وتدعو لها شجرة الورد الأحمر بأن يكون حمارها في خدودها، وتدعو لها شجرة الزيتون بأن يكون سوادها في عينها، أما النخلة تدعو لها بأن يكون طولها في شعرها.

ومن خلال ما سبق يمكن أن يستفيد كاتب مسرح الطفل من استلهام الحكايات الشعبية في مسرح الطفل والذي يمكن أن يؤدي بدوره دورًا هامًا وأساسيًا في تنشئة الطفل اجتماعيًا وإرساء العديد من قيم وعادات وسلوكيات المجتمع في نفوس الأطفال مما يجعلهم أكثر تواصلاً مع المجتمع، كما يسهم بشكل أساسي في بناء شخصية طفل المستقبل، وبذلك يتحمل كاتب مسرح الطفل أعباء هذه المسؤولية لأنه يدرك أبعادها جيدًا، مما يحتم كذلك على كاتب مسرح الطفل فهم شخصية الطفل وطبيعته الخاصة، وبذلك يتمكن مسرح الطفل من القيام بدور أساسي في بناء شخصية الطفل، والتي تعد خطوة أولى وأساسية في بناء الإنسان.

رابعاً : محاور التنشئة الاجتماعية في  نصوص مسرح الطفل

تعددت مفاهيم التنشئة الاجتماعية للطفل وإن اتفقت جميعًا في أنها العملية التي يكتسب فيها الطفل معايير وقيم واتجاهات المجتمع، وذلك دون تحديد لطبيعة تلك القيم والمعايير، سواء أكانت قيما اجتماعية أو تربوية أو قيما سياسية أو قيما دينية .... الخ، وبذلك فإن مفهوم التنشئة الاجتماعية يعتبر مفهومًا واسع المجال.

كما تشير البحوث إلى أن عملية امتصاص الطفل للثقافة قد تأخذ مسميات عديدة إذ نجد مصطلحات مثل التعلم Learning، والتربية Education، والتنشئة الاجتماعية Social Socialization، والتنشئة الثقافية Enculturation، والتثقيف Acculturation، والتنشئة السياسية Political Socialization كجزء من التنشئة الاجتماعية.

 (محمد عبد الحميد الغرباوي 2002 ، ص2)

وعرف "عبد المطلب القريطي" التنشئة السياسية بأنها عملية نقل المعارف والمفاهيم والأفكار المرتبطة بالثقافة السياسية والنسق السياسي للمجتمع ونظم الحكم ومشكلاته للنشء وتزويدهم بالمهارات والخبرات اللازمة لممارسة السلوك السياسي، وغرس وتنمية القيم والاتجاهات التي تعينهم على تكوين التوجهات الايجابية، والنزعة إلى المشاركة بفاعلية في الحياة السياسية.

 (أمل خلف 2006 ، ص24)

فالتنشئة السياسية هي عملية يتم بمقتضاها تلقين الطفل القيم والمفاهيم والاتجاهات السياسية الخاصة بالمجتمع، والتي من خلالها يدرك الطفل معناها ويمارسها بفهم ووعي كالحرية والعدالة والانتماء والديمقراطية، وغيرها من المفاهيم السياسية الأخرى بما يساعده على التعايش، والتكيف مع المجتمع.

لذا يمكن أن نحدد مفهوم التنشئة السياسية بأنها إحدى محاور التنشئة الاجتماعية، وهي تلك العملية التي يكتسب من خلالها الأفراد العديد من أمور المعرفة المرتبطة بالقضايا والمعلومات والمعارف السياسية، والتي تساعدهم على التوافق والتكيف مع مجتمعهم، كما تجعلهم أكثر فهما لطبيعة مجتمعهم وظروفه، وخاصة أن لكل مجتمع فلسفته الخاصة التي يسعى أن يبثها في نفوس أفراد مجتمعه، وبذلك يمكن من خلال تحليل الخطاب في مسرح الطفل تفهم طبيعة المجتمع وأيدلوجياته.

كما تتأثر تنشئة الطفل اجتماعيًا بالتراث الثقافي الذي ينحدر إلينا من أجيال سابقة ومتعاقبة، سواء كان تراثا دينيا أو تاريخيا أو صوفيا أو سيرا شعبية أو حكايات شعبية لما تتضمنه من معتقدات وتقاليد وقواعد أخلاقية ودينية.

وقد صاغ  الأنثروبولوجي الإنجليزي «إدوارد تايلر» تعريفًا للثقافة عام ١٨٧١ بأنها ذلك المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفنون والأخلاق والتقاليد والقوانين وجميع المقومات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوًا في اﻟﻤﺠتمع.

 (هادي نعمان الهيتي 1978 ، ص24)

أما التنشئة الدينية فيمكن أن نعرفها على أنها مجموعة القيم الدينية والروحية المستمدة من الدين الحنيف، والمتمثلة في الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والقضاء والقدر خيره وشره، والتي نسعى إلى بثها في نفوس الأطفال، وتختلف هذه القيم باختلاف المجتمعات، وتعتبر التنشئة الدينية إحدى محاور التنشئة الاجتماعية للطفل.

ويتضح مما سبق أن عملية التنشئة الاجتماعية هي الإطار العام الذي يضم بداخله مجموعة من العمليات تتمثل في القيم التربوية والاجتماعية والتنشئة الثقافية، والتنشئة السياسية، والتنشئة الدينية... الخ، وإن هذه العمليات إنما تعبر عن الجوانب المختلفة لتنشئة الطفل في المجتمع، كما أنه من الصعب الفصل بين تلك العمليات المتعددة لتنشئة الطفل بعيدًا عن الإطار العام الذي يضمها في بوتقة واحدة، وهي التنشئة الاجتماعية.

وفيما يلي سوف نقوم بإبراز أهم محاور التنشئة الاجتماعية من خلال التطبيق على بعض نصوص مسرح الطفل، والتي يمكن رصدها فيما يلي:- ()

1- القيم التربوية والأخلاقية.

2- القيم الاجتماعية.

3- القيم السياسية.

4- القيم الدينية.

5- القيم المعرفية الثقافية.

أولاً: القيم التربوية والأخلاقية:

تعتبر القيم مرتكزات أساسية تقوم عليها عملية التفاعل الاجتماعي فهي تتغلغل في حياة الناس أفرادًا وجماعات وترتبط عندهم بمعنى الحياة ذاتها لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بدوافع السلوك والآمال والأهداف. (أمل خلف 2006 ، ص55)

كما يؤكد "إميل دور كايم" على التربية الأخلاقية كمحور لعملية التنشئة التي تزود الأفراد بتصورات المجتمع ومعاييره وأنماط سلوكه ، وبالتالي تواصل الفرد بجماعته التي هو عضو فيها. (فادية عمر الجولاني 1997 ، ص17) وفيما يلي سوف نتعرض لأهم القيم التربوية والأخلاقية في بعض نصوص مسرح الطفل، والتي تسهم في بناء شخصية الطفل وخلق طفل سوي اجتماعيًا.

الأمانة والصدق

تعتبر قيمة الأمانة والصدق من القيم التي يسعى كتاب مسرح الطفل إلى الإشارة اليهما في نصوصهم المسرحية، وقد يخالف الكاتب ما جاء في أصل الحكاية الشعبية من أجل إبراز القيمة التي يبغي أن يبثها في نفوس أطفاله، ففي مسرحية علي بابا للسيد حافظ نجد أن الكاتب طور في شخصية علي بابا في المسرحية من رجل يعطف على الفقراء ويرفض الغش في التجارة إلى لص لا يحب الفقراء ويكره العطف عليهم، فالمسرحية تبدأ وعلي بابا يتصف بالأمانة وهي القيمة الأساسية التي يبغي الكاتب توصيلها إلى جمهور الأطفال، وتنتهي المسرحية وعلي بابا أصبح لصًا سرق اللصوص، فالسرقة جريمة حتى ولو كان المسروق منه لصاً، لذا استحق «علي بابا» العقاب والسجن وكذلك نالت زوجته «مرجانه» عاقبة سكوتها عن جريمة زوجها.

علي بابا: كنت سأوزع المال على الناس.

مرجانه: يا ليتك فعلت.

(يدخل رجال الشرطة يقبضون على اللصوص)

حمدان: اقبضوا على .. علي بابا ..

أمينه: واقبضوا على مرجانه  ..

مرجانه: أنا بريئة ..

حمدان: أنت سكتي عن السرقة فأنت شريكه ..

(علي بابا 1990 ، ص87)

أما في مسرحية حلم علاء الدين نجد بطل المسرحية يسعى إلى تحقيق حلمه بأي شكل، فيقوم بسرقة المحبرة من الصعلوك ظنًا منه أنها المصباح السحري الذي يبحث عنه ليحقق أحلامه، ويوضح الكاتب أهمية الأمانة والعاقبة الوخيمة التي تعود على من يخون الأمانة، فكانت نتيجة سرقته وخيانته للأمانة أن تحول إلى دمية من الخشب، وأصبح مهددًا بالشنق.

عـلاء:  ألست أنت الذي أحضرت المحبرة المشؤومة.

الصعلوك: وهل أنا الذي سرقتها من صعلوك نائم في بيتي.

عـلاء : إذن فأنت تنتقم مني .. على كل حال .. سلم على أمي .. وقل لها أنني مت وأنا أفكر فيها.

الصعلوك: أنت لم تفكر طول الوقت إلا في نفسك.. لو فكرت فيها لما تركت نجارتك وجلست عاطلاً تحلم بالمستقبل.

(حلم علاء الدين 1994 ، ص47)

 القناعة

أما في مسرحية وداد بنت الصياد فالقناعة كانت الثيمة Theme والفكرة الأساسية التي يدور حولها النص المسرحي لـ كمال الدين حسين، حيث سعى الكاتب إلى إبراز أهمية القناعة من خلال إظهار النتائج السلبية للطمع، وهو بذلك يظهر قيمة الشيء من خلال نقيضه، فالطمع هو المحرك الرئيسي لشخصية الأب وزوجته في المسرحية، فلا يرضون بما قسمه الله لهما من رزق، فعندما يظهر لها المارد نجدهما لا يكتفيان بتحقيق أمنية واحدة، بل يطمعان بالفوز بثلاث أمنيات من أجل الحصول على القوة والمال والسلطان.

الأب: فعلاً دي مشكلة وورطه .. حاجة واحدة تسعد الإنسان طول عمره إيه هي بس يا ترى؟ المال .. السلطان .. القوة ..

الخاله: لو الثلاثة مع بعض يبقى شيء عظيم.

الأب  : لو اتنين حتى .. ما يفرقش.

الخاله: أحسن حاجه في الثلاثة ؟

   (وداد بنت الصياد ، ص28)

واختلفت فكرة المسرحية عن حكاية الصياد والعفريت في الليالي، فالمارد في المسرحية يعجز عن منع الحروب والشرور في العالم، لكنه يستطيع أن يقدم لصاحبه المال أم السلطان أم القوة، لكن الصياد في المسرحية لا يقنع بما أعطاه الله من رزق، وعندما يظهر له المارد ليحقق أحد أمانيه يعجز عن اختيار أحد الأماني ويتعرض للحبس داخل القمقم، وبذلك يتعلم أهمية وضرورة العمل، والقناعة بما يقسمه الله له.

واختلفت نهاية حكاية الصياد والعفريت عن نهاية مسرحية وداد بنت الصياد، حيث انتهى الأمر إلى أن يكون الصياد في الحكاية الشعبية سببًا في خلاص المدينة المسحورة من السحر وفك سحر الشاب، وتصبح إحدى بنات الصياد زوجة للسلطان والأخرى زوجة للشاب، وأصبح ابنه خازندارا، وصار الصياد أغنى أهل زمانه. 

وإذا كانت هذه نهاية قصة الصياد والعفريت فإن مسرحية "وداد بنت الصياد" انتهت نهاية معاصرة، حيث أصبح الصياد أغنى أهل المدينة قناعة، بعد أن أدرك أن المال قد يزول، والقوة قد تنتهي، وهذا هو الهدف التربوي الذي سعى كاتب المسرحية إلى توصيله لجمهور الأطفال، وهذا هو الخلاف الجوهري بين الحكاية والمسرحية.

الوفاء بالعهد

أبرز الفريد فرج قيمة الوفاء بالعهد في مسرحية هردبيس الزمار، والتي استلهمها من حكاية المزمار السحري أحد أشهر الحكايات المتداولة في الكثير من بلدان العالم، ومن أشهر قصص الأدب الشعبي، وفكرة المسرحية مستلهمة من أسطورة شعبية من أساطير وسط أوربا باسم "مزمار هاملين"، كما أن بعض كبار الكتاب تناولوها مسرحيًا مثل النرويجي "هنريك أبسن" في مسرحية ايولف الصغير.

(محسن العزب 1995 ، ص48)

وأوضحت المسرحية أهمية الوفاء بالعهود، والعواقب الوخيمة لعدم الوفاء به، فالملك يعد "هردبيس الزمار" بمكافأة خمسين جنيه إذا استطاع أن يخلص المدينة من خطر الفئران، وعندما ينجح هردبيس في ذلك يتناسى الملك المكافأة ويخلف وعده "لهردبيس".

الملك : والفئران؟ حتعمل إيه في الفئران؟

هردبيس : هعزف لها لحن حتمشي ورايا .. أخذها بعيد عن المملكة وأسيبها هناك وأرجع  لأجل أخد المكافأة .

(هردبيس الزمار 1989 ، ص190)

 وتتعقد Crisis الأحداث بالمسرحية عندما يخلف السلطان وعده بتقديم المكافأة إلى هردبيس، حيث يستعين هردبيس بمزماره السحري من أجل استرداد حقه المسلوب، ويلجأ إلى حيلة من خلال مزماره السحري، حيث يسيطر على الأطفال ويخرج بهم خارج المدينة دون أن يشعروا بذلك، ويدرك الأطفال أنهم مخطوفون ويأخذون المزمار السحري من هردبيس بعد أن أدركوا إنه الأداة التي يسيطر عليهم من خلاله، لكنهم يتعاطفون معه ويقررون أن يساعدوه، ويطالبون الملك بحقه في المكافأة، ويدرك السلطان خطأه ويفي بوعده لهردبيس.

أما مسرحية مملكة القرود فقد طرحت صورة مغايرة للوفاء وهي الخيانة، فالقرد يخون عشيرته وقومه من القرود في سبيل أن ينجو بحياته، فيرسل كل يوم قردا إلى الأسد ليأكله، وقد أبرز الكاتب النهاية الوخيمة للخيانة بمعاقبة القرود للقرد الخائن.

الأسد : ده خاين أهله .. وكان كل يوم يبعت لي قرد افطر بيه حسب ما اتفقنا سوا.. علشان ما اكلوهوش هو.  (مملكة القرود 1993 ، ص41)

مساعدة المحتاج

وحكاية سندريلا Cinderella، إحدى أشهر الحكايات الشعبية ذيوعًا في الآداب العالمية، نجد أن الجنية في أصل الحكاية الشعبية تقوم بمساعدة سندريلا، تلك الفتاة اليتيمة التي تتعرض لمعاملة قاسية من زوجة أبيها وأخواتها غير الشقيقات، والهبات التي تقدم من قوى خارقة تعد بمثابة المكافأة التي ترصد للبطل ذي الصفات الطيبة الحسنة، وقد أبرز السيد حافظ قيمة مساعدة المحتاج في مسرحية سندريلا، والتي تقوم بمساعدة أم الخير عندما تطلب منها أن تسقيها وتطعمها مما أعطاها الله، ولا تتردد سندريلا عن فعل الخير، رغم أنها تعلم أنها سوف تنال العقاب من "هنود" إذا عادت إليها بدون طعام، ولكنها تقدم إليها الخبز والجبن والطماطم والتفاح وكل ما معها، وهذا يدل على كرم وسخاء سندريلا، وعطفها على المحتاج، ويهدف الكاتب هنا إلى ترسيخ قيمة فعل الخير لدى الأطفال الصغار.

أم الخير : جعانه عطشانه – أعطيني ما أعطاك الله.

سندريلا: معايا خبز وجبنه وطماطم وتفاح.

  (سندريلا 1996 ، ص66)

وفي مسرحية الديك الأحمق نجد أن الحيوانات تقدم مساعدات إلى بعضها البعض، فالكلب يأتي مسرعًا إلى الغابة لينقذ الديك الأحمق من تعرضه لخطر الذئب.

الديك : أريد أن أعود إلى الحديقة لأعيش مع إخوتي وأقاربي.

الكلب: ولا تعود إلى حماقتك؟        

الديك : لقد تبت أيها الكلب الكبير.

  (الديك الأحمق 1995 ، ص57)

قيمة الرحمة

تتناول مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة فكرة أخلاقية هامة، حيث تتعرض لأهمية الحب وإنكار الذات في إطار خمسة أفعال رحمة، فالفتاة «رحمة» لا تحمل في قلبها إلا الحب والخير للجميع، وهي لا تتردد في مساعدة أحد ولو على حساب تعرضها للخطر، لذا تصبح رحمة رمزا لقيمة الرحمة، ولقد نجح الكاتب في تسميتها بهذا الاسم "رحمة" لأنها حقا رحمة بمن حولها، فنجدها تقرر الذهاب إلى الغابة المسحورة لمساعدة أختها دون خوف أو تردد.

الأمير: هذه الغابة لم يدخلها أحد منذ زمن … لماذا دخلت الغابة ؟

رحمة : لأحلب لبن العنزة البيضاء النائمة، والتي كانت تعزف الموسيقى، لتغسل أختي وجهها بلبنها فتبدو جميلة في عيني خطيبها، الذي يأتي في الصباح.

الأمير : أفي قلبك رحمة أيضًا لأختك؟

 (رحمة وأمير الغابة المسحورة 1989 ، ص157) 

ورحمة كما تعطف على أختها تعطف كذلك على الأسد المتوحش في الغابة ولا تخاف أن يأكلها، وتقترب منه لتنزع الشوكة من  يده وتضمد جراحه وذلك رحمة به، وتكافأ رحمة في النهاية بزواجها من الأمير بعد أن انفك السحر برحمتها بمن حولها.

والمغزى والهدف الرئيسي في المسرحية والذي أراد الكاتب أن يقدمه إلى الأطفال، هو أن الرحمة لا تنفصل عن القوة، ولا يمكن أن يعيش الإنسان في عالم الأشرار إلا بالرحمة التي تدعمها وتحميها القوة.

الأمير: أهذه هي العلامة ؟

الساحر: لا .. العلامة هي أنك أشعلت حربك ضد الأشرار .. النضال تربية القلوب.. النضال يصنع لكل قلب عينيه، ويمنحه القدرة .. هكذا تهيأ قلبك لاستحقاق الرحمة بالقدرة على حمايتها في عالم شرير.

  (رحمة وأمير الغابة المسحورة ، ص159)

 التواضع وإنكار الذات

أبرز الكاتب قيمة التواضع من خلال شخصية سندريلا ونقيضها المتمثل في أختيها "فهيمة – لئيمة" وهما أختا سندريلا من الأب، وجاءت شخصيتاهما أحادية الجانب مسطحة، وهذه الشخصيات لها وجه واحد ويتسم سلوكها بأنه يمكن التنبؤ به إلى حد بعيد، وفهيمة ولئيمة تتصفان بالأنانية وحب الذات، وهما النقيض تماما لشخصية سندريلا، كما أنهما يبرزان شخصية سندريلا من خلال التضاد في خصالهما وهي الصفات التي نسعى لتدعيمها، وهما بنتان مدللتان تتصفان بالقسوة، حيث تعاملان سندريلا وكأنها ليست أختًا لهما.

ثانيًا: القيم الاجتماعية:

يمكن أن نحدد مفهوم القيم الاجتماعية بأنها تلك القيم التي تحكم العلاقات بين الأفراد وتحدد المواقف والاتجاه بالنسبة لعدد من القضايا الفكرية والاجتماعية، كما تحدد أنماط السلوك، فيختار منها الفرد مجموعة القيم التي تساعد عملية تطوره ونموه، يدعمها ويحافظ عليها ويعمل على تعديل القيم التي تعوق حركته أو تعطل نموه.

 (سعد لبيب 1984 ، ص41-42)

ومن خلال ما سبق يمكن أن نشير إلى بعض القيم الاجتماعية التي طرحت في نصوص مسرح الطفل:-

المسؤولية الاجتماعية

وفي مسرحية وداد بنت الصياد، تشعر «وداد» بطلة المسرحية بالمسؤولية تجاه أصدقائها، فترفض أن تأخذ من أصدقائها مالا نظير ما تقصه من حكايات، رغم تهديد والدها لها بالعمل معه طوال اليوم إن لم تنفذ ما طلبه وتأخذ مالا مقابل ما تقصه على الأطفال من حكايات.

الأب: تاخدي من كل عيل ثمن الفرجه .. زي السيما يعني.

وداد: ما اقدرش .. دول أصحابي بيحبوني وبحبهم. (وداد بنت الصياد ، ص13)

وترفض وداد أن تأخذ من أصدقائها مالا نظير ما تقصه من حكايات، لأنها تدرك أن الحب لا يقدر بأي ثمن، وتجني وداد ثمار هذا الحب، فعندما تجد صعوبة في سحب الشبك من البحر يتجمع الأطفال ويساعدونها، كما أن العرائس تتحول إلى أشخاص حقيقيين يقومون بمساعدتها نتيجة لقلبها الكبير وحبها لهم.   

الأولاد: واحنا كمان معاكم مش معقول نسيب وداد لوحدها.

الاراجوز : شفتي يا وداد .. عمر الحب ما يضيع.

عوكل : كفايا يا اخويا خطب وشعارات ويالا على العمل. ( وداد بنت الصياد ، ص16 )

 الصراع الطبقي

أبرز «السيد حافظ» قضية الصراع الطبقي في مسرحية علي بابا من خلال فكرة المسرحية والتي تدور بين التجار الأثرياء والتجار الفقراء، كما أبرزها كذلك من خلال ديكورات المسرحية فقسم الكاتب منصة المسرح إلى مستويين، المستوى العلوي وهو عبارة عن سوق للتجار يتضمن العديد من الدكاكين، نصفها الأيمن للأغنياء ويبدو عليها الثراء الشديد، والنصف الآخر دكاكين الفقراء ويبدو عليها الفقر الشديد، وفي المستوى السفلي على يمين المسرح نجد قصر «قاسم»، وعلى يسار المسرح في نفس المستوى يظهر كوخ «علي بابا»، وبذلك فقد قسم الكاتب خشبة المسرح إلى نصفين أحدهما تظهر عليه ملامح البذخ الشديد للأغنياء والآخر القحط الشديد للفقراء.

العدالة

تدور مسرحية علي بابا حول حدث رئيسي واحد، يوضح الكاتب من خلاله الصراع الدائر بين علي بابا واللصوص من أجل تحقيق العدالة، وتعد شخصية محجوب شخصية جوقية Choral Character، حيث تقوم بالتعليق على الأحداث وتوضيح علاقات الشخصيات بعضها ببعض، وهي تشبه إلى حد كبير شخصية عبيط القرية، ذلك الرجل الذي يتصنع البلاهة إلا أنه في الوقت نفسه يتكلم بالحكمة والمواعظ، واستعان به الكاتب للتعبير عن قضية العدالة فكان أشبه بضمير الإنسان.

محجوب : يا أهل السوق .. يا أهل السوق .. ولد صغير تائه .. اسمه العدل .. وبنت صغيرة تائهة اسمها الحقيقة .. يا أهل السوق .. يا أهل السوق ولد صغير تائه اسمه العدل .. وبنت صغيرة تائهة اسمها الحقيقة.  (علي بابا ، ص17)

قيمة التعاون

عادة ما يبرز كتاب مسرح الطفل قيمة التعاون في نصوصهم المسرحية، ففي مسرحية وداد بنت الصياد يقوم الأطفال بمساعدة وداد في سحب الشبك من البحر، كذلك يساعد الأطفال هردبيس في مسرحية هردبيس الزمار من أجل أن يسترد حقه في المكافأة من السلطان، كذلك تتعاطف الأشجار مع رحمة في مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة وتتعاون معها، أما في مسرحية سندريلا وظف الكاتب الحيوانات الأليفة كالقط مسرور والكلب كركور والأرنب فرفور لمساعدة سندريلا لطيبة قلبها وحبهم لها.

الأمير: انتوا عايزين أيه؟

القط مسرور : عايزينك تتجوز أجمل بنات المدينة.

الوزير: أيه دا؟

الكلب كركور: أجمل بنت وأطيب بنت .. سندريلا.

  (سندريلا ، ص61)

أما مسرحية مملكة القرود فأبرزت قيمة التعاون لمواجهة القوى الظالمة، فتعاونت الحيوانات معًا لمواجهة الأسد الشرير والقرد الخائن.

زغلول: إحنا نقدر نغلبه لو كلنا كنا مع بعض .. نحط أيدينا في أيدين الحيوانات كلها.

القرد1: أحسن حاجة ندور على حيوان (كوى) يغلبه.

زغلول: ولما الحيوان ( الكوى ) يغلبه تفتكر حيسيبنا في حالنا.. ( مملكة القرود ، ص34 )

 العمل ونبذ التواكل

أكد سمير عبد الباقي في مسرحية حلم علاء الدين قيمة العمل ونبذ التواكل، حيث يترك بطل المسرحية عمله، وينتظر تحقيق حلمه متواكلاً على الجان خادم المصباح، وهو لا يدرك أن حلم الإنسان لم يتحقق إلا بالعمل والعرق وبذل الجهد.

عـلاء : لا.... لا تقولي هذا ... الساحر الذي سيدعي أنه عمي .. ويأخذني للكنز فأحضر المصباح.

الأم  : كفى .. كفى يا بني .. لا تجعلني أتحسر عليك.. أفق.. وعد لعملك.. صنعتك أبقى لك ولي...

                        (حلم علاء الدين ، ص16)

وظهر الجان في المسرحية بأبعاد فزيولوجية تختلف عما كان عليه في الحكايات الشعبية، فالجان قزم، يثير الضحك في نفوس الأطفال أكثر من الخوف والرعب، ويبدو عليه الإرهاق والتعب فهو غير قادر على مساعدة أي شخص، بل ينتظر من يقدم له يد العون والمساعدة، وهذا بخلاف ما جاء في أصل الحكاية الشعبية، حيث نجد الجني يساعد البطل ليحقق أحلامه، وقد استغل الكاتب هذا الخلاف من أجل تدعيم فكرة المسرحية والتي تدعو إلى أهمية العمل وعدم الاعتماد على الغير لتحقيق الآمال والأحلام.

الجـن: صدقني ممكن ... ولكن أعدك أن أبذل كل جهدي في خدمتك ... وأجابه مطالبك .. فقط احضر لي شيئًا آكله .. فأنا ..

عـلاء: هل أنا إذن من سيخدمك .. أنا الذي أحضر؟..

الجـن: ما بين الخيرين حساب .. هيا أطعمني .. ولا تكن بخيلاً ..

                       (حلم علاء الدين ، ص 28)

كما أبرزت مسرحية الديك الأحمق دور وأهمية العمل، فالديك يرفض أن يصيح ويتخلى بذلك عن عمله ودوره في الحياة مما يجعله يتعرض لخطر الذئب، ولا ينجو منه إلا بعودته للصياح مرة أخرى، فيسمعه الكلب ويأتي لينقذه.

الديك: إنني قررت ألا أصيح.

الكلب : فكر أيها الأحمق .. إن هذا القرار سيكلفك كثيرا..

الديك : سأعيش مرتاحًا .. هانئًا .. بلا عمل .. ما أتعس العمل.

 (الديك الأحمق ، ص22)

الإصغاء لنصائح الكبار وطاعتهم

عادة ما يبرز بعد الكتاب صورة الطفل العنيد الذي يتنكر دائما لنصائح الكبار ولا يستمع إليهم، ويظهر كتاب المسرح النتيجة الوخيمة لعدم إصغاء الصغار إلى نصائح وتوجيهات الكبار، كما في مسرحية حلم علاء الدين، فالبطل علاء الدين فتى عنيد لا يقتنع بأن المصباح ليس سوى محبرة وأن الجان لن يستطيع أن يقدم له شيئًا فيه خير بل هو من حوله إلى دمية خشبية، ولكن علاء الدين يصر على استكمال الطريق الذي سار فيه معتقدًا أنه على أبواب تحقيق حلمه الزائف.

علاء: ولكن حكايتي تؤكد ذلك ..

الصعلوك : أية حكاية ؟

علاء: علاء الدين والمصباح السحري ...

الصعلوك: تقصد علاء الدين والمحبرة السحرية.. !

 (حلم علاء الدين ، ص42 )

ثالثًا: القيم السياسية:

ويمكن أن نعرف القيم السياسية بأنها مجموعة من القيم التي تعكس شعور الفرد بالولاء والانتماء للوطن وللنظام السياسي القائم، كما أنها تعكس قيم العدالة والديمقراطية والحرية والمساواة والإخاء والتعاون وتحمل المسؤوليات وغيرها من القيم السياسية التي تشكل شخصية الأطفال ووجدانهم وتحدد قدرتهم على التكيف مع المجتمع.

ويتفق معظم الباحثين على أن التنشئة السياسية للطفل تبدأ من سن الثالثة أي في مرحلة الطفولة المبكرة ثم مرحلة المراهقة ثم مرحلة النضج التي يتحدد فيها السلوك السياسي للفرد نتيجة لخبرات التنشئة التي تلقاها الفرد في مرحلتي الطفولة والمراهقة.

                     (أمل خلف 2006، ص31)

ويتقبل الطفل المفاهيم والقيم السياسية وفقًا لمرحلته العمرية ، فلكل مرحلة عمرية للطفل خصائصها الخاصة التي تمكنه من تقبل وتفهم بعض المفاهيم دون سواها، فالانتماء إلى الأسرة والجماعة من القيم السياسية التي يتقبلها الطفل بشكلها المسطح في سن الثالثة، وكلما زاد تعمقا في القيم والاتجاهات السياسية كلما احتاجت إلى مرحلة عمرية أكبر للطفل، ويتوقف هذا بالطبع على طبيعة القيمة نفسها.

وفيما يلي سوف نقوم بالتعرض لأهم قيم التنشئة السياسية التي أبرزها الكتاب في نصوص مسرح الطفل.

قضية الغزاة المعتدين

أبرز السيد حافظ قضية الغزاة والمعتدين في مسرحية قطر الندى، حيث تبدأ الأحداث في المسرحية بالمواجهة بين قطر الندى والأشرار الذين يبغون الاستيلاء على الوطن، وتعد نقطة الانطلاق Point of Attack في المسرحية، هي تلك اللحظة التي يتعرف فيها حكيم المدينة والأميرة قطر الندى على أنهما في مواجهة الساحر الشرير، ومن خلال عرض الكاتب لقضية الغزاة المعتدين، أبرز العديد من القيم التي يهدف أن يبثها في نفوس أطفاله كالانتماء والحرية والإيمان بالله.

كما أبرز الفريد فرج نفس القضية في مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة، فرغم أن المدينة تعيش في سلام إلا أنها هددت من الأشرار الذين يرغبون في الاستمتاع بخيرات المدينة، وأدرك الأمير وسكان المدينة إنه لا يمكن العيش في سلام إلا من خلال القوة التي تحمي صاحبها، لكن الكاتب قرن هذه القوة بالرحمة ليكون لها مبررها.

قيمة الانتماء

الانتماء هو مقابل الاغتراب، والاغتراب الاجتماعي يجد فيه الفرد نفسه عاجزًا تمامًا أمام ما يسود المجتمع الذي يعيش فيه من أنظمة اجتماعية فاسدة، وهذه الأنظمة تقف حائلاً دون تحقيق أهدافه وتطلعاته ورغباته، مما يدخله في مجال العزلة الاجتماعية بانعزاله عن المجتمع.

 (حسن سعد 1986 ، ص18)

فالانتماء والاغتراب وجهان لعملة واحدة، والشعور بالانتماء لا يعني الانتماء فقط للوطن وعدم خيانته وبذل كل غال وقت الأزمات، لكن الانتماء مفهوم أعم وأشمل، فالفرد داخل المؤسسة التي يعمل بها ويشعر بالانتماء إليها يسعى للرقي بها، واعتزاز الفرد بقبيلته وأسرته وشعوره أنه جزء من ذلك الكيان يجعله يسعى لرفعتها بجد وإخلاص.

وأبرز السيد حافظ قيمة الانتماء في مسرحية سندريلا من خلال شخصية «حمدان» صديق «علي بابا» وشريكه في الدكان وهو شخصية لا تميل ولا تنحرف مهما تغيرت الظروف من حولها، وهو النقيض لشخصية «علي بابا» في الجزء الثاني من المسرحية، حيث يحث «حمدان» "علي بابا" بعدم مغادرة الوطن بعد ضياع نصيبه في الدكان، ويطلب منه أن يظل بجانبه لمواجهة اللصوص والسعي لإظهار الحق والعدل في المدينة، وقد استعان الكاتب بشخصية حمدان من أجل إبراز شخصية علي بابا وإظهار مدى التغير الذي طرأ عليه بعد أن حصل على المال، وكذلك من أجل إبراز هدفه من النص المسرحي، والمغزى الأخلاقي الذي يبغي توصيله إلى الأطفال.

علي بابا : الوطن إنسان .. الوطن ينصف المظلوم.. الوطن عدل.. الوطن حق الوطن يسمع صوت الفقير قبل الغني الوطن ليس كلاماً.. دعني يا حمدان .. دعني يا حمدان.

حمدان: ارجع يا علي بابا لن تستطيع أن تغير النظام.. الكبار كبار .. والصغار صغار .. ولن ندع الكبار يأكلوننا ويطردوننا .. ارجع يا علي بابا..

 (علي بابا ، ص20)

وفي مسرحية قطر الندى أبرز الكاتب صورة أخرى للانتماء من خلال الأميرة قطر الندى ابنة السلطان «خماروية»، والتي تحزن حزنًا شديدًا على أصدقائها "آلاء – غيداء – نبيلة" بعد أن تحولن إلى تماثيل، كما تحزن على موت العديد من أبناء الشعب في كفاحهم ضد الجنود الأشرار، كما أبرز الكاتب حب الأميرة الشديد للوطن فبمجرد أن تتعرض المملكة للخطر، تبدأ الأميرة في تدعيم عزيمة الشعب وتحفزه للدفاع عن الوطن ببسالة، والعمل والكفاح من أجل الانتصار على جيش الأشرار.

الطائر المسحور: إرادة شعب يا مولاي.

الأمير شمس : ومن أين سمعت هذا الكلام – إرادة شعب؟

الطائر المسحور: من الأميرة قطر الندى.

(قطر الندى 1996 ، ص29)

أما قضية الاغتراب في مسرح الطفل فقد أبرزها أكثر من كاتب وجاءت بصور وأشكال مختلفة، فسندريلا تعاني من الاغتراب نتيجة التفكك الأسري والمعاملة السيئة من زوجة أبيها وأختيها غير الشقيقتين، وتسعى سندريلا إلى أن تجد رفيقًا يعوض عنها قسوة الاغتراب، فلم تجد سوى الحيوانات الثلاث (الأرنب فرفور - القط مسرور - الكلب كركور).

أما "هردبيس" فشعر بالاغتراب وقرر الرحيل عن الوطن بسبب رفض الملك منحه المكافأة نظير تخليص المدينة من خطر الفئران، فبدا كإنسان سلبي، لم يفكر في استرداد حقه بنفسه، ولكنه يقرر الخروج من الوطن لوقوع ظلم عليه، ولا يفكر في العودة إلا عندما يقرر الأطفال مساعدته، والعمل على رفع الظلم عنه واسترداد حقه المفقود.

طفل1: لازم نجيب لك حقك… علشان تفضل طيب.

هردبيس : وإذا ما حصلشي؟

طفل3 : أحنا أتعلمنا نحب العدل .. وبلادنا ماهياش حلوه إلا بالعدل .. يبقى حنجيب لك حقك بالعدل. 

(هردبيس الزمار ، ص213)

قيمة الديمقراطية

يسعى بعض الكتاب إلى طرح قيمة الديمقراطية في أعمالهم المسرحية من أجل تكوين شخصية الطفل المستقلة والقادرة على الاختيار بين الأمور المختلفة، وفي مسرحية قطر الندى نجد أن بطلة المسرحية الأميرة " قطر الندى" تتسم بقوة الإرادة، وتتمتع بحرية في الاختيار بين الأمور المطروحة عليها، فهي تمتلك الحق في اختيار شريك حياتها، وهذه الحرية التي تتمتع بها "قطر الندى" في اختيار شريك حياتها، هي حرية أقرتها الأديان السماوية، فالمرأة لها الحرية في الموافقة على من يتقدم إليها ليتزوجها.

السلطان: سامحني يا أمير ، إنني أعطيت وعدًا لابنتي  قطر الندى  أن تختار من تراه  مناسبا لها.. ولا أزوجها رغمًا عنها.

الأمير شمس: وأنا في انتظار ردها يا مولاي .. يوم .. يومان .. شهر .. شهران .. المهم

أن أتزوج من  قطر الندى. (قطر الندى ، ص8)

التمسك بالحقوق ومواجهة الظلم

التمسك بالحقوق ومواجهة الظلم إحدى القيم التي يسعى الكتاب إلى بثها في مسرحياتهم، وذلك من أجل خلق طفل يملك القدرة على الاختيار ويعرف ما له وما عليه، فسندريلا رغم فقرها وما تلقاه من هوان على يد زوجة الأب «هنود» وأختيها من الأب، إلا أنها قادرة على المواجهة والتمسك بحقوقها، وقد تجلى هذا بوضوح عندما صممت أن تقيس حذاءها رغم اعتراض زوجة الأب، وهذه إحدى أهم القيم التربوية التي يقدمها الكاتب للأطفال من خلال شخصية سندريلا بعدم التفريط بالحقوق مهما هانت والتمسك بها والعمل على استعادتها.

شرطي1 : أنا قيست رجليكي.

هنود: ايوه.

شرطي1 : أسكتي أنتي أنا باسألها هي.

سندريلا: لا.

شرطي2 : لا .. باين عليكي مسكينة هاتي رجليكي.

  (سندريلا ، ص77)

رابعًا: القيم الدينية:

يمكن أن نحدد مفهوم التنشئة الدينية بأنها إحدى محاور التنشئة الاجتماعية، وهي تلك العملية التي يكتسب من خلالها الأفراد العديد من أمور المعرفة والمعلومات المرتبطة بالدين، والثقافة الدينية التي يعتنقها المجتمع، والتي تساعدهم على التوافق والتكيف مع مجتمعهم.

وعادة ما يسعى كتاب مسرح الطفل إلى إبراز القيم الدينية وسير رجال الدين من أجل تعريف الأطفال بهم وإكسابهم القدوة الحسنة من خلال أعمالهم وبطولاتهم، وليس بالضروري أن تكون المسرحية مستلهمة من التراث الديني حتى تزخر بالقيم الدينية، ولكن المهم أن تزخر بالقيم والإيحاءات والرموز الدينية من خلال الحوار والأحداث.

وقد تعرض العديد من الكتاب إلى كتابة نصوص مسرحية مستلهمة من التراث الديني الإسلامي، ويعد عبد التواب يوسف من أبرز كتاب مسرح الطفل الذين استلهموا التراث الديني، وشخصيات الصحابة في أعمالهم المسرحية.

الإيمان بالله والعقائد السماوية

أبرز الكاتب في مسرحية قطر الندى قيمة دينية هامة مغزاها أن الإيمان بالقضية، والإيمان بالله في السراء والضراء والتوكل عليه، يجعل الإنسان يستطيع مواجهة الشر والتغلب على الصعاب.

حكيم الزمان: وجدت في كتاب الحكمة أن الشعب إذا أصبح جيشًا من صغيره لكبيره استطاع أن يحمي البيوت والنفوس من كل عدو.

قطر الندى : وماذا بعد ؟

حكيم الزمان : وأننا لابد وأن نؤمن بالله.

قطر الندى : ونعم بالله. (قطر الندى ، ص39)

خامسًا: المعارف الثقافية:

الثقافة ذات بعد اجتماعي،  لذا يقال عنها إنها فوق فردية، لأن عناصرها اﻟﻤﺨتلفة لا يمكن أن تكون ذات طابع فردي، ومن هنا جاء نعت الثقافة بأنها ذات صفة اجتماعية، وهي ليست نتاج فرد أو بضعة أفراد، ولا جيل أو بضعة أجيال، بل هي نتاج اﻟﻤﺠتمع، رغم أن هناك أفرادا أثروا ويؤثرون في ثقافات مجتمعاتهم.

 ( هادي نعمان الهيتي 1978 ، ص26 )

وقبل أن نحدد مفهوم التنشئة الثقافية لا بد أن نتعرف على مفهوم الثقافة، "فهناك تعريفات كثيرة لمدلول الثقافة، بعضها يقصرها على مجموعة المعارف والأفكار وأشكال الإبداع الفني والأدبي المختلفة، ولكن السائد هو التعريف الذي يتجه إلى اعتبار الثقافة المحصلة النهائية لإفادة الإنسان من المعارف والعلوم والآداب والفنون، وكذلك من التقاليد والعادات لتطور ملكاته العقلية ومهاراته اليدوية والفنية وصقل وجدانه ليحرك كل هذا إرادته في مواجهة الظروف المحيطة.

 (سعد لبيب 1984، ص39-40)

وهذا يعني أن الثقافة تشتمل على أنماط السلوك التي يكتسبها الإنسان مشاركًا فيها أعضاء مجتمعه،  أو هي بتعبير آخر،  كل ما يتعلمه الإنسان ويتصرف على أساسه مشاركًا الآخرين فيه، إذ أنها نمط للسلوك الإنساني يتبعه أعضاء اﻟﻤﺠتمع،  إضافة إلى كونها نمطًا من الأفكار والقيم التي تدعم ذلك السلوك،  حيث إن كل عنصر من عناصر الثقافة يتضمن سلوكًا .

(هادي نعمان الهيتي 1978 ، ص25)

وبالتالي يمكن تعريف التنشئة الثقافية بأنها إحدى محاور التنشئة الاجتماعية، وهي تلك العملية التي يتم من خلالها إكساب الأفراد العديد من المعارف والأفكار، وأشكال الإبداع الفني والأدبي المختلفة، بالإضافة إلى تقاليد المجتمع وعاداته وتراثه وفنونه.

وعادة ما يهدف مسرح الطفل إلى نمو الثقافة العامة للطفل، وزيادة خبراته ومعلوماته عن المجتمع، كما تزيد عروض مسرح الطفل من الحصيلة اللغوية لديه، وتكسبه العديد من المهارات والقدرة على التصرفات في المواقف الحياتية، وفيما يلي سوف نحاول إبراز دور التنشئة الثقافية في مسرحيات الأطفال.

المعارف العامة

اتجه بعض كتاب مسرح الطفل إلى تقديم بعض المعارف العامة للأطفال من خلال عرض فكرة النص المسرحي، ففي مسرحية الديك الأحمق والتي تدور أحداثها حول شخصيات من الحيوانات، قدم الكاتب معلومات عامة عن طبيعة الحيوانات وأدوارها في الحياة ، كالنحلة، والنملة، والجاموسة، وغيرها من الحيوانات.

الجاموسة: أنا أنا الجاموسة .. مكانتي محسوسة

أدور في السواقي .. لترتوي الشراقي

وأحرث الحقول .. لتنبت البقول

وأحلب اللبن .. ليطعم الصغير

(الديك الأحمق ، ص13)

أما في مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة، فقدم الكاتب بعض المعارف العامة من خلال شخصيتي "المنذر - والسهم" مثل قواعد إشارات المرور، كما أخبر الأطفال بوظيفة كل منهما في الحياة، فالسهم يوجه المارة إلى الطريق الذي يبتغونه، أما المنذر فيحذرهم من الاقتراب نحو الأماكن الخطرة.

قيمة الفن ودوره في الحياة

أبرز الفريد فرج في مسرحية هردبيس الزمار أهمية الفن ودوره في إنقاذ المدينة من خطر الفئران بواسطة الناي السحري، بالإضافة إلى أثره في تحريك مشاعر الأطفال، وقدرته على التأثير عليهم، وكيف تدب الحركة والنشاط في بدن الأمير الكسلان.

كما وظف الكاتب الأغاني والاستعراضات في النص المسرحي ببراعة، ورغم أنها تشكل أحد العناصر التكميلية في العرض المسرحي المقدم إلى الأطفال غير أنها لا تقل أهمية عن أي عنصر آخر من عناصر العرض المسرحي، ويرجع ذلك إلى دورها في الارتقاء بذوق الأطفال من خلال التشكيلات الحركية والموسيقى والغناء، هذا بجانب ما تبثه في نفوس الأطفال من متعة، كما أنها تعد عنصر جذب وتشويق للأطفال، بالإضافة إلى قدرة الكاتب البارعة في تقديم العديد من المعلومات التي يبغي أن يعرفها الطفل وأن يكون على دراية بها.

هردبيس والأطفال :

( يغنون مع سلايدز للمناظر العالمية)

ياللا باريس       ونشوف ايفل

برج شديد         اصله حديد

ونروح لندن       ساعة بج بن

 (هردبيس الزمار ، ص210)

أهمية ودور العلم

أبرز بعض كتاب مسرح الطفل أهمية ودور التطور التكنولوجي في رقي المجتمع وتطوره، وتعرض لذلك العديد من الكتاب في إبراز دور الكمبيوتر وأهمية التعامل معه، أما في مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة لـ الفريد فرج أوضح الكاتب أهمية المخترعات الحديثة وأثرها في تحقيق السعادة والرخاء للمدينة، ولكن هذا الرخاء لابد من وجود قوة تحميه حتى لا يطمع فيهم الأعداء، والساحر يرفض أن يصنع لهم سلاحًا قويًا لمواجهة الشر، لأن السلاح لن يفيدهم ولكن لابد أن تكون هذه القوة متمثلة في أن تكون قلوبهم قوية، حتى يستطيعوا التخلص من الأشرار.

الأمير: أيمكن أن تصنع لنا سلاحا قويا نغلبهم به؟

الساحر: مهما كان سلاحك قويا فان قلبك هو الذي يقاتل.

الأمير: اصنع لنا شيئا لتكون قلوبنا قوية!

الساحر: فلتصمت كل موسيقى، وبدل ملابس الأعياد، البسوا ثياب النمور والضباع والذئاب... إذا كان مقدرا لنا أن نعيش في غابة متوحشة فلنكن أقوى وحوشها .. استلوا من قلوبكم كل رحمة واغرسوا بها شوكة الاعتداء.

(رحمة وأمير الغابة المسحورة ، ص124)

 الأقوال المأثورة والعظات

عادة ما يزخر الحوار في مسرحيات الأطفال بالعديد من العظات والحكم والأقوال المأثورة، والتي يهدف كتاب المسرح من خلالها توعية وإرشاد الأطفال، ففي مسرحية سندريلا لـ السيد حافظ نجد أن الكاتب وفق في توظيف العديد من الأقوال المأثورة من خلال السياق الدرامي للأحداث، وذلك على لسان شخصيات مسرحياته، حيث اتسمت بالبساطة التي تتناسبت مع القاموس اللغوي للأطفال، ومن أهم تلك العبارات: رب ضارة نافعة، لا تصدق كل الكلمات، المال لا يشتري العمر، الزمن متقلب مثل الإنسان، ما يفشل عن إثباته العقل يثبته القلب، العبد في التفكير والرب في التدبير، إرادة الشعوب تخلق المستحيل، القلوب لا تكسب بالهدايا والعطايا، الفتنة أشد من القتل.

النتائج

ومن خلال التحليل السابق لبعض النماذج من نصوص مسرح الطفل، والحكايات الشعبية، توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج يمكن رصدها فيما يلي:-

 1- لا تخلو مسرحيات الأطفال من قيمة تربوية تدور حولها المسرحية تهدف إلى تنشئة الطفل اجتماعيًا، كالوفاء بالعهد في مسرحية هردبيس الزمار، والرحمة في مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة، والعدالة في مسرحية علي بابا، والانتماء في مسرحية قطر الندى، وغالبًا ما تكون هذه القيم مستمدة من الحكايات الشعبية.

2- رغم استلهام بعض كتاب مسرح الطفل الحكايات الشعبية إلا أنهم قاموا بالحذف والتطوير في أصل الحكاية الشعبية، وذلك بغية تقديم مضمون تربوي يتناسب مع مقتضيات العصر ومتطلباته، فمنطق حكاية علي بابا  يرى أن البطل يستحق المكافأة نظير أفعاله الطيبة، أما علي بابا في مسرحية علي بابا أصبح لصًا لأنه سرق اللصوص ولم يقدمهم إلى الشرطة، والجان خادم المصباح في مسرحية حلم علاء الدين لا يستطيع أن يخدم صاحبه ويحقق أمنياته، والجان في مسرحية وداد بنت الصياد يعجز عن خلق عالم يسوده الوئام والحب.

3- لا يمكن أن نغفل ما تتمتع به الحكايات الشعبية من إيجابيات، كما أننا - في الوقت نفسه - يمكن أن نتفادى ما قد يشوبها من سلبيات أثناء استلهام الأعمال المسرحية المقدمة للأطفال من تلك الحكايات، حتى نقدم لأطفالنا القيم التي تسهم في تنشئته الاجتماعية، وفي الوقت ذاته تكون مغلفة بالمتعة والإثارة، حيث لا يمكن الاستغناء عن الحكايات الشعبية للأطفال، لأن ما تتضمنه من خيال من أهم الأمور التي تثير الطفل وتجذبه إلى سماع ومشاهدة مثل تلك الحكايات.

4- أرى أنه لا يمكن الجزم بأن كل الحكايات الشعبية لا تصلح لأن تقدم إلى الأطفال، نظرًا لما تتضمنه من مادة مليئة بالأحداث المفزعة والشخصيات المرعبة، وأرى أن تقديم تلك الحكايات المخيفة يتوقف على المعالجة الدرامية، فلا يوجد مانع من تقديم قصة "أبو رجل مسلوخة" أو "أمنا الغولة"، ولكن بشكل عصري مفيد للأطفال، كما قدم كُلُّ  من كمال الدين حسين، وسمير عبد الباقي شخصية المارد في مسرحياتهما، ولكنها في الوقت ذاته لا تثير الرعب أو الفزع في نفوس الأطفال، كما لا تخلو من قيم التنشئة الاجتماعية.

5- ليس بالضروري أن تكون المسرحية مستمدة من التراث الديني وحياة الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة حتى تتضمن العديد من القيم الدينية، بل عادة ما يبرز الكتاب القيم المستمدة من الدين الحنيف من خلال موضوعات عصرية.

6- تزخر مسرحيات الأطفال بالأقوال المأثورة والحكم والمعارف المستمدة من الحكايات الشعبية بغية إكسابها للأطفال وتنشئتهم ثقافيًا، وقد جاءت بعض الإرشادات والنصائح المقدمة إلى الأطفال بصورة مباشرة وأقرب إلى الوعظ والإرشاد، وهذا النوع من الحوار أقل تأثيرًا على نفوس الأطفال بمقارنته بالحوار الدرامي.

7- تزخر الحكايات الشعبية بالرموز التي تسهم في التنشئة الاجتماعية، وقد استغل كتاب المسرح تلك الرموز بشكل جيد للتعبير عن المغزى الأخلاقي والتربوي، فالسيف الذهبي في مسرحية السيف الذهبي يرمز إلى الأمان الذي يعيش فيه أهل المدينة، وعندما ضاع السيف السحري تعرضت المدينة للأخطار، كما أن البطلة حصلت على السيف السحري المفقود بعطفها ومساعدتها  للمحتاج، وقد أراد الكاتب أن يوضح أن الحب في حد ذاته هو رمز الأمان في المجتمع.

8- عادة ما يتم تركيز كتاب مسرح الطفل على قيم التنشئة الاجتماعية التي تتناسب ومرحلة الطفولة كالقناعة، والوفاء بالعهد، والنظام، والالتزام، والإصغاء لنصائح الكبار وطاعتهم، والعمل ونبذ التواكل، ومساعدة المحتاج، والانتماء والعدالة وغيرها من القيم التي يستطيع الطفل إدراكها وفقًا لخصائص مرحلته العمرية.

9- عادة ما يبرز الكتاب قيم التنشئة الاجتماعية من خلال العناصر الخرافية بأنماطها المتعددة لما لها من قدرة على جذب انتباه الأطفال والتأثير عليهم.

10- أبرز كتاب مسرح الطفل بعض القضايا الاجتماعية كقضية الصراع الطبقي والمسؤولية الاجتماعية والانتماء والاغتراب، وغيرها من القضايا الاجتماعية الأخرى التي تمس المجتمع، كما ظهرت بعض القضايا السياسية كقضية الديمقراطية، وكقضية الغزاة المعتدين، والحرية، وقضية الحرب والسلام وغيرها من القضايا الأخرى.

الاقتراحات

توصل الباحث إلى مجموعة من الاقتراحات يستخلصها فيما يلي :-

1- ضرورة أن يكون كاتب مسرح الطفل على دارية تامة بأساليب التربية الحديثة، حتى يوازن بين استلهامه للتراث وطرحه لقضايا التنشئة الاجتماعية للطفل.

2- يجب أن يدرك كاتب مسرح الطفل مدى الاختلاف الواضح بين طفل الأمس وطفل اليوم، وذلك نظرًا للتطور التكنولوجي الرهيب وقنوات الاتصال المفتوحة على العالم بأسره.

3- ضرورة أن تصاحب قيم التنشئة الاجتماعية المقدمة إلى الطفل من خلال المسرح كوسيط الجانب الترفيهي، فلا غنى لأحدهم عن الأخر، وعلى كاتب مسرح الطفل أن يوازن بينهما حتى ينجح في رسالته، وما يطرحه من قيم تسهم في عملية التنشئة الاجتماعية.

 

المصادر والمراجع

() انظر: غراء حسين مهنا 1997، ص197.

 ( ) ألف ليلة وليلة، المجلد الأول، الجزء الأول، الليلة الأولى، القاهرة: دار الهلال، بدون تاريخ ، ص19.

(  ) إحدى حكايات جريم.

(   ) ألف ليلة وليلة، المجلد الأول، الجزء الأول، الليلة الثالثة، القاهرة: دار الهلال، بدون تاريخ، ص26.

(    ) انظر: غراء حسين مهنا 1997، ص197.

هذه الحكاية روتها السيدة/نادية عبد الوهاب (21 سنة من مواليد كفر الزيات – محافظة البحيرة – وقد روتها في الإسكندرية يوم 25/6/1976، نقلاً عن، غراء مهنا: حول اصل وانتشار الحكايات الشعبية، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع23 إبريل/مايو / يونيه 1988، ص44.

(     ) انظر: منظومة «وايت» للقيم، والمنظومة العربية الإسلامية للقيم  سمر روحي الفيصل: أدب الأطفال وثقافتهم «قراءة نقدية»، دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 1998 ، ص15-21.

أولاً: المصادر:

ـ 1  السيد حافظ : مسرحية سندريلا، ط1، القاهرة : العربي للنشر والتوزيع، 1996.

ـ 2  مسرحية علي بابا، ط1، الإسكندرية : مركز الوطن العربي، 1990.

ـ 3  مسرحية قطر الندى، ط1، القاهرة : العربي للنشر والتوزيع، 1996.

ـ 4  الفريد فرج : مسرحية رحمة وأمير الغابة المسحورة، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989.

ـ 5 مسرحية هردبيس الزمار، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989.

 ـ 6  سمير عبد الباقي : مسرحية حلم علاء الدين، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.

ـ 7  مسرحية مملكة القرود، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.

 ـ 8  صلاح عبد السيد : مسرحية الديك الأحمق، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995.

ـ 9  كمال الدين حسين : مسرحية وداد بنت الصياد، القاهرة : كلية رياض الأطفال، بدون.

ثانيًا: المراجع العربية والمترجمة:

10ـ أمل خلف : التنشئة السياسية لطفل ما قبل المدرسة «تطبيقات وأنشطة تربوية»، القاهرة : عالم الكتب، 2006.

11ـ حسن سعد : الاغتراب في الدراما المصرية المعاصرة «بين النظرية والتطبيق»، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986.

12ـ دينكن ميتشل : معجم علم الاجتماع، ترجمة : إحسان محمد الحسن، ط1، بيروت : دار الطليعة للطباعة والنشر، 1981.

13 ـ زكريا الشربيني، يسرية صادق : تنشئة الطفل وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته، القاهرة : دار الفكر العربي، 1996.

14ـ سعد لبيب : دراسات في العمل التليفزيوني، بغداد : مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج، 1984.

15ـ سمير محمد حسين : دراسات في مناهج البحث «بحوث الإعلام»، القاهرة : عالم الكتب، 1995.

16ـ شاكر عبد الحميد : التفضيل الجمالي «دراسة في سيكولوجية التذوق الفني»، الكويت : عالم المعرفة، ع 267 لسنة 2001.

17ـ شاكر عبد اللطيف : الحكاية الشعبية ودورها في تنمية الحس الجمالي والفني لدى الطفل، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع51، إبريل/ يونيه 1996.

18 ـ علي الحديدي : في أدب الأطفال، ط5، القاهرة : الانجلو المصرية، 1989.

19ـ غراء حسين مهنا : أدب الحكاية الشعبية، القاهرة : الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان، 1997، ص197.

20 ـ فادية عمر الجولانى : دراسات حول الشخصية العربية، الإسكندرية : مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، 1997.

21ـ فوزى العنتيل : عالم الحكايات الشعبية، القاهرة : الهيئة العامة لقصور الثقافة، مارس 1999.

22 ـ فوزية دياب : نمو الطفل وتنشئته «بين الأسرة ودور الحضانة»، ط3، القاهرة : مكتبة النهضة المصرية، 1995.

 23 ـ كمال الدين حسين : التراث الشعبى فى المسرح المصرى الحديث، ط1، القاهرة : الدار المصرية اللبنانية، 1993.

24 ـ المسرح والتغير الاجتماعى فى مصر، ط1، القاهرة : الدار المصرية اللبنانية، 1992.

25 ـ محسن العزب : مزمار عم حسونه .. عرض مسرحى فقير وجميل، مجلة المسرح، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع77 إبريل 1995.

26ـ محمد السيد زعيمه : الصياغة الفنية للحكاية الشعبية فى مسرح الطفل فى مصر من 1979 : 1994، ماجستير، أكاديمية الفنون، المعهد العالي للفنون المسرحية، 2000.

27ـ محمد عبد الحميد الغرباوى : دور الصحافة المصرية اليومية فى التنشئة السياسية للمراهقين «دراسة تطبيقية على تلاميذ المرحلة الابتدائية»، رسالة ماجستير غير منشورة، معهد الدراسات العليا للطفولة، قسم الإعلام وثقافة الطفل، جامعة عين شمس، 2002.

28ـ محمد عماد زكى : تحضير الطفل العربى لعام 2000، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990.

 29 ـ نبيلة إبراهيم : أشكال التعبير فى الأدب الشعبى، ط3، القاهرة : دار غريب، بدون تاريخ.

30 ـ هادى نعمان الهيتى : أدب الأطفال، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، الألف كتاب «الثانى30».

31 ـ ثقافة الأطفال، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ع123  يناير ١٩٧٨.

32 ـ هدى قناوى : أدب الأطفال، ط1، القاهرة : مركز التنمية البشرية، 1995.

33 ـ  الطفل تنشئته وحاجاته، ط2، القاهرة : الانجلو، 1988.

ثالثًا: المراجع الأجنبية:

34Alison Jones: Dictionary of world folklore , « Arabian nights» larousse , New York.

35Coulacoglou ,Carina :Fairy tales as a means for investigating developmental issues as revealed in children s verbal responses, Mphil , University of Sussex United Kingdom , 1987.

36Koelle, Barbara. Shryock: Primary children’s stories as a function of exposure to violence and cruelty in the folk fairy tale , PHD , University of Pennsylvania , 1981.

37Milner, Sharon. Carol : Effects of a curriculum intervention program using fairy tales on preschool children’s empathy level , reading readiness, oral language development and concept of a story , PHD , University of Florida, 1982.

أعداد المجلة