اللغة العدد
ماهية الثقافة ودورها فى تعريف الرقص الشعبي
ماهية الثقافة ودورها فى تعريف الرقص الشعبي
العدد 2 - موسيقى وأداء حركي

الدكتور. حسام محسب

كاتب من مصر

التراث الشعبى أو الفولكلور عادات الناس وتقاليدهم وما يعبرون عنه من آراء وأفكار ومشاعر يتناقلونها جيلاً عن جيل. ويتكون الجزء الأكبر من التراث الشعبى من الحكايات الشعبية مثل الأشعار والقصائد المتغنّى بها وقصص الجن الشعبية والقصص البطولية والأساطير. ويشتمل التراث الشعبى أيضًا على الفنون والحرف وأنواع الرقص، واللعب، واللهو، والأغانى أو الحكايات الشعرية للأطفال، والأمثال السائرة، والألغاز والأحاجى، والمفاهيم الخرافية والاحتفالات والأعياد الدينية.

والتراث الشعبى قديم قدم الإنسان وتحتوى المُدَوَّنَات المخطوطة التى تركها الناس قديمًا على أمثلة للتراث الشعبى. وعندما طور الناس نظام الكتابة، بدءوا فى تسجيل أو تدوين القصص الشعبية. ليس من الضرورى أن يكون التراث الشعبى مدونًا أو مكتوبًا، إذ إن كثيرًا منه قد تناقله الناس شفهيًا من شخص لآخر وحتى فى يومنا هذا، فإن بعض الشعوب ليست لها لغة مكتوبة، ولكن لديها الأغانى الشعبية والأساطير والخرافات وعناصر التراث الشعبى الأخرى. وفى بعض الأحيان ينتقل التراث الشعبى عن طريق المحاكاة والتقليد. ولقرون عديدة، تعلَّم الأطفال الألعاب ومارسوها من خلال المشاهدة ومحاكاة وتقليد الآخرين.

ومن المعروف أن الماضى والحاضر يشتركان فى نشوء وتطوير ثقافة ما ولكننا نلاحظ أنه كثيرا ما تؤثر الظواهر الجديدة تأثيرا سلبيا على الأشكال التقليدية وتعرقل كشف المعنى العميق ومضمونها الأولى والأشكال الثقافية المشوهة التى لا يمكن أن تعتبر تقليدية وتعطى للثقافة طابعا شعبيا كاذبا.

تعتبر الثقافة لأى أمه بمثابة الوعاء الذى تحفظ فيه الأمم خبراتها المتمثلة فى تجاربها ولغتها ودينها وتاريخها وتطورها الحضارى والأحداث التى مرت بها فهى تعتمد فى بنائها على عدة عناصر تتمثل فى التراث التاريخى والحضارى والمؤثرات الداخلية المتفاعلة مع مكونات البناء الاجتماعى والمؤثرات الناتجة عن الاتصال مع الثقافات الاخرى ومدى فبولها أو رفضها، وقد غدت الثقافة فى مفهومنا المعاصر علما قائما بذاته تساهم فيه فروع عديدة مختلفة من بينها علوم الأجناس والاجتماع والسياسة والدين والفنون بأشكالها العديدة, وأصبحت ذات اثر بالغ ومباشر فى حياة المجتمعات الراهنة حيث تساعد على قراءة التاريخ وبالتالى القدرة على تحليل الرقصات الشعبية القديمة تحليلا دقيقا من كافة نواحى المعارف. إن الثقافة تعنى جوهر المجتمع وبالتالى فإنها تعنى كل ما نتجه المجتمع من إنتاج مادى ومعنوى، لغيرها وتأثيرها فيه .  ويتضمنّ تعريف تيلور للثقافة أنها ( المعرفة, الإيمان, الفنّ, الأخلاق, العادة وأى إمكانيات و عادات أخرى)1 .

وإذا أردنا الحديث عن معنى او مفهوم محدد للتراث الشعبى سنجد ان الباحثين والدارسين قد اختلفوا حول هذا التعريف وهذا يعود إلى أن التراث الشعبى يعنى بالجوانب الاجتماعية والأدبية والفنيه كما يهتم بالمعارف المتصله بالعلوم الطبيعيه إلا أن الجميع اتفقوا على ان التراث الشعبى هو ( مجموعة العادات والتقاليد والأدب والفنون والحرف والمهارات وشتى المعارف الشعبيه التى أبدعها وصاغها المجتمع عبر تجاربه الطويلة, والتى يتداولها أفراده ويتعلمونها بطريقة عفويه, ويلتزمون بها فى سلوكهم وتعاملهم, وهو بذلك يشكل هوية المجتمع وشخصيته الحضارية )2 ومن الفنون التى يهتم بها الباحثون هو الفن الشعبى والفن الشعبى بطبيعته هو فن حياة .. حياة الإنسان داخل مجتمعه .. وذلك المجتمع الذى هو خلية حية داخل المجتمع الانسانى ككل .. ودراسة الفنون الشعبية والتعرف على أنماطها وتحليل عناصرها أو وظيفتها فى بنية الثقافية الشعبية لابد ان تكون دراسة علمية دقيقة قبل أن تكون انطباعا حماسيا أو حنينا للذكريات لأن هذه الدراسة ستضاهى فى أصولها المعرفية دراسة تبحث فى الإبداع الشعبى باعتبار أنه تعبير عن فكر ووجدان المجتمع ودراسة وسائل وأساليب هذا الإبداع كما أنها فى الوقت نفسه تقييم لجوانب من حياة المجتمع الذى صنعها بذاته ومعرفة أيضا بقيمة الإنسان وأدراك لأحاسيسه وشعوره وتفسير لدلالات هذا الإبداع المرتبط أساسا بعملية الوجود الثقافى للإنسان فى مجتمعه.

وفى مجال الرقص الشعبى لا يكتفى مصمم الرقصات والمؤدى لهذه الرقصات أن يحاكى الراقص الشعبى فى أدائه بمهارة بدنية متميزة بل عليه أن يتبناها من جديد فى سياق فنى حديث للجمل والحركات الراقصة فى وحدة تكاملية وتكون الحركات الشعبية الأصلية هى وحدة من وحدات العمل ككل, ليخرج من إطار التكرار إلى مجال التعدد والتنوع .

فالرقصة يمُكنُ أنْ تَكُونَ فنًَا طقسيًا, أو إستجماميًا يَذهب إلى ما بعد الأغراضَ الوظيفية للحركاتِ التى استعملتْ فى العملِ كما أنها تُظهر العواطف, الحالة المزاجية, أو أفكار, أو حاله اقتصادية أو سياسية أو دينية أو اجتماعية أو تكُونُ موضحه لخبرات بسيطة كما لدى الشعوب البدائية كما فى أفريقيا.

يوجد الرقص الشعبى فى البيئة الشعبية ولا يمكن استئصاله منها لانه ابن لبيئته بثقافاتها المختلفة وتتوارث من جيل إلي جيل والرقصات الشعبية عادة مجهولة المصدر لكن هذا الرقص يَبْقى شعبيَا فقط فى بيئته الطبيعيه للوقت مختصر وعندما يهاجر الناس من بلد لآخَر فإنهم يأخذون معهم التراث الشعبى الخاص بهم، ويقومون بتكييفه مع بيئاته ومحيطهم الجديد، ولكنه عندما ينقل إلى خشبة المسرح لا يصبح بشكل تدريجى جزء من التقاليد الشعبية إذ يطرء عليه العديد من الأشكال المسرحية المختلفة حسب ما يراه مصمم الرقصات فى إطار إعادة توظيف التراث .

حين نقف أمام عبارة توظيف التراث الشعبى فى الأعمال الثقافية والفنية فقد يتبادر إلى الذهن بأن المقصود هو عملية استحضار المادة التراثية أو اقتباسها والاستفادة منها فى الأعمال الفنية بشكل أو بآخر، بحيث ينتج فى نهاية المطاف عمل فنى ذو صلة بالتراث الشعبى، وإن كان ذلك على شكل “كولاج” تجميعى، إلا أن الأمر كما نراه يختلف عن ذلك تمام الاختلاف، فالتراث الشعبى له رؤيته وفلسفته الجمالية الخاصة التى قد تختلف مع الفن كما هو سائد فى زماننا، ولا بد لعملية التوظيف أو الاستحضار هذه من أن تكون عملية إبداعية تضع التيمات التراثية فى صورة جديدة ذات دلالات لم يسبق طرحها من قبل.

ولا يمكن لهذه العملية أن ترتفع إلى مستوى الفن إلا إذا تمثلت روح تلك المادة التراثية أو موضوعها داخل العمل الفنى، مما يجعلنا نتأنى كثيرا عند ملامسة عملية التوظيف هذه ونرجعها إلى جذورها المتصلة بعملية الإبداع الفنى ونستبدلها بالمصطلح الأقرب للمتداول وهو الاستلهام  .

وإذا اردنا الحديث عن تعريف محدد للرقص الشعبى فسوف نجد أن هناك تعريفين هما:

 

التعريف الأول:

( إن الرقص يتعلم مِن قِبل الأفرادِ كلما يَكبرون فى المجتمع بالتوارث وهو عنصر مكمل لنشاطات الجماعة وكل رقصة هى شكل حى يتفاعل مع متطلبات الجماعه الشعبيه وهو يرتبط أحياناً بمناسبات محددة وبالتالى يحتمل أن يرتبط بمجموعات محددة من الناس) 3.

 

التعريف الثانى:

يشير إلى الرقص الذى ( ازيل من سياقه الأصلى, لَم يعد يؤدى كجزءِ من الحياةِ اليومية, وهو يؤدى من قبل راقصين محترفين فى فرق الرقص الشعبى فى المدن أو فى البلدان الأجنبية أو على خشبة المسرح لتسلية الجمهور ويتعلم مِن قِبل الراقصين فى المدارس وليس من البيئة الشعبية )4 .

وممارسة الرقصات الشعبية متاح لكل شخص فى الجماعة الشعبية ويمكن أن يقسم طبقا لعادات وتقاليد الجماعه الشعبية إلى رقص رجال فقط أو نساء فقط أو رقص مشترك ويمارس الرقص الشعبي عادة احتفالا بالأحداث الدورية للسنة التى تَتعلق بالحياة الاقتصادية عادة للجماعة الشعبية كمثال مراحل السنة الزراعية أو صيد الأسماك أو عند تغييرات فصولِ السنة وفى الأعياد السياسية والدينية.

والمسرح الشعبي ليس مجرد عروض غنائية راقصة. فالمسرح الشعبي صورة مصغرة ومكثفة تعكس الحياة الشعبية بمختلف أنماطها ونشاطاتها المعيشية والحرفية، بما يصاحب ذلك عادة من مظاهر احتفالية يصاحبها الرقص والغناء. أى أن العروض الغنائية الراقصة بما تشتمل عليه من حركات وإيقاعات وأزياء، وإن كانت تمثل الجانب الأساسى فى المسرح الشعبي، إلا أنها تبقى جزءا من كل متكامل يشتمل على أجزاء مقتطعة من حياة الناس اليومية التى تتراوح فيها المواقف الهزلية والمشاهد الدرامية. الرقص والغناء والأزياء الجميلة تتضافر مع هذه المشاهد التقليدية من الحياة الشعبية لتعطى العرض المسرحى أبعادا إنسانية واجتماعية، وبذلك يؤدى المسرح الشعبى وظيفته الترفيهية والتثقيفية بعيدا عن الابتذال والتهريج وعن الطرب الساذج الرخيص.

ولا يقتصر المسرح الشعبى على عرض صور من الماضى والحياة التقليدية، بل يمكن الإفادة منه كأداة فعالة لا تقل فى تأثيرها عن وسائل الإعلام الأخرى لتوجيه الناس ورفع مستوى الوعى بينهم عن طريق معالجة القضايا الاجتماعية وتحليلها بأسلوب فنى يجمع بين الجد والهزل، ويتمشى مع الحس الجماهيرى بحيث يتقبله الناس ويتجاوبون معه ويدركون أبعاده.

ومن منا يجهل الدور الذى يمكن أن يلعبه المسرح فى حياة الأمم فيما لو أتيح له المجال ليقوم برسالته الفنية والوطنية على الوجه المطلوب.

نقل الفنون الشعبية من أرض الساحة إلى خشبة المسرح أمر ليس بالهين اليسير، لما يتطلبه ذلك من تقنيات متقدمة ومهارات عالية وخيال واسع ومواهب أصيلة. وحينما تكون المادة الخام من التنوع والثراء كما هى عليه الحال عندنا، فإن المهمة تصبح أكثر صعوبة وتعقيدا. الفنون الشعبية عندنا من الغزارة والتباين بحيث يصعب الإلمام بها واستيعابها وفرزها واختيار الأنسب منها للعرض المسرحى. والاعتبارات الفنية ليست هى المحك الوحيد الذى يحكم هذا الاختيار. فالاعتبارات الثقافية والاجتماعية والأهداف القومية والحضارية لا بد أن توضع فى الحسبان. نتوقع أن يكون مسرحنا الشعبى ممثلا أصدق تمثيل لمختلف المناطق الجغرافية والفئات الاجتماعية فى بلادنا، على أن يتم صهر ذلك كله فى رؤية فنية متكاملة وبوتقة حضارية واحدة تعكس وتعزز وحدتنا الوطنية والمصيرية. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى نريد لهذا المسرح أن يكون منبرا يعبّر عن طموحاتنا وتطلعاتنا ونبث من خلاله روح المودة والألفة والتواصل بين أبناء شعبنا، وننمى فيهم الوعى القومى ونغرس فى نفوسهم بذور المواطنة الحقة والاعتزاز بثقافتنا وتاريخنا.

ثم إن الأداء المسرحى يختلف فى طبيعته وسياقه عن الأداء على أرض الساحة. على أرض الساحة هناك تلاحم وتواصل حميمى بين المؤدين والجمهور يصل فى كثير من الأحيان إلى حد المشاركة الفعلية فى الأداء، بحيث يصعب الفصل بين المؤدين والجمهور، بل إن هذا الفصل يصبح أمرا غير وارد، فأرض الساحة على اتساعها هى المسرح وجميع من فيها يشاركون فى الأداء بشكل أو بآخر، وكل منهم بطريقته الخاصة يشكل جزءا من مكونات الجو العام، ويضيف عنصرا من عناصر المناسبة الاحتفالية. أما خشبة المسرح فتشكل وضعا جديدا وسياقا مختلفا لم يتعود عليه لا المؤدون ولا الجمهور، وكلاهما يحتاج إلى بعض الوقت ليتكيف معه.

ومسرحة الفنون الشعبية تفرض على المؤدين قدرا من التنظيم والانضباط والتدريبات التى قد يتبرم منها الفنان الشعبى ويرى فيها حدا من رغبته فى الانطلاق على سجيته والتعبير عن فرديته بحرية وعفوية، خصوصا بالنسبة للفنانين الشعبيين الذين اكتسبوا فنهم بالفطرة والممارسة لا بالدراسة والتحصيل ناهيك عن التعامل بطريقة فعّالة ومؤثرة مع الأجهزة الصوتية والضوئية الحديثة والتى قد يجهلها كثير من الفنانين الشعبيين. والعروض المسرحية محدودة مكانيا بخشبة المسرح ومحدودة زمانيا بمدة العرض. هذه القيود المكانية والزمانية والتى هى دخيلة على الطبيعة التلقائية للفن الشعبى ستنتج عنها تحولات بالغة الأهمية فى بناء وتصميم العروض الشعبية، وكذلك على تجاوب المؤدين وطريقة أدائهم.

ومسألة استلهام الفنون الشعبية تحضر إلى الذهن العديد من الآراء المتضاربة حول مشروعية ذلك وجدواه، خصوصا فى ظل ما تروّجه بعض وسائل الإعلام والفنانون  والدخلاء من إنتاج ممسوخ ومزيف ويسوقونه على أنه مادة شعبية تعبّر عن روح الشعب الأصيلة. ولقد ارتفعت فى الآونة الأخيرة العديد من الأصوات التى تنادى بإيجاد هيئات علمية ومؤسسات رسمية لحماية فنوننا الشعبية من عبث العابثين وجشع المتطفلين ممن تعوزهم الخبرة وينقصهم التأهيل، وربما النوايا السليمة.

ويرى البعض من المختصين أن أى مساس بالفنون الشعبية أو تطوير لها، مهما كانت دوافعه وأهدافه، أمر مرفوض ويعتبرونه تشويها وتحريفا. وهذا يصدق بدون شك فى مجال البحث الأكاديمى الذى هدفه الرصد والتوثيق العلمى، والذى لا تسمح مناهجه بأى تعديل أو تبديل فى المادة الشعبية. لكن البحث العلمى مسألة تختلف فى الدوافع والأهداف عن استلهام الفنون الشعبية وتطويرها على يد الفنانين والمبدعين. وعلى الرغم مما يبديه البعض من تحفظ حيال هذه المسألة إلا أن استلهام الفنون الشعبية وتطويرها أمر مشروع، بل ومطلوب لأن الفنون الشعبية لأى أمة من الأمم ثروة قومية لا تقل فى قيمتها الروحية والمعنوية عن الثروات المادية وينبغى الاستفادة منها واستثمارها، على أن يتم ذلك وفق خطط مدروسة وأسس سليمة، وعلى أن نميز دائما بين المادة الأصيلة والمادة المطورة ولا نخلط بينهما. وهناك فروق بينة لا تخفى على أحد من العارفين من حيث الغايات والوسائل والنتائج بين عمليات التشويه والاستغلال، والتى هى عمليات مرفوضة أساسا بجميع أشكالها وبين عمليات الاستيحاء والاستلهام والتى هى فى حد ذاتها عمليات إبداعية خلاقة تنطلق من فهم حقيقى واستيعاب تام  ووعى عميق بالمادة الشعبية وتضيف لها أبعادا فنية وإنسانية جديدة وتوظفها ضمن أطر جديدة تتمشى مع معطيات الزمن المتجدد.

 

ملامح الرقص الشعبي الهندي

 

وإذا نظرنا إلى الرقص الشعبي الهندي كنموذج لما سبق التحدث عنه سنجد أنه لقرون بعيدة لا يعرف مدى قدمها سوى الزمن ذاته, ظلت الهند بثقافاتها وأعراقها وسلالاتها واسعة التنوع حيث نجد الأجناس الرئيسية الخمسة من مغول وأوربى و قوقازى وزنجى ممثلة بها كما ان بها تنوع فى الأعراق نتيجة لهجرات الإغريق وقبائل آسيا الوسطى واستوطنوا واندمجوا مع السكان المحلين مما أدى إلى تنوع الأجناس واللغات فيوجد بها أكثر من 844 لهجة محلية بجانب اللغة الرسمية وهى اللغة الهندية والأديان فيوجد العديد من الديانات مثل البوذية، الإسلام، المسيحية، الزرادشتية، اليهودية مما أدى إلى ثرائها بكنوز من فنون الرقص والموسيقى، والحقيقة أن أشكال الرقص الكلاسيكى المعاصر فى الهند والتى تحكمها تقاليد معقدة وأساليب أداء نمطية تمزج بين الحركة الفطرية وحركات البالية المدروسة, قد استقت جذورها من رقصات العامة, وهذه الباقة المختلفة من أشكال الرقص وفنونها لم تبق فقط كأثر من تراث الهند, ولكنها استمرت بما يحتفظ به جوهرها من حيوية وحياة فى التأثير على الأشكال الفنية المتواجدة بل وصياغة المزيد من الأشكال الأكثر تعقيداً, وهكذا فإن أشكال الرقص الشعبى والكلاسيكى فى الهند لا تقف كل منها منفصلة بذاتها, بل إن هناك حوارا مستمرا بينها, فالأشكال الشعبية تستمد أحيانا مضمونها وفحواها من الأشكال الكلاسيكية, التى تستمد بدورها الحيوية والعفوية فى الاداء من الأشكال الشعبية.

ولاختلاف التضاريس الطبيعية وتعدد الأعراق وتنوع الثقافات وتباين أشكال الهياكل الاجتماعية أثرها البالغ فى تفرد الهند بما تزخر به من تراث فنى ثرى ومتنوع, ربما كان الرقص الشعبى الأصدق, فى التعبير عن تقاليد المنطقة الموجود بها فهو يعد حقا مرآة صادقة لملاحظة التطور الحادث فيها.

ويصبح من الطبيعى أن ينتشر بين حدود شبة القارة الهندية مئات وربما آلاف أشكال الرقصات الشعبية, وفى بعض المناطق ترتبط هذه الأشكال بالتقاليد القبلية بينما ترتبط فى مناطق أخرى بالأرض والزراعة.

ولا تخلو منطقة أو واد أو جبل أو ساحل أو سهل فى الهند من رقصة شعبية خاصة به, حيث تتميز كل منطقة بفنونها الشعبية من موسيقى ورقص وارتكازاً  على مستوى التطور الثقافى والاجتماعى, يمكن تصنيف هذه الرقصات تحت ثلاثة مسميات هى الرقصات القبلية ورقصات المجتمعات القروية والرقصات التقليدية المعبرة عن الطقوس والأعراف.

ويتسم مضمون الرقصات بشكل عام فى الهند بالبساطة, غير أنها تبتعد عن السذاجة فأحياناً ما تدور حول ممارسات الحياة اليومية المتعلقة سواء بأمور الزراعة من نثر البذور وحصد المحصول أو الحرف التقليدية مثل الغزل والنسيج وغيرها.

(وأحياناً أخرى يعبر الرقص عن الاحتفال بالانتصار فى أحد الحروب أو النجاح فى رحلة صيد، كما أن هناك من الرقصات ما يعتمد على الحركات التجريدية للتعبير عن مغزى دينى, وأخيراً هناك الرقصات التى يؤديها مجتمع بعينه, احتفالاً بقدوم فصل من فصول العام أو مشاركة فى المهرجانات والكرنفالات المختلفة, حيث يشارك الجميع من رجال ونساء وأطفال فى أداء الرقصات التى تعكس الفرحة والمرح .. الجميع يرقص .. الجميع يبدع .. ليس هناك فارق بين الراقصين والمشاهدين ) 5 .

وقد شكلت الطبيعة فى صمت وعفوية حركات الرقصات المختلفة بما لها من اتصال روحى بأبناء الهند يجعل منها انتماءهم الأول, فجبال الهمالايا تمتد عبر جزء كبير من الهند, وربما لذلك يوجد شىء مشترك بين كافة الرقصات التى يؤديها قاطنو المناطق الجبلية, سواء فى كشمير أو هيمشال براديش أو أوتار براديش أو دار اجلنج .. فنجد حركات التأرجح الواسعة وثنى الأرجل وتشابك الأيدى تعطى انطباعاً بتموج سلاسل الهمالايا.

وتنطق الحركات السريعة وتغير الأوضاع المفاجئ التى تتميز بها رقصات المناطق الشرقية من الهند, لاسيما مدن آسام وماينبور, معبره عن لسان حال العواصف المفاجئة وما تقتلعه من أشجار، فى رمز صريح إلى الأخطار التى تخبئها الأدغال ويصرح عنه الطقس, وتعكس رقصات الصيادين شعوراً بأمواج البحر الهادرة، بينما تعرض رقصات أهل السهول صورة مختلفة يرسمها تضاد الألوان والنغمات.

وأشكال الرقص الشعبى فى مناطق معينة فى الهند تتسم بما يميزها عن سواها، بالإضافة إلى ما تتفق فيه مع مناطق أخرى, فبينما يفرق بينها المناخ والطابع الزراعى، يجمعها فى إطار واحد الأدب والأسطورة, وقد بقيت هذه الأشكال على امتداد العديد من القرون فى الهند، ومدت جسور التواصل مع التراث الهندى، الذى لا يتسم بأى حال من الأحوال بالجمود والركود، حيث يتكيف بصورة مستمرة مع المعطيات الجديدة ويمتص التأثيرات المختلفة ومن ثم فالسر فى بقاء هذه الأشكال يكمن فى مرونة جوهرها وقدرتها على التعبير عن نفسها واستيعاب الأمور.

ولأن أشكال الرقص الشعبى فى الهند ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة المنطقة التى وجدت فيها, نجد ولاية مثل البنجاب, ذات الطابع الزراعى, تشتهر برقصة البهانجرا, وهى رقصة ترتبط بطقوس وشعائر زراعة القمح, وتؤدى هذه الرقصة الحماسية من قبل الرجال للاحتفال بموسم نثر القمح, وقلائل هم الذين بوسعهم مقاومة إغراء دقات طبل“الدهولاك” ذى الوجهين “وهى مثل آلة النقرزان فى مصر” ودعوته لهم للنزول إلى حلبة الرقص, حيث تتبادل أزواج الراقصين الدور فى أداء حركات بهلوانية معقدة وسط دائرة خالية معدة خصيصاً لذلك .

أما النساء فتؤدين رقصة الجيدها التى تمتاز أيضاً بحماسها العفوى, وتبدو نساء بوجوههن المغطاة ببراقع مسدلة, وكأنهن دوامات من الألوان أثناء دورانهن السريع على أصابع الأقدام أثناء تأديتهن للرقصة.

وفى مجتمعات صيد الأسماك لولاية ماهار اشترا تتشابك أذرع الرجال والنساء ويرقصون معاً, ثم تتسلق النساء أكتاف الرجال فى تشكيلات هرمية جميلة, وتشتهر رقصات النساء فى هذه المنطقة بحركاتها المتحررة.

هنالك أيضاً أشكال متعددة من الرقص الدرامى أو المسرحى الشعبى, مثل رقصة ناوتانكى فى راجستان, ورقصة “بهافاى الكوجاراتية” ورقصة “التاماشا الماهارشتراتية” ورقصة “الجاترا” البنغالية ورقصة “الباكشاجانا الكارنتاكية” ورقصة “الثيام الكيراية”  وجميع هذه الرقصات تحكى أساطير الأبطال والملوك والآلهة المحليين, أما الرقصات الفنية لاحتفالات الزواج فى أنحاء البلاد فتتميز بحركات شبه راقصة أبرزها تلك الرقصات لأعراس قبائل الشمال الشرقى, ورقصات “ اللازيم الماهار اشتراتية”  ورقصات “ الكالاريباباتو الكيرالية” ورقصات “التشهاو التنكرية”  لولاية اوريسا.

ومن بين تلك الرقصات الشعبية، انبثقت التقاليد الكلاسيكية المختلفة لفنون الرقص والموسيقى فى الهند وهناك ستة أنواع رئيسية من الرقص الكلاسيكى, رقصة بهاراتا ناتيام من تاميل نادو ورقصة اوديسى اوريسا ورقصة مانيبورى من مانيبور ورقصة كاتاك من اوترا براديش, ورقصة كاتاكالى وهى من كيرالا, ورقصة كونشى بودى من اندار براديش.

ومن الصعب تعقب التاريخ الحقيقى لنشوء هذه الرقصات بشكلها الحالى لأكثر من 200 – 300 عام ، ولكنها جميعاً ترتبط بجذور تعود بها إلى تقاليد فنون الأدب والنحت والموسيقى الهندية للعصرين القديم والوسيط  .

وجميع هذه الرقصات تخضع لقوانين الرقص الكلاسيكى المنصوص عليها فى الناتياشاسترا، وهى نص يعود إلى القرن الثانى قبل الميلاد, ينسب إلى الحكيم بهاراتا الذى يقال بأن الإله براهما أوحى به إليه، ويحدد هذا النص المظاهر الرئيسية للرقص وهى النريتا أو نريتيا “الرقص الطاهر” والذى يعتمد على الحركات الإيمائية ويهدف إلى التعبير عن المزاج النفسى أو الدراما.

(وقد تكون على مر العصور مخزون وافر معقد من التعابير والحركات الإيمائية باليد والوجه والجسد لنقل أبلغ التعبيرات وأدق المعانى). وقد تطورت رقصة البهاراتا ناتيام بشكلها الحالى قبل مئتى عام تقريباً, كرقصة معابد مكرسة للعبادة, ورغم أنها رقصة فردية بشكل أساسى, فهى تعتمد أساسا على أشكال من الرقص الدرامى التقليدى الدينى والذى تمثله البهاجفاتاميلا التى يتكون كافة عناصرها من الذكور ورقصة كوروفانجيس الشعبية المكونة من أوبريتات خفيفة.

وفى الوقت الذى تعتمد فيه وضعياتها وحركاتها على منحوتات المعابد القديمة, فقد استقت هذه الرقصة مضمونها الموضوعى والموسيقى من شعراء البهاكتى وموسيقى قصور تانجور خلال القرنين 18 – 19 وقد تحولت هذه الرقصة إلى فن تمثيلى بفضل الجهود الرائدة لروكمينى ديفى أروندال مؤسس مدرسة كالاتشيترا للرقص قرب مدينة مدراس وقد خرجت هذه المدرسة العديد من الراقصين العظام )  5.

وهناك رقصة كوتشيبودى وهى شكل من أشكال الدراما الشعبية من قرية تحمل ذات التسمية فى ولاية اندار براديش وقد ارتقت خلال السبعينات إلى مستوى الرقص الكلاسيكى. والاوضاع الجسدية للرقص الاوديسى تعتمد كذلك على منحوتات معابد كوناراك وبورى, ولقد تطورت هذه الرقصات من المسرحيات الموسيقية, وهنالك سجلات تعود إلى القرن الثانى عشر حول رقصات المعابد الطقسية ورقص الأفراح فى ساحات القرى, والمضمون الموضوعى والموسيقى لهذا الرقص محكوم بذلك العمل الشعرى الذى يعو إلى القرن الثانى عشر والمسمى جيتا جوفيندا.

أما الرقص المانيبورى فقد تطور فى القرن الثامن عشر مع ظهور عقيدة الفايشنافا عن أشكال الرقص الطقسى والسحرى القديمة، ورقصات “الراسا” الأنثوية تدور حول أفكار ومواضيع عقيدة الفايشنافا للإله رادها, والإله كريشنا وتمثيل كلا النوعين من رقص البالية, الجماعى والفردى حيث يقوم الجسد بحركات بطيئة حسية، وحركات أذرع تماوجية تنساب إلى الأصابع بطريقة تعيد إلى الذهن تلك الرقصات لجنوب شرق آسيا أكثر منها أنماط الرقص الهندى العنيفة السريعة الإيقاع، على العكس من ذلك, فان رقصات السانكريتانا الذكورية التى تؤدى على إيقاعات طبل الدهولاك المانيبورى، تكون مفعمة بالحيوية.

أما نمط رقص الكاتاك لشمال الهند فهو مختلف تماماً بحركاته الدورانية السريعة الإيقاع وحركات أقدامه المعقدة. أما الرقص الكاتاكالى الدرامى لولاية كيرالا فيختلف كليا, فالأزياء الواسعة الفضفاضة والملونة وأشكال الماكياج الغريبة تضفى على العرض روعة غير عادية وهذه الرقصات تمثل المواضيع الملحمية والبطولية بحركات جسدية وإيماءات يدوية وحركات بالعين والحاجب بالغة الدقة ودقيقة التعبير.

وسوف نتحدث ألان عن إحدى الرقصات التى تعبر عن الفلاحين وهى رقصة الحصاد بولاية اسام وتسمى بيهو.

ورقصة آل بيهو( التى تطورت فى ولاية أسام الشرقية هى رقصة يعكس تصميمها ارتباطاً بالزراعة، ومثل كافة أشكال الفنون الشعبية، تتسم بالتلقائية والبعد عن التعقيد وهناك صلة وثيقة بين رقصة الـ “بيهو” ومهرجان البوهاج بيهو على وجه التحديد، ذلك المهرجان الذى يحتفل به فى منتصف شهر أبريل والذى يعد أيضا بمثابة إعلان عن قدوم العام الجديد فى ولاية أسام, ويوافق تنظيم هذا المهرجان وصول موكب الربيع, حيث تبدو الطبيعة في أجمل صورها.

(وتمثل ولاية أسام بغاباتها الوفيرة وتلالها الخضراء وأنهارها الزرقاء خلفية رائعة لهذا المهرجان الراقص الفريد الذى يشيع الفرحة والسعادة بين كافة أبناء الولاية الذين يعتزون به ويضعونه فى مكانة خاصة فى قلوبهم ) 7.

وإلى جانب مهرجان الـ “يوهاج بيهو” المعروف أيضا باسم الـ “رانجالى بيهو” أى مهرجان الفرح والمرح ينظم فى آسام مهرجانان آخران يرتبطان بالمراحل المختلفة لعملية الزراعة, فبينما يحتفل بمهرجان الـ “يوهاج بيهو” وقت إعداد الحقول لزراعة محصول الأرز, يحتفل فى الخريف بمهرجان الـ “كاتى بيهو” عندما تزرع الشاتلات الصغيرة, ويحتفل فى النهاية بمهرجان الـ “ماج بيهو” عند حصد المحصول, غير انه أثناء مهرجان الـ “بوهاج بيهو” الذى يعرف أيضا بـ “مهرجان الربيع” تؤدى رقصة الـ “بيهو” على نطاق واسع ربما فى كل ركن من أركان ولاية أسام .

تبدأ رقصة الـ “بيهو”بقيام الفرق الغنائية بغناء “أبيات تدعو بأن يعم الخير والبركة بينما تهتز أجسادهم فى حركات بطيئة”، ويغنى قائد الفرقة اللازمة ويرددها خلفه بقية أعضاء الفرقة وبعد قليل, ينضم المشاركون من غير أعضاء الفرقة إلى المغنيين حيث يرقصون فى دائرة برتم بطئ تزداد سرعته تدريجياً حتى يصبح سريعاً للغاية فى نهاية الرقصة, والآلات التى تستخدمها الفرقة فى هذه الرقصة هى الـ “دهول” أى الطبلة و الـ “تالا” أى الصاجات والـ “توكا" وهى شخشيخه مصنوعة من خشب البامبو.

والى جانب هذا الشكل من رقصة الـ “بيهو” والذى يطلق عليه الـ “هو سارى” تؤدى الأشكال الشعبية الأخرى من رقصة الـ “بيهو” تحت ظلال الأشجار الضخمة فى الحقول المفتوحة, حيث يجتمع الشباب من الفتيات والفتيان ويرقصون على موسيقى وكلمات أغانى وتكون الموسيقى فى تلك الأشكال الشعبية أكثر وضوحاً وبروزاً, حيث تستخدم إلى جانب الآلات الثلاث الأخرى, آلات مستقاة من البيئة المحلية, مثل الـ “جاجاتا” وهى آلة شبيهة بالجيتار، وخلال الرقصة، يتبادل المشاركون عزف الموسيقى والغناء الذى يكون غالباً لأبيات تعبر عن الحب, وتظل هذه الأبيات تتكرر طالما تستمر الفتيات فى الرقص وغالبا ما تصمت الآلات الأخرى عندما يأتى الدور للنقر على الطبلة, وهو ما يكون متماشياً مع حركات الفتيات.

ورقصة الـ “بيهو” تبدأ فى دائرة كبيرة ولكنها سرعان ما تنكسر وتتحول إلى خطوط متوازية مختلفة, وحامل الطبلة هو القائد الرئيسى لمثل هذه الفرق الغنائية الراقصة, وهو يرقص بمهارة عالية وغالبا ما يبدأ الرقصة بإلقاء الكلمات دون موسيقى ثم يغنيها على نغمات الآلات الموسيقية.

وقد أرجع الدارسون والباحثون أصل هذه الرقصة إلى العبادات التى كان يؤديها السكان الاصليون طلباً للخصوبة والخير, وتتميز خطوات الراقصين ببساطة شديدة, ولكن حركات الجسد والاذرع تكون فى سرعة تعبر عن النشاط والحيوية ولعل أكثر ما فى الأمر إثارة أن رقصة الـ “بيهو” وحدها تؤدى بأشكال مختلفة فى ولاية أسام, فيختلف أسلوب تأديتها فى الشمال على سبيل المثال, عنه فى الجنوب.

المهم أن ما يميز هذه الرقصة هى المشاركة التلقائية لكل أبناء الولاية دون حواجز بين الراقصين المحترفين والمشاركين, طالما أن الرقص, لاسيما الرقص الشعبى هو أكثر أشكال الفنون تعبيراً عن البيئة وتجسيداً لرغبة الإنسان الفطرية, فى التعبير عن أفراحه وآلامه.

(واذا نظرنا إلى المسرح الشعبى فى الهند فسوف نجد أن له دورًا كبيرًا فى الحفاظ على العادات وتقاليد الرقص الشعبى الهندى فلقد عرف المسرح الشعبى بأنه المسرح الذى نشأ بين العامة وتوارثته هذه الطبقة جيلاً بعد جيل, وارتبط هذا النوع من المسرح ارتباطاً وثيقاً بعامة الناس, نأى به عن أن يكون ضرباً من ضروب الترفيه المحض إذ حمل فى ثناياه الثقافة الشعبية بكل قيمها, فجاء عاكسا لمعتقدات وطقوس وشعائر عامة الناس, الاجتماعية أو الدينية, سواء مكتسبا أشكالا مختلفة أو مؤدياً وظائف متعددة أخذ المسرح الشعبى فى بعض الأحيان شكل الشعائر والطقوس التى تؤدى لطرد الأرواح الشريرة أو لاسترضاء قوى الخير, وفى أحيان أخرى, اكتسب شكل العمل الترفيهى الخالص والبسيط فى الوقت ذاته, غير أنه يظل فى كافة الأحوال ممثلاً للعام من الناس ومعبراً عن قضاياهم, فالمسرح الشعبى وان اختلفت أشكاله موجه فى المقام الأول والأخير إلى الرجل العادى, سواء انتمى لمجتمع قروى أو حضرى, وهو ما جعل الرجل العادى يرتبط بدوره بهذا المسرح ارتباطاً وجدانياً وفكرياً ويعتبره أكثر من مجرد ترويح أو ترف, بل جزء لا يتجزأ من تراثه المتوارث)8 .

يضم المسرح الشعبى فى إطاره كافة خصائص الفنون التعبيرية، بما فى ذلك بعض الأشكال الفنية مثل السحر والألعاب الاكروباتية، وغيرها مما يفى بالغرض، وعادة لا يلتزم هذا النوع من المسرح، نظراً لاتساع آفاقه، بخشبة المسرح، بل إن المكان الذى يقام فيه العرض يتحول كاملاً إلى خشبة مسرح، إذ تكون الأحداث نتاجاً لتفاعل الناس مع المؤدين ..

ومن اليسير رصد بعض السمات العامة لتقنيات وأشكال المسرح الشعبى, كما ظهر فى مناطق مختلفة ومن بين هذه السمات استخدام الرقص والغناء بشكل كبير, كذلك استخدام “الكورس” طوال العمل المسرحى وتكرار وجود بعض الشخصيات النمطية مثل شخصية المهرج، ولعل كل هذه السمات تعد من أوجه التشابه التقنية، أما فيما يختص بالأفكار فقد استخدم المسرح الشعبى أفكار الملاحم السانسكريتية والقصص التاريخية والرومانسية وغيرها من الأشكال الفنية التى كانت تحكى سير الأبطال .

ويمكن لنا تقسيم الأشكال المسرحية الشعبية بصورة عامة إلى فئتين, الأولى دينية والثانية دنيوية, وقد نشأت الأولى نتيجة ظهور حركة “بهاكتى” فى الهند فى العصور الوسطى, والطريف أن العديد من رجال الدين فى هذا الوقت اهتموا بالمسرح وأسسوا العديد من التقاليد المسرحية، أما المسرح الدنيوى، فقد عمد إلى تقديم أشكال ترفيهية بصورة كبيرة، وبرغم هذا الاختلاف فى الاتجاه، سار الشكلان جنياً إلى جنب وتبادلا التأثير والتأثر، ارتبط الشكل الأول إلى حد كبير بعبادة جانشيا التى تعد أحد أشهر العبادات فى الهيكل الهندوسى، وهو طبقا لعدد من الدراسات معبود سابق للآرية ارتبط بالخصوبة التى كانت لها طقوس خاصة فى الرقص الشعبى يقول لويس سبنس ( حين يدرك الإنسان سمو مكانته يضفى صورته على الآلهة الطوطمية ويبقيها محتفظة فقط بالرمز الحيوانى ومن هذا اتخاذ إلهة الشمس لدى المصريين القدماء شكل القطة وتحولها فيما بعد لتتخذ شكل امرأة ولكن ذات رأس قطة, ومن هذا المنطلق ولدت فكرة الفيل المؤله, مثل “جانيشا المعبود ” ذى رأس الفيل, وهو الحيوان الذى ارتبط عند الهنود القدماء بالضخامة الجسدية والذكاء الخارق ونجد أن الفلسفة الدينية عن الهنود قد وصفت الإله جنشيا بأنه الابن الأكبر للإله شيفا والإلهة بارفاتى, ومن صفات جانيشا أنه قادر على إزالة كافة الصعاب واله الحكمة والفكر, وهو أيضا الإله الذى دأب الهندوس على استنفار روحه عند البدء فى أى من الطقوس الدينية مثل ذبح القرابين, وعندما يتخذ شكل فيناياكا, يصبح جانيشا أشبه ما يكون بإله المسرح الخاص بالإغريق ديونيسيس, ارتبط اسم جانيشا بالرقص وزينت الراقصة العديد من المعابد فى الهند ) 9.

ويعد تمثال جانيشا المصنوع فى القرن الثانى عشر والموجود فى معبد هوساليشفارا فى هالايايد من أعظم الأعمال النحتية على امتداد العصور، وقد أثار هذا الأثر خيال العديد من الدراسين إذ كان من المذهل أن يتحول هذا التمثال إلى ( احد أعظم الأعمال النحتية رغم أن الفنان الذى قام بصنعه غير معروف وصورة جانيشا, وفقا للأسس النحتية الهندوسية كان يجب أن تكون ذات ثمانى أياد تمسك سبع منها بالات موسيقية متعددة, بينما تبقى الثامنة خالية حتى تتمكن من المساعدة فى القيام بشتى الرقصات, ويجب أن يكون لون الجسم أصفر مذهب, ولبيان إن التمثال قد نحت ليبدو ذا شكل راقص, تبدو قدما التمثال منحنية بشكل يدل على أنه يؤدى حركة راقصة غير أن تمثال جانيشا به أربعة أياد فقط وليس ثمانية كما تنص مبادئ النحت الهندوسية.

وكان له تأثير كبير مما حدا بأحدهم إلى القول بأنه لزام على كل الراقصين المرور به قبل البدء فى الرقص, ويوضح ذلك المكانة التى وصل إليها جانيشا فى الفن المسرحى فى القرن الثانى عشر )  10 .

ومن هنا نعود إلى ما سبق الحديث عنه وهو أهمية الاهتمام بتحليل ما نشاهده من رقصات شعبية فى الإطار الأشمل والأعم لمفهوم الثقافة من الناحية الدينية والاجتماعية والنشاط السكانى ، ويجب ان نعى أنه ليس كل ما هو شعبى بفن .. كما أنه ليس كل ما يمكن أن يسمى بفن شعبى يمكن أن يكون مجالا للاستلهام أو الاستخدام فى الإبداع الفنى المصنوع.

والمعايير هنا تخرج عن إطار ما هو متوازن إلى مجال ما يجب أن يعتبر عن ذات المجتمع برؤية مستقبلية إلى الثقافية التى نرجو أن تكون،  فإستخدام عناصر من المأثورات الشعبية فى أعمال فنية محدثة لا يهدف إلى الحفاظ على هذه العناصر بواقعها المعاش ولكن بهدف الكشف عن القدرات الإبداعية لهذا الشعب دون تقوقع فى أصداف تاريخية أو العيش داخل صوامع مغلقة فالحفاظ على أنماط وأشكال ومواد الإبداع الشعبى حتى عملية تنظمها أرشيفات ومتاحف الهيئات المختصة بدراسة وجمع وتسجيل هذه المواد .

أما العملية الفنية فى استلهام هذه المواد من حيث أنها عملية تهدف إلى الكشف والإضافة بأحداث الأساليب والوسائل الفنية عن القيم الجمالية فى الإبداع الشعبى فهى عملية إبداعية جديدة تكشف فى الوقت نفسه عن القيم الفنية الكامنة فى الإبداع الشعبى المتوراث عبر الأجيال وهو أمر لابد من الإصرار عليه  وتكرار قوله لتنطلق القدرات الخلاقة الواعية فى تقديم هذه الفنون فى أجمل صورة وأكمل أداء تتوازى فيها الحداثة مع الأصالة فى تواصل ثقافى وفنى .. وتتلاقى الأصالة مع الحداثة فى إطار فنى يجمع بين الخبرة الفنية المحدثة والمعرفة الثقافية الواعية بمضامين وأشكال الإبداع الشعبى الاصيل وهو آمر له وجوده الفعلى فى ثقافتنا المعاصرة وينمو بالفعل فى مجتمعنا المعاصر الفن الشعبى بطبيعته هو فن الحياة.. حياة الإنسان داخل مجتمعه وذلك المجتمع الذى هو خلية حية داخل المجتمع الانسانى ككل لذلك حينما يتوجه فنان ما إلى استلهام مواد أو عناصر من مأثورات مجتمعه لابد وأن يدرك أن إبداعه الحديث هو محاولة جادة للكشف من جديد عن القيم الإنسانية العليا فى هذا الإبداع الشعبى فالفن هو خير معبر عن هوية مجتمعه.

الهوامش

1 - تيلور, إدوارد برنيت, الثقافة البدائية: الأبحاث في نمو الأساطير, الفلسفة, الدين, الفنّ عادة, لندن, جون مراي, 1871.

2 - أحمد مرسى – ماهية التراث الشعبى – مجلة الفنون الشعبية – ص11.

3 - دائرة المعارف الالكترونيه ميكروسوفت " انكرتا " قسم الرقص .

4 -  المرجع السابق .

5 -  سالزمان زدينيك, الأنثربولوجيا, الطبعة المنقحة, هاركوت بريس جوفانوفيتش, الشركة المحدودة, نيويورك, 1973, ص 16.

6 -  أحمد عبد الحميد فنون الإداء الحركى في الهند – دار النشر الوطنية – الامارات العربية المتحدة – 1994 – ص 51.

7 - نشرة سياحية – وزارة السياحة الهندية

8 - لويس سبنس المسرح الدينى في دول شبه القاره الهندية – مجلة عالم الفكر – الكويت – 1979 – ص34.

9 - لويس سبنس المسرح الينى في دول شبه القارة الهندية – مجلة عالم الفكر – الكويت – 1979 – ص 34.

10 - المرجع السابق – ص 40.

2019