فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

عادات الزواج في بلاد النوبة

العدد 23 - جديد النشر
عادات الزواج في بلاد النوبة

عرض وتلخيص : محمود رمضان محمد
مصر

منطقة النوبة ثرية بتراثها الإنساني، ولها خصوصيتها النابعة من تفرد المكان، وفي هذه الدراسة القيمة «عادات الزواج في بلاد النوبة» الصادرة عن سلسلة «الدراسات الشعبية» بالهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، يصحبنا الباحث مصطفى محمد عبد القادر، مستعيناً بالدراسات الكثيرة حول هذه المنطقة،وبالإخباريين، وبمشاهداته الشخصية كواحد من أهل النوبة، ليقدم لنا عادات الزواج في بلاد النوبة، تلك العادت التي اندثر منها الكثير بعد تهجير أهلها عام 1964م بسبب بناء السد العالي.
وفي مقدمة الدراسة يذكر لنا الباحث «أن منطقة النوبة تسكنها ثلاث جماعات بشرية مختلفة هي: الفاديجا وعرب العليقات والكنوز تختلف بعضها عن بعض في الأصول السلالية واللغة واللهجة، مما ينعكس بالضرورة على بعض العادات والممارسات».
والدراسة ترصد أوجه التشابه والاختلاف بين جماعتي الفاديجا والكنوز فيما يتعلق بالعادت والتقاليد والممارسات المرتبطة باحتفالات الزواج
فماهي تفاصيل العادات والتقاليد والممارسات المتعلقة بمناسبة الزواج عند الجماعتين؟، وإلى أي حد يلعب الاقتراب والتباعد السكاني دوره في تحديد التشابه والاختلاف؟، وماهو الدور الذي تلعبه طبيعة المكان، وإلى أي مدى يلعب كبار السن دوراً في ترسيخ هذه العادات؟، وماهي دور وسائل الاتصال الجماهيري في صياغة جوانب التشابه في عادت الزواج عند الجماعتين بعد تهجرهما إلى الموطن الجديد؟.
هذا ما تحاول الدراسة الإجابة عنه،وقد قام الباحث باختيار قريتين من قرى النوبة المصرية هما قريتا (أدندان) ممثلة لجماعة« الفاديجا»وقرية (توشكى غرب) ممثلة لجماعة الكنوز.وقرية أدندان كانت تقع قبل التهجير- في أقصى جنوب النوبة المصرية،وينتمي إليها الباحث،أما قرية توشكى غرب، كانت تقع على الضفة الغربية للنيل، ومايفصل بين القريتين شارع واحد في قرى التهجير.

الملامح العامة لمجتمعي الفاديجا والكنوز
في الفصل الأول يتطرق الباحث للملامح العامة لمجتمعي الفاديجا والكنوز،ويذكر أن أصل كلمة نوبة يرجع للجغرافي اليوناني أرسطنينوس(240 ق.م ) حيث ذكرها باسم (نوباي) وتبعه المؤرخ الروماني استرايون(27ق.م) ثم الروماني بيلينيوس(70ق.م)، ويخلص الباحث أن كلمة نوبة إما أن تكون تطورا تاريخيا لكلمة ( نوباي)، أو أن كلمة نوبة قديمة لا صلة لها بأحفاد المصريين من القبط، ويميل لهذا الرأي.
وعن أصول النوبيين وخصائصهم، يشير الباحث أن النوبيين هم سكان النوبة الأصليين، والفاديجا صفة شائعة تطلق على أهل المنطقة الممتدة من قرية الديوان جنوب كروسكو وحتى قرية أدندان عند الحدود السودانية، وكلمة فاديجا تعني أصحاب الحوض الخامس أو الخمس.
أما عرب العليقات أو العقيلات، فهم من عرب الحجاز ويقطنون بين أرض الكنوز وبلاد الفلديجا وقد حافظوا على لغتهم، وهناك من يؤكد أن الأسم الحقيقي لهم نسبة إلى عقيل بن علي بن أبي طالب.
أما الكنوز أو الماتوكية، فهم من قبائل عدنانية أكبرها ربيعة ومضر وقحطانية أكبرها قبيلةجهينة التي اشتركت في حملات الفتح الإسلامي وانتشرت في أقاليم مصر.
وقد تشكلت الجماعات الثلاث المشار إليها وسكنت المنطقة وظلت بها حتى تم تهجيرهم عند بناء السد العالي سنة 1964م.
وعن الإطار الجغرافي للمجتمعين يذكر الباحث أن منطقة النوبة كانت تمتد جنوبا من الشلال الأول جنوب أسوان وحتى الدبَّة عند انحناء النيل إلى الجنوب من الشلال الثالث بامتداد 900 كم موزعة على 260 قرية على ضفتي النيل منها 114 قرية على الضفة الغربية و145 قرية على الضفة الشرقية، ومن مجموع هذه القرى تقع 43 قرية داخل حدود مصر بامتداد210كم، و217 قرية تابعة للسودان.
أما عن قريتي الدراسة فقرية أندادن تمتد بطول لا يتجازو 10كم وتضم حوالي 17 نجعا متلاصقا تشترك في زراعة حوالي 120 فدانا تزرع بالسواقي وفي الشتاء يزرعون القمح والفول وفي الصيف يزرعون الذرة والدخن والشعير بالإضافة لمحصول البلح وتربية الماشية والأغنام.
وقرية توشكى غرب من القرى المستقرة نسبيا وكانت أوسع سهولاَوامتدادا مع النيل بنحو 15 كم والفيجا هم السكان الأصليون للقرية التي تضم 21 نجعا، ومحاصليها الزراعية مثل قرية أندادن، بالإضافة لصيد الأسماك وصناعة الفحم والتجارة عبر المراكب الشراعية.

في التمهيد للزواج
ينقلنا الباحث للفصل الثاني ويتطرق فيه للتمهيد للزواج وطرق اختيار الفتاة( العروس) والتي تتم بثلاث طرق: النذور أو التسمية، الاختيار بين فتاتين أو أكثر، زواج البدل.
أما عن النذور أو التسمية فيتم عند ولادة البنت، فيقولون هي عروسة لفلان وغالبا يكون ابن عمها.
أما طريقة الاختيار.. عن طريق عرض فتاة أو أكثر على والدة العريس لترشيح من تراها مناسبة بالتشاور مع والد العريس.. ويقول الإخباريون إن ذلك يكون في شأن الشاب القادم من المدينة أو من خارج القرية عموما وليس له بنات عم أو خالة.
أما زواج البدل، فهو تبادل بين شابين وشقيقتهما، وله أسباب كصداقة الشابين ورغبتهما في تقوية الصداقة،أوالنذر بتبادل الأطفال بين عائلتين، أو كبر سن الفتاتين أو إحداهما.. وهذا الزواج أحدث الكثير من المشاكل.
وبعد الاختيار تتم مرحلة المشاورة،وهي عبارة عن استطلاع رأي أهل العروس ويتم بين النساء وبمنأى عن الرجال حتى لا يسبب إحراجا إن قوبل الطلب بالرفض.
وبعدها تأتي الخطوبة التي تبدأ بالإجراء الرسمي والذهاب لبيت العروس لمخاطبة والديها ورغبتهم في خطبة ابنتهم.
وينتظر أهل العريس الرد ويسمى يوم الرباط، فيذهب أهل العريس ليقدموا ما يسمى بـ«الودة أو الوجاهة» ويتحدثوا في التفاصيل، ويعرف هذااليوم عند الكنوز بالرباط، وبعد هذا اليوم واتفاق العائلتين على التفاصيل الأولية للفرح، يقوم أهل العريس بزيارة لأهل العروس لتقديم«الشيلة» وهي عبارة عن كميات من الحبوب والطحين والسكر والصابون والكبريت والملح وبعض الملابس.. الخ». وذكر الباحث أن هذه التقاليد كانت شائعة عند جماعتي الفايجا والكنوز وأن الأصل في البداية كان مقدراً بنسبة مكاييل من الحبوب يحملها سبعة من شباب العريس على الدواب إلى بيت العروس قبل الزفاف رمزا لمساهمة العريس في تكاليف إقامته في بيت العروس طوال الأيام السبعة الأولى من الزفاف، ونتيجة لتغير الأوضاع الاقتصادية لسفر كثير من الشباب للعمل بدول الخليج أصبحت الشيلة نوعا من التنافس بين العائلات، مما حدا بالمجتمع إلى وقفة لمراجعة هذه العادة عند كلا الجماعتين.
وقد أجمع الرواة أن أهل العريس كانوا يخرجون بالشيلة في اليوم الثاني أو الثالث ليوم الرباط.. وعند وصولهم تخرج العروسة مغطاة بشجة كبيرة متعددة الألوان يعد لهذاالغرض تعرب «بالفركة» وتدخل النساء حاملات الشيلة ويبقى الرجال في المضيفة وبعد دخول الشيلة تدخل العروسة وذلك تقليد ملزم درءا للمشاهرة.
وبعد الخطوبة لايرى العريس عروسه وإن رأته تجري وتتوارى من أمامه، وليس هناك مدة محددة للخطوبة فقد تطول سنوات، وبعدها يبدأ الإعلان عن البدء للفرح والذي يبدأ إعلانه رسميا بين كل أهل القرية ويسمى يوم« السَّما» أي تسمية البدء في إجراءات الفرح،ويدعى كل أهل القرية لهذا اليوم ويقدم لهم فيه أطباق الفشار والبلح والشاي.
ويبدأالجميع في الإعداد والتجهيز من تنظيف الغلال وطحنها،وصناعة الشعرية، وإعداد الخبز وطلاء حجرات العروسين، وتوزع هذه الأعمال تلقائيا بين رجال ونساء النجع.
ولم يكن مألوفا أن تتداخل إجراءات فرحين في وقت واحد، بمعنى أن« السما» إعلان بالبدء في إجراءات فرح وامتناع الغير عن الشروع في ذلك حتى يتم الزواج.
ثم يأتي تحديد يوم الزواج ويتم عن طريق فقيه القرية، فلدى المجتمع النوبي اعتقاد راسخ بأن هناك أياما يحسن اختيارهالمثل هذه المناسبات.
ففي قرية توشكىغرب كان الحاج عبده داود يختار لهم اليوم المناسب للزواج.
وفي قرية أدندان كان يتم تحديد اليوم باستشارة الحاجة مبروكة.
وفور تحديد يوم الفرح يختار العريس من بين أصدقائه شابا يكون له حارسا طوال أيام العرس يكسوه ويعطيه سيفا، ويسمى الحراس عند الكنور، وعند الفاديجا يسمى الوزير، وتبدأ الدعوة للفرح ويعرف هذااليوم بيوم: «نهارمس» أي يوم السعد عند الفيجا، وتعد أم العريس طبقا مزخرفا من سعف النخيل تملؤه بالبلح والفيشار ويتوسطه مخروط من الخشب المزخرف باللونين الأحمر والأصفر يعرف بـ«الآجوال» مملوء بعطور الصندل والمحلب، تحمله إحدى قريبات العريس ومعها الصبية والفتيات ويمرون على البيوت بيتا بيتا لتعرف القرية موعد الفرح وهم يغنون ببعض الأغاني منها:
وو يو اكون اجولك انيه
( وأنت يا امي احملي الاجول)
جورا كيرتتان تمك اوجريه
( وارقصي وغني وادعي الجيران)

وبعدها يتم دعوة الفنانين،والفنان النوبي كان له كيان ووزن اجتماعي وكان يرتجل كلمات أغانيه من واقع مشاهداته في حلقة الرقص.
وقد يعجبه جمال امرأة فيتغنى بها،وهذا يعطيها قيمة اجتماعية.. ولذلك كانت النساء طوال الأيام المتبقية وحتى يوم الزفات يتسللن إلى حيث يقيم الفنانون لتلقينهم أسماءهن ليتغنوا بها.

احتفالات الفيجا بليلتي الحنة والزفاف
في الفصل الثالث يتناول الباحث احتفالات الفيجا بليلتي الحنة والزفاف
فيذكر في البداية أن الأزياء النوبية تكاد تكون موحدة، فأزياء الرجال عبارة عن جلابية من القماش الأبيض وأحيانا من الأزرق السماوي أو السمني، وعراجي وهو قميص من القماش الأبيض، وعمامة بيضاء يتراوح طولها من متر إلى أربعة أمتار.
أما أزياء النساء، عبارة عن الكومين وهو من القماش الأسود الثقيل الفوال أو رمش العين، يخاط يدويا فضفاضا على شكل وطواط وله ذيل يغطي كعب المراة ويزيل أقدامها،وهو الزي الرسمي لكبار السن، والجرجار وهو من القماش الأسود الشفاف, وأحيانا من الأزرق في بعض مناطق الشمال ويقترب شكله من شكل فستان الزفاف الأبيض، والطرحة قطع من القماش يتراوح طولها من متر إلى 2 متر وغالبا ما تكون من الشيفون، وأزياء النساء عند الكنوز تتميز بثوب أبيض تلفه المرأة فوق الجلباب ويعرف بـ«الشجة»،وتكتفي الفتيات بالجلباب والطرحة دون الشجة.
أما ملابس العريس فتتكون من جلباب أبيض من القطن أو السكروتة وفوقها قفطان من الحرير ويضع على كتفه شالاً أبيض ويعتمر عمامة بيضاء، والعروس بعد اغتسالها من الحناء صباح يوم الزفاف وبعد عقد القران تلبس جلابية من قماش مشجر، عليها شال من الحرير يقال له«هانمي» وتتزين بشتى أنواع المصوغات والحلي النوبية.
ومن الحلي النوبية:البييه: وهو عقد أو قلادة تتدلى على الصدر مكونة من 6 قطع مسطحة كمثرية الشكل، والجادك قلادة أيضاً مكونة من ستة أقراص مستديرة، وقص الرحمن أو قصة الرحمن وهو شكل مثلث يرتكز على مستطيل ينتهي بحلقة مستديرة مفرغة يعلق على جبهة المرأة، والسافا أو الشفٍّ مربعات مفرغة من الداخل مكونة من 9 حبات تصف إلى بعضها بخيط يفصل بين حباتها حبات من الخرز يقال لها« كياي»، وتعقد حول رقبة المرأة ملتصقة بها، الرَّسَنْ وهو عبارة عن سلسلة تتدلى من عشرة حبات من وحدات دائرية مسطحة صغيرة تعلق بها حلية القص رحمن على الجبهة، وبلتاوي أو قمر بويه قرط على شكل هلال وله عدة أحجام، وباجٌول أو جسمه وهي حلية صغيرة تلتصق بأحد جانبي الأنف، والدينار أو الكوكب عبارة عن قطع مستديرة قطره حوالي 3 سم تعلق على الجبهة، وقلادة النجار عبارة عن عقد يتشكل من اثني عشر قرصا على كل جانب ستة أقراص ويتوسطها قرص أكبر حجما وهو يقارب الجكد ويعتبر بديلا.
وتوجد عادة استعارة المصوغات والمشغولات الذهبية من العائلات لتقديمها أمام الشهود عند عقد القران وإعادتها إليهم بعد انتهاء مراسم الزواج.
أما عن الأغاني والرقصات النوبية، فكما يذكر الباحث في مجملها أغان جماعية يتقاسم أداؤها المغني وجمهور المشاركين من الرجال والنساء، ويبدأ الاحتفال عادة بأغان ورقصات هادئة يصطف فيها الرجال والشباب في مواجهة النساء والفتيات وتتشكل حلقة دائرية يفصلهم خفير القرية.
ولم يكن يصاحب الرقص النوبي سوى «الطار» وهو عبارة عن إطار خشبي رقيق على شكل دائرة تُشد عليه قطعة من جلد الماعز معالج ومدبوغ بالملح والقرض ويحمل على اليد ويدق عليه باليد الأخرى وأشهر الإيقاعات النوببية: الكوم باك koumback، كومبان كاش koumban-kash، نجر يشاد nagrishad، شكاَّ shakka، فندي جالينكو findi galico.
ويعتبر الإيقاع الأول “ كوم باك” هو الإيقاع الرئيسي للرقص عند النوبيين، أما إيقاع “كومبان كاش ”  فهو لأغاني السمر وأغاني الموال البطيئة، وإيقاع “ النجر يشاد ” خاص برقصة الكف، وفي هذه الرقصة يشكل الرجال نصف الدائرة والنساء النصف الثاني ويقف المغنون في المنتصف بين الطرفين ويصفق الرجال بأيدهم في إيقاع منتظم مع إيقاع النجر شاد،ويتبادلون الدَّب على الأرض بالأقدام مع التصفيق بالأيدي وتتمايل النساء باهتزازات خفيفة حتى إذابلغن المغنين يتراجعن إلى الخلف دون استدارة ويصاحب الرقص أغاني خاصة منها:
سكاَّلج ويرا ياسلام بجبجانا
( ما أجمل هذه البغبغانة)
بجبجانا دهيبيبو
( هذه البغبغانة الذهبية )
أبا نايجا الجي ياسلام
( من تشبه ياترى)

أما الإيقاع الرابع وهو “شكاَّ” فهو قريب من “ كوم باك” إلا أن به كسرة ومحدود الاستخدام.
والإيقاع الخامس “فندي جالينكو ” فهو إيقاع خاص لرقصتين هامتين هما “بلاَّجة وفري، وهما متشابهان حيث تنزل الفتيات فرداى إلى الحلقة في حوار راقص بين كل اثنتين بحركات في اهتزازات وخطوات سريعة جدا، وكلما انسحبتا حلت محلهما أخريات،والأغنية التي تصاحب رقصة بلاجة:
الليلة ووا بلاَّجة
( تدللي أيتها الدلوعة)
صباح الليلة ووا بلاجة
( فالليلة لك والصباح أيضا لك )
إرون بلاجلينكنجوكي
( مادمت أنت الدلوعة )
ديوانيل جاشي ووايلاجة
( فتمخطري في جناح الديوان )
إدن شركي دامو ناني
( لا يشاركك فيه أحد )
غرتكو جاشي ووابلاجة
( فتدللي وتمخطري فيه وحدك )

والأغنيةالثانية اسمها “فيري” وتقول مفرداتها:
أوكَّج اوللَّرا
( نوجه آذاننا إلى مصدر الصوت )
تارنج أوكَّرا
( ونسمع دقات الدفوف )
فرَّج أرجا
( ونرقص رقصة الفرى )

ويستمر أهل القرية أيام السما في عمل دؤوب طوال اليوم ورقص وغناء طوال الليالي الخمسة عشرة أو أكثر السابقة على اليوم المحدد للزفاف،ويعرف اليوم السابق للزفاف بيوم “الحنة “،وفيه يتناوب أهل القرية بالذهاب لبيت العريس والعروس ويقدم لهم أطباق الفيشار والبلح والشاي وتنحر ذبيحة للغداء، وبعدالعشاء تبدأ حلقات الرقص،عند منتصف الليل وينسحب العريس مع الأصدقاء مصاحبة الأغاني الجماعية الخاصة بالزفة وهي أغاني بسيطة منها:
أي اج نارو اسالاربا
( ألا ترون عز العرب)
اسارابا جاهلربا
( عز العرب وجاه العرب)
تني هلالوج كيجا فلوكا
( لقد فاز الفتى بجلاله )
اج ناروا اسالاربا
( أتزون عز العرب)
فلان فلانجون جنك بليجا
( إنه فرج فلان بن فلان )
اج نارو اسالاربا ( ألاترون عز العرب ).

ويصل العريس بهذه الزفة إلى الحوش حيث يفرش له بُرش يقال له “عجري” جديد ويستقبل القبلة وتجلس في مواجهته أمه أو إحدى قريباته المسنات بشرط أن تكون في عصمة زوجها وأن يكون ابنها البكر على قيد الحياة، كما يشترط أن تكون على دراية بأنساب العائلات وأسماء الأقارب للتغني بأمجادهم، وأمامها طبق كبير من الخوص الملون مملوء بالفشار والبلح ويتوسطه صحن كبير مقعربغطاء يقال له “جوير” وبه كمية من الحناء و“اللاجول” به كمية من عطورالصندل والمحلب وإناء به ماء وتقوم السيدة بخلط كمية بالماء والعطور وتقدم منه جزءا بإصبعها للعريس لشمه وتبدأ في تخضيب يديه ورجليه وهي تغني بعض الإغاني يقال لها “جِتنْ كيريه”،ومنها خاص بالعريس ومنها خاص بالعروس.
وتقضي العروس ليلتها في حجرة خاصة في الجناح يسمى “حاصل” حتى إذاوصلت الزفة بعد الفجر يقدم العريس للمشتركين أطباق الشعرية وشاي الصباح.. ويبقى الجميع في ضيافة العريس حتى الظهر.. وعند الظهر يقدم الطعام وينصرف الجميع ويخلى الديوان ويقف الحارس عند الباب وتصحب الداية “الدشا” العروس حيث يجلس العريس، ويبقى الجناح مغلقا عليهما حتى المساء حيث تفتح الداية الباب وتدخل عليهما لترتيب الأمور قبل دخول الزوار، وبعد العشاء ينصرف الجميع ويبدأ العريس في محادثة عروسه التي ترفض محادثته حتى يقدم لها مبلغا من المال.

عادات الكنوز في احتفالات الزواج
وفي الفصل الرابع يتناول الباحث عادات الكنوز في احتفالات الزواج، وكما يذكر الباحث تبدأ احتفالات الكنوز بالزواج فور اتفاق أهل العروسين على إجراءات الفرح وتفاصيله.. وتستمرالاحتفالات حتى صباح يوم الحنة أوالزفاف، بحيث يخرج العريس صباح هذاليوم برفقةوزيره والأصدقاء للدعوة للفرح، ويُنحر صباح هذا اليوم عجل أو شاه وتعقد حلقات الذكر، ويعود الجميع بعد دعوة الجميع للفرح ويتناولون وجبة تعرف ب“المّدْ” في فترة ما بعد الظهر.
ويقدم المشاركون بعض الرقصات المسماة بـ “النهارية”  قبل الغروب وهي مجموعة من رقصات الكف والكرو.
ولاتختلف الإيقاعات الكنزية كثيرا عن مثيلاتها عند الفيجا وأشهرها: الهولي هولي وغالبا ما يصاحب رقصة الكف، والكومبان كاش وهو مشترك بين الفاديجا والكنوز، والسوكيو يعرف أيضا بالإيقاع الابوهوري وهو إيقاع سريع يصاحب معظم الأغاني العاطفية، والصفصافي وهو يصاحب لرقصة الكف.
أما أشهر الآلات الموسيقية عند الكنوز: النقارة ,هو جسم مقعر من الخشب أو النحاس ويشد على وجهه جلد ماعز ويحكم بخيوط متينة ويضرب عليه بقطعتين من جريد، والطار وتحدثنا عنه سالفا، والجردي وهو أصغر حجما من الطار،والطنبور وهي آلة وترية عبارة عن جسم مقعر من الخشب أو الصاج يُشد على وجهه جلد ماعز ويثبت عليه خمسة أوتار من الصلب الرقيق على قاعدة مثلث من الخشب رأسه مثبت داخل الجلد المشدود ويعزف عليه بقطعة من الجلد.
وبعد تناول العشاء وغالبا ما يكون قبل الغروب تنتظم حلقات الرقص أمام بيت العريس في احتفالية تعرف بالنهاية وتؤدى فيها رقصات أهمها رقصة الكف أو الهيلا هيلا، حيث يقف ضاربو الدفوف الثلاثة وهم في نفس الوقت المغنون يتوسطهم حامل “ الجريدي” ويتحلق الرجال حولهم وتجلس النساء عند طرف الحلقة وتبدأ الرقصة بتقديم أربعة يقال لهم “الكفافة” يتقافزون ويصفقون على إيقاعات النقارة والدفوف،وفي أثناء ذلك تقف إحدى الفتيات لتشارك بالرقص وهي متشحة بغلالة خفيفة لا يظهر من وجهها شيء.. فيتقدم لها الكفافة ويتقهقرون حتى يصلوا بها للمغنين فتتراجع حتى مجلس النساء، ومن أشهر الأغاني المصاحبة لرقصة الكف:
إكَّ تِرَّا بلجيرا ووا بلاجة
( تمخطري أيتهاالدلوعة)
بلجا أناي جليليه ووا بلاجه
( فماذا ينقصك.. لا ينقصك شيء)
أرجون عريسناي مير جليله ووا بلاجه
( وعريسنا ماذا ينقصه )
بلجا أناي جليليه ووا بلاجه
(لاينقصه شيء)
أرجون عريس أرجو أو ينجا ووا بلاجة
( ولما دعانا العريس)
طيار نوْرا رفريَّ تاسوا ووا بلاجة
( أتيناه طايرن كما تطير الطائرة)

وهناك فارق واضح بين رقصة الكف التي تؤدى على إيقاعات النقارة والطار وأحيانا بمشاركة الطنبور ومشاركة النساء بالرقص ويطلق عليها رقصة الهيلا هيلا.. وبين رقصة السيف والدرقة التي يطلق عليها في منطقة البحث رقصة “الكرو”، بينما رقصة الكف تقارب على نهايتها يتقدم والد العريس ويضع طرف سيفه على النقارة فيتوقف العزف وتنتهي رقصة الكف وتبدأ رقصة الكرو وتتشكل الدائرة إلى مستطيل ويفتتح والد العريس الرقصة برفع سيفه وهزه في الهواء وهو يصيح: أبدأ كلامي بالصلاة على النبي العربي.. ويبدأ في ذكر أسماء الفرسان، ويدخل غيره حلبة الرقص وكلما أكمل راقص دورته يطلق والد العريس النار من بندقيته في الهواء.
ومن ضمن الاحتفالات أيضا مباراة الرماية التي تسمى الهدف، وكان الهدف في الأصل رأس العجل المذبوح ويعطي مكافأة لمن يصوب عليه.
ويعرف اليوم الذي يتم تحديده للزفاف عند الكنوز  ب“نهار نلو” أي اليوم الأبيض، ويتولى حلاق القرية حلاقة رأس العريس قبل الزفاف
أماالعروس فكانت عمليات تجهيزها لليلة الدخلة تسبق ليلة الحنة، وكما يقول الرواة كانوا بيعملوا للعروسة حاجة اسمها “المِجْد” وهو عبارة عن وبر أو صوف مغزول يلف به جسم العروسة بعد دهنها بزيوت الصندل والمحلب ويخصص جزء من حجرة العروس تُحفر فيه حفرة يوقد فيهاالنار وتجلس العروس بالقرب من النار لعرق جسدها ويتشرب الزيوت.
وعقد القران عندمهم يسمى بالمصافحة حيث يتصافح وكيلا العروسين بينما يقرأ الشيخ فاتحة الكتاب، ويستقبل العريس جموع العائدين من مسابقةالهدف ويقدم هديته للفائز وسط زغاريد النساء.. وعند اقتراب موكب الزفاف من بيت العروس يرفع أحد المسنين قطعة القماش الأبيض وتتقدم إحدى المسنات من أقارب العروس لتلوح أيضا بقطعة قماش أبيض،وهذه العادة بديل لما كان شائعا من أن العريس قام لاختطاف عروسه.. ولايدخل العريس البيت قبل أن يقدم له الهبات من أجزاء الأرض والنخيل من وتسجل باسم العريس ضمن أملاكه، يقوم بعدها بضرب الباب بطرف سيفه على العتبة ثلاث مرات وتستقبله سيدة في يدها إناء به لبن، وتؤتى بالعروس أمامه فيسارع العريس ببخ اللبن على وجهها والضغط على قدمها بإصبع قدمه الكبير، وتعاد العروس لغرفتها ويدخل العريس الجناح المخصص له وعند انصراف الجميع تصحب الداية العروس حيث يجلس العريس.

احتفالات ما بعد الزواج
وفي الفصل الخامس يتناول الباحث احتفالات ما بعد الزواج،والتي تبدأ في صباح اليوم الثاني لإقامة العريس في أهل بيت العروس، حيث تخرج أم العريس بصحبة النساء حاملا حقيبة بها كل ملابس العريس ومتعلقاته، ويستقبلهاأهل العروس بأطباق الفشار والبلح والشاي.
وفي كل صباح يصحب العريس عروسه وسط جمع من الأصدقاء إلى شاطئ النيل حيث يغسل كل منهما وجهه بماء النيل،وفي العودة تُختار لهما نخلة كثيرة الفسائل يطوفان حولها 7 مرات، ويقطفان بعضا من الزرع الأخضر يعلقانه على جدران الديوان, بعد عودتهما يوقد لهما نار يخطو كل منهما عليها منفردا 7 مرات، وذلك منعا للمشاهرة، ويبقى العريس في بيت العروس 7 أيام، وفي نهاية مراسم الزواج يقوم العروسان بزيارة سبعة بيوت لأقاربهما، ونلاحظ أن الرقم سبعة له تقديس ومعتقد خاص،وبعد تمام الأربعين يوما تنتهي مراسم الزفاف، ويحدد العريس هل سيبقى في بيت العروس أم يغادر هو وعروسه إلى بيته.

أثر التهجير في تغيير عادات الزواج
وفي الفصل السادس والأخير من الدراسة يتناول الباحث أثر التهجير في تغيير عادات الزواج، وقد لاحظ الباحث تراجع سلطة الأبوين على الفتى في اختيار شريكة حياته، وأصبح الالتزام بالزواج من ابنة العم أوالخال غيرملزم، وأخذت الخطوبة شكلا جديدا في ظل المتغيرات التي أحدثها التهجير ووسائل الاتصال الحديثة..فالشباب يتعرف على خطيبته ويراها، فالشبكة تقدم حسب إمكانيات العريس، ويحيي حفلات الزفاف فنانون هواة، وتحديد يوم الزفاف حرص المقدمون على أن تكون ليلة الزفاف ليلة الجمعة أو الأثنين دون اللجوء لعراف القرية،والدعوة للفرح عن طريق طبع الكروت وتوزيعها على أهل القرية، والاحتفال بيوم الحنة مازال موجودا ولكن لم تعد الأواني التقليدية موجودة، ولم تقبل البنات على تخضيب أيديهن وأرجلهن بالحناءكما كان واكتفين بالرسم بالحناء بأشكال حديثة،ولم تعد تجري مراسم منفصلة للعريس والعروس على حدة،ولم تعد هناك ملكية خاصة للعريس بعد التهجير،ولم يعد عقد القران ملزما لحضور أهل القرية، كما تخلى النوبيون عن عادة جلب الماء من النيل لرشه على العريس فيما كان يسمى بماء العقد، كما رصدت الدراسة تغيرا في عادات الكنوز بما يسمى بالشيلة واستبدل بمبلغ بمن المال يقدم للعروس، وألغيت مسابقة الهدف لأسباب أمنية.
وكما يقول الباحث في نهاية هذه الدراسة القيمة: “برغم كل هذه التغيرات يحاول المجتمع النوبي التشبث ببعض العادات الحميدة برغم الظروف مثل استقبال العريس بسلطانية اللبن المحلى باالسكر عند باب البيت وتقديم شاي الصباح وأطباق الشعرية للإفطار ومرافقيه في الزفة رغم تراجع معظم العادات التي كانت تحكم هذا المجمتع بفعل تغير المكان”.

أعداد المجلة