فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

الأدب الشعبي: الماهية والموضوع

العدد 30 - أدب شعبي
الأدب الشعبي:  الماهية والموضوع
كاتب من المغرب

 

الأدب الشعبي:

الأدب الشعبي هو المرآة التي تعكس الصورة الحقيقية لحياة مجتمع من المجتمعات، وهو شكل من أشكال الإبداع الشعبي المتعددة، فهو جزء من كل، هناك الموسيقى الشعبية، والرقص الشعبي، والفن التشكيلي الشعبي...، إلى جانب الأدب الذي هو مجال هذا البحث.

ودراسة الأدب الشعبي يجب أن تبقى متطورة ومستمرة، حتى تواكب التطور الحضاري «التكنولوجي»،

{ فكلما زادت التقنية العلمية تقدما زادت الدراسات التراثية تألفا ووضوحا على عكس الفكرة الشائعة بأن الثانية تطغى على الأولى وتؤخرها.(1)}

والأدب الشعبي كما يعرفه المستشرق الإيطالي «جوفاني كانوفا»: {هو الأدب الشائع في الطبقات التي تسمى عادة بشعب أو عامة، وله ميزات خاصة به في بعض الأحيان ومشابهات مع الأدب (الكلاسيكي)، ويستعمل اللهجة المحلية أو لغة شبه فصيحة، سهلة فيها تعابير كثيرة باللغة العامية(2)}. فهو ابن البيئة التي ينشأ فيها، وهو حصيلة ما يكسبه الأفراد من تلك البيئة ومن الجماعات التي يتعايشون معها، وهو الإشعاع الحساس الذي يصور حياة المجتمع، وينفذ إلى أعماقه.

أ-المصطلح والدلالة:

يعد الأدب الشعبي موضوعا من الموضوعات التي تنتمي إلى التراث الشعبي باعتباره من أبرز موضوعاته، وأكثرها عراقة، وأوفرها حظا من البحوث والدراسات، ولكي نصل إلى توضيح أبعاد مفهوم الأدب الشعبي ونفض الغبار عن تجلياته.

فالأدب الشعبي غني بالرموز التي تكشف عن تجارب الإنسان مع نفسه ومع الكون من حوله، ولا عجب بعد ذلك إذا قلنا: إن العالم كله يتحدث من خلال هذه الرموز، فحين تعوز النقاد القدرة على تفسير نص من النصوص الأدبية يربطونه بالمعطى الأسطوري وبالمعطى الشعبي الذي يعد المخرج الوحيد لتفسير ما يغمض، ولعل أساس الرمز في الأدب هو العودة إلى المعطيات الشعبية والإحالة إليها. (3)

فإضافة كلمة أدب إلى مصطلح شعبي تعني:( الدخول بالشعبيات المتوارثة إلى مرحلة الشكل الفني والمضمون الدرامي لهذا الموروث الشعبي المتوارث)(4) والحصيلة أن الأدب الشعبي ينتمي جذريا لتراث المجتمع. بل يحمل تراث أمة بأكملها، ينمو بنموها ويتطور بتطورها، فالأدب الشعبي:

( تراث ثقافي وتاريخي وفكري فهو الذي ينتقل بفكرة الأمة وعاداتها وتقاليدها وحكاياتها وقصصها وأنسابها ومعتقداتها من جيل إلى جيل.(5) )

ويعتمد الأدب الشعبي ( الرواية والحفظ ) (6) في انتقاله من جيل إلى آخر، معتمدا على خاصية مهمة وهي (مجهولية المؤلف ) (7)، التي تقتضي  أن يكون  المبدع حاملا لهموم الشعب، وهكذا تكون (عملية تناقل النص الشعبي عملية إبداعية )(8) فيكون النص الإبداعي في حركة مستمرة من التجديد.

 كما يتمتع الأدب الشعبي بخاصية أخرى وهي اعتباره (الكلمة  المعبرة عن وجدان الشعب بصورها المختلفة) (9) فهو لا يعبر عن وجدان فردي أو عن تجربة فردية، ولكن عن تجربة الجماعة وأيضا عن ( فكرة الجماعة، فيصبح بذلك ضميرها المتحرك... ووجدانها المعبر عن تجربتها الحياتية وموروثاتها وآمالها وآلامها)(10).  

وأهم ما يلاحظ أن للأدب الشعبي تسميات متعددة، فأحيانا يسمى ( لأدب الشعبي أو الأدب الشفاهي (Oral littérature) أو الفن اللفظي (Verbal Art)، أو الأدب التعبيري     Expressive littérature)11) وهناك من يعطيه تعريفا كاملا بأنه هو( الأدب المجهول المؤلف، العامي اللغة المروي شفاهيا، المعبر عن ذاتية الطبقات الشعبية الدنيا، المتوارث عبر الأجيال) (12) أو هو (المأثورات الشعبية جلها (الفولكلور)، أو بعضها مما يعتمد على اللغة أساسا، كالقصص، والشعر والأمثال والألغاز، وما يليها) (13) وهو بهذا التعريف يكون في مقابل الأدب الرسمي فهو المعلوم المؤلف، الفصيح اللغة، المدون، المعبر عن ذاتية الفرد قبل الجماعة، الرائج عن طريق الكتابة والطباعة والنشر، ورغم هذه الفوارق السطحية يبقى الأدب الشعبي هو الأدب الذي يعبر عن وجدان الجماعات الشعبية ويتحسس هواجسها وهمومها وطموحاتها، ويدعم تماسكها، كما يحاول التعبير عن محطة تجارب المجتمع، وبهذا نكون قد أخرجنا كلمة «أدب» من مدلولها اللغوي الذي يعني «التأدب» إلى مدلولها الاصطلاحي الحديث الذي يقصد به «فن يهدف إلى الإمتاع والتثقيف» (14) أي ذلك الأدب الذي يستمد موضوعاته من الحياة فيطلعنا على تجارب الآخرين ويضيف إلى خبراتنا خبرات جديدة، نستغلها ونستفيد منها في حياتنا اليومية.

أما المقصود بالشعب فقد}قصر بعضهم هذا المفهوم على الفلاحين وأهل الذين احتفظوا بالعادات وآداب اللياقة القديمة والذين تسيطر عليهم العاطفة فكرا وسلوكا.{ (15)

والبعض الآخر قسم المجتمع إلى }(شعب) يتداول أفراده فيما بينهم للأغاني والقصص والأمثال وغيرها. مما يتذكرون من الماضي السحيق، ثم إلى (خاصة) أي المثقفون ثقافة مستمدة من الكتب{(16) وهنا نجد مفهوم الشعب يرتكز أساسا على اساس جغرافي أو تاريخي أو فكري، والمغرب بلد غني بفنونه وثقافته الموروثة عن أسلافه ويؤكد هذا (يعقوب جرم) بقوله :}هو الأدب الصادق الذي يخرج من الروح الشاعرة في صورة كلمات، فهو ينبع من دافع طبيعي، ومن  المشاعر الفطرية التي تعيش داخل الإنسان.{ (17)

ب-موضوعات الأدب الشعبي:

لقد تباينت الاتجاهات واختلفت في تحديد موضوعات الأدب الشعبي الفرعية التي تندرج تحته، ويمكن أن نستوضح ذلك من خلال عرض ثلاث تصنيفات رئيسية لموضوعات الأدب الفرعية عند كل من رشدي صالح ونبيلة إبراهيم، وريتشارد دورسون.

يذكر رشدي صالح أن من بين الأنواع الأدبية 

الشعبية الأنواع التالية:

•    الممثل

•    اللغز

•    النداء

•    النادرة

•    الحكاية  

•    التمثيلية التقليدية

•    الأغنية

•    الموال. (18)

أما نبيلة إبراهيم فقد قدمت تصنيفا لأبرز الأنواع الأدبية الشعبية كما يلي:

•    الحكاية الشعبية.

•    الحكاية الخرافية.

•    الاسطورة.

•    الأسطورة الكونية

•    أسطورة الأخبار والأشرار.

•    المثل

•    اللغز

•    النكتة. (19)

ونأتي في النهاية إلى تقسيم ريتشارد دورسون، يحدد فيه الأنواع الآتية:

•    الحكايات الشعبية.

•    الأغاني الشعبية.

•    أهازيج الطقوس الدينية.

•    الألغاز.

•    الأهازيج.

•    الأسطورة.

•    الأمثال.

•    النكثة. (20)

إن الأهم في عرض هذه التصنيفات هو محاولة الكشف عن أهم الموضوعات الفرعية للأدب الشعبي، لكن الملاحظ أن تراثنا الشعبي المغربي فقير في بعض الأنواع من الأدب الشعبي التي تم ذكرها في هذه التصنيفات، ويمكن أن تقترح أهم الأنواع الأدبية الشعبية المعروفة داخل المغرب هي كالآتي:

•    السيرة الشعبية.

•    الحكاية الخرافية.

•    الأسطورة.

•    النكتة.

•    الألغاز

•    الأمثال.

•    الأهازيج.

•    الأغاني الشعبية.

•    الأمداح النبوية.

إن هذا هو رأي مستخلص من الواقع المغربي، فبإلقاء نظرة فاحصة على محتوى الأدب الشعبي، نجد أن الحكاية، وخاصة الحكاية الخرافية كانت وما تزال من أبرز الفنون القولية تعبيرا عن أحوال المجتمع المغربي.

فهي تجسد حقائق وأحداث تدعو للاعتبار بها. إذ تعد الحكاية الخرافية هي صلب الأدب الشعبي الذي  }يحمل تراكمات وخبرات الشعوب على مر التاريخ منذ المرحلة البدائية في حياة الإنسان، وعبر مراحل تطوره وارتقائه الحضاري في كل أدوار الحضارة الإنسانية حتى اللآن. { (21)

ولعل أروع مجموعة عرفها العالم من الحكايات الخرافية منذ العصور الوسطى هي المجموعة العربية المعروفة باسم « ألف ليلة وليلة» وأدخلت ضمن الأعمال الشعبية، وهذا أثر بشكل كبير في الدراسات الشعبية، ومن هنا امتزجت بآدابها الشعبية وأثرث فيها، وإن ظلت لكل شعب من الشعوب أصالته الخاصة في رواية حكاياته وإبداعاته، } إذ تحمل سماته القومية من ناحية، كما تحمل حدود رؤياه الثقافية و الحضارية لحظة إبداع هذه الحكايات الخرافية من ناحية أخرى.{ (22)

وعموما، فإن دراسة الأدب الشعبي هي بمثابة تسليط الضوء على التاريخ الثقافي للمجتمع المغربي وهي }المدخل الأساسي لفحم الثقافة الحالية والبناء الاجتماعي القائم.{ (23)

نظرا لما يضمه  من } قيم نبيلة ورموز عميقة الدلالة تتجسد عبر مكونات وأدوات جمالية ومعالم أسلوبية غاية في الروعة والإتقان، { (24)والمجتمع المعاصر هو في حاجة ماسة لها وإن كانت بصبغة جيدة.

 

الهوامش

 

1.    حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفولكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي 421/756، سنة 1989 ، ص 18، بتصرف

2.     مجلة التراث الشعبي العراقية العدد6 سنة 1980، ص 182.

3.     حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفلكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي 756/421، سنة 1989، ص 18،بتصرف 

4.    فاروق خورشيد أدب السيرة الشعبية، الشركة المصرية العالمية للنشر، لو نجمان، ط الأولى 1994، ص: 20.

5.    حلمي بدير، أثر الأدب الشعبي في الأدب الحديث، دار المعارف/ط الأولى 1986، ص، 26.

6.     نفسه، ص 19

7.    حلمي بدير، أثر الأدب الشعبي في الأدب الحديث، مرجع سابق ، ص16

8.     فاروق خورشيد أدب السيرة الشعبية، مرجع سابق، ص 23

9.    حلمي بدير، أثر الأدب الشعبي في الأدب الحديث، مرجع سابق، ص 13.

10.    نفسه ، ص17

11.    محمد الجوهري، علم الفولكلور، الأسس النظرية والمنهجية، الجزء الأول /دار المعارف/ ط4 سنة 1941 ص: 540.

12.     مصطفى يعلى، القصص الشعبي بالمغرب دراسة مورفولوجية، شركة النشر والتوزيع المدارس، ط1، 2001/ 1421، ص 18.

13.     نفسه، ص 18.

14.     أنطونيوس بطرس، الأدب تعريفه، أنواعه، مذاهبه، المؤسسة الحديثة لبنان، 2005، ص 12.

15.    مصطفى يعلى، القصص الشعبي بالمغرب دراسة مورفولوجية، مرجع سابق، ص15.

16.     نفسه، ص 15

17.    عصام الدين أبو العلا، مسرح نجيب سرور، مرجع سابق، ص 13.

18.    محمد الجوهري، علم الفولكلور، الأسس النظرية والمنهجية، مرجع سابق، ص 116.

19.    نفسه، ص 117.

20.    محمد الجوهري، علم الفولكلور، الأسس النظرية والمنهجية، مرجع سابق ، ص 118.

21.    فاروق خورشيد، أدب السيرة الشعبية، مرجع سابق، ص 45

22.    فاروق خورشيد، أدب السيرة الشعبية، مرجع سابق، ص 44ـ 45

23.    عبدالله بن عتو، الثقافة والأدب الشعبيان، مجلة فصلية إبداعية نقدية، صيف 2009 ص 12

24.    عبدالله بن عتو، الثقافة والأدب الشعبيان، مجلة فصلية إبداعية نقدية ، ص 12

مصادر الصور

1.    http://islamic-arts.org/2012/prisse-a-portrait/

 

أعداد المجلة