فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

دلالات الرقصات والأغاني البدوية في بلاد الشام

العدد 34 - موسيقى وأداء حركي
دلالات الرقصات والأغاني البدوية  في بلاد الشام
كاتب من سوريا

إن كتابة التراث أمر في غاية التعقيد، لأن تراث أيَّ أمة من الأمم، إنما هو تعبير حي وتجسيد لمشوارها الطويل عبر الزمن، فهو يكشف معالم الأمة ويفسر انعطافاتها الحادة من انتصارات أو هزائم، وهو تعبير عن وضع الفئة أو الفئات، التي يتحدث عنها، وقد حفظت لنا الذاكرة الشعبية العديد من الحكايات والعادات والتقاليد والأغاني والرقصات، وتناقلتها بتحريفات بسيطة لا تمس الجوهر.



إذا أردنا البحث في تراث بدو بلاد الشام، لا بد لنا من دراسة للحضارات التي قامت في المنطقة العربية وتراثها، بداية بالسومريين والكلدانيين والبابليين والكنعانيين والأراميين وكذلك قدماء المصريين، لأن المنطقة العربية تمتلك تراثاً عربياً متداخلاً. فقد اكتشفت أن العديد من الكلمات العربية ذات أصول بابلية أو أرامية، مازلنا نستخدمها في اللفظ والمعنى، فماذا يعني ذلك؟!

لقد كانت منطقتنا مسرحاً للأساطير والحكايات، التي كان بعضها محليا والآخر أتانا عن طريق الهند وبلاد فارس، بسبب العلاقات المستمرة بين شعوب العالم القديم.
إن مثل هذه المقدمة ضرورية، لأن العديد من أغاني ورقصات البدو تكاد تكون مشتركة، والقبيلة الواحدة لها فروع في بلاد الشام وما جاورها من بلاد. أما المرأة البدوية فلها وضع تحسد عليه، لأن الطبيعة منحتها حرية لا حدود لها، فهي ترعى الإبل أو الأغنام، وهي في البيت تستقبل الضيوف حتى لو كانت وحدها، تهلي وترحب. وتستشار بشريك حياتها، فلا ترغم على الزواج من شخص لا تريده. لكن استقرار حياة البدو جعلهم يتخلون عن قسم من عاداتهم لصالح سلطة الرجل القمعية، فغدت الفتاة سلعة، مما أدى إلى تمردها على الواقع، والهرب مع حبيبها، فيما يسمى الخطيفة. هذه التصرفات التي لا تتفق مع منطق العشيرة، أدت إلى هدر دمها ودم الخاطف.

اعتمدت في دراستي هذه على مخزون أحفظه من التراث الشعبي، وعلى عملية مسح ولقاءات قمت بها مع كبار السن، إضافة لاطلاعي على العديد من المؤلفات التي تتحدث عن التراث الشعبي، والتقيت ببعض من لهم قدرة على أداء بعض الأغاني والرقصات كما كانت تؤدى، ولهذا فإنني أنقل تراثاً غنياً متطابقاً إلى حد ما مع تراث الأجداد.

دلالات الرقصات والأغاني البدوية:
إن الرقصات والأغاني البدوية في بلاد الشام؛ هي جزء من الرقصات والأغاني البدوية بشكل عام، لأنها حصيلة تفاعل البدوي مع حياته القاسية، ومع ترجيح عودة بعض الأغاني والرقصات إلى مئات وربما إلى آلاف السنين كما في أغاني الجفرة وزريف الطول التي غنتها نساء قبائل بني هلال. السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل نساء بني هلال ابتكرن هذين النوعين أم أن هذه الأغاني وغيرها كانت سائدة لدى البدو؟!

الإجابة عن هذا السؤال ستكون من قبيل الترجيح والاجتـــهـــاد، لــذلــك يصـــعب عــلــى أيَّ بــاحـث أو دارس للفلوكلور أن يحدد بالضبط تاريخ الرقصة أو الأغنية، والصحيح أن تراثنا يضرب جذوره العميقة لمئات وآلاف السنين، وإن مثال أغنية دلعونا التي ربما تعود جذورها إلى أيام الكنعانيين والمرتبطة بقصص حبٍّ ترعرعت(1) يدل على أصالة تراثنا، لذا فإن أيَّ فصل للتراث عن جذوره ومحيطه ستعطينا عملاً مشوهاً.

إن دراستي للأغنية البدوية والرقصات المصاحبة للفـــرح، تـــأثـــرت بــالمنـــاخ وبــالـجــو الســـياســـي والـــديــني والاجتماعي والاقتصادي، الذي أثر سلباً أو إيجاباً علــى التــراث. إن الأعــراس والألـــوان الأخـــرى المتـصـــلة بالفرح مثل الطهور وأغانـــيه وأغـــانـــي النـــذور وعــودة الغائب وأغاني الحرب والنصر، أو ما يقال في الحزن كالمعيد، وعادات الدفن وغيرها، كلها تأثرت في الوضع الاجتماعي والسياسي المتغير منذ مئات وآلاف السنين.

كانت العادات والتقاليد البدوية في الشرق العربي مشــتــركة في الأفراح والأتراح، وفي بعض العادات مثل عقـــــد الراية بعد إجراء الصلح بين طرفين متخاصمين، أو بـــين قبيلتــــين متخاصمتـــين يتــــم خـــلالــها إحلال السلام والأمن بعد النزاعات والحروب، وثمة عادات مشتركة بين البدو أينما حلوا في بلاد الشام أو العراق أو الجزيرة العربية، حتى إن اللباس كان متقارباً، إذ كانت منطقة تنقل البدو تشمل اليمن جنوباً إلى شمال حلب وشرقاً إلى بادية الشام والعراق. هذه المنطقة لم تكن تعرف الهوية الاقليمية. إلا أن التطورات التي حدثت بعد الحرب العالمية الأولى ونتائجها هي التي أعطت الكيانات الاقليمية واقعاً سياسياً، جعلت القبائل أكثر استقراراً من قبل، مما أدى ومع مرور الزمن ونتيجة ظروف كلّ دولة من الدول إلى تباينات في الأفراح والأتراح. وقد حفظ لنا الآبـاء والأجداد عشرات الحكايات التي تدلل على أن للبدو أينما حلوا في مشرق الوطن العربي العادات والتقاليد نفسها، وإن بدو الجزيرة العربية «السعودية» استمروا في الترحال والتنقل، في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، وكانوا يضربون خيامهم في حوران والجولان السوري وفي بادية الشام. ولعل حبَّ السعوديات للرقص يتضح، إذا عرفنا أنهن يدفعن النقود لضاربة الدربكة أو قارعة الدف، يرقصن بنشوة ويفردن شعورهن في رقصة شبيهة برقصة اللفحة. أما بالنسبة لبدو الشام فتجمعهم حتى هذه اللحظة، الأغاني والرقصات المشتركة، وما زالت الصلات قائمة بينهم لارتباطهم بصلات قربى النسب والدم. أما عن بدو العراق، فإن المصائب التي مرت على بغداد بسبب هجوم المغول والتتار، والحزن الذي عمَّ البلاد نتيجة مقتل الحسين، والتقاليد المرافقة لعشوراء، اسهمت بجعل فن بدو العراق حزيناً، ومطبوعاً بطابع درامي تراجيدي حتى يومنا هذا. لكن المتتبع للتراث يلاحظ خيطاً مشتركاً ما يزال يربط الرقصات والأغاني، فرقصة اللفحة التي يؤديها بدو العراق يؤديها بدو الشام(2).

امتاز الفن البدوي بالغناء الممدود؛ المتناسب والمترافق مع ترحال البدوي وانتقاله، وبهذا يكون هذا النوع أقدم الأنواع التي عرفها البدوي وهو ما اصطلح على تسميته بالهجيني(3)، أما عندما استقر وصار أقل ترحالا،ً فغنى الموال والعتابا البدوية، ويمكن القول إن الهجيني والموال والعتابا البدوية تعايشوا مع بعض، فأصبح البدوي يغني الهجيني وينشده في الترحال والتنقل، ويقول العتابا في السهرات وعندما استقر. لأن العتابا هي تعبير عن التوجع والعتاب وعن بعض حالات الحبِّ، وعن صعوبة العيش في منطقة مجذبة.

بقيـــــــة الأغـــانــــي الأخـــرى متعلـــقة بـــالــكـــف عـــن الترحال، ومنها أغاني الدبكة، التي تدلُّ على حالة أكثر استقـــراراً، إذ لم يعد البدوي يتنقــل، فـــابتدع أو استلـــهم بعـــض الأغـــانـــي لترافــــق حيــاة الاستقرار والانتقال إلى الملكية الرعوية وبعدها الزراعية. إذا بحثنا في استقرار البدو، فإن البحث يطول، فمنذ بدء التاريخ، تؤكد المصادر التاريخية على ترحال البدو واستقرارهم، ويمكن العودة في هذا الصدد لبحث المؤرخ العربي المعروف ابن خلدون حول «في أن البدو أقدم من الحضر وسابق عليه، وأن البادية أصل العمران، والأمصار مدد لها».

أما بالنسبة للرقصات ففي رأيي أن رقصة اللفحة هي أقدم الرقصات دليل وجودها في أكثر من قطر عربي، بل هي ممتدة من الخليج العربي والجزيرة العربية جنوباً وحتى حلب شمالاً والعراق شرقاً، تؤدى بأشكال مختلفة ولكن الجوهر والمعين واحد، وهي رقصة ذوات الجدائل والشعر المفرود والطويل، يتمايلن ويلفحن بشعرهن.  

أما رقصة الحاشي ففي بلاد الشام وربما في أقطار عربية أخرى، أخذت أشكالاً مختلفة، وهي قديمة لارتباط رقصتها بالسيف ولأن الحاشي كانت مهنة بلا أجر، بدليل وجود أكثر من حاشي معروفات حتى قبل فترة قصيرة، مخصصات للرقص أمام الرجل، وكما عرفت فإن أيَّ فتاة في عرس أخيها حاشي، وأيُّ فتاة في القبيلة لها الشرف أن تكون «حاشي»، وهذا ما يؤكد أنَّ رقصة الحاشي تضرب جذورها في التاريخ وقد تكون سابقة لظهور الإسلام.

الحاشي فتاة ذات خصر نحيل وقوام ممشوق، تضع الخلاخيل في أرجلها والأساور في يديها، وهي عنـــوان الجــمـــال والحـــبِّ، فـــلا يقـــبل الساحــجـــون أيَّ حاشي بدليل:
يا حويشينا ليه حاشي          حـــاكيــنا الكــلام نــواشي
يــــا ويلـــي وكــــــــبر هــــــمي          والحاشي أكبر من أمي
رقصة الحناء، والرقص أمام موكب العريس وقت الزفة، لها أصول دينية ووثنية لارتباطها بطقوس معينة، ولأنَ الحناء مقدسة منذ بواكير الحضارات الإنسانية، أما الزفة وما يرافقها من رش الملح لكونه مقدساً ويعتبر طعاماً للآلهة، وكــذلك السكــاكــر فــقد تكــون متمــاثـــلة مع نوع من الاحتفــــــالات الــــدينـــية القديمة.
ترقيص الحيوانات هو لون قديم عرفته العصور الوسطى والقديمة. الطقطوقة أو السيرك المصغر ماهي إلا عبارة عن احتفال ديني قديم، يتم في نهايته تقديم الأضاحي للآلهة في الأعراس. أما الخيل فهي رمز عزة البدوي، يستخدمها في التنقل وفي سباق الخيل المرتبط بمعارك العرب وحبهم للفروسية منذ أقدم العصور.
هذه أمور اجتهدت فيها، بعد قراءة مراجع عن الأساطير والحكايات الشعبية، اكتشفت أن ما نقوم به من أعمال، إنما هي طقوس دينية قديمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
- تقديس الأحجار والشواهد التي مازالت توضع على القبور، ووضع بعض الخرزات والإشارات التي لها أساس طوطمي.
- الإحراق بالنار والرجم بالحجارة وإشهار دم العروس.
- العدُّ يقلل من البركة، أذكر عندما كنا صغاراً يقال لنا عندما نعد شيئاً « عد جمال أبوك « كما أن عد النجوم غير مرغوب وله نتائج سيئة.
- أماكن التزين بالحلي للنساء والأطفال، لاعتقادهم فيما يكمن فيها من قوى سحرية تجلب البخت وتطرد النحس.
- اعتبار القبور والأماكن المهجورة مواطن للشر والجن.
- الطهور هو نوع من تقديم الفداء، وقد مورس منذ أقدم العصور لاعتباره الحماية الحقيقية للطفل من قوى الشر والعالم السفلي.

1. الدبكة :
رقصة الدبكة تجسيد للدائرة الكونية، تجسيد للحياة، التي كان يقوم بها البدوي، كعادة التنقل التي نلمسها في ضربات الأرجل، وما الدبكة إلا مشي دائم على شكل دائرة، وإن وضع الأيدي وتشابكها تدلل على المصير المشترك ونلمسها في الالتحام القوي، فلا مجال لإظهار الروح أو المهارة الفردية، فتذوب الفوارق لصالح الجماعة، كما نلمس الحياة المشتركة في دبكة حبل مودع، حيث يمسك كل واحد بيد واحدة، وهذا دليل على الحياة الواحدة والأفراح الواحدة المشتركة، والتي يجب أن يشارك بها الجميع من الجنسين.
الدبكة تعبير عن المشي المتزن لأخذ الغنائم، وما إبقاء الدائرة مفتوحة إلا خوفاً من المفاجآت والبقاء في يقظة تامة، حتى لا يتحول الاحتفال إلى كارثة. وما حركة قائد الدبكة «اللويح أو الرواس» والإيعازات التي يصدرها، إلا ليحافظ على الوحدة في الدبكة، للبقاء يداً واحدة، لأنه يعتبر ذاته القائد المنتصر، وعلى الجميع تمثل أوامره، وإلا فبماذا نفسر هذه الظاهرة في العديد من الدبكات وهي: اللويح الذي يقف على رأس الدبكة، يليه الشيوخ والشباب ثم الصبية وأخيراً الأطفال؟
ما دام الحديث عن الأوامر التي يصدرها اللويح، الـــذي يفــــترض أن يكـــون أفضــل شـــباب العشـــيرة في الرقص وأشجعهم في المعارك، يترك الدبكة ليرقص وسطها ويتمايل، وفي يده سيف أو خنجر أو عصا أو منديل، ليبرهن لهم عن قدرته ولا يكتفي بذلك، بل يعطي الأوامر التي تنفذ بدقة مثل:
شيلت: للإسراع في الدبكة أو للقمز والقفز.
إفرد: افتح الدبكة أكثر.
نهجت: شارفت الدبكة على الانتهاء.
وحدة: ضربة أو خبطة واحدة بالقدم اليمنى.
ثلاثة: ثلاث خبطات بالقدم اليمنى.
أفرعت: كادت الدبكة أن تنتهي، فدخلها الفتيان والفتيات، مما أدى إلى حماسة الدبيكة وتجديدها. أحياناً يترافق مع هذا الإيعاز سرعة في الدوران والقفز، وبعض الكلمات الدالة على الحماسة.
آلات الطرب في الدبكة:
آلات العزف المستخدمة في الدبكة وغيرها هي:
الربابة:
هي آلة موسيقية، عبارة عن قطعة خشب مشدود عليها وتر واحد، وبيد العازف قوس يتصل من طرفيه بوتر آخر، وعند العزف يمرر العازف يده وهو ممسك بالقوس فوق الوتر، فيخرج صوتاً ناعماً. كانت تستخدم الربابة في جلسات البدو وسهراتهم، لإنشاد القصيد أو الغناء أو لقول الموال، وقلما استخدمت الربابة في الدبكة لوجود آلات عزف أخرى تفي بالغرض وهي:
الشبابة:
عبارة عن أنبوبة من القصب أو المعدن مثقوبة خمسة ثقوب متباعدة قليلاً، وهي آلة موسيقية يستخدمها الرعاة أثناء الرعي. يتم العزف فيها بواسطة النفخ وتحريك الأصابع على الفتحات. استخدمت في الدبكة على نطاق واسع. يتفنن النافخون في استخدامها، فبعضهم يضعها وسط شفتيه، أو على طرفهما، أو فوق أحد أسنانه الأمامية العليا، وما زالت مستخدمة حتى أيامنا.
المزمار أو المجوز:
آلة موسيقية يتم العزف فيها بواسطة النفخ أيضاً، وهي عبارة عن أنبوبتين من القصب أو عظم النسر مثقوبة كلّ واحدة خمسة ثقوب، ملتصقتان ببعضهما بشمع العسل، وفي كلِّ أنبوبة زمارة صغيرة مصنوعة من القصب، يمكننا أن ندخلها في المزمار أو نخرجها منه، ولا يتم العزف إلا والمزمارتان داخل القصبتين، بينما تظلُّ القصبة الصغيرة مربوطة بالمزمار بواسطة خيط.
الأرغول أو اليرغول:
آلة موسيقية مستخدمة في الدبكة، شبيهة بالمزمار، لكن للآرغول قصبة إضافية أمام إحدى القصبتين، ليعطي صوتا أفضل من صوت المزمار، ومن أهم العازفين على الأرغول «طحيمر» الذي قطن في مخيم خان الشيح، أقام مئات الأعراس قبل أن يتوفى.
قبل الانتقال إلى الأغاني وتحليلها أورد بعض الملاحظات الهامة عن الرقصات:
السحجة:
هي أن يقف الساحجون صفاً واحداً، وأحياناً قليلة صفين متقابلين، وعلى الحاشي التي سترقص في السحجة وتراقص شاباً لا تدعة يمسكها أو يعلِّم عليها. أما الصوت المترافق مع السحجة هو (دحية أو آحية أو دحة) لذلك لا وجود في الأصل لنوعين منفصلين من الرقص، كما يشاء بعض الباحثين أن يسمونه، فالرقصة هي رقصة السحجة أو الحاشي، والصوت الذي يخرج من أفواه الرجال يعطي الرقصة مجازاً اسم دحية.
دبكة حبل مودع:
إن هذه الدبكة ليست نوعاً منفصلاً من الدبكات، إن أيَّ دبكة إذا دبك فيها شاب وإلى جانبه فتاة، نسميها دبكة حبل مودع، أو نسميها باسمها ونضيف إليها صفة حبل مودع. كما أن الدبكة الفرعاوية ليست نوعاً منفصلاً من الدبكات، لأن أي دبكة بغض النظر عن تسميتها الأصلية إذا دبكتها النساء دون لاعب شبابة أو مجوز، ودون أي رجل نسميها دبكة فرعاوية، أو نسميها باسم الدبكة الأصلي، ونضيف إليه صفة فرعاوية.
دبكة على دلعونا:
دبكــة دلعونـــا ذات أصـــول عريــقــة، تـــؤدى في بـــــلاد الشـــام، انتشرت هي ورقصة السماح بشكل واسع في دمشـق. لكـــون البيت الدمشــقي، يسمح بإقامة الأفراح في فسحته السماوية أو في غرفه الواسعة التي تتسع لعدد كبير من المدعوين.
ثمة تسميات عديدة للدبكة الواحدة، ففي كل منطقة تسمى باسم محلي قد يغاير التسمية في منطقة أخرى، بالرغم من الجذور المشتركة.
حمام العروس:
يأتي هذا الحمام بعد ليلة الحناء، حيث تجتمع نسوة من أقارب العروس من ثلاث إلى خمس فتيات أو أكثر حسب الزمان الذي يتم فيه العرس. وللحمام أكثر من وظيفة في مقدمتها نقد العروس والفتيات المرافقات لها، والحمام قديماً كان عند عين ماء محروسة من الشبان، أو في مكان مغطى، يتم فيه غســـل العـــروس وتفـــريكـــها وتجمـيلـهــا بــــالعــطــور الــــتي كـــــانــت مستخدمة في ذلك الوقت وتمشيطها.

2. دلالات أغاني الدبكة:
الأغنية ترافق النغم الجميل الذي ينفخه الشاعر في آلته الموسيقية، من خلال تجربته يعرف الألحان الخاصة بأغاني الدبكة، فكل مرة تأتي ألحانه مترافقة مع الأغاني، إنه ملحن للأغاني، فمرة تأتي ألحانه متوافقة مع أغاني زاري فطول ومرة مع جفرة أو دلعونا أو ...، وعندما يشعر النافخ الذي يسمى «الشاعر» بحسه المرهف أن المغني يريد لحناً آخر، يغير اللحن فمرة الهجيني ومرة ياغزيل أو عالعميم أو أيَّ لحن غنائي آخر. وهنا أقول إن الهجيني المرافق لتنقل البدوي، غدا مرافقاً له في استقراره وصار يلحن ويغنى في الدبكة، مثله كباقي الأغاني الأخرى، إذ استبدل غناءه الممدود بلحن سريع ليجاري الألحان الأخرى، وتسميته لدى البدو (الهجيني القطع).

لماذا لم يتخلَ البدوي عن الهجيني بعد استقراره؟!
لم يتخلَ البدوي عن الهجيني، لأنه لم يتخلَ عن أصله وعن عاداته وتقالــيده؛ علـــى الـــرغم مــن اختــــلاف البيـــئة، بــعــد أن صـــار نصـــف مستــقـــر. وهــــــــو فـي حنين مستمر للترحال والحياة السابقة التي لم يمارسها، بل سمعها من جده أو والده وسمع أغانيها، فصار عليه أن يوفـــــق بين حياته الحالية وبين حياة أجداده، مما أدى إلى إدخال الهجيني القديم ذي اللحـــن الممـــدود فــي الأفراح حتى أيامنا، بتحويل اللحن من ممدود إلى لحن سريع. معنى هذا أن البــــدوي لا يـــنســـى مـــاضـــيه، ذاكـــرتــــه ريط يحفظ علـــيه أدق التـفاصيل التي حصلت مع أجداده منذ مئات السنين، ويبقى في حنين إليها، وهذا بدوره يساعدنا على فهم التاريخ، وتفسير بعض الحوادث التــــاريخـــية، أو التنـــبؤ بــمـــا قـــد يحــــدث، لأن دراسة التراث تحدد معالم الجماعة.

لمن يغني البدوي؟!
يغني للمرأة ذات الحسب والنسب والتي تتمتع بالجمال، يغني لظريفة الطول التي هي البدوية الممشوقة، طولها متناسب مع جسدها، مع ميلها إلى النحافة، نظراً للظروف الطبيعية التي تعيشها والأعمال الكثيرة التي تقوم بها، بداية من رعي الأغنام وحلبها، وإحضار الماء وطهو الطعام، والمحافظة على النظافة، وغسل الملابس. باختصار كانت البدوية عاملة ماهرة، تعمل طوال يومها خارج بيتها وداخله، وهذا بدوره لا يساعدها على السمنة، ولهذا عندما يغني للطويلة والنحيلة، إنما يغني لحبيبته البدوية، وعندما يطلب منها أن ترقص يصفها بالضامر والطرقة وهي صفات تتناسب مع صاحبة الخصر النحيل.

في الأفراح كلُّ النساء يغنين ويرقصن، لا حجاب بين المرأة والرجل، وفي حياتها العادية لا يوجد مثل هذا الحاجز، والرجال في الفرح يظهرون كلَّ ما لديهم من حبٍّ ووداعة، يغنون ويسحجون والدماء تنز من أيديهم، لكثرة ضرب الأيدي ببعضها بعضاً وهم يسحجون ويضحكون.

يغني البدوي (جفرا وهي يا رَّبع) فمن جفرا ومن الربع؟! جفرا هي الفتاة الجميلة التي تشبه الغزال الصغير بحسنها ورقتها وخفة دمها وظلها وحركاتها، والربع هم العشيرة؛ التي لا غنى لأي فرد عنها، لأنها تحميه وتمنحه القوة والأمان والحبَّ، إنها الوطن الواجب حمايته والدفاع عنه. البدوي يغني للجمال المعدوم من الصحراء، ليجده في حبيبته، في أقرب الناس إليه. في ظريف الطول والجفرا في البدوية التي تشبه الضباء في حسنها ورقتها وأخلاقها.

أما أغاني دلعونا ففيها لمسة من الحنين والشوق إلى الأهل والأحبة والأقارب. من يدلع الفتاة، ومن يتذكرها إذا تزوجت؟ الأهل والجيران، أما دلع الأحبة فهذا مثل حبهم لا يبلى ولا يموت، لقد كان البدو يحبون؛ كما يحبُّ الطفل أهله، وكما قال أحدهم، عن حبهم كيف كان وكيف صار: «كان الهوى بالعظم، وصار الهوى بالهبر».
البدوي يحنُّ إلى ماضيه، ولا ينسى حياة أجداده، ولم تخطئ البدوية حسب التقاليد التي توارثتها، في حنينها إلى حياة التنقل والترحال والأهل عندما قالت:
لبيت تخفق الأرواح فيه
 أحبُّ إلي من قصر منيف
وكلب ينبح الطراق دوني
أحــبُّ إلــيَّ مــن قــط ألــيف   
فالبدوي كان يعتبر حياة الحضر والمدنية سجناً كبيراً، أبوابه مغلقة، لاختلاف العادات والتقاليد وأسلـــوب الحـــياة ونمــطها المختـــلف. والبـــدوي شـــديــــد الاعتزاز بأصله، على عكس أيامنا هذه، لأنه يعرف أن كلمة بدوي صارت مرادفة للتخلف.
عودة إلى الأغنية البدوية التي هي أغنية شعبية، لأنها تعبير حيٌّ عن شريحة من المجتمع، تميزت بإحساسها المرهف، فالبدوي أعطى كلَّ حبه للمرأة، لأنها ملهمته، ومصدر سعادته أو شقائه، فإذا عشق سجل المقربون منه قصة حبِّه، وإذا غضب لا حدود لغضبه، وإذا انتفض لا يهدأ، وإذا نام وسكن طال نومه وسكونه، وإذا حزن صار قلبه القاسي الشبيه بالصخر كالدهن، لا يعرف إلا النصر أو الموت، ولهذا هو دائم اليقظة، سلاحه على جنبه (الشبرية) وهي سلاح يشبه الخنجر. حبه للمرأة جنوني، حبٌّ يهبه الجمال المفقود من الصحراء، وإنجاب أبنائه، مما يجعله ينظر إليها بنظرة الاحترام، إلى درجة جعلها شبيهة بإلهة الخصب والجمال وصورة عن عشتارت. والجدير ذكره أن نظرة القبائل بشكل عام لها إيجابية، فهي تشارك الرجل في كلِّ شيء، حتى في القتال، تكون مع الرجل في الخط الثاني، تحمسه وتمونه وتسعف جراحه، وتقاتل معه إذا استدعى الأمر. شاهدت ذلك أثناء قتال عشيرتين بالحجارة، رأيتها كيف تفتح مقدمة ثوبها وتملأه بالحجارة، وتزغرد عندما دحرت قبيلتها القبيلة المعادية، فارتفعت الحماسة في رؤوس الرجال، وبدأت المطاردة بالرغم من كثرة الجرحى التي لم يهتم أيُّ فريق بها، ولم تنته هذه المشاجرة إلا بعد تدخل أعداد كبيرة من قوات الأمن.
لقد كان حبُّ الرجل للمرأة جنونياً، يرى فيها نفسه وذاته الأخرى، وهذا ما جعله يشبه حبيبته بالغزال، وتصغــيرهـــا الــمحــبب لكلــمة غــزال بغزيل. الأسماء البدوية طالعتنا بالاسم المحبب غزالة، حيث رأى بهذا الاسم الجمال المتوفر في الضباء، مما ألهمه أن يغني للغزيل وللمرأة المزيونة في أغاني يا غزيل وفي أغاني شفت الزين، وفي أغاني عالعين يا أم الزلف، وسكابا، وعالروزنا، وعاليادي اليادي، والمولية، والأوف مشعل والماني وغيرها. أما أغاني عالعميم أو عالبابا فهي تعني شدة الاشتياق للأهل والعشيرة، وكل ما يمت لهم من معتقدات وتقاليد، إذ تشير كلمة عالعميم إلى ارتباطها بأصل طوطمي يقوم على تقديس القمر.
تغني النسوة في الدبكة وفي العديد من مراحل العرس بعض الأغاني الجماعية مثل:
من بين البيوت شوقي مرق خيال من بين البيوت
ما قلتله فوت الله على قليبي ما قلتله  فوت
في هذه الأغنية كما في غيرها تركيز على العشق، والصعوبات التي واجهتها المرأة في حبها، واستنجادها بأمها لتساعدها في مخاطبة حبيبها، وهذا أمر معروف ومبرر ومفهوم بالنسبة للفتاة وللأم. ومن أغاني النسوة الجماعية الترويدة. التي كانت تغنى وقت الحرب والغزو من أجل حماسة الرجال، ثم صرن يغنينها أثناء ورود عين الماء، وأثناء النصر أو الفرح، وحتى وقت السفر والوداع، وفي جمع الحطب. كما تؤدى في وداع العروس وفي الحنة، وفي كلِّ لون من ألوان العرس، وأصدق مثال على حنة العروس الترويدة التالية التي مطلعها:
يا الأم يا الأم حاشيلي مخداتي
طلعت من البيت ما ودعت خياتي
يا الأم يا الأم حا شيلي قراميلي
طلعت من البيت ما ودعت جيلي
وثمة ترويدة فيها حنين إلى الأهل والحارة ومطلها:
والبارحة يا رويدة جنا بالحارة
وأسمع حنينج مع العصفور طيارة
نستشف من الترويدة رقة الكلمات والإحساس المرهف. كما أن النسوة تغني للفرسان وللضيوف، وتزغرد للفائزين بسباق الخيل «الصابية»، وللبدء التعليلة، إشارة لدعوة الناس لحضور الفرح، الذي لا يتم إلا بذبح الذبائح، لأن الجميع ضيوف عند أهل العرس، لا يشترون طعاماً ولا شراباً ولا دخاناً. كما تغني النسوة للعريس وقت الحمام والزفة، هذه الأغاني تظهره بالشجاعة مثل عنتر كما في مطلع النص التالي:
عريسنا عنتر عبيس عنتر عبيس عريسنا
بالإشارة إلى هذا النص وغيره تتحدد أوصاف العريس، فلا نجد في نصوص البدو الأصلية أي تلميح أو تصريح إلى جمال العريس، أو وصف لشعره وخصره وأكتافه ... هذه الأوصاف الخاصة بالجمال والجسد تقال للفتاة، لأن العريس يوصف بالمقدام، الذي يرد الغزو ويذود عن العشيرة، حتى إن لازمة سحجة الحاشي تدعو إلى التحالف، لأن في الحلف قوة، وقد عرف العرب الأحلاف منذ أقدم العصور، ومثالنا حلف ذي قار الذي انصفت فيه العرب وانتصرت على ضعفها وعلى العجم، واللازمة هي:
هلا هلابو يا ولا ليه حنيفي يا ولا
وثمة لازمة أخرى تدعو إلى استمرار حياة العريس والرجال كافة لمساعدة قبيلتهم:
هلا هلابو يا مهلي يا ريت زويلك ما يولي
وقد عرف البدو لازمة أخرى أخذوها عن الحضر، عندما يأتي الشاعر من المدن والقرى الحضرية، واللازمة هي:
هي يا حلالي ويا مالي
معناها باختصار (المال والبنون زينة الحياة الدنيا).
3. لباس البدو:
لباس البدو شبيه بلباس القرى المجاورة لهم، وهو عبارة عن ثوب طويل مفتوح من الأمام، يرد قسم منه فوق القسم الآخر، ويسمى (القمباز)، يلبس تحته سروال أبيض أو أسود عريض من الأعلى وبين الفخذين، وضيق عند القدمين. ويضع غطاء على رأسه يسمى (الشورة أو الشماخ) يثبته بعقال أسود. ويلبس أحياناً ثوباً طويلاً وعريضاً أبيض اللون أو أسود وغير مطرز، وهو شبيه بثوب المرأة إلى حد كبير.
تلبـــس النســـوة الثـــوب العـــريـــض والطـــويـــل جــــداً لـــدرجــة أنـــه يــجــر خلفــها، لــذا تضــطر إلــى ربـــطة مـــن الوسط «بشويحية» بعرض 5-6 سنتمتر، وطول حوالي متر ونصــف المتر مصنوعة من الصوف الملون، عليها بعض التطريزات أو الرسوم، ولها شراشب في بدايتها ونهايتها، تحزم بها الثوب. أما رأسها فتغطيه «بشمبر» شفاف ذي لون أسود، يلف على الرقبة، وتلف العصبة على شكل طبقات لتثبت الشمبر. البدويات المسنات ما زلن يرتدين هذا اللباس.
البــــدوية شـــديــــدة الاهتــمــــام بثـــوبـهـــا، لأنـــه يبقــــى عندها سنوات عدة، تطرزه من القبة والصدر والأكمام والكتف وجانبي الثوب وأسفله، بخيطان ملونة. وهو لباسها في البيت والرعي وفي السفر والسهر والنوم، في الصيف والشتاء، يضاف إلى ذلك «الدامر» الذي يشبه الجاكيت، ليقيها من البرد في الشتاء، مزين ومزركش مثل الثوب، ويكاد يكون قطعة فنية رائعة صبت فيه البدوية كلَّ فنها ومعرفتها. وقد عرفت البدوية أنواعاً من التطريز، أذكر منها على سبيل المثال التطريزات التالية:
1. نثر القهوة .
2.  نثر السمسم.
3. نثر الرز.
4. القناطر.
5.  العريجة.
6.  العريجة الملوية.
7.  حروز متقابلة.
8.  حبة الحلوة.
9.  دوسة القطة بالطحين.
10.  الحمام المكتف.


4. عطور البدو:
كانت عطورهم عود القرنفل، وهو مسحوق القرنفل مخلوطاً بالزيت الصافي والمسك والعنبر، وعود الند والزباد والمحلب...، كما تدهن البنات شعرهن بالزيت، وأحياناً ببول الجمال، لاعتقادهن أنه يجعل الشعر أكثر نعومة وأكثر استرسالاً، أما الوجه فيدهن بقشدة الحليب.
أما في مجال إيفاء النذور، فترفع راية ملطخة بالحناء لونها أبيض في بدء الاحتفال الذي يستمر أياماً عدة، يغنون ويرقصون ويدبكون، وبعدها تذبح الذبائح وسط فرحة عارمة، كما يوفى بالنذر من أجل شفاء المريض حيث تغني النسوة:
ياربي يا راعي الرايات       عن المريض ترفع السايات
ويقال للتبرك بالمزارات:
جينا نزورك يا زاير                 ونذبح  كبش النذاير
جينا نزورك  نزَّور                   ونذبح جزورك بالأول
 ومن أجل ذلك يقتنون البخور الذي يشعلونه للنذور وإتقاء الحسد، أو لطـــرد المخلــوقات الشـريـــرة وغيرهـا، ويتــــداوون بــــالأعشـــاب الـمختلــــفة، ويــلــجــؤون لتجبير الكسور والكي، كما يؤمنون ببركة وقوة بعض الأحجـــار الكـــريــمـــة والخــرز وبعــض العـــيدان المــأخــوذة من النباتات أو الأشجار المقدسة، ومثالنا تأثير الخرزة الـــزرقاء التــــي ترد الإصابة بالعين الشريرة، والخـــرزة الصفـــراء التـي تخــفـف مــن اليـرقان وقد تشفي منه. ونظــراً لتنقلهم فــإن نظرتهم للكــون متـقدمة، فهم يعـــرفون مـــواقـــع النــجــــوم، التــي ســمـــوها بـــأسمـــائـــــــها، ويستدلون بواسطتـــها علـــى الجهــات الأربــع لــــيلاً.
هذا عن الفرح، أما عن الأحزان ورثاء الميت، فإن لهذا جانباً مهماً في حياتهم، إذ عندما يحلُّ الحزن فإن مناحة تسيطر على المكان، تبكي النسوة وتنتف شعر رأسها وتمزق ثيابها وتلطم خدودها. ثم يجلسن دائرة مغلقة يندبن الميت، بكلام يُقطع نياط القلب، وأحياناً بقصيد ولازمة، تمنحهن وقتاً للتنهد والبكاء والعويل مع إيقاعات متوازنة. يتبادلن الأدوار في قول غير واحدة تنشد «المعيد». من يرى ويراقب ذلك ومنظــر حـــزن الرجـــال، وتصلــــب وجـــوهـــهم كـــالصخر، وبكاء النسوة والشكوى المرافقة، يتأكد له رقة مشاعر البدو وتقديرهم للميت، أذكر في هذا المجال المعيد التالي:
لوان يا عشب الربيع آلوان
السن يضحك والقلب حزنان
وكنك يا عشب الربيع تردهم
لبني على عشب الربيع خيام
أما الرثاء في المثال الثاني فيقال في شخص قُتل في معركة أو أثناء قتال:
قدر أهلي يا بو خدمتين عليك راس نعجتين
جسر أهلنا عليك روش
والفرسة لأهلنا والنذل ما يهوش
عادات بدوية في العرس:
البدوي عندما يدعو عشيرة ما للفرح، يكفيه أن يدعو شيخها أو أميرها، هذه الدعوة تعني دعوة جميع أفراد العشيرة. وحضورهم دفعة واحدة، ومعهم ذبائحهم من الأغنام. استبدلت هذه العادة بالنقوط، أي إعطاء العريس نقوداً تعينه على صعوبات الحياة.
العرس ملك للعشيرة التي ينتمي إليها العريس، وعلى أقرانه وأقاربه من الشباب أن يريحوه، ويشتغلوا كلَّ شيء، حتى الرعاة يتقاسمون العمل بينهم من أجل حضور العرس، فيضطر الراعي أن يخلط أغنامه مع أغنام راع آخر، ليحضر كلُّ منهم دوره في العرس، فيما يسمى الطقطوقة. أما الفارس فدوره إيجابي فيما يعرف بميدان الخيل «الصابية» أي سباق الخيل. إضافة إلى دوره في القتال، يتباهى بفرسه التي لا يبيعها ولا يرهنها، لأنها لا تباع ولا ترهن، بل يمكن أن تُهدى لفارس آخر، ويقال في هذا المجال الهدية بلية، أي بمعنى أن المهدى إليه وبحكم الأعراف صار لزاماً عليه، أن يهدي هدية قد تساوي ضعف الهدية التي تلقاها. أما إذا اضطر الفارس بسبب ظروف مادية صعبة إلى بيع فرسه، فإنه لا يبيعها كاملة، بل يبيع أو يرهن نصفها أو ثلثها إلى ربيب الخيل، ولهذا التعامل أصول وقواعد متفق عليها.
الرعاة كافة يأتون بأغنامهم صباح يوم العرس ويحلبونها لأهل الفرح دون مقابل؛ دلالة على التكاتف والمســاعـــدة. وعلـــى القبيـــلة صاحــبة الفـــرح أن تتخذ الاحتياطات اللازمة أيام الفرح، إذا كانت لها عداوات مع قبائل أخرى، حتى لا يتحول الفرح إلى عزاء. وعلى أهله أن يدعوا القبائل الصديقة، وكل مدعو يحسُّ أنه صاحب الفرح، والبدو بشكل عام شديدو الحرص على إظهار شعور التآزر في الأفراح والأتراح.
في العادة تعود الفتاة إلى بيت أهلها بعد أسبوع وعريسها معها، يجرون ذبيحة، فيما يسمى ردة الرجل. بعد ذلك تبدأ الزيارات الودية بين الطرفين المتناسبين.  
كانت القبائل يداً واحدة في الأفراح وفي الملمات، ولا حلَّ وسط بينهما، وكانت تحتفل بالعيدين، عيد الفطر السعيد، وعيد الأضحى المبارك، بذبح الذبائح وإقامة الدبكات وتوزيع النقود والحلوى على الصغار، ولبس أجمل الثياب.
ملاحظة حول نطق بعض الحروف. إذ لا يستخدم البدوي واو الجماعة مع الفعل، بل يستخدم مكانها الميم مثل: راحوا يلفظونها راحم، ويلفظون حرف الكاف في معظم الأحيان ج منقطة بثلاث نقاط والأمثلة كثيرة:
كثير تلفظ چيثير
راكب تلفظ راچب
وإلى حد ما حرف القاف مثل:
قاسم تلفظ چاسم
قال تلفظ چال
أخيراً تراث بدو بلاد الشام، هو ملك لتراث الأمة العربية، يمنح هذه الأمة معلماً تراثياً تفخر به.

 

الهوامش:

1. دراسات في الفولكلور الفلسطيني - عوض سعود عوض - إصدار دائرة الإعلام والثقافة في م.ت. ف. عام 1983 عن دلعونا انظر الصفحات 30-31-32-33.

2. المصدر السابق عن رقصة اللفحة الصفحات 93-94-95.

3. المصدر السابق عن الهجيني الصفحات 13-14-15-16.

الصور:

الصور من الكاتب.

 

أعداد المجلة