اللغة العدد
الذاكرة والتراث الثقافي اللامادّي1
الذاكرة والتراث الثقافي اللامادّي1
العدد 43 - آفاق

أ‭.  ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬أيّــوب‭ ‬- كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس

 

إنّ‭ ‬ما‭ ‬سنتحاور‭ ‬حوله‭ ‬معا،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الورقة،‭ ‬سيشمل،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مذكور‭ ‬في‭ ‬عنوانها،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬آلية‭ (‬ميكانزما،‭ ‬أو‭ ‬Process‭) ‬من‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬الحيوان،‭ ‬مطلقا،‭ ‬والإنسان،‭ ‬بصفة‭ ‬خاصّة‭. ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬هي‭ ‬الذاكرة‭. ‬وما‭ ‬سنتحاور‭ ‬حوله‭ ‬معا‭ ‬أيضا،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬هو‭ ‬التراث،‭ ‬وليس‭ ‬أيّ‭ ‬تراث،‭ ‬بل‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادّي‭ (‬Intangible‭ ‬Cultural‭ ‬Heritage‭) ‬أي‭ ‬ذلك‭ ‬الزاد‭ ‬المعرفي‭ ‬الشاسع،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حدّ‭ ‬له،‭ ‬القديم‭ ‬الحديث،‭ ‬والذي‭ ‬بدونه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للوجود‭ ‬المادّي‭ ‬أن‭ ‬يحدث،‭ ‬أن‭ ‬يوجد‭ ‬وأن‭ ‬يستمرّ‭.‬

وعلى‭ ‬قدر‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬يسيرة‭ ‬الاستقراء،‭ ‬ألاّ‭ ‬أنّها‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬جدّ‭ ‬معقدة‭ ‬ومتشعّبة‭. ‬ولعلّ‭ ‬أوّل‭ ‬سمة‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬التعقيد‭ ‬هذا‭ ‬أنّ‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنّ‭ ‬طبيعته‭ ‬الأساسية‭ ‬هي‭ ‬طبيعية‭ ‬معرفية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تتشكّل‭ ‬في‭ ‬المادّة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬والوجدان‭ (‬Subjectivité‭) ‬فحسب،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يوجد‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬فتكون‭ ‬نتيجة‭ ‬المعادلة‭ ‬الأولي‭ (‬Equation‭) ‬هي‭: ‬الذاكرة‭ = ‬التراث،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنّ‭ ‬التراث‭ ‬هو‭ ‬مكوّن‭ ‬أساسي‭ ‬للذاكرة،‭ ‬ولعله‭ ‬أشملَ‭ ‬مكوّنٍ‭ ‬لها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعلنا‭ ‬نصطلح‭ ‬على‭ ‬التراث،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬دراساتنا‭ ‬حول‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادّي،‭ ‬بأنّه‭ ‬االذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬المعرفيّة‭ ‬والعمليّة‭ ‬الحاضرة‭ ‬القديمةب‭. ‬من‭ ‬ثمّة‭ ‬فهو‭ ‬المكوّن‭ ‬الأساسي‭ ‬الثاني،‭ ‬إضافة‭ ‬للمكوّن‭ ‬البيولوجي‭ ‬والعصبي،‭ ‬لذات‭ ‬الإنسان‭. ‬ولمزيد‭ ‬من‭ ‬الدقّة،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أنّه‭ ‬يوجد‭ ‬مكوّن‭ ‬ثالث،‭ ‬مرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬عضويا‭ ‬بالسابقين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬االعادةب2‭. ‬وللحقيقة‭ ‬العلميّة‭ ‬نعترف‭ ‬أنّنا‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وأغلب‭ ‬الظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬الدراسات‭ ‬العربيّة‭ ‬وأغلب‭ ‬الدراسات‭ ‬الغربيّة،‭ ‬التي‭ ‬اهتمّت‭ ‬بالتراث‭ ‬ذ‭ ‬وأستثني‭ ‬الدراسات‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬والسيكولوجية3‭ - ‬لم‭ ‬تنتبه‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬لهذا‭ ‬االوسيط‭ ‬ب‭ ‬الضروري‭ (‬nécessaire‭)  ‬الذي‭ ‬أرى‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬الصّواب‭ ‬اعتباره،‭ ‬كما‭ ‬قلت،‭ ‬مكوّنا‭ ‬أساسيّا‭ ‬ثالثا‭ ‬للذات‭ ‬الحيوانيّة،‭ ‬بصفة‭ ‬مطلقة،‭ ‬والذات‭ ‬الإنسانيّة،‭ ‬بصفة‭ ‬خاصّة‭.‬

إنّ‭ ‬تعرّفنا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المعطى،‭ ‬أوجب‭ ‬علينا‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬قراءاتنا‭ ‬للتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي،‭ ‬كما‭ ‬حثّنا‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طَرْق‭ ‬منهجيّ‭ ‬معدّل‭ ‬لمزيد‭ ‬بلوغ‭ ‬الصواب‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬التراث‭ ‬وكيفية‭ ‬تناولها‭ ‬وجعله‭ ‬مكنزا‭ ‬من‭ ‬مكانز‭ ‬الذات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬الجماعيّة‭. ‬فهذه‭ ‬الورقة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬إضافة‭ ‬منهجيّة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الدراسات‭ ‬العربية‭ ‬للتراث،‭ ‬لو‭ ‬اتّسعت‭ ‬لدراسة‭ ‬علاقة‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعيّة‭ ‬والعادة‭ ‬بالتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭.‬

وبتعبير‭ ‬أخر،‭ ‬إنّ‭ ‬ما‭ ‬نرومه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الورقة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نطرح‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬الدراسات‭ ‬العربيّة‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بالتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادّي،‭ ‬ومدى‭ ‬اعتمادها‭ ‬المنهجي‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬استقرائه‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬انفكّ‭ ‬الباحثون،‭ ‬وخاصّة‭ ‬منهم‭ ‬الانثربولوجيون،‭ ‬والفلاسفة،‭ ‬والألسنيون‭ ‬ما‭ ‬بعد‭-‬الشمسكيّة‭ (‬Post‭-‬Chomskyصs‭) ‬وكذلك‭ ‬الـ‭(‬Neuro‭-‬biologists‭) ‬يعيدون‭ ‬النظر‭ ‬فيها‭. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬المنهجية‭ ‬؟‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الإضافات‭ ‬الفعليّة‭ ‬والأخرى‭ ‬المحتملة،‭ ‬وماذا‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬استعمالها‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬؟‭ ‬ما‭ ‬مقدار‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬اتوافق‭ ‬الإنسان‭ ‬العربيب‭ ‬مع‭ ‬تراثه‭ ‬وفي‭ ‬تضييق‭ ‬بل‭ ‬إزالة‭ ‬شرخ‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الذات‭ ‬الثقافية‭ ‬التراثية‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬تنخُرها‭ ‬عواملٌ‭ ‬داخليّة‭ ‬وخارجيّة‭ (‬endogène‭ ‬et‭ ‬exogène‭) ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬؟

 

الذاكرة‭ ‬

يقول‭ ‬آلان،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬حول‭ ‬الذاكرة‭ :‬

اأن‭ ‬تتعرّف‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬وجوده‭ ‬مرّة‭ ‬ثانية،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أنّك‭ ‬تدرك‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭. ‬فالمحافظة‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬الرابط‭ ‬الضروري‭ (‬اللازم‭) ‬بين‭ ‬الحاضر‭ ‬والماضي‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬دراسة‭ ‬آلية‭ ‬حفظ‭ ‬الذكريات‭ [‬ما‭ ‬قد‭ ‬نصطلح‭ ‬عليها‭ ‬بالمتذكَّر‭] (‬Conservation‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نعبّر‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬بعبارة‭ ‬الصون‭) ‬قد‭ ‬مكنتنا‭ ‬من‭ ‬التثبّت‭ ‬من‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬فينا،‭ ‬في‭ ‬ذواتنا،‭ ‬يتغيّر؛‭ ‬إنّما‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬هو‭ ‬تراكم‭ ‬الطباع،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّة‭ ‬فإنّها‭ ‬لا‭ ‬تضبع‭ ‬تلك‭ ‬الطباع،‭ ‬أو‭ ‬قل‭ ‬تلك‭ ‬العادات،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬اعتدنا‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تصرفات‭ ‬ذهنيّة‭ ‬وعمليّة‭. ‬ومفاد‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬حصيلة‭ ‬هذه‭ ‬العمليّة‭ ‬أنّ‭ ‬ذاتنا‭ ‬تتغيّر،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬تتغيّر‭ ‬بشكل‭ ‬مّا‭. ‬فهي‭ ‬تتغيّر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنّها‭ ‬تثرى‭ ‬بالمتذكَّر‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يضاف‭ ‬للقديم،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تتغيّر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنّ‭ ‬أفكارَنا‭ ‬وأعمالَنا،‭ ‬جميعَها،‭ ‬تترك‭ ‬فينا‭ ‬أثرا‭ ‬لن‭ ‬يمّحيب4‭.‬

ليس‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬أن‭ ‬نصوغ‭ ‬تعريفا‭ ‬كافيا‭ ‬شافيا‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬يتمتّع‭ ‬بها،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬جميعُ‭ ‬الكائنات‭. ‬ورغم‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬منْ‭ ‬مِنَ‭ ‬المفكرين‭ ‬والباحثين‭ ‬والأطباء‭ ‬من‭ ‬ينفيها‭ ‬عن‭ ‬الكائنات،‭ ‬وعن‭ ‬الإنسان‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭  ‬ويذهب‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬الإنسانَ‭ ‬فاقدَ‭ ‬الذاكرة‭ ‬هو‭ ‬كائن‭ ‬فاقد‭ ‬أهمّ‭ ‬مكونات‭ ‬الوجود‭ (‬The‭ ‬Being‭) - ‬فإن‭ ‬تحديد‭ ‬هيئتها‭ ‬وموضعها،‭ ‬وإلى‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬كيفية‭ ‬اشتغالها،‭ ‬إن‭ ‬صحّ‭ ‬التعبير،‭ ‬لا‭ ‬ينفكّ‭ ‬يؤرّق‭ ‬من‭ ‬ارتمى‭ ‬في‭ ‬خضمّ‭ ‬البحث‭ ‬فيها‭. ‬يرى‭ ‬أفلاطون،‭ ‬وقولته‭ ‬لا‭ ‬تُزيل‭ ‬تعقيد‭ ‬تحديد‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بأنّ‭ ‬االأفكار‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬ولا‭ ‬تموت،‭ ‬ولكنّها‭ ‬توجد‭ ‬فحسبب5‭. ‬وأغلب‭ ‬الظنّ‭ ‬أنّه‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬الأفكار‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬موطن‭ (‬أو‭ ‬مواطن‭) ‬من‭ ‬كيان‭ ‬الإنسان‭ ‬الجسدي‭ (‬والروحي‭). ‬وهذا‭ ‬الموطن‭ ‬غير‭ ‬المحدّد‭ ‬والمختص‭ ‬باحتضان‭ ‬الأفكار،‭ ‬أي‭ ‬الرؤى‭ ‬المجرّدة‭ (‬Perceptions‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬الذاكرة‭. ‬وقولة‭ ‬أفلاطون‭ ‬اعتمدت،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬البحوث‭. ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬لأنّ‭ ‬كلّ‭ ‬تحديد‭ ‬لمكان‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬الضرورية‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التعسف‭ ‬غير‭ ‬الموضوعي،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬لأنّ‭ ‬مواد‭ ‬الذاكرة‭ (‬Matériaux‭) ‬ليست‭ ‬ماديّة،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬الأفكار‭ ‬والرؤى،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬بعضهم،‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬حق،‭ ‬إنّها‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬التصوّرات‭ (‬Images‭/‬Imagination‭): ‬فأيّ‭ ‬حيّز‭ ‬يمكنه‭ ‬احتضان‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬طبيعتها‭ ‬وطبعها‭ ‬؟‭ ‬قال‭ ‬بعضهم‭: ‬إنّها‭ ‬الروح‭ - ‬وإن‭ ‬سألوك‭ ‬عن‭ ‬الروح‭ ‬قل‭ ‬إنّ‭ ‬الروحَ‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬ربّي‭ !‬،‭ ‬أي‭ ‬إنّها‭ ‬في‭ ‬اللامكان،‭ ‬أو‭ ‬بتعبير‭ ‬آخر،‭ ‬توجد‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مكان،‭ ‬كبير‭ ‬أم‭ ‬صغير،‭ ‬مرئي‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مرئي،‭ ‬وحتي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجينات،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬خلايا‭ ‬الجهاز‭ ‬العصبي،‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭. ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬مواضعٌ‭ ‬للذاكرة،‭ ‬ولفعل‭ ‬التذكّر‭: ‬افالجسد،‭ ‬حسب‭ ‬آلان،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحتفظ‭ ‬بالذكريات‭ (‬المتذكَّر‭)‬،‭ ‬وهناك‭ ‬حيث‭ ‬تجدها‭ ‬الروح‭ (‬spirit‭/ ‬âme‭)... ‬ومن‭ ‬ثمّة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الجسد‭ ‬هو‭ ‬المسبّب‭ ‬في‭ ‬النسيان‭ ‬إذا‭ ‬تعرّض‭ ‬للهلاك‭ ‬والتلاشي،‭ ‬ولكنّه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬مكونات‭ ‬المتذكَّر‭ ‬طالما‭ ‬استمرّ‭ ‬حيّاب6‭.‬

وسأتعرض‭ ‬لاحقا‭ ‬لاستمرارية‭ ‬االجسد‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬ومحمل‭ ‬الروحب،‭ ‬إن‭ ‬صحّ‭ ‬التعبير‭. ‬فالأجساد‭ ‬تتناسل،‭ ‬فيحمل‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬الكثير‭ ‬ممّا‭ ‬حُمِّل‭ ‬من‭ ‬زاد‭ ‬بالوراثة‭.‬

ومع‭ ‬أنّ‭ ‬معظم‭ ‬الدراسات‭ ‬والنظريات‭ ‬التي‭ ‬أتيح‭ ‬لنا‭ ‬الاطلاع‭ ‬عليها‭ ‬تتّفق‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬االلامكانب‭ ‬من‭ ‬الجسد،‭ ‬أي‭ ‬أنّها‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مكان‭ ‬منه،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّه‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬موضعها،‭ ‬رغم‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬الإحاطة‭ ‬تقريبا‭ ‬بمجال‭ ‬بل‭ ‬بمجالات‭ ‬تصرّفها‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬الموضع‭ ‬مسألة‭ ‬تستحقّ‭ ‬البحث‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أصبح‭ ‬تصرّف‭ ‬الذاكرة‭ ‬المحور‭ ‬الأساسي‭ ‬للبحوث‭ ‬السيكولوجية‭ ‬والعصبيّة‭-‬الحيويّة،‭ ‬وبعض‭ ‬البحوث‭ ‬الفلسفيّة،‭ ‬وفيما‭ ‬يعنينا‭ ‬أصبح‭ ‬تصرّف‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ (‬والفرديّة‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬السواء‭)‬،‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬فهم‭ ‬عملها‭ ‬حتى‭ ‬يستقيم‭ ‬فهم‭ ‬تصرّف‭ ‬الإنسان‭ ‬ومدركاته‭ ‬والوسائط‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬استمراريته‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬ذهني‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬بحثي‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعلوم‭ ‬الطبيّة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مسعفةً‭. ‬فمن‭ ‬بين‭ ‬تعريفات‭ ‬الذاكرة‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬صادفتنا،‭ ‬تعريف‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬مفاده‭ ‬إنّها‭ ‬ملكة‭ (‬فطريّة‭) ‬للحفظ7‭. ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬قائما‭ ‬حول‭ ‬المجال‭ ‬المعرفي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عالج‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬الأساسية‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭. ‬وغياب‭ ‬التعرض‭ ‬لها‭ ‬يحثّ‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬اكتراث‭ ‬الباحثين‭ ‬والعلماء‭ ‬العرب‭ ‬بسبر‭ ‬أسرار‭ ‬الذاكرة‭ ‬وآليات‭ ‬تصرّفها‭. ‬ورُغم‭ ‬أنّ‭ ‬النقل‭ ‬والتواتر‭ ‬للحديث‭ ‬الشريف‭ ‬وللشعر‭ ‬وغيرهما‭ ‬قد‭ ‬أُفرد‭ ‬لهما‭ ‬علمٌ‭ ‬مكتملٌ،‭ ‬إن‭ ‬صحّ‭ ‬التعبير،‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أسميه‭ ‬بفنّ‭ ‬احذق‭ ‬التذكّرب‭ (‬The‭ ‬memorization‭)‬،‭ ‬نرى‭ ‬أنّ‭ ‬عدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالذاكرة‭ ‬خاصّة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طرقُ‭ ‬عملها‭ ‬من‭ ‬تخزين‭ ‬المعارف‭ ‬والتصرّفات‭ (‬comportement‭) ‬ثمّ‭ ‬استحضارها‭ ‬بفعل‭ ‬دافع‭ ‬مّا‭ (‬Déclencheur‭)‬،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسيّة‭ ‬التي‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬تطوّر‭ ‬دراسات‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الواسع‭ ‬للكلمة،‭ ‬بل‭ ‬ولم‭ ‬يحدث‭ ‬الاعتناء‭ ‬بها‭ ‬علميا،‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬ندر،‭ ‬واقتفاءً‭ ‬بالدراسات‭ ‬الغربيّة‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬للبحوث‭ ‬الاثنولوجية‭ ‬والانثربولوجية‭ ‬الرائدة‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬لفت‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أهميّة‭ ‬االمتذكَّرب،‭ ‬على‭ ‬مستويي‭ ‬ثرائه‭ ‬المعرفي‭ ‬والفني‭ ‬وغيرهما،‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬استقراء‭ ‬الذهنيات‭. ‬

 

الذاكرة‭ ‬واللسان

وحتّى‭ ‬لا‭ ‬أطيل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب،‭ ‬فما‭ ‬ذكرتُه‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قطرة‭ ‬من‭ ‬بحر،‭ ‬أسعى‭ ‬لإبراز‭ ‬مجال‭ ‬يمثّل‭ ‬مكوّنا‭ ‬بنيويا‭ ‬للذاكرة،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬ذاته،‭ ‬للتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي،‭ ‬ويربط‭ ‬بينهما‭ ‬بل‭ ‬يكوّن‭ ‬رابطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بينهما،‭ ‬بمعني‭ ‬أنّ‭ ‬استعمال‭ ‬أحدهما‭ ‬يستدعي‭ ‬مباشرة‭ ‬الآخر،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬اضمحلال‭ ‬أحدهما‭ ‬تلاشي‭ ‬الثاني‭. ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬هو‭ ‬اللسان‭ (‬Langage‭)‬‭. ‬واللسان،‭ ‬كما‭ ‬نعلم،‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬لتجسيد‭ ‬الأفكار‭ ‬ونقلها،‭ ‬وهو‭ ‬المولّد‭ (‬generate‭) ‬للأفكار‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الحافظة‭. ‬واللسانَ‭ ‬عند‭ ‬الإنسان،‭ ‬مثل‭ ‬التذكّر،‭ ‬نشاطٌ‭ ‬عقلي‭ ‬عصبيّ،‭ ‬ودوره‭ ‬الأوّل‭ ‬أنّه‭ ‬ايفصحب‭ ‬عن‭ ‬المتذكّر،‭ ‬وهو‭ ‬بالتالي‭ ‬محمل‭ ‬للذاكرة‭. ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬أنّه‭ ‬كذلك‭ ‬فله‭ ‬ذاكرة،‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬مختلف‭ ‬الحواس‭ ‬ذات‭ ‬التصرّف‭ ‬االفطريب‭ (‬Intuitive‭)‬،‭ ‬ومنه‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬اذاكرة‭ ‬اللسانب‭. ‬ولعلّه‭ ‬ليس‭ ‬أفضل‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬العلم‭ ‬المتميّز‭ ‬الذي‭ ‬طوّره‭ ‬المعجميّون‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬القرون،‭ ‬أي‭ ‬علم‭ ‬المعجميّة،‭ ‬والمعجم‭ ‬ذاكرة‭ ‬لسان‭ ‬فإن‭ ‬لا‭ ‬تفتحه‭ ‬لا‭ ‬يستدعي‭ ‬لك‭ ‬مكنون‭ ‬ذاكرة‭ ‬اللسان‭. ‬وكما‭ ‬يعلم‭ ‬جميعنا‭ ‬فإنّ‭ ‬المحمل‭ ‬الأساسي‭ ‬للتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬وناقله‭ ‬الأوّل،‭ ‬مبدئيّا،‭ ‬هو‭ ‬اللسان،‭ ‬وبصفة‭ ‬أدقّ‭ ‬الألسن‭. ‬وفي‭ ‬غير‭ ‬المعجم،‭ ‬أين‭ ‬تقيم‭ ‬ذاكرة‭ ‬اللسان‭ ‬؟‭ ‬يرى‭ ‬بعضهم‭ ‬أنّ‭ ‬موطنها‭ ‬هو‭ ‬العقل‭. ‬ويرى‭ ‬بعضهم‭ ‬أنّه‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬القلب‭ (‬عن‭ ‬الفرّاء‭: ‬الذِّكر‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬بلسانك‭ ‬وأظهرته‭. ‬والذُّكر‭ ‬بالقلب‭. ‬يقال‭ : ‬ما‭ ‬زال‭ ‬منّي‭ ‬على‭ ‬ذُكر،‭ ‬أي‭ ‬لم‭ ‬أَنسَه‭). ‬ويرى‭ ‬أغلب‭ ‬المختصّين‭ ‬أنه‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬الدّماغ،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬الجهاز‭ ‬العصبي‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬الجسم‭. ‬وفد‭ ‬توصّلت‭ ‬الدراسات‭ ‬المختصّة‭ ‬إلى‭ ‬إثبات‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬بصفة‭ ‬نسبيّة‭ ‬عالية،‭ ‬رغم‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تزعم‭ ‬أنّ‭ ‬مكوّنات‭ ‬المُتذكّر‭ ‬المحمول‭ ‬عبر‭ (‬أو‭ ‬في‭) ‬شبكة‭ ‬الجهاز‭ ‬العصبي،‭ ‬هي‭ ‬مكوّنات‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬ماديّة‭. ‬إنّها‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬قول‭ ‬مؤسس‭ ‬اللسانيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬العالم‭ ‬السويسري،‭ ‬فرديناند‭ ‬دي‭ ‬سوسير‭ (‬F‭. ‬de‭ ‬Saussure‭)‬،‭ ‬صور‭ (‬Images‭) - ‬ولو‭ ‬اعتمدنا‭ ‬الاصطلاح‭ ‬القديم‭ ‬لقلنا‭ ‬إنّها‭ ‬خيال‭ ‬الشيء‭ ‬أو‭ ‬خيال‭ ‬المسمّى،‭ ‬فاللفظ‭ ‬يكون‭ ‬كلمة،‭ ‬لاماديّة‭ ‬وماديّة،‭ ‬من‭ ‬اجتماع‭ ‬ما‭ ‬يسمع،‭ ‬وهو‭ ‬الصور‭ ‬الصوتيّة،‭ ‬وما‭ ‬يدرك،‭ ‬وهو‭ ‬الصور‭ ‬الدلالية،‭ ‬وتقرن‭ ‬بينهما‭ ‬آلية‭ ‬الدماغ‭ ‬اللسانية‭ ‬لتجعل‭ ‬منهما‭ ‬لسانا‭ ‬مدركا،‭ ‬لكنّه‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬إلا‭ ‬بمقتضى‭ ‬وجود‭ ‬قائل‭ ‬ومتقبّل‭ ‬يشتركان،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬متذّكَرِهما‭ ‬في‭ ‬إيوائهما‭ ‬لذلك‭ ‬اللسان‭. ‬ومفاد‭ ‬القول،‭ ‬إنّ‭ ‬مواد‭ ‬الذاكرة‭ (‬materials‭)‬،‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬صوريّة،‭ ‬من‭ ‬أخيلة‭ ‬الأشياء‭ ‬لا‭ ‬مادة‭ ‬ولا‭ ‬حجم‭ ‬لها‭.‬

آليات‭ ‬تصرّف‭ ‬الذاكرة‭ ‬التراثيّة‭: ‬

لمكتسب،‭ ‬التراكم،‭ ‬والانتخاب

ومهما‭ ‬كان‭ ‬الأمر،‭ ‬فمن‭ ‬الصّواب‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬سعة‭ ‬الذاكرة،‭ ‬هذه‭ ‬الطبيعة‭ (‬Nature‭) ‬الإنسانية،‭ ‬هذه‭ ‬المَلكة‭ - ‬المُعجزة‭ ‬بحقّ‭. ‬للإجابة،‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بأنّه‭ ‬عِلاوةً‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬المَلكة‭ ‬طبيعةٌ‭ ‬إنسانيّة،‭ ‬أي‭ ‬أنّها‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬فهي‭ ‬موروثةٌ‭ (‬جينيّا‭): ‬يرث‭ ‬المولود‭ ‬ذاكرة‭ ‬منجبيه،‭ ‬يرثّ‭ ‬الطبائع‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬بمختلف‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسد‭ ‬وما‭ ‬جُبلت‭ ‬عليه،‭ ‬كما‭ ‬يرث‭ ‬آليةً‭ ‬من‭ ‬الآليات‭ ‬الضروريّة‭ ‬للذاكرة،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬اقابلية‭ ‬الاكتسابب‭. ‬وهذه‭ ‬الآليّة‭ ‬والصفة‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تخوّل‭ ‬لنا‭ ‬القول‭ ‬بأنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬هي‭ ‬الثقافة‭ (‬Memory is Culture‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬الموروث‭ ‬عن‭ ‬السلف‭ ‬جزءً‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬جزءً‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬مجموعة‭ ‬الانتماء‭. ‬وكما‭ ‬تساعد‭ ‬اقابليةُ‭ ‬الاكتسابب‭ ‬الرضيع‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتقبّل‭ ‬نتفا‭ ‬من‭ ‬لسان‭ ‬ذويه،‭ ‬تساعده‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكتسب‭ ‬نصيبا‭ ‬من‭ ‬الأحاسيس‭ (‬Emotions‭) ‬التي‭ ‬يحاط‭ ‬بها‭. ‬ويغلب‭ ‬الظنّ‭ ‬عندي‭ ‬أنّ‭ ‬نصيبا‭ ‬هاما‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬يُورَث‭ ‬بشكل‭ ‬مُتَضَمَّن،‭ ‬والعلوم‭ ‬النوروبيولوجية‭ ‬لا‭ ‬تنفك‭ ‬تفاجئنا‭ ‬باكتشافاتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬خاصّة‭ ‬وأنّ‭ ‬بعض‭ ‬التصرّفات‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنّها‭ ‬رواسب‭ ‬نادرة‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬قديمة،‭ ‬أي‭ ‬أنّها‭ ‬ليست‭ ‬مكتسبة‭ ‬من‭ ‬بيئتها‭ ‬ومجالها‭ ‬المباشَرين‭ ‬والمباشِرين‭. ‬فهناك‭ ‬ذاكرة‭ ‬جينيّة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬االمُكَوَّنات‭ ‬المطلقة‭ ‬والمُشترَكة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬البشرب‭ (‬Universals‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬تحمل،‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت،‭ ‬زادا‭ ‬ثقافيا‭ ‬مطبوعا9،‭ ‬إن‭ ‬صحّ‭ ‬التعبير،‭ ‬بمواصفات‭ ‬البيئة‭ ‬والمجال‭ ‬المناسبين‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬الزّاد‭ ‬الثقافي‭ ‬المطبوع‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬ضرب‭ ‬العادة،‭ ‬لا‭ ‬العادة‭ ‬البيولوجيّة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنّما‭ ‬من‭ ‬ضرب‭ ‬العادة‭ ‬الثقافيّة‭ - ‬والصواب‭ ‬هنا‭ ‬استعمال‭ ‬الجمع‭ ‬فنقول‭ ‬من‭ ‬ضرب‭ ‬العادات‭ ‬الثقافيّة‭. ‬إنّ‭ ‬قولنا‭ ‬هذا،‭ ‬الذي‭ ‬نصوغه‭ ‬كفرضية‭ ‬بحث،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬مزيد‭ ‬البحث‭ ‬والاطّلاع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سيفيدنا‭ ‬به‭ ‬العلم‭ ‬مستقبلا،‭ ‬إنّ‭ ‬قولنا‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يفيد‭ ‬بأنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الثقافيّة‭ ‬تتصرّف‭ ‬بمثابة‭ ‬الآليةُ‭ ‬الساكنة‭. ‬فلو‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬حالتها‭ ‬لاستحال‭ ‬تفسير‭ ‬ما‭ ‬تتمتّع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬اقدرة‭ ‬استيعابيّةب‭ ‬عجيبة‭ ‬وشاسعة‭. ‬فمن‭ ‬حيث‭ ‬إنّها‭ ‬آليةٌ‭ ‬حيّة،‭ ‬ديناميكية،‭ ‬فهي‭ ‬تتمتّع‭ ‬مثل‭ ‬أغلب‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسم‭ ‬بصفات‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬نموّ‭ ‬وتتطوّر،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬اكتساب‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬المحيط‭ ‬والمجال،‭ ‬وخاصّة‭ ‬الاحتكاك‭ ‬والتواصل‭ ‬البشري،‭ ‬وبصفة‭ ‬أخصّ‭ ‬المُحدَث‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تقيم‭ ‬عليه‭ ‬الدراسات‭ ‬الميدانية‭ ‬الدليل‭ ‬القاطع،‭ ‬فإنّ‭ ‬مكنز‭ ‬العادات‭ - ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الطقوس،‭ ‬وما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬بالتقاليد‭ ‬وكذلك‭ ‬حذق‭ ‬المعارف‭ ‬والحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬والممارسات‭ ‬الاحتفالية‭ ‬المدنيّة‭ ‬والدينية،‭ ‬وكذلك‭ ‬بعض‭ ‬المعتقدات‭ ‬غير‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدّس،‭ ‬الخ‭ - ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬تلحقُه‭ ‬التحوّلات‭ (‬Mutations‭) ‬التي‭ ‬يوجبها‭ ‬راهن‭ ‬الممارسة‭ ‬وبالتالي‭ ‬التطوّر‭. ‬وباختصار‭ ‬شديد‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬الإنسان،‭ ‬في‭ ‬ماضيه،‭ ‬في‭ ‬حاضره‭ ‬ومستقبله،‭ ‬بإمكانه‭ ‬ألاّ‭ ‬يخضع‭ ‬لقانون‭ ‬التحوّلات‭ ‬والتطوّر،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬قانون‭ ‬طبيعي‭ ‬دائم‭ ‬الفعل،‭ ‬وبفضله‭ ‬وبفضل‭ ‬قوانين‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬سنأتي‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يلي،‭ ‬تتحقّق‭ ‬الاستمراريّة‭ ‬الثقافيّة‭/‬التراثيّة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬أسميه‭ ‬بالذات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬أو‭ ‬الذات‭ ‬التراثية،‭ ‬تلك‭ ‬الذات‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬الشعوب،‭ ‬بمختلف‭ ‬ثقافاتها،‭ ‬وبدوافع‭ ‬موضوعيّة‭ ‬وأخرى‭ ‬وجدانيّة‭ (‬Subjective‭)‬،‭ ‬على‭ ‬تجنيبها‭ ‬القطيعة،‭ ‬ذلك‭ ‬الشرخ‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬ثنائية‭ ‬ماضيها‭ - ‬مستقبلها‭ ‬الثقافيين،‭ ‬والذي‭ ‬يعسر‭ ‬مداواته‭ ‬وعلاجه‭.‬

ولكن‭ ‬كيف‭ ‬يُحفظ‭ ‬هذه‭ ‬الكمّ‭ ‬الهائل‭ ‬ممّا‭ ‬يكتسب‭ ‬بمختلف‭ ‬الحواس‭ ‬الظاهرة‭ ‬والخفيّة؟‭ ‬نحن‭ ‬نذهب،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬مذهب‭ ‬المدرسة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬‭- ‬الشمسكيّة‭ (‬postchomskism‭)‬،‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الـ‭ (‬neurolinguistics‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬اعتمدت‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬استقراء‭ ‬اللسان،‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وعلاقته‭ ‬الضروريّة‭ ‬بالذاكرة،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخري‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يتّسع‭ ‬المجال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬للإسهاب‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عمّا‭ ‬أثبتته‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬التي،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬السائد‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬الغربيين،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّها‭ ‬وجدت‭ ‬الرواج‭ ‬اللائق‭ ‬بها‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬العرب‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭. ‬فقد‭ ‬استنبطت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ،‭ ‬أي‭ ‬القوانين‭ ‬العمليّة‭ ‬الملزمة‭ ‬لتصرف‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬والذاكرة‭ ‬التراثيّة،‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬مقالنا‭. ‬وأهمّها‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ :‬

1‭ - ‬الصيغ‭ ‬المجرّدة‭:‬

هناك،‭ ‬أوّلا،‭ ‬صفةٌ،‭ ‬طبيعةٌ،‭ ‬تتّصف‭ ‬بها‭ ‬آليّة‭ ‬التذكّر‭ ‬لحفظ‭ (‬لصون‭) ‬المُكتسَب،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مأتاه‭ ‬ونوعه،‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬صفاته‭. ‬وتتمثّل‭ ‬هذه‭ ‬الصفة‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تتّسم‭ ‬أشكال‭ ‬المتذكَّر‭ ‬من‭ ‬امنطوقهاب‭ ‬واأفعالهاب‭ ‬بالماديّة،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬لاماديّة‭ ‬أو‭ ‬خياليّة،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬البعض‭. ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬لاماديّة،‭ ‬ولكونها‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬منذ‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬حجم‭ ‬لها‭ ‬وأنّها‭ ‬تقطن‭ ‬في‭ ‬اللاّمكان‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإنّها‭ ‬رصيد‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬االصيغ‭ ‬المجرّدةب‭ (‬scheme‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الشفرات‭ ‬الألكترونيّة‭ ‬اليوم‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬البليارات‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬صغر‭ ‬حجمها‭.‬توتحتضن‭ ‬الصيغ‭ ‬المجرّدة‭ ‬صورَ‭ ‬الأفكار‭ ‬والأفعال‭ ‬وتجعلها،‭ ‬بموجب‭ ‬إيعازات‭ ‬عصبيّة‭ ‬تتناسل‭ (‬génère‭) ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬لاحتواء‭ ‬المُحدث‭ ‬بفضل‭ ‬التحوّل‭ ‬أو‭ ‬المُكتسب‭ ‬الجديد،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬لحفظ‭ ‬ما‭ ‬احتوته‭. ‬وما‭ ‬تحتويه‭ ‬سيكون‭ ‬بصيغة‭ ‬مجردة‭ ‬أيضا،‭ ‬وهكذا‭ ‬دواليك،‭ ‬بحيث‭ ‬تتكوّن‭ ‬مساحة‭ ‬الذاكرة‭ ‬وتكون‭ ‬محدودة‭ ‬الحجم‭ ‬متّسعة‭ ‬المدار‭.‬

2‭ - ‬االتّكرارب‭ (‬Repetition‭): ‬

وإنشاء‭ ‬االصيغ‭ ‬المجرّدةب‭ ‬وظائف‭ ‬عدّة‭. ‬وقد‭ ‬نفترض‭ ‬منها‭ ‬أنّها‭ ‬تتجدّد‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يلحقها‭ ‬الهوان‭ (‬الضعف‭) ‬فلا‭ ‬تقدر‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬التلاشي،‭ ‬ولعلّ‭ ‬الأهمّ‭ ‬أنّها‭ ‬تُصاغ‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بمفعول‭ ‬االتّكرارب‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬آلية‭ ‬تذكريّة‭ (‬Remembering‭ ‬Tool‭) ‬نافذة‭ ‬المفعول،‭ ‬على‭ ‬مستويين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬الأول،‭ ‬أنّها‭ ‬تركز‭ ‬صون‭ ‬الأفكار‭ ‬والتصرفات‭ ‬وتثبّتها‭ ‬وتقيها‭ ‬من‭ ‬النسيان‭. ‬ويكفي‭ ‬كمثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬تكرار‭ ‬بيت‭ ‬شعر‭ ‬مرارا‭ ‬يثبته‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬وتحدث‭ ‬استعادته‭ ‬ذهنيّا‭ ‬بتذكّر‭ ‬ميزانه،‭ ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحرف‭ ‬أنّ‭ ‬تكرار‭ ‬صنع‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬الأشكال‭ ‬يجعل‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجه‭ ‬آليا‭ (‬أوتوماتيكيّا‭). ‬وماذا‭ ‬يفعل‭ ‬راوي‭ ‬القصص‭ ‬الشعبي‭ ‬والسير‭ ‬والملاحم‭. ‬ألا‭ ‬يكرّر‭ ‬نفسه،‭ ‬حتّى‭ ‬يصحّ‭ ‬عليه‭ ‬القول‭ ‬بأنّه‭ ‬يعرف‭ ‬الشيء‭ ‬عن‭ ‬ٍاظهر‭ ‬قلبب‭ ‬؟‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬للتكرار‭ ‬وظيفة‭ ‬أساسيّة‭ ‬ثانية،‭ ‬نوجزها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أصطلح‭ ‬عليه‭ ‬بـاالتجديد‭ ‬النسبيب‭ (‬Renewal‭). ‬وننعت‭ ‬التجديد‭ ‬بالنسبي،‭ ‬لأمرين‭. ‬أوّلهما‭ ‬أنّ‭ ‬التجديد‭ ‬لا‭ ‬يلحق‭ ‬الصيغة‭ ‬المجرّدة‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قلّ‭ ‬وندر،‭ ‬ولكنّه‭ ‬يلحق‭ ‬مضمون‭ ‬المتذكَّر؛‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬سوى‭ ‬بعض‭ ‬العناصر‭ ‬المكوّنة‭ ‬للمضمون‭ ‬لأنّها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬متطابقة‭ ‬مع‭ ‬سياق‭ ‬إنتاجها،‭ ‬أي‭ ‬مع‭ ‬زمن‭ ‬استعمالها‭ ‬ومجاله‭. ‬فتعوّض‭ ‬بالعنصر‭ ‬أو‭ ‬العناصر‭ ‬المناسبة‭. ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬حالةً‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬الإسقاط،‭ ‬لأنّها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬عمليةُ‭ ‬تعويض‭ (‬Substitution‭). ‬ومما‭ ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬فيه‭ ‬أنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬تمهّد‭ ‬الطريق‭ ‬للنسيان‭. ‬وممّا‭ ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬فيه‭ ‬أيضا‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنسي‭ ‬قد‭ ‬يصيبها‭ ‬التلف‭. ‬فحتّى‭ ‬تتوازن‭ ‬هذه‭ ‬العمليّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مفرّ‭ ‬منها،‭ ‬تلجأ‭ ‬ملكة‭-‬التذكّر‭-‬المعجزة‭ ‬لآليتين‭ ‬يجعلان‭ ‬االتجديد‭ ‬النسبيب‭ ‬إحدى‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬استمرارية‭ ‬الذاكرة‭ (‬Memory Continuum‭). ‬ويقوم‭ ‬االتجديد‭ ‬النسبيب‭ ‬على‭ ‬الآليات‭ ‬التالية‭ : ‬التراكم‭ ‬المنتخب‭ (‬Selective‭ ‬accumulation‭)‬،‭ ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬المواترة‭ (‬Transmission‭)‬،‭ ‬التحوّلات‭ (‬Mutations‭) ‬والانتخاب‭ (‬Natural‭ ‬Selection‭)‬

3‭ - ‬التراكم‭ ‬المنتخب‭ :‬

‭ ‬لقد‭ ‬أشرنا‭ ‬أعلاه‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬رصيدها‭ ‬الجيني،‭ ‬تقوم‭ ‬بعملية‭ ‬التراكم‭ ‬المنتخب‭ ‬بغية‭ ‬تأثيث‭ ‬ذاتها‭ ‬بالأفكار‭ ‬والعادات‭ ‬والأفعال‭ ‬المحيّنة‭ (‬Updating‭). ‬وهي‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬تخزين‭ ‬المكتسب‭ ‬في‭ ‬المواضع‭ ‬المناسبة‭ ‬من‭ ‬الجهاز‭ ‬العصبي‭ ‬ومن‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭. ‬ولقد‭ ‬تساءلنا‭ ‬هل‭ ‬تتمتّع‭ ‬الذاكرة‭ ‬بالطاقة‭ ‬والمساحة‭ ‬القادرتين‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬جميع‭ ‬المكتسب‭ ‬بواسطة‭ ‬مختلف‭ ‬حواس‭ ‬الإنسان‭ ‬الظاهرة‭ ‬والخفيّة‭. ‬يجيب‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭ ‬بأنّ‭ ‬للذاكرة‭ ‬مقدرة‭ ‬استيعاب‭ ‬هائلة،‭ ‬ونصيب‭ ‬هام‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المستوعب‭ ‬مخفيّ‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬مواطنها،‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬واللاشعور‭ ‬وما‭ ‬بعدهما‭ ‬عمقا‭. ‬ونشير‭ ‬عرضا‭ ‬أنّ‭ ‬المستتر‭ ‬منها‭ ‬قد‭ ‬يطفو،‭ ‬وأنّه‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يطفو‭ ‬مطلقا‭. ‬وقد‭ ‬نكشف‭ ‬مقابل‭ ‬المستتر‭ ‬الذي‭ ‬يطفو‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬اللسان‭ ‬عن‭ ‬اغير‭ ‬المقول‭/ ‬المسكوت‭ ‬عنهب‭ (‬Le‭ ‬non‭ ‬dit‭) - ‬وهذا‭ ‬باب‭ ‬هام‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬السرديّة‭ ‬الشعبيّة‭. ‬لكن‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مقدرة‭ ‬استيعاب‭ ‬الذاكرة‭ ‬شاسعةً،‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬موادها‭ ‬ضاربةً‭ ‬في‭ ‬القدم،‭ ‬كما‭ ‬نري‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬كما‭ ‬يبدو،‭ ‬منهمكة‭ ‬في‭ ‬اغربلةب‭ ‬محتوياتها،‭ ‬فالنسيان‭ ‬رفيق‭ ‬التذكّر،‭ ‬ولو‭ ‬أنّ‭ ‬اصطلاح‭ ‬النسيان‭ ‬يعسر‭ ‬تفسيره‭ ‬بشأن‭ ‬الذاكرة‭. ‬فكما‭ ‬نعاينه‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنّ‭ ‬ذاكرة‭ ‬حملته‭ ‬وناقليه،‭ ‬أفرادا‭ ‬وجماعات،‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬ذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬لا‭ ‬الشاردة‭ ‬ولا‭ ‬الواردة‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تتصرّف‭ ‬بشكل‭ ‬مغاير‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬مّا‭ ‬لما‭ ‬قلناه‭. ‬ويكون‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الصواب‭ ‬أن‭ ‬ننعتُها‭ ‬بأنّها‭ ‬تراكميّة‭ ‬انتخابيّة‭ (‬Cumulative and selective‭). ‬فهي‭ ‬تُبعِد‭ ‬عن‭ ‬مدار‭ ‬التواصل‭ ‬كلَّ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ذا‭ ‬جدوى‭ (‬Utility, of no need‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬يتماهى‭ ‬والسياق‭ ‬والبيئة‭ ‬والمجال،‭ ‬وتُقيم‭ ‬محلّه‭ ‬البدائل‭ ‬المناسبة‭ ‬باعتماد‭ ‬آليّة‭ ‬التعويض‭ (‬Substitution‭). ‬والتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي‭ ‬يزخر‭ ‬بالشواهد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬فيكفي‭ ‬الباحث‭ ‬أن‭ ‬يقارن‭ ‬بين‭ ‬ظواهره‭ ‬المسجّلة‭ (‬المحفوظة‭) ‬والموثّقة‭ ‬ومثيلاتها،‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬المحامل‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬المكتوبة‭ ‬وهي‭ ‬كثيرة،‭ ‬أو‭ ‬الظواهر‭ ‬الميدانية‭ ‬فحسب،‭ ‬ليتأكّد‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬التراثيّة،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تنفكّ‭ ‬تتجدّد،‭ ‬تخدع‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التراث،‭ ‬بمفعول‭ ‬االوهمب‭ (‬Illusion‭)‬،‭ ‬بأنّ‭ ‬ما‭ ‬يعاينه‭ ‬من‭ ‬موروث‭ ‬ثقافي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬السلفُ‭ ‬للخلف،‭ ‬بينما‭ ‬ما‭ ‬وُرث‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬مغايرا‭ ‬للأصل،‭ ‬إن‭ ‬سُمح‭ ‬لنا‭ ‬بهذا‭ ‬التعبير‭. ‬والسّبب‭ ‬الرئيس‭  ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬قديم‭ ‬التراث‭ ‬وحاضره‭ (‬أي‭ ‬زمن‭ ‬المعاينة‭) ‬أنّه‭ ‬خلال‭ ‬نقل‭ ‬الأجيال‭ ‬له‭ ‬بالتواتر‭ ‬عبر‭ ‬الأزمنة‭ ‬تقوم‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفرديّة‭ ‬والجماعيّة‭ ‬بما‭ ‬يصطلح‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬النظرية‭ ‬التطوّريّة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الدروينيّة‭ ‬بعمليّة‭ ‬الانتخاب‭ (‬Process‭ ‬of‭ ‬Natural‭ ‬Selection‭)‬،‭ ‬فتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬موروثا‭ ‬ثقافيّا‭ ‬قد‭ ‬جُرّد‭ ‬مما‭ ‬أهملته‭ ‬ممارسةُ‭ ‬الإنسان‭ ‬طيلة‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة‭ ‬بموجب‭ ‬قانون‭ ‬االأولويّة‭ ‬للأصلحب‭.‬

4‭ - ‬النقل‭ ‬أو‭ ‬التواتر‭ (‬Transmission‭) :‬

‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬التكرار‭ ‬مساعدا‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬المعطى‭ ‬التراثي،‭ ‬صيغة‭ ‬ومضمونا،‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الذاكرة،‭ ‬فإنّ‭ ‬تواتر‭ ‬المعطى‭ ‬التراثي‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬وضمن‭ ‬الأجيال‭ ‬المتداخلة،‭ ‬يضمن‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬االمحيّنب،‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات،‭ ‬الثبات‭ ‬والاستمراريّة‭ ‬؛‭ ‬كما‭ ‬يضمن‭ ‬له‭ ‬االتناسبب‭ ‬مع‭ ‬المجال‭ ‬الطبيعي‭ ‬والإنساني‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تعاطيه‭ ‬له‭ ‬وآدائه‭. ‬ولعملية‭ ‬النقل‭ ‬والتواتر‭ ‬أهميتها،‭ ‬لا‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إنّها‭ ‬تعوّض‭ ‬عناصر‭ ‬المعطى‭ ‬التراثي‭ ‬غير‭ ‬المناسبة‭ ‬بغيرها‭ ‬الأكثر‭ ‬تناسبا‭ ‬مع‭ ‬الذهنيّة‭ ‬الجماعيّة‭ ‬الحاملة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الناقلة‭ ‬لها،‭ ‬وإنّما‭ ‬لأنّها‭ ‬تحقّق‭ ‬اتعايشب‭ ‬مستويين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬المعطيات‭ ‬التراثيّة‭ ‬المحمولة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جيلين‭ ‬معاصرين‭ ‬لبعضهما‭. ‬ولا‭ ‬نبالغ‭ ‬إن‭ ‬قلنا‭ ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬الذي‭ ‬يوازيه‭ ‬تعايش‭ ‬بين‭ ‬مستويي‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يحِدّ‭ ‬من‭ ‬تفاقم‭ ‬القطيعة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬وكذلك‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬التراث‭.‬

5‭ - ‬التحوّلات‭ ‬والانتخاب‭ ‬ا‭ ‬Mutations‭ ‬&‭ ‬Natural‭ ‬Selectionب‭: ‬

ولا‭ ‬تتمّ‭ ‬عمليّة‭ ‬النقل‭ ‬للمعطيات‭ ‬التراثية‭ ‬إلاّ‭ ‬وتكون‭ ‬عدّة‭ ‬عوامل‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬بالمجال‭ ‬الطبيعي‭ ‬والإنساني،‭ ‬وبالوجدان‭ ‬الجمعي،‭ ‬وكذلك‭ ‬بالتطوّر‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والعلمي‭ ‬والتكنولوجي‭...‬،‭ ‬إذن‭ ‬تكون‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬قد‭ ‬لقّحت،‭ ‬بطريقة‭ ‬تفاعليّة،‭ ‬المعطياتِ‭ ‬التراثية،‭ ‬أو‭ ‬بعضَها،‭ ‬بالمُحدث‭. ‬فينتج‭ ‬التحوّل‭ ‬في‭ ‬مكوناتها،‭ ‬من‭ ‬مضامين،‭ ‬ومعجم‭ ‬ودلالة،‭ ‬وأحيانا‭ ‬في‭ ‬الأبنية‭ ‬الشكليّة‭ ‬للمعطيات‭ ‬نفسها‭ (‬هكذا،‭ ‬مثلا،‭ ‬بُعثت‭ ‬موسيقى‭ ‬الراي،‭ ‬Ray،‭ ‬من‭ ‬تلاقح‭ ‬الموروث‭ ‬الغنائي‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري،‭ ‬بالموسيقى‭ ‬الأوروبيّة،‭ ‬والأمريكية‭ ‬الإفريقية،‭ ‬والإفريقيّة‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭).‬

الخاتمة

في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر،‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬تحدث،‭ ‬تتفاعل،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭, ‬فكّكناها‭ ‬لأسباب‭ ‬منهجية‭ ‬وحتّى‭ ‬نتمكّن‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬عمل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بالتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬بصفة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬حصريّة‭. ‬أقول،‭ ‬احصريّةب‭ ‬لأنّنا‭ ‬تجنبا‭ ‬للإسهاب‭ ‬في‭ ‬القول،‭ ‬لم‭ ‬نحلّل‭ ‬مظاهر‭ ‬من‭ ‬الاجتماع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬وخاصّة‭ ‬الفكر،‭ ‬فللذاكرة‭ ‬المختصّة‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المجلات‭ ‬قراءات‭ ‬مناسبة‭.‬

وتبقى‭ ‬مسألةٌ،‭ ‬ألمحنا‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ونعتقد‭ ‬أنّها‭ ‬تستحقّ‭ ‬مزيد‭ ‬الدرس‭ ‬والحوار،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬امصير‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمةب‭. ‬وإذا‭ ‬نختم‭ ‬حديثنا‭ ‬بهذا‭ ‬التساؤل‭ ‬حولها،‭ ‬فلإدراكنا‭ ‬بأنّ‭ ‬أمواج‭ ‬العولمة‭ ‬قد‭ ‬اكتسحت‭ ‬شعوبنا‭ ‬العربيّة‭ ‬منذ‭ ‬بضعة‭ ‬عقود،‭ ‬وصنعت‭ ‬صنيعها،‭ ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬قد‭ ‬خطت‭ ‬خطوة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬تراثنا‭ ‬بمكوّنيه‭ ‬المادي‭ ‬واللامادي،‭ ‬وسطت‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬العربيّة‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬بعنف‭ ‬فتاك‭. ‬وشتّان‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬حصيلة‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بها،‭ ‬وحصيلة‭ ‬المساعي‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬إستراتيجية‭ ‬متكاملة‭ ‬واستشرافية،‭ ‬لصون‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬صونا‭ ‬لم‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الساعة‭ ‬سوى‭ ‬نماذج‭ ‬تراثية‭ ‬يُنظر‭ ‬لها‭ ‬بمثابة‭ ‬المعلّقات‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬التظاهر،‭ ‬ومكانز‭ ‬تحفظ‭ ‬على‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات‭. ‬