اللغة العدد
الشعر الشعبي الجزائري قراءة تأثيلية في المفهوم والتطور وأشهر الأعلام.
الشعر الشعبي الجزائري قراءة تأثيلية في المفهوم والتطور وأشهر الأعلام.
العدد 43 - أدب شعبي

د‭.   ‬جلول‭ ‬دواجي‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬الجزائر

 

إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭ ‬فرضتها‭ ‬إشكالية‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والفكرية‭ ‬الأصيلة‭ ‬للشخصية‭ ‬الوطنية،‭ ‬فالأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬يعد‭ ‬أهم‭ ‬الركائز‭ ‬الثقافية‭ ‬الوطنية‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬مجاله‭ ‬بحث‭ ‬أصيل‭ ‬مرتبط‭ ‬بالكيان‭ ‬الثقافي‭ ‬لأية‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬البشرية‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬تراث‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬حاضر‭ ‬ولا‭ ‬مستقبل‭ ‬ولا‭ ‬بقاء‭ ‬له‭.‬

وهذه‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬بدون‭ ‬شك‭ ‬يمليها‭ ‬الواجب‭ ‬ومسؤولية‭ ‬إثبات‭ ‬الذات‭ ‬وتحديد‭ ‬هويتها‭ ‬و‭ ‬تدعيم‭ ‬بقائها‭ ‬واستمرارية‭ ‬صمودها‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬التهافت‭ ‬الفكري‭ ‬والسياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬والإيديولوجي‭ ‬والتكنولوجي‭.‬

والأدب‭ ‬الجزائري‭ ‬كغيره‭ ‬من‭ ‬آداب‭ ‬الأمم‭ ‬الأخرى‭ ‬يمتاز‭ ‬بالتعددية‭ ‬والتنوع‭ ‬في‭ ‬أشكاله‭ ‬التعبيرية‭ (‬عربية‭ ‬فصحى‭ ‬ولغات‭ ‬أجنبية‭ ‬ولهجات‭ ‬محلية‭ ‬وألغاز‭ ‬وأمثال‭ ‬وسير‭ ‬وشعر‭ ‬ملحون‭...‬الخ‭)‬،‭ ‬تلك‭ ‬الأشكال‭ ‬والأجناس‭ ‬مرتبطة‭ ‬ارتباطا‭ ‬عضويا‭ ‬بهموم‭ ‬وآمال‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬حركيته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والنفسية‭ ‬داخل‭ ‬الوطن،‭ ‬وليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للغة‭ ‬العامة‭ ‬أدب‭ ‬شعبي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬حاجات‭ ‬وعواطف‭ ‬الطبقة‭ ‬المحرومة‭ ‬كما‭ ‬للغة‭ ‬الرسمية‭ ‬أدب،‭ ‬وإنما‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬الأدب‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ميدان‭ ‬الدراسة‭ ‬والبحث‭ ‬والاعتراف‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤسسات‭ ‬العلمية‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬قل‭ ‬وندر،‭ ‬زد‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬غض‭ ‬الطرف‭ ‬عنه‭ ‬والإقلال‭ ‬من‭ ‬أهميته‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الأكاديميين‭ ‬الرسميين‭ ‬كما‭ ‬ينعتون‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬نظرهم‭ ‬هو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬العربية‭ ‬وتشجيع‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬النعرات‭ ‬وإحياء‭ ‬للهجات‭ ‬الأقليات‭ ‬والأمر‭ ‬ليس‭ ‬كما‭ ‬يظنون‭.‬

فالأديب‭ ‬الشعبي‭ ‬الأصيل‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬الطاقة‭ ‬المحركة‭ ‬لوحدات‭ ‬الشعب‭ ‬والقادرة‭ ‬دوما‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الجراح‭ ‬والنكبات‭ ‬إلى‭ ‬نصر،‭ ‬فهولا‭ ‬يخوض‭ ‬المعارك‭ ‬بسيفه‭ ‬بل‭ ‬يسجل‭ ‬الانتصار‭ ‬بأمانته‭ ‬مثلما‭ ‬يصف‭ ‬الهزيمة‭ ‬بألم‭ ‬و‭ ‬حسرة‭.‬

وتبحث‭ ‬ورقتنا‭ ‬البحثية‭ ‬هذه‭ ‬في‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬وأهميته‭ ‬والوقوف‭ ‬عند‭ ‬مضامينه‭ ‬وقيمته‭ ‬وفنيته‭ ‬وجماليته‭ ‬وأدبيته،‭ ‬والتعريف‭ ‬بشعراء‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬وبعض‭ ‬النتف‭ ‬من‭ ‬شعرهم،‭ ‬وإماطة‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬أدبنا‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬وخاصة‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الدراسة‭ ‬والتحليل‭ ‬ونفض‭ ‬غبار‭ ‬التهميش‭ ‬والنسيان‭ ‬عنه‭.‬

 


ماهيـة‭ ‬الشعـر‭ ‬الشعبـي‭ ‬

يعد‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬وعاء‭ ‬ثقافيا‭ ‬وفكريا‭ ‬يحوي‭ ‬اللغة‭ ‬والدين‭ ‬والمعتقدات‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬آصرة‭ ‬بالفولكلور،‭ ‬فهو‭ ‬ينهل‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬العلوم،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يتبع‭ ‬منهجا‭ ‬علميا‭ ‬محددا‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعارف‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬أحاسيس‭ ‬الشعب‭ ‬ومشاعره‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬بيئته‭ ‬وواقعه‭ ‬الاجتماعي‭.‬

اختلف‭ ‬الباحثون‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مفهوم‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬أو‭ ‬باحثين‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬نورد‭ ‬بعضا‭ ‬منها‭: ‬يقول‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬يونس‭: ‬االأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬هو‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬به‭ ‬الشعب‭ ‬عن‭ ‬مشاعره‭ ‬وأحاسيسه‭ ‬أفرادا‭ ‬وجماعات،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬وإلى‭ ‬الشعب‭ ‬يتطور‭ ‬بتطوره‭ ‬وهوغذاؤه‭ ‬الوجداني‭ ‬الذي‭ ‬يلائمه‭ ‬كل‭ ‬الملائمة‭ ‬وليس‭ ‬ينفعه‭ ‬غيره‭ ‬وهو‭ ‬يمتاز‭ ‬عن‭ ‬سواه‭ ‬بسمات‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬سائر‭ ‬أنواع‭ ‬القول‭ ‬وأقسامه‭ ‬التي‭ ‬تناقلتها‭ ‬الأجيال‭ ‬وتعتز‭ ‬بها‭ ‬المَواطن‭ ‬والشعوبب1‭.‬

فالقول‭ ‬هذا‭ ‬يكشف‭ ‬السمات‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الآداب‭ ‬كونه‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬حاجات‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعات‭ ‬حتى‭ ‬إنه‭ ‬ليعتبر‭ ‬الغذاء‭ ‬الرئيسي‭ ‬المتوافق‭ ‬مع‭ ‬أفكارهم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلهم‭ ‬يتفاعلون‭ ‬مع‭ ‬نصوصه‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نقله‭ ‬وتناقله‭ ‬وحفظه‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭.‬

الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬أدب‭ ‬متوارث‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬بالمشافهة‭ ‬والحفظ‭ ‬في‭ ‬الصدور‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬السطور‭ ‬وحدد‭ ‬له‭ ‬البعض‭ ‬أربع‭ ‬خصائص‭ ‬وهي‭ ‬كونه‭: ‬

‭           ‬مجهول‭ ‬المؤلف‭.‬

‭           ‬متوارث‭ ‬جيلا‭ ‬عن‭ ‬جيل‭.‬

‭           ‬عامي‭ ‬اللغة‭.‬

‭           ‬يتناقل‭ ‬بالرواية‭ ‬الشفوية‭.‬

بينما‭ ‬يذهب‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬عامية‭ ‬أو‭ ‬فصحى،‭ ‬وقد‭ ‬عرفه‭ ‬محمد‭ ‬المرزوقي‭ ‬اذلك‭ ‬الأدب‭ ‬الذي‭ ‬استعار‭ ‬له‭ ‬الشرقيون‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬كلمة‭ (‬فلكلور‭) ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬إطلاق‭ ‬الكلمة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬بالأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬بالضبطب2‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬الرأي‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬به‭ ‬سلامة‭ ‬موسى‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الشعبي‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬اإحساسُ‭ ‬إحساسِ‭ ‬الشعبب3‭.‬

الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬فرع‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬له‭ ‬مميزات‭ ‬عدة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الصدق‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬النفس‭ ‬دون‭ ‬مراوغة،‭ ‬وهو‭ ‬يضم‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬العاطفة‭ ‬لأنه‭ ‬مصدر‭ ‬القلب‭ ‬وهو‭ ‬معبر‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الشعب‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬بساطة‭ ‬وتعقيد‭ ‬لأنه‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬أعماقها‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬سطحياتها،‭ ‬ويشمل‭ ‬جميع‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع‭ ‬ويركز‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬يوظفها‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي،‭ ‬والتي‭ ‬وجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لغة‭ ‬القوم‭ ‬التي‭ ‬يفهمونها‭ ‬ويتواصلون‭ ‬بها‭.‬

 


‭ ‬علاقـة‭ ‬الشعـر‭ ‬الشعبـي‭ ‬بالشعـر‭ ‬الفصيـح‭  ‬

يذهب‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬هو‭ ‬الأدب‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬الذاتية‭ (‬الشعب‭)‬،‭ ‬والمشكل‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬كيف‭ ‬يعبر‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬ذاتية‭ ‬الشعب؟‭ ‬فكلمة‭ - ‬ذاتية‭- ‬لها‭ ‬مدلول‭ ‬عام،‭ ‬لا‭ ‬تميز‭ ‬الأدب‭ ‬الرسمي‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬يستهدف‭ ‬تقدم‭ ‬الشعوب‭ ‬وخدمة‭ ‬مصالحها‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬خاصية‭ ‬تتجلى‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الرسمي‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬الشعبي،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬مقدوره‭ ‬أن‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬الأدب‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬الفكرية‭ ‬وثقافته‭ ‬الحضارية‭ ‬رغم‭ ‬مواكبته‭ ‬للتطور‭ ‬واستندوا‭ ‬في‭ ‬توضيحهم‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بقولهم‭ ‬افيه‭ ‬أدب‭ ‬الفصحى‭ ‬وأدب‭ ‬العامية‭ ‬يقتضي‭ ‬الخيار‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يريدها‭ ‬الأديب‭ ‬الرسمي‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬تجاهل‭ ‬دور‭ ‬اللغة‭ ‬الفوارق‭ ‬الثقافية‭ ‬بين‭ ‬الأديب‭ ‬الرسمي‭ ‬والأديب‭ ‬الشعبي،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬مبرر‭ ‬للقول‭ ‬بوجود‭ ‬أدب‭ ‬شعبي‭ ‬وأدب‭ ‬رسميب4‭.‬

و‭ ‬هذا‭ ‬قول‭ ‬يتنافى‭ ‬وواقع‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬البسيطة‭ ‬التي‭ ‬تترجم‭ ‬بيئته‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها،‭ ‬فهناك‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬الشعبيين‭ ‬لم‭ ‬يلتحقوا‭ ‬بالمدارس‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬أتوا‭ ‬ربما‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬به‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الآخر‭ (‬الرسمي‭)‬،‭ ‬كون‭ ‬الأديب‭ ‬الرسمي‭ ‬يتصل‭ ‬بالفكر‭ ‬المعاصر‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الكتاب‭ ‬والمجلة‭ ‬والصحيفة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال،‭ ‬فهم‭ ‬بهذا‭ ‬القول‭ ‬يستبعدون‭ ‬دور‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اعتبارها‭ ‬الوسيلة‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬المعاني‭ ‬والأحاسيس‭ ‬النفسية،‭ ‬وليس‭ ‬ملزما‭ ‬على‭ ‬الأديب‭ ‬الشعبي‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬لغة‭ ‬معربة،‭ ‬ويرتفع‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الأديب‭ ‬المدرسي،‭ ‬ولكنه‭ ‬مجبر‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬العامية‭ ‬التي‭ ‬يتقنها‭ ‬ويفهم‭ ‬معانيها‭ ‬هو‭ ‬ومن‭ ‬يتحدث‭ ‬عنهم‭ ‬أو‭ ‬إليهم‭.  ‬

فالأديب‭ ‬الشعبي‭ ‬عموما‭ ‬يتميز‭ ‬بالواقعية‭ ‬والصدق‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬بطريقة‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الأديب‭ ‬المدرسي‭ ‬باعتباره‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الطبقات‭ ‬الشعبية،‭ ‬والصدق‭ ‬بآلامها‭ ‬وهمومها،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الأديب‭ ‬المدرسي،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الاختلاف‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬أسلوبه‭ ‬وبلاغته‭ ‬عن‭ ‬أسلوب‭ ‬الأديب‭ ‬الرسمي،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقول‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الركيبي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬الشعر‭ ‬الديني‭ ‬الجزائري‭): ‬اومع‭ ‬هذا‭ ‬نجد‭ ‬أرضية‭ ‬يلتقي‭ ‬فيها‭ ‬الشاعران‭ ‬الرسمي‭ ‬والشعبي،‭ ‬ومن‭ ‬يتلقى‭ ‬شعرهما‭ ‬أميا‭ ‬أو‭ ‬متعلما،‭ ‬وهذه‭ ‬الأرضية‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬الإطار‭ ‬الحضاري‭ ‬الواحد‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعا‭ ‬حيث‭ ‬يتقاربون‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬وفي‭ ‬الإحساس‭ ‬والتفكير‭ ‬والذوقب5‭.‬

وهناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الإطار‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬الذي‭ ‬ينهل‭ ‬منه‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬والشاعر‭ ‬المدرسي‭ ‬مشترك‭ ‬بينهما،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬وحدة‭ ‬الرؤية‭ ‬والتصور،‭ ‬وهو‭ ‬اعتبار‭ ‬خاطئ،‭ ‬لأن‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬لا‭ ‬يولد‭ ‬بالضرورة‭ ‬وحدة‭ ‬الرؤية،‭ ‬ولتوضيح‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسوغ‭ ‬المثال‭ ‬الآتي‭: ‬إن‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الأمي‭ ‬عند‭ ‬مشاهدته‭ ‬لفيلم‭ ‬االرسالةب‭ ‬ويرى‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬غيث‭ ‬يؤدي‭ ‬دور‭ ‬سيدنا‭ ‬حمزة‭ ‬فسوف‭ ‬يتبادر‭ ‬إليه‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬محالة،‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬الشاعر‭ ‬المدرسي‭ ‬عند‭ ‬مشاهدته‭ ‬لنفس‭ ‬الفيلم‭ ‬يتبادر‭ ‬إليه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬غيث‭ ‬الدور‭ ‬جيدا‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬ويقابل‭ ‬بين‭ ‬حوار‭ ‬الفيلم‭ ‬والتاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وهل‭ ‬تقيد‭ ‬الحوار‭ ‬بالأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬بصورة‭ ‬أمينة‭ ‬التي‭ ‬تناسب‭ ‬أغراض‭ ‬الفيلم؟‭ ‬إلى‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأسئلة6‭.‬

فالشاعر‭ ‬المدرسي‭ ‬يوظف‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬عند‭ ‬مشاهدته‭ ‬للفيلم‭ ‬بغية‭ ‬تقسيمه‭ ‬وفهمه‭ ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬الفيلم‭ ‬موقفا‭ ‬سطحيا،‭ ‬وحين‭ ‬تصفح‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬السمة‭ ‬الغالبة‭ ‬عليه‭ ‬هي‭ ‬اتباع‭ ‬الشكل‭ ‬التقليدي‭ ‬للشعر‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الصيغة‭ ‬والمفردات‭ ‬والتراكيب،‭ ‬وكذلك‭ ‬اعتماد‭ ‬الشاعر‭ ‬للقافية‭ ‬الواحدة،‭ ‬وهو‭ ‬يتخذ‭ ‬شكل‭ ‬القصيدة‭ ‬المعربة‭  ‬حيث‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي‭ ‬مخالفته‭ ‬لقواعد‭ ‬الإعراب،‭ ‬واعتماده‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬التسكين‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬الشعبي‭ ‬بكثرة7‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬يعتبر‭ ‬امتدادا‭ ‬للشعر‭ ‬الرسمي‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يقلد‭ ‬ويسير‭ ‬على‭ ‬نمط‭ ‬القدامى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأغراض‭ ‬من‭ ‬مدح‭ ‬ورثاء‭ ‬وغزل‭ ‬وغيرها‭ ‬وتباين‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تناولها،‭ ‬حسب‭ ‬الظروف‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬الداخلية‭ ‬وهذا‭ ‬أحمد‭ ‬أمين‭ ‬يدلي‭ ‬برأيه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬يقول‭: ‬امن‭ ‬هنا‭ ‬استطاع‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬أن‭ ‬يقلد‭ ‬كل‭ ‬أغراض‭ ‬الشعر‭ ‬مدحا‭ ‬ورثاء‭ ‬وهجاء‭ ‬وحماسة‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬الرؤيا‭ ‬وتباين‭ ‬في‭ ‬الأسلوب‭ ‬واختلاف‭ ‬التصويرب8‭. ‬

 


‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬و‭ ‬فوضى‭ ‬المصطلحات‭ : ‬

أطلق‭ ‬الدارسون‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬تسميات‭ ‬كثيرة،‭ ‬تختلف‭ ‬حسب‭ ‬الإطلاق‭ ‬الذي‭ ‬شاع‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دون‭ ‬سواها،‭ ‬أو‭ ‬حسب‭ ‬اختيار‭ ‬الباحث‭ ‬لهذا‭ ‬المصطلح‭ ‬و‭ ‬ذاك،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬مرده‭ ‬إلى‭ ‬اختلافهم‭ ‬مصطلح‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬فلكلٍّ‭ ‬وجهةٌ‭ ‬هو‭ ‬مُولِّيها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المصطلح‭ ‬وإيمانه‭ ‬به‭ ‬بحجج‭ ‬وتبريرات‭ ‬يستدل‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭. ‬

ويمكن‭ ‬إرجاع‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تحديد‭ ‬مفهوم‭ ‬ذالشعبية‭- ‬في‭ ‬الأدب‭  ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬بالفن‭ ‬الذي‭ ‬جهل‭ ‬قائله‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬قصره‭ ‬في‭ ‬العراقة‭ ‬والقدم‭ ‬وإخراجه‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬قائله‭.‬

و‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬التسميات‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬على‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ (‬الملحون‭) ‬التي‭ ‬دار‭ ‬حولها‭ ‬الجدل‭ ‬فقد‭ ‬أطلقها‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬دون‭ ‬النثر‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬اللحن‭ ‬من‭ ‬خصائص‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬شعرا‭ ‬ونثرا‭.‬

ويرى‭ ‬محمد‭ ‬المرزوقي‭ ‬أن‭ ‬إطلاق‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التسمية‭ ‬على‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬والشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬كلاهما‭ ‬تسمية‭ ‬خاطئة،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬تصحيحها‭ ‬ويضيف‭ ‬أن‭ ‬أحسن‭ ‬ضبط‭ ‬لذلك‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬حسين‭ ‬نصار‭: ‬االأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬هو‭ ‬الأدب‭ ‬المجهول‭ ‬المؤلف،‭ ‬العامي‭ ‬اللغة،‭ ‬المتوارث‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬بالرواية‭ ‬الشفويةب9‭.‬

ومما‭ ‬سبق‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬والتوارث‭ ‬وجهل‭ ‬المؤلف‭ ‬ليست‭ ‬قيدا‭ ‬لمفهوم‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي،‭ ‬فالرواية‭ ‬مثلا‭ ‬لا‭ ‬تختص‭ ‬بالتعبير‭ ‬الشعبي‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬عامة‭ ‬وتشكل‭ ‬الأدب‭ ‬الرسمي‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القول‭ ‬بجهل‭ ‬المؤلف‭ ‬أو‭ ‬معرفته‭ ‬لا‭ ‬يحددان‭ ‬مفهوم‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬دراسة‭ ‬النصوص،‭ ‬والبحث‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬استوفت‭ ‬المقاييس‭ ‬المطلوبة،‭ ‬فهي‭ ‬أدب‭ ‬شعبي‭ ‬وإلا‭ ‬العكس،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬هذا‭ ‬فهي‭ ‬تبقى‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬أرجعوا‭ ‬شعبية‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬العراقة‭ ‬والقدم‭ -‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الركيبي‭- ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬القول‭ ‬بجهل‭ ‬المؤلف‭ ‬ويضيف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالنصوص‭ ‬يساعد‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬شعبية‭ ‬الأدب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التمسك‭ ‬بصاحبه،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬القارئ‭ ‬والمتتبع‭ ‬للنصوص‭ ‬الشعبية‭ ‬يوجه‭ ‬تركيزه‭ ‬إلى‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يجيد‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬همومه‭ ‬ومشاكله،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يولي‭ ‬أية‭ ‬أهمية‭ ‬لقائلها‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬معلوما‭ ‬أو‭ ‬مجهولا،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العلم‭ ‬به‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬شيوع‭ ‬شعره‭ ‬و‭ ‬انتشاره‭ ‬بين‭ ‬الشعوب،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬أشعار‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬كريو‭ ‬أو‭ ‬سيدي‭ ‬لخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬أو‭ ‬الشيخ‭ ‬السماتي‭ ‬أو‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سهلة‭ ‬وغيرهم‭ ‬أنها‭ ‬ليس‭ ‬شعبية‭ ‬بحجة‭ ‬العلم‭ ‬بأصحابها‭.‬

وهناك‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬حصر‭ ‬كلمة‭ (‬الملحون‭) ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬النطق‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬قواعد‭ ‬الإعراب‭ ‬بينما‭ ‬يعممها‭ ‬آخرون‭ ‬لتشمل‭ ‬اما‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بالقصيدة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنواعها‭ ‬وأشكالها‭ ‬ولغتها‭ ‬ونحوها‭ ‬وقوافيها‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬فنية‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬بناؤها‭ ‬أيضاب10‭. ‬

ويرى‭ ‬محمد‭ ‬المرزوقي‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬الملحون‭ ‬أعم‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬أي‭ ‬يشمل‭ ‬كل‭ ‬منظوم‭ ‬بالعامية‭  ‬والملاحظ‭ ‬عنه‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يهتم‭ ‬باستخدام‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي،‭ ‬وإنما‭ ‬بتاريخ‭ ‬دخول‭ ‬اللحن‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬تطرقوا‭ ‬إلى‭ ‬إعطاء‭ ‬التصور‭ ‬الصائب‭ ‬بإطلاق‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ (‬الملحون‭) ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬هو‭ ‬عباس‭ ‬الجراري‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬الرأي‭ ‬القائل‭ ‬بأنها‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬الغناء،‭ ‬فقد‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬حائرا‭ ‬بين‭ ‬أمرين،‭ ‬أحدهما‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الغناء‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬نظم‭ ‬الشعر،‭ ‬ويذكر‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬أطلقها‭ ‬القدامى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقابل‭ ‬الشعر‭ ‬المعرب،‭ ‬وقد‭ ‬ورد‭ ‬له‭ ‬قول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يدعم‭ ‬به‭ ‬رأيه‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬سعيد‭ ‬يقول‭ ‬متحدثا‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الشعراء،‭ ‬وله‭ ‬شعر‭ ‬ملحون‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬العامة‭ .‬

ويعلل‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الركيبي‭ ‬اختياره‭ ‬لإطلاق‭ ‬كلمة‭ ‬الملحون‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬دون‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬كالشعبي‭ ‬والعامي‭ ‬راجع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬شاع‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬عنيت‭ ‬بدراسته‭ ‬وإيجاد‭ ‬الدارجة‭ ‬أداة‭ ‬له،‭ ‬وباستطاعته‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬مزاج‭ ‬العامة‭.‬

وهناك‭ ‬قسم‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬الكلام‭ ‬المنظوم‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬الدارسين‭ ‬من‭ ‬استبعاده‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬رغم‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬النظم،‭ ‬واعتبروه‭ ‬شعرا‭ ‬عاميا‭ ‬وليس‭ ‬شعبيا‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬التسميات‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬أيضا‭ (‬العامي‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬تسمية‭ ‬خاطئة‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬البعض‭ ‬لاحتوائه‭ ‬على‭ ‬خصائص‭ ‬لا‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬العامي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬كلاما‭ ‬عاديا‭.‬

وقد‭ ‬ينطبق‭ ‬مصطلح‭ (‬الزجل‭) ‬الذي‭ ‬أطلقه‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دون‭ ‬سواها‭ ‬لاختلاف‭ ‬الأوضاع‭ ‬الثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬الشعري‭.‬

إنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬النقاد‭ ‬ودارسي‭ ‬الأدب‭ ‬هذه‭ ‬التسميات‭ ‬المختلفة‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬الأخيرة‭ (‬الشعبي‭) ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬الطبقات‭ ‬الشعبية‭ ‬لهذا‭ ‬الفن‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬المصطلحات،‭ ‬كالملحون‭ ‬والزجل،‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬صفته‭ ‬الشعبية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬خصائص‭ ‬و‭ ‬مقومات‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬نفسها‭.‬

 


‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬و‭ ‬ظهوره‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬نشأة‭ ‬أنماط‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬عموما‭ ‬والشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬خصوصا‭ ‬صعب‭ ‬التحديد،‭ ‬وما‭ ‬وصلنا‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬شفاهيا،‭ ‬يرتبط‭ ‬بالثقافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬موضوعا‭ ‬ومحتوى‭ ‬بحيث‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الدارس‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬متداولا‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬إلى‭ ‬بلدان‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭.‬

وما‭ ‬يعرف‭ ‬عن‭ ‬ظهور‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الإبداعات‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬أقطار‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬دخل‭ ‬فيها‭ ‬الهلاليون‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬الهجري‭ ‬حيث‭ ‬إنه‭ ‬قيل‭ ‬بعدم‭ - ‬في‭ ‬حدود‭ ‬معرفتنا‭ ‬واطلاعنا‭- ‬توفر‭ ‬نصوص‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬سابقة‭ ‬لهجرة‭ ‬القبائل‭ ‬الهلالية،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬وهي‭ ‬طروحات‭ ‬تبقى‭ ‬مجرد‭ ‬احتمالات‭ ‬واردة‭ ‬لا‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬بصورة‭ ‬قطعية،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الاحتمالات‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬انقراض‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬موجودا‭ ‬قبل‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬الهجري‭ ‬بما‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬تعبير‭ ‬ذاتي‭ ‬يرتبط‭ ‬بأغراض‭ ‬حاربها‭ ‬الإسلام‭ ‬لأنها‭ ‬تخالف‭ ‬مبادئ‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وتتعارض‭ ‬مع‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬أمة‭ ‬موحدة،‭ ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬الأغراض‭ ‬الشعرية‭ ‬نجد‭ - ‬الفخر‭ - ‬بالأنساب‭ ‬والمرأة‭ ‬والتغزل‭ ‬بها‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تمجيد‭ ‬الروح‭ ‬القبلية،‭ ‬وهاته‭ ‬الأغراض‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬للشاعر‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬وجدانه‭ ‬وعواطفه‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يريدها‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأخلاق‭ ‬والمبادئ‭ ‬التي‭ ‬تسيء‭ ‬إلى‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وهناك‭ ‬احتمال‭ ‬آخر‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬كان‭ ‬أميا‭ ‬ولا‭ ‬يحسن‭ ‬تدوين‭ ‬ما‭ ‬ينظمه‭  ‬ولما‭ ‬هجر‭ ‬الشعراء‭ ‬الشعبيون‭ ‬نظم‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬انقرضت‭ ‬نصوصهم‭ .‬

ويذهب‭ ‬محمد‭ ‬المرزوقي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬استقرار‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬وسليم‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬تعليله‭ ‬قوله‭: ‬الم‭ ‬يترك‭ ‬لنا‭ ‬التاريخ‭ ‬أي‭ ‬أثر‭ ‬لشعر‭ ‬منظوم‭ ‬باللغة‭ ‬الدارجة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬قبل‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬الهجري‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬الزحفة‭ ‬الهلالية‭ ‬سنة‭ ‬443هـب11‭.‬

ويضيف‭ ‬أيضا‭ ‬اإن‭ ‬دخول‭ ‬الهلاليين‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬وما‭ ‬قاموا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬دينية‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬العربيب12‭. ‬

ويشير‭ ‬محمد‭ ‬المرزوقي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك‭ ‬التأثير‭ ‬كثرة‭ ‬أولئك‭ ‬الأعراب‭ ‬وتغلبهم‭ ‬على‭ ‬إفريقيا‭ ‬و‭ ‬انتشارهم‭ ‬في‭ ‬مناكبها‭.‬

والمعلوم‭ ‬أن‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬كانوا‭ ‬خليطا‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭ ‬ذات‭ ‬اللهجات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وكانوا‭ ‬ينظمون‭ ‬الشعر‭ ‬بهذه‭ ‬اللهجات،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬وجد‭ ‬الأفارقة‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬الهلاليين‭ ‬ما‭ ‬شجعهم‭ ‬على‭ ‬نظم‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬ويرى‭ ‬محمد‭ ‬المرزوقي‭ ‬إرجاع‭ ‬ظهور‭ ‬الشعر‭ ‬إلى‭ ‬استقرار‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬العربي،‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬الهلاليون‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬شعراء‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موهبة‭ ‬الشعر‭ ‬للسكان‭ ‬أصلية،‭ ‬لهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬تطور‭ ‬الظروف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬وما‭ ‬أدخله‭ ‬الهلاليون‭ ‬من‭ ‬لهجات‭ ‬غير‭ ‬معربة‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬المساعدة‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬أي‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬تأثير‭ ‬الأندلسيين‭ ‬ولا‭ ‬نذهب‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أدلة‭ ‬قاطعة‭ ‬تؤكده،‭ ‬نجد‭ ‬فن‭ ‬الزجل‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬ابتكار‭ ‬أهل‭ ‬الأندلس‭ ‬وقد‭ ‬اشترط‭ ‬في‭ ‬نظمه‭ ‬اللهجة‭ ‬العامية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سهل‭ ‬على‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬تقليده‭ ‬والنظم‭ ‬على‭ ‬منواله،‭ ‬ولازال‭ ‬تأثيره‭ ‬قائما‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬نجد‭ ‬مثلا‭ ‬الفرق‭ ‬الأندلسية‭ ‬إلى‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬تبين‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬الهجرة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬وقد‭ ‬جاؤوا‭ ‬فرارا‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬والاضطهاد‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الأندلس،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬بنو‭ ‬هلال‭ ‬الذين‭ ‬دخلوا‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تطبيق‭ ‬خطة‭ ‬سياسية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬معين‭.‬

إن‭ ‬معرفة‭ ‬نشأة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الوصول‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬رأي‭ ‬قاطع،‭ ‬لأن‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تناولته‭ ‬أي‭ ‬تناولت‭ ‬موضوع‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬معدومة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قول‭ ‬دارسيه‭.‬

وعند‭ ‬دراسة‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية‭ ‬الشعبية‭ ‬الجزائرية‭ ‬يتضح‭ ‬أنها‭ ‬مصطبغة‭ ‬بصبغة‭ ‬الروح‭ ‬الإسلامية‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬النفي‭ ‬القاطع‭ ‬لوجود‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬قبل‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الجزائري‭ ‬له‭ ‬لغته‭ ‬وعاداته‭ ‬وطقوسه،‭ ‬ويستدعي‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬وجود‭ ‬شعر‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬وجدانه‭ ‬وحاجاته،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬للنظرة‭ ‬الجديدة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬أتى‭ ‬بها‭ ‬الإسلام‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تخلي‭ ‬الشاعر‭ ‬عن‭ ‬نظم‭ ‬شعر‭ ‬لا‭ ‬يتماشى‭ ‬ومبادئ‭ ‬العقيدة،‭ ‬وإضافة‭ ‬التأثير‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬نجد‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬اللهجات‭ ‬العربية‭ ‬الواحدة‭ ‬مع‭ ‬العرب‭ ‬الفاتحين‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬لغة‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬اللغة‭ ‬المعربة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬لتعلم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬ساعدت‭ ‬وتظافرت‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭.‬

وقد‭ ‬ذهب‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الركيبي‭ ‬يقول‭: ‬ابالنسبة‭ ‬للجزائر‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الشعر‭ ‬غير‭ ‬المعرب‭ ‬جاء‭ ‬مع‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي،‭ ‬ثم‭ ‬انتشر‭ ‬بصورة‭ ‬قوية‭ ‬واضحة‭ ‬بعد‭ ‬مجيء‭ ‬الهلاليين‭ (‬469ه‭ ‬ـ1047م‭) ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬حاملين‭ ‬معهم‭ ‬لهجاتهم‭ ‬المتعددة‭ ‬حين‭ ‬تغلغلوا‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الشعبية‭ ‬وساهموا‭ ‬في‭ ‬تعريب‭ ‬الجزائر‭ ‬بصورة‭ ‬جلية‭ ‬اعترف‭ ‬بها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدارسين‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬ثمرة‭ ‬من‭ ‬ثمار‭ ‬الثقافة‭ ‬العربيةب13‭.‬

تمثل‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬الجزائر‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬احتفاظ‭ ‬الشعر‭ ‬الصحراوي‭ ‬خاصية‭ ‬استقرار‭ ‬بني‭ ‬هلال‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الأمر‭ ‬بالمناطق‭ ‬الجنوبية‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سكان‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬لم‭ ‬يختلطوا‭ ‬كثيرا‭ ‬بأهل‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬عندهم‭ ‬الحضارة‭ ‬البربرية،‭ ‬ولذلك‭ ‬نستطيع‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الشعر‭ ‬الجنوبي‭ ‬مثّل‭ ‬روح‭ ‬الشعر‭ ‬البدوي،‭ ‬والذي‭ ‬يهتم‭ ‬فيه‭ ‬الشاعر‭ ‬بالصورة‭ ‬الشعرية‭ ‬الحاملة‭ ‬للشهامة‭ ‬والعزة،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الحضري‭ ‬لون‭ ‬آخر‭ ‬تقل‭ ‬فيه‭ ‬الصورة‭ ‬الفنية‭ ‬ويتم‭ ‬فيه‭ ‬انتقاء‭ ‬الألفاظ‭ ‬التي‭ ‬تلبي‭ ‬حاجات‭ ‬مجتمع‭ ‬تهمه‭ ‬المتعة‭ ‬ويتلاءم‭ ‬والغناء‭ ‬والطرب14‭.‬

وكان‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬يجالس‭ ‬العلماء،‭ ‬يستمع‭ ‬منهم‭ ‬ويحضر‭ ‬دروس‭ ‬الفقهاء‭ ‬ويستفيد‭ ‬منها‭ ‬وقد‭ ‬أكسبه‭ ‬هذا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬والمسائل‭ ‬الدينية،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الأشكال‭ ‬الممارسة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬فن‭ ‬الموشحات‭ ‬الجزائرية،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬اعتقاد‭ ‬البعض‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬المعرب‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لغتها‭ ‬وتراكيبها‭ ...‬،‭ ‬يقول‭ ‬التلي‭ ‬بن‭ ‬الشيخ‭: ‬اونحن‭ ‬نتفق‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬الموشحات‭ ‬الجزائرية‭ ‬ضمن‭ ‬حظيرة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبيب15‭.‬

يرجع‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬التعبيرية‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الجزائري‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤثرات‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وإلى‭ ‬تاريخ‭ ‬هجرة‭ ‬أنماط‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وقد‭ ‬سبق‭ ‬دخول‭ ‬الموشحات‭ ‬والأزجال‭ ‬الأندلسية‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬تأثير‭ ‬القصيدة‭ ‬المعربة‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬الهجرة‭ ‬الهلالية‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وساعد‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬الموشحات‭ ‬والأزجال‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الهلاليين‭ ‬هجرة‭ ‬الأندلسيين‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭ ‬وكان‭ ‬تأثيرهم‭ ‬بواسطة‭ ‬ما‭ ‬حملوه‭ ‬معهم‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬غناء‭ ‬وطرب‭.‬

و‭ ‬قد‭ ‬لعب‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬دورا‭ ‬خطيرا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬عدة‭ ‬منها‭ ‬التبليغ‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬انعدمت‭ ‬فيها‭ ‬وسائل‭ ‬التبليغ،‭ ‬مثلا‭ ‬إيصال‭ ‬أخبار‭ ‬الثورة‭ ‬إلى‭ ‬المواطنين‭ ‬ورغم‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬يواجهونها‭ ‬خلال‭ ‬بعث‭ ‬رسائلهم‭ ‬وكذلك‭ ‬استطاع‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬تصوير‭ ‬فترة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬تصويرا‭ ‬صادقا،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الأدوار‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬أيضا،‭ ‬مواكبة‭ ‬تطور‭ ‬المقاومة‭ ‬الجزائرية‭ ‬وحفاظه‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬فقد‭ ‬لعب‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬دورا‭ ‬دعائيا‭ ‬إعلاميا‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬صد‭ ‬وطرد‭ ‬الغزاة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مراحله‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬إثبات‭ ‬الذات‭ ‬الجزائرية‭ ‬بمقوماتها‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬والأمازيغية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬رغم‭ ‬صعوبة‭ ‬الواقع‭.  ‬

 


‭ ‬أعلام‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬الجزائر

‭ ‬يزخر‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬بمجموعة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬الشعبي‭ ‬نذكر‭ ‬بعضا‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭:‬

1‭ - ‬الشاعر‭ ‬سيدي‭ ‬لخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف16‭: ‬

هو‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬الشريف‭ ‬الإدريسي،‭ ‬المغراوي‭ ‬نسبة،‭  ‬فهو‭ ‬شريف‭ ‬النسب‭ ‬،‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬سلالة‭ ‬الإمام‭ ‬علي‭ ‬كرم‭ ‬الله‭ ‬وجهه‭ ‬،‭ ‬وفي‭ ‬هـذا‭ ‬الصدد‭ ‬يقول‭ ‬عنه‭ ‬الحاج‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬الحاج‭ ‬الغوثي‭ ‬بخوشة‭: ‬افهو‭ ‬شريف‭  ‬إدريسي،‭ ‬أما‭ ‬مغراوة‭ ‬فإنها‭ ‬بلاد‭ ‬نشأته‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬صرح‭ ‬التاريخ‭ ‬بأن‭ ‬المغراوة‭ ‬بطن‭ ‬من‭ ‬زناته،‭ ‬وأن‭ ‬الرئاسة‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام،‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬صدره‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬الموحدين،‭ ‬واشتهر‭ ‬منهم‭ ‬ملوك‭ ‬تلمسان‭ ‬ووهران‭ ‬وشلف‭ ‬ومعسكر‭ ‬والأغواط‭ ‬ويقول‭ ‬الإدريسي‭: ‬وحِسَان‭ ‬النعمان‭ ‬بعروبتهم‭ ‬ولكنهم‭ ‬تبربروا‭ ‬بالمجاورة‭ ...‬ب17‭.  ‬

و‭ ‬يضيف‭ ‬محمد‭ ‬بخوشة‭ ‬قائلا‭ : ‬ايرجع‭ ‬نسب‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬إلى‭ ‬مولى‭ ‬إدريس‭ ‬الأكبر‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه،‭ ‬فهو‭ ‬مغراوي‭ ‬الأصل،‭ ‬شريف‭ ‬النسب‭ ‬،‭ ‬يلتحق‭ ‬بجده‭ ‬عيسى‭ ‬الـذي‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬الشقران‭ ‬ناحية‭ ‬مستغانم،‭ ‬و‭ ‬إليك‭ ‬سلسلة‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬ذكرها‭ ‬الإمام‭ ‬السيوطي‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ : ‬هو‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬الحسن‭ ‬بن‭ ‬يعقوب‭ ‬الشريف‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬عمران‭ ‬بن‭ ‬صفوان‭ ‬بن‭ ‬يسار‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬بن‭ ‬يحي‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬ادريس‭ ‬الولد‭ ‬بن‭ ‬ادريس‭ ‬الأكبر‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الكامل‭ ‬بن‭ ‬الحسن‭ ‬المثنى‭ ‬بن‭ ‬الحسن‭ ‬البسيط‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬كرم‭ ‬الله‭ ‬وجهه،‭ ‬نعم،‭ ‬إن‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬مغراوي‭ ‬الأصل‭ ‬شريف‭ ‬النسب‭...‬ب18‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬لتؤكد‭ ‬بوضوح‭ ‬نسب‭ ‬الشاعر‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬الشريف،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬الإمام‭ ‬علي‭ ‬كرم‭ ‬الله‭ ‬وجهه،‭ ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يعتز‭ ‬بهذا‭ ‬النسب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شعره‭ ‬المرصع‭ ‬بآيات‭ ‬الحكمة‭ ‬والعظة‭ ‬والرشاد‭.‬

‭ ‬نشأ‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تشتهر‭ ‬بخصال‭ ‬حميدة‭ ‬من‭ ‬جود‭ ‬وكرم‭ ‬وحسن‭ ‬ضيافة،‭ ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬مستمدة‭ ‬من‭ ‬تعاليم‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والبيئة‭ ‬العربية‭ ‬المشهورة‭ ‬بخصال‭ ‬العرب‭ ‬الحميدة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬يقول‭ ‬محمد‭ ‬بخوشة‭: ‬ا‭ ‬نشأ‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬في‭ ‬ناحية‭ ‬من‭ ‬جبال‭ ‬مغراوة‭ ‬الجزائرية‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬كريم،‭ ‬مشهور‭ ‬بخصال‭ ‬العرب،‭ ‬عندئذ‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬عصر‭ ‬الحكم‭ ‬التركي‭ ...‬ب19‭. ‬

إن‭ ‬العصر‭ ‬التركي‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬الشاعر‭ ‬بين‭ ‬أحضانه‭ ‬تميز‭ ‬باضطرابات‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية،‭ ‬وتحرشات‭ ‬القوى‭ ‬الغاصبة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬مثل‭ ‬إسبانيا‭ ‬وحليفاتها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفوضى‭ ‬والقلاقل‭ ‬والهزات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬الصعبة،‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬لحد‭ ‬اليوم‭ ‬تاريخ‭ ‬مولد‭ ‬الشاعر‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬بيوم‭ ‬محدد‭ ‬ولا‭ ‬شهر‭ ‬معين‭ ‬ولا‭ ‬سنة‭ ‬مضبوطة،‭ ‬والمشهور‭ ‬والمحفوظ‭ ‬عنه‭ ‬أنه‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني‭ ‬للجزائر‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬الهجري‭.‬

إن‭ ‬الشاعر‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬كان‭ ‬عالما‭ ‬كبيرا‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬عصره‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬حافظا‭ ‬لكتاب‭ ‬الله،‭ ‬ومطلعا‭ ‬على‭ ‬كتب‭ ‬السيرة‭ ‬والحديث‭ ‬والفقه‭ ‬والأدب‭ ‬والتاريخ،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬عارفا‭ ‬بقصص‭ ‬الأنبياء‭ ‬والرسل،‭ ‬وقصص‭ ‬الأولين،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬الباع‭ ‬الطويل‭  ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬والتاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬أيضا‭ ‬دائم‭ ‬الحضور‭ ‬لحلقات‭ ‬الذكر‭ ‬والفقه‭  ‬الحديث‭ ‬ومجالس‭ ‬تدارس‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وتفسيره،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬قصائده‭.‬

قضى‭ ‬الشاعر‭ ‬لخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬أيام‭ ‬صباه‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مزغران،‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬هذه‭ ‬مصدر‭ ‬عيشه‭ ‬،‭ ‬ومأوى‭ ‬عائلته‭ ‬وأهله،‭ ‬ويذكر‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬له‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يحب‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬وقد‭ ‬أمضى‭ ‬أحلى‭ ‬أيام‭ ‬شبابه‭ ‬بها‭ ‬قائلا‭:‬

حسراه‭ ‬يا‭ ‬الدنيا‭ ‬كاللي‭ ‬مـا‭ ‬كانت

عديت‭ ‬شبوب‭ ‬صغـري‭ ‬في‭ ‬مزغران

سيفي‭ ‬مجرده‭ ‬وأنا‭ ‬نضرب‭ ‬في‭ ‬الاعدا

و‭ ‬الناس‭ ‬ضاجه‭ ‬من‭ ‬زجر‭ ‬ي‭ ‬بالخوف20

ولما‭ ‬بلغ‭ ‬أربعين‭ ‬سنة‭ ‬ودع‭ ‬حياة‭ ‬الشباب،‭ ‬واستقبل‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭ ‬كلها‭ ‬زهد‭ ‬وورع‭ ‬وتصوف‭ ‬ومدح‭ ‬للرسول‭ ‬ﷺ،‭ ‬وغادر‭ ‬منطقة‭ ‬مزغران‭ - ‬قرية‭ ‬صباه‭ ‬وشبابه‭ - ‬ليستقر‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬الآن‭ ‬اسمه‭ ‬غير‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬مزغران،‭ ‬وهناك‭ ‬انقطع‭ ‬للعبادة‭ ‬والذكر‭ ‬والبكاء‭ ‬على‭ ‬ذنوبه‭ ‬والتحسر‭ ‬على‭ ‬شهوات‭ ‬الدنيا‭ ‬وملذات‭ ‬الحياة‭ ‬ووسواس‭ ‬النفس‭ ‬والهوى‭ ‬والشيطان،‭ ‬ولقد‭ ‬قدم‭ ‬من‭ ‬مزغران‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يسمى‭ ‬الآن‭ ‬باسمه،‭ ‬وليس‭ ‬معه‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬سوى‭ ‬معرفة‭ ‬الفقه‭ ‬والعلم‭ ‬وكل‭ ‬ماله‭ ‬صلة‭ ‬بالثقافة‭ ‬الدينية‭ ‬والأدب‭ ‬والتاريخ‭ .‬

أخذ‭ ‬الشاعر‭ ‬العلم‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المشايخ‭ ‬و‭ ‬الفقهاء‭ ‬والعلماء‭ ‬من‭ ‬بينهم‭: ‬اسيدي‭ ‬بلقاسم‭ ‬بوعسرية،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬النجباء‭ ‬والطلبة‭ ‬المشهورين،‭ ‬وتتلمذ‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬أستاذه‭ ‬سيدي‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬شاعة‭ ‬العالم‭ ‬الفقيهب21‭. ‬كما‭ ‬أخذ‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬الأكحل‭.‬

حفظ‭ ‬سيدي‭ ‬لخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬القرآن‭ ‬عن‭ ‬شيخه‭ ‬وصهره‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬اسيدي‭ ‬عفيف،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬فيه‭ ‬الخلال‭ ‬الحميدة‭ ‬وحسن‭ ‬الخلق،‭ ‬وقوة‭ ‬الذاكرة‭ ‬فبادر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يزوجه‭ ‬ابنته‭ (‬قنو‭) ‬فتزوجها‭ ‬الشاعر‭ ‬سيدي‭ ‬الأخضر‭ ‬طاعة‭ ‬لشيخه‭ ‬وإرضاءً‭ ‬له‭ ‬ب22،‭ ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬زمانه‭ ‬يسمونه‭ ‬شيخ‭ ‬الشيوخ،‭ ‬وفقيه‭ ‬الفقهاء‭ ‬وإمام‭ ‬الأئمة‭ ‬لسعة‭ ‬علمه‭ ‬وسرعة‭ ‬الحفظ‭ ‬وقوة‭ ‬الإقناع‭ ‬بالحجة‭ ‬والبرهان‭ ‬والدليلب23‭. ‬

ولهذا‭ ‬ذاع‭ ‬صيت‭ ‬الشاعر‭ ‬واشتهر‭ ‬اسمه‭ ‬وعمت‭ ‬مناقبه‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬حسن،‭ ‬وعلم‭ ‬كثير‭ ‬وتصوف‭ ‬وزهد‭ ‬وتواضع،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الصفات‭ ‬جعلت‭ ‬منه‭ ‬وليا‭ ‬صالحا‭ ‬يقتدى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الحكمة‭ ‬والموعظة‭ ‬والصلاح‭ ‬والرشاد،‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬شهرته‭ ‬شعره‭ ‬الرائع‭ ‬الذي‭ ‬خلده‭ ‬وحفظته‭ ‬الأجيال،‭ ‬افأقدم‭ ‬ديوان‭ ‬شعري‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬ينشر‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الأستاذ‭ ‬بخوشة‭ ‬محمد‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬سنة‭ ‬1958مب24،‭ ‬حيث‭ ‬جمع‭ ‬إحدى‭ ‬وثلاثين‭ ‬قصيدة‭ ‬قدم‭ ‬لها‭ ‬وذيلها‭ ‬بتعاليقه‭ ‬وآرائه‭ ‬وشروحاته‭.‬

تعتبر‭ ‬قصيدة‭ ‬اابقاوا‭ ‬بالسلامةب‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬مختصرة‭ ‬لحياة‭ ‬الشاعر،‭ ‬وربما‭ ‬تكون‭ ‬آخر‭ ‬قصيدة‭ ‬قالها‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬لأنه‭ ‬يودع‭ ‬فيها‭ ‬أبناءه‭ ‬وأهله‭ ‬ويوصيهم‭ ‬خيرا‭ ‬بأنفسهم‭ ‬وبمن‭ ‬حولهم‭ ‬ويجمع‭ ‬أبناءه‭ ‬فيورثهم‭ ‬رزقه‭ ‬وتركته،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬النية‭ ‬سيئة‭ ‬بعد‭ ‬مماته‭ ‬فيتباغضون‭ ‬ويتخاصمون‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬وحفاظا‭ ‬على‭ ‬العشرة‭ ‬والمودة‭ ‬بينهم‭ ‬وصونا‭ ‬كذلك‭ ‬لشرف‭ ‬العائلة‭ ‬الشريفة،‭ ‬يقول‭:‬

الموت‭ ‬تابعتـني‭ ‬و‭ ‬الأرض‭ ‬الباردة

ابـقاو‭ ‬بالـسلامة‭ ‬يا‭ ‬أولاد‭ ‬خلوف

أنـت‭ ‬يا‭ ‬مـحمد‭ ‬اتهلى‭ ‬في‭ ‬خيمتـي

أنـت‭ ‬كبير‭ ‬داري‭ ‬و‭ ‬أنت‭ ‬مولاها

وأنت‭ ‬يا‭ ‬أحـمـد‭ ‬خذ‭ ‬أدي‭ ‬سبحتـي

بـها‭ ‬تفكرنـي‭ ‬وقت‭ ‬تقراها

وأنت‭ ‬يا‭ ‬بلـقـاسم‭ ‬عمم‭ ‬بـعماتي

تـضحى‭ ‬لك‭ ‬هـيـبة‭ ‬لمن‭ ‬يراهـا

وأنت‭ ‬يا‭ ‬الحبيب‭ ‬ولدي‭ ‬نطفة‭ ‬من‭ ‬الكبدة

خد‭ ‬شمـلتـي‭ ‬و‭ ‬بـرانيس‭ ‬الصوف

اتـهلاو‭ ‬في‭ ‬بعضكم‭ ‬لا‭ ‬تشفوا‭ ‬في‭ ‬العدا

قـوموا‭ ‬جنازتي‭ ‬و‭ ‬اعطوا‭ ‬المعروف25

نعم،‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬التركة‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬الشاعر‭ ‬وقام‭ ‬بتقسيمها‭ ‬على‭ ‬أهله،‭ ‬خيمة‭ ‬لابنه‭ ‬الأكبر‭ ‬محمد،‭ ‬وسبحة‭ ‬لأحمد،‭ ‬وعمامة‭ ‬لأبي‭ ‬القاسم،‭ ‬وشملة‭ ‬وبرانيس‭ ‬لابنه‭ ‬الأصغر‭ ‬الحبيب،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬رموز‭ ‬صوفية،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬له‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أسرارها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬تخصص‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الصوفية‭ ‬والتصوف،‭ ‬وفي‭ ‬آخر‭ ‬البيت‭ ‬وصية‭ ‬بالتكاتف‭ ‬والتآزر‭ ‬والتعاون‭ ‬بينهم‭ ‬وإكرام‭ ‬وإحسان‭ ‬للحضور‭ ‬يوم‭ ‬الجنازة‭ ‬ثم‭ ‬يذكرهم‭ ‬بأختهم‭ ‬الوحيدة‭ ‬المطلقة‭ ‬حفصة،‭ ‬ويوصيهم‭ ‬بأن‭ ‬يبروا‭ ‬إليها‭ ‬ويحسنوا‭ ‬إكرامها‭ ‬والإنفاق‭ ‬عليها‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭:‬

بروا‭ ‬يـا‭ ‬أولادي‭ ‬بـخيتكم‭ ‬هجالــة

حفصة‭ ‬بنت‭ ‬الأكحل‭ ‬مداح‭ ‬الرسول

الـبنت‭ ‬يـاك‭ ‬تـنهان‭ ‬بلا‭ ‬رجـالــة

انتما‭ ‬ارجالها‭ ‬يـا‭ ‬سـابـقيـن‭ ‬الخـيـر

إذا‭ ‬بكـاتني‭ ‬معذورة‭ ‬في‭ ‬حالهـا

تبكي‭ ‬علـى‭ ‬الخلوفي‭ ‬بوهـا‭ ‬لا‭ ‬غير26

كان‭ ‬الولد‭ ‬البار‭ ‬سيدي‭ ‬الاخضر‭ ‬يدعو‭ ‬لوالديه‭ ‬،‭ ‬ويعتز‭ ‬ببنوته‭ ‬لهما،‭ ‬فأمه‭ ‬هي‭ ‬لالة‭ ‬خولة‭ ‬أو‭ ‬كلة‭ ‬اليعقوبية،‭ ‬وأبوه‭ ‬هو‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬ولد‭ ‬خلوف‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬أمه‭:‬

محال‭ ‬كالخلوفي‭ ‬تولد‭ ‬شي‭ ‬والدة

غر‭ ‬العجوز‭ ‬كلـة‭ ‬حملت‭ ‬بالجوف

الناس‭ ‬ياك‭ ‬تولد‭ ‬شـي‭ ‬ولـدان‭ ‬معبرة

من‭ ‬غيـر‭ ‬من‭ ‬كلة‭ ‬شباح‭ ‬النسوان

وكلة‭ ‬العجوز‭ ‬ولدت‭ ‬مداح‭ ‬خيـر‭ ‬الورى

محمد‭ ‬الشريف‭ ‬النبي‭ ‬العدنان27

ويدعو‭ ‬لوالديه‭ ‬قائلا‭: ‬

الله‭ ‬يـرحم‭ ‬قـايل‭ ‬الأبـيـــات

الآكحل‭ ‬وآسم‭ ‬بوه‭ ‬عـبـد‭ ‬الله

المشهـور‭ ‬آسـمــه‭ ‬مـن‭ ‬الـفيـات

مغراوي‭ ‬جـده‭ ‬رسول‭ ‬الله

وآمه‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬محسنات

اليـعقوبية‭ ‬لالـة‭ ‬خولـة28

واختار‭ ‬الشاعر‭ ‬مكانا‭ ‬يدفن‭ ‬فيه‭ ‬بعد‭ ‬موته،‭ ‬وسيكون‭ ‬قبره‭ ‬حذو‭ ‬تلك‭ ‬النخلة‭ ‬التي‭ ‬ستقيه‭ ‬من‭ ‬حر‭ ‬الهجيرة‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬عنها‭ :‬

نخلة‭ ‬مثبتة‭ ‬تلقح‭ ‬بعد‭ ‬اليبوس

احذاها‭ ‬يكون‭ ‬قبري‭ ‬يـا‭ ‬مسلمين29

ويقول‭ :‬

النخلة‭ ‬مـنـزلها‭ ‬حذايا

نـظلل‭ ‬في‭ ‬ظلها‭ ‬البعيدا30

مات‭ ‬الشاعر‭ ‬سيدي‭ ‬لخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬تاركا‭ ‬شعرا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حاضرا‭ ‬يرن‭ ‬صداه‭ ‬ويحفظ‭ ‬ويدرس‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬كالزوايا‭ ‬والمساجد‭ ‬والجامعات‭ ‬رغم‭ ‬طول‭ ‬الزمان‭ ‬بيننا‭ ‬وبينه‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬قضى‭ ‬اعمره‭ ‬الطويل‭ ‬في‭ ‬إرشاد‭ ‬العباد،‭ ‬فقدم‭ ‬لهم‭ ‬عصارة‭ ‬فكره‭ ‬وما‭ ‬استنتجه‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬ومواعظ‭ ‬عبر‭ ‬عمره‭ ‬المديد‭ ‬ليموت‭ ‬فقيرا‭ ‬معدما،‭ ‬ويدفن‭ ‬تحت‭ ‬جذع‭ ‬نخلة‭ ‬مقوسة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ظلالها‭ ‬وارفة‭ ‬تقي‭ ‬ضريحه‭ ‬من‭ ‬حر‭ ‬الهجيرةب31‭.‬

عاش‭ ‬سيدي‭ ‬الاخضر‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مائة‭ ‬وخمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬سنة،‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬شعره،‭ ‬إنه‭ ‬عمر‭ ‬طويل‭ ‬عرف‭ ‬فيه‭ ‬الشاعر‭ ‬تطورات‭ ‬تاريخية‭ ‬وأحداث‭ ‬بارزة،‭ ‬أهمها‭ ‬الغزو‭ ‬الإسباني‭ ‬على‭ ‬أرضه‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يحبها‭ ‬ويعزها‭ ‬ويمجدها،‭ ‬وحبه‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬نابعا‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬عربية‭ ‬مسلمة‭ ‬واعتزاز‭ ‬فياض،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكمن‭ ‬أصالة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبيبوالأصالة‭ ‬تعني‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالكيان‭ ‬والشخصية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الوقوف‭ ‬ضد‭ ‬المساس‭ ‬بهذه‭ ‬الأصالة‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬الانتماء‭ ‬للوطنب32‭. ‬

وسيدي‭ ‬الاخضر‭ ‬نموذج‭ ‬في‭ ‬الوطنية‭ ‬لكونه‭ ‬رفع‭ ‬لواء‭ ‬الجهاد‭ ‬ضد‭ ‬الغزاة‭ ‬الإسبان‭ ‬اففي‭ ‬معركة‭ ‬مستغانم‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والإسبان‭ ‬سنة‭ ‬965هـ‭/‬1558م‭ ‬المعروفة‭ ‬بواقعة‭ ‬مزغران،‭ ‬شارك‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الشهير‭ ‬الأكحل‭ ‬بن‭ ‬خلوف‭ ‬المعروف‭ ‬بالاخضر‭ ‬شخصيا،‭ ‬وقد‭ ‬سجل‭ ‬فيها‭ ‬قصة‭ ‬المعركة‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬التي‭ ‬مطلعها‭:‬

يـا‭ ‬سايـلني‭ ‬عـن‭ ‬طـراد‭ ‬الـروم

قصة‭ ‬مزغران‭ ‬معلومـة33

أراد‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬لهذه‭ ‬المعركة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اعظة‭ ‬للأجيال،‭ ‬معركة‭ ‬كانت‭ ‬بالفعل‭ ‬أفجع‭ ‬هزيمة‭ ‬عرفها‭ ‬الجيش‭ ‬الإسباني‭ ‬في‭ ‬تاريخه‭ ‬للاحتلال‭... ‬فأصبحت‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬هامة‭ ‬لأبطالنا‭ ‬الكرامب34،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬فواجب‭ ‬أن‭ ‬نضع‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬الشعبية‭ ‬مكانا‭ ‬أقدس‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وثائق‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬المتاحف‭ ‬والمكتبات‭ ‬والأرشيف‭ ‬لأنها‭ ‬كتبت‭ ‬بالدماء،‭ ‬ودبجت‭ ‬بالدموع‭ ‬ودونت‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬الفرج‭ ‬بعد‭ ‬محن‭ ‬ونكبات‭ ‬أرادت‭ ‬مس‭ ‬الكرامة‭ ‬ودس‭ ‬الشرف‭ ‬ومحو‭ ‬أصالة‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري‭ ‬العربي‭ ‬المسلم،‭ ‬يقول‭ ‬ملخصا‭ ‬حياته‭:‬

جوزت‭ ‬مائة‭ ‬وخمسة‭ ‬وعشـرين‭ ‬حساب

وتميت‭ ‬من‭ ‬ورا‭ ‬سني‭ ‬ستة‭ ‬اشهور35

ويذكر‭ ‬بأنه‭ ‬ولد‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬الهجري،‭ ‬وأنه‭ ‬أتم‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬بأكمله‭:‬

من‭ ‬قرن‭ ‬الثمانية‭ ‬أديت‭ ‬سنين‭ ‬اوزايع

والأيام‭ ‬هاملـة‭ ‬والجالب‭ ‬مجلوب

بفضل‭ ‬النبـي‭ ‬تميت‭ ‬القرن‭ ‬التاسع

و‭ ‬الفلك‭ ‬ينثنى‭ ‬والحاسب‭ ‬محسوب36

 


ومثلما‭ ‬لم‭ ‬تحدد‭ ‬سنة‭ ‬ميلاد‭ ‬الشاعر،‭ ‬فكذلك‭ ‬لم‭ ‬تحدد‭ ‬سنة‭ ‬وفاته‭ ‬بالتحديد‭ ‬لقلة‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك‭.‬

2‭ - ‬ترجمة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الشاعر‭ ‬بن‭ ‬كريو37‭:‬

هو‭ ‬التخي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬الطاهر‭ ‬القاضي‭ ‬وأمه‭ ‬التخي‭ ‬أم‭ ‬النون‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الأسرة،‭ ‬ولد‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بمدينة‭ ‬الأغواط‭ ‬واختلف‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬ولادته،‭ ‬فالشائع‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬سنة‭ ‬1860م،‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬نقش‭ ‬على‭ ‬قبره،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬تذكر‭ ‬أن‭ ‬ولادته‭ ‬كانت‭ ‬سنة‭ ‬1869‭ ‬38،‭ ‬كان‭ ‬والده‭ ‬قاضيا‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أتم‭ ‬الشاعر‭ ‬دراسته‭ ‬وصار‭ ‬مؤهلا‭ ‬لأن‭ ‬يحتل‭ ‬منصب‭ ‬قاضي‭ ‬ويكون‭ ‬خير‭ ‬خلف‭ ‬لخير‭ ‬سلف‭ ‬محققا‭ ‬بذلك‭ ‬آمال‭ ‬والده‭ ‬فيه‭.‬

كان‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬كريو‭ ‬اجتماعيا،‭ ‬يحب‭ ‬المجالس‭ ‬الأدبية‭ ‬والمناقشات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجمعه‭ ‬بأصدقائه‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬والشعراء‭ ‬والقضاة،‭ ‬كما‭ ‬عرف‭ ‬بميله‭ ‬الشديد‭ ‬إلى‭ ‬مجالس‭ ‬الأنس‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرتحل‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ثقافته‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬أهلته‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬قاضيا،‭ ‬كثير‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬والأدب،‭ ‬وكان‭ ‬يملك‭ ‬مكتبة‭ ‬يقال‭ ‬إنه‭ ‬أحرقها‭ ‬بنفسه‭ ‬بعد‭ ‬فقدانه‭ ‬لبصره،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سوء‭ ‬حالته‭ ‬المادية،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المكتبة‭ ‬تحوي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أشعاره‭ ‬التي‭ ‬دونها‭ ‬بنفسه‭ ‬ورفضه‭ ‬إذاعتها‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬تتسم‭ ‬أشعاره‭ ‬باحتوائها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬لغته‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭.‬

وقد‭ ‬روي‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬بتجارب‭ ‬تطبيقية‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الكيمياء‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬صنع‭ (‬الويز‭) ‬أي‭ ‬الذهب‭ ‬بالعامية‭ ‬المحلية‭ ‬الجزائرية،‭ ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬شعره‭ ‬الذي‭ ‬يذكر‭ ‬فيه‭ ‬أسماء‭ ‬الرواد‭ ‬والعلماء‭ ‬الذين‭ ‬مارسوا‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬كأفلاطون‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مهتما‭ ‬بهذا‭ ‬العلم‭ ‬اهتماما‭ ‬بالغا‭.‬

وفي‭ ‬سنة‭ ‬1921م‭ ‬تدهورت‭ ‬حالة‭ ‬الشاعر‭ ‬الصحية‭ ‬والنفسية‭ ‬نتيجة‭ ‬الفقر‭ ‬وسوء‭ ‬التغذية‭ ‬وانتشار‭ ‬الحمى‭ ‬الصفراء‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الأغواط‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬أصيب‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬توفي‭ ‬الشاعر‭ ‬يوم‭ ‬21‭ ‬أكتوبر‭ ‬1921‭ ‬39‭.‬

ومن‭ ‬أشهر‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬كريو‭ ‬هذه‭ ‬النتف‭:‬

يا‭ ‬مرسولي‭ ‬سر‭ ‬بجوابي‭ ‬وديه

يمكن‭ ‬بيد‭ ‬الظريف‭ ‬وعنــالي

ياهات‭ ‬اخبار‭ ‬الخير‭ ‬لنا‭ ‬كن‭ ‬انبيه

والمراه‭ ‬اللى‭ ‬بيننا‭ ‬وريهــالي

سال‭ ‬على‭ ‬محبوب‭ ‬قلبي‭ ‬سال‭ ‬عليه

‭ ‬سال‭ ‬عليها‭ ‬سال‭ ‬شاطنة‭ ‬حـالي

قل‭ ‬لها‭ ‬وعلاه‭ ‬محبوبك‭ ‬تنسيه

غيظانه‭ ‬شكيت‭ ‬ما‭ ‬كيش‭ ‬تسالي

قداش‭ ‬ان‭ ‬مرسول‭ ‬لي‭ ‬شقيتيه

كرهوك‭ ‬الحساد‭ ‬بغضه‭ ‬على‭ ‬جالي40

ويقول‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬كريو‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬المشهورة‭ ‬اقمر‭ ‬الليلب‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬كل‭ ‬جزائري‭: ‬

قمر‭ ‬الليل‭ ‬خواطري‭ ‬تتونس‭ ‬بيه

‭ ‬نلقى‭ ‬فيه‭ ‬اوصاف‭ ‬يرضاهم‭ ‬بالي

يا‭ ‬طالب‭ ‬عندي‭ ‬حبيب‭ ‬ماليه‭ ‬شبيه

من‭ ‬مرغوبي‭ ‬فيه‭ ‬سهري‭ ‬يحلالي

انبات‭ ‬انقسم‭ ‬في‭ ‬الليالي‭ ‬ننظر‭ ‬ماليه

يفرقني‭ ‬منه‭ ‬الحذار‭ ‬التالـي

خايف‭ ‬لا‭ ‬بعض‭ ‬السحابات‭ ‬تغطيه

‭ ‬إذا‭ ‬غاب‭ ‬ضياه‭ ‬يتغير‭ ‬حالـي

ياسايل‭ ‬عن‭ ‬خاطري‭ ‬واش‭ ‬رامسهيهت

اللي‭ ‬جلى‭ ‬قلبي‭ ‬جالـي41

3‭ - ‬ترجمة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الشاعر‭ ‬بن‭ ‬سهلة‭:‬

ولد‭ ‬بومدين‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سهلة‭ ‬بتلمسان‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الأطفال‭ ‬فيها‭ ‬يقضون‭ ‬صباهم‭ ‬بين‭ ‬المسيد‭ (‬المسجد‭ ‬أو‭ ‬الكتاب‭) ‬أو‭ ‬المدرسة‭ ‬والحانوت‭ (‬المتجر‭) ‬أو‭ ‬العمل،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬العادة‭ ‬تقتضي‭ ‬تعليم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬والمهنة‭ ‬الضرورية‭ ‬لضمان‭ ‬رزقه،‭ ‬وتعتبر‭ ‬مهنة‭ ‬الحياكة‭ (‬الدراز‭) ‬هي‭ ‬الرائجة‭ ‬آنذاك،‭ ‬فاشتهر‭ ‬أهل‭ ‬المدينة‭ ‬بالإجادة‭ ‬فيها42‭.‬

اهتم‭ ‬الشاعر‭ ‬بومدين‭ ‬بن‭ ‬سهلة‭ ‬بالطرب‭ ‬والغناء،‭ ‬وقال‭ ‬الشعر‭ ‬مبكرا،‭ ‬وكانت‭ ‬ملهمته‭ ‬فتاة‭ ‬تدعى‭ (‬بدرة‭) ‬تهوى‭ ‬الاستماع‭ ‬لأشعاره،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فجر‭ ‬قريحة‭ ‬الشاعر،‭ ‬وصار‭ ‬يكتب‭ ‬أشعارا‭ ‬يخاطب‭ ‬بها‭ ‬فتاة‭ ‬أحلامه‭ ‬التي‭ ‬هام‭ ‬بها،‭ ‬ووجه‭ ‬شعره‭ ‬لها‭ ‬مباشرة،‭ ‬فنظم‭ ‬قصائد‭ ‬في‭ ‬محبوبته‭ (‬بدرة‭)‬،‭ ‬وتعلقه‭ ‬بها‭ ‬كان‭ ‬سبب‭ ‬عبقريته‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬الشعر،‭ ‬وكانت‭ ‬هي‭ ‬تحفظ‭ ‬شعره‭ ‬وتصغي‭ ‬إليه‭ ‬خصوصا‭ ‬القصائد‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬فيها43‭.‬

كان‭ ‬الشاعر‭ ‬يتمتع‭ ‬بصفات‭ ‬جميلة،‭ ‬كحسن‭ ‬العشرة‭ ‬وخفة‭ ‬البديهة،‭ ‬وله‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعبير،‭ ‬حيث‭ ‬يردد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬في‭ ‬الأعياد‭ ‬والمناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬بتلمسان،‭ ‬وقد‭ ‬أتاحت‭ ‬له‭ ‬البروز‭ ‬والنجاح‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬اللهو‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬شغف‭ ‬بها‭ ‬الشاعر‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الشعراء‭ ‬الآخرين‭ ‬فيقول‭:‬

العود‭ ‬والأوتار‭ ‬في‭ ‬الرأس‭           ‬القوس‭ ‬والرباب‭ ‬والكأس

مع‭ ‬جميع‭ ‬بناين‭ ‬الناس‭               ‬يزهى‭ ‬كل‭ ‬زهواني

وأنا‭ ‬قاطع‭ ‬لياس‭                               ‬ماصبت‭ ‬مــن‭ ‬يزهيني44

وبحكم‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬راقية‭ ‬ووافرة‭ ‬الرخاء،‭ ‬تتوفر‭ ‬فيها‭ ‬جميع‭ ‬أسباب‭ ‬الحضارة‭ ‬والازدهار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الطبقة‭ ‬الشغيلة‭ ‬الكادحة‭ ‬تعاني‭ ‬الفقر‭ ‬والحرمان‭ ‬نتيجة‭ ‬سوء‭ ‬تصرف‭ ‬الحكام‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وجشع‭ ‬الأغنياء،‭ ‬فنجده‭ ‬يعاني‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬المزرية،‭ ‬فأثر‭ ‬شعره‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وأحس‭ ‬بعضهم‭ ‬عليه،‭ ‬فارتحل‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬غرب‭ ‬الشمال‭ ‬الجزائري،‭ ‬وواصل‭ ‬مهاجمة‭ ‬الحكام‭ ‬بأشعار‭ ‬منها‭ ‬قوله‭: ‬

راني‭ ‬من‭ ‬حبك‭ ‬يا‭ ‬إمــام‭ ‬الغيــد

مثل‭ ‬الطير‭ ‬اللي‭ ‬حاصل‭ ‬في‭ ‬الأسجان

عابد‭ ‬غير‭ ‬التخمام‭ ‬و‭ ‬التنكـــيد

هايم‭ ‬مهموم‭ ‬مريـض‭ ‬في‭ ‬الأحـزان

ما‭ ‬نرضى‭ ‬شي‭ ‬عمري‭ ‬نبوس‭ ‬الإيد

وعلى‭ ‬وجهك‭ ‬جرعت‭ ‬كل‭ ‬أمحان45

يغلب‭ ‬على‭ ‬أشعار‭ ‬بومدين‭ ‬بن‭ ‬سهلة‭ ‬الرمز‭ ‬وذلك‭ ‬راجع‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الحكم‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬فقد‭ ‬عبرت‭ ‬معظمها‭ ‬على‭ ‬مرارة‭ ‬الواقع‭ ‬المعاش‭ ‬وبذلك‭ ‬لقيت‭ ‬تجاوبا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الشعب‭ ‬فعرفت‭ ‬انتشارا‭ ‬واسعا،‭ ‬وراح‭ ‬يرددها‭ ‬الحضري‭ ‬والبدوي،‭ ‬ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬غرض‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬راحت‭ ‬تتلون‭ ‬وتتعدد‭ ‬بين‭ ‬اللزوميات‭ ‬والاستعطاف‭ ‬والشكوى‭ ‬والفخر‭ ‬والغزل‭ ‬والتوسل‭ ‬والابتهال‭....‬الخ،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬وأروع‭ ‬ما‭ ‬أبدع‭ ‬فيه‭ ‬كان‭ ‬الوصف‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬التنميق‭ ‬والزخرفة‭ ‬والتأنق‭ ‬اللفظي46‭.‬

4‭ - ‬محمـد‭ ‬بلخيــر‭: ‬

تختلف‭ ‬الروايات‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬مكان‭ ‬وتاريخ‭ ‬ميلاده،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬غريبا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬نظام‭ ‬الحالة‭ ‬المدنية‭ ‬آنذاك،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬المؤرخين‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬موطنا‭ ‬لقبيلته‭ ‬هي‭ ‬بلدة‭ ‬الرزيقات،‭ ‬قرب‭ ‬البيض‭ ‬والذي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬فخذ‭ ‬من‭ ‬أفخاذها‭ ‬السّبع47‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬أولاد‭ ‬داود‭.‬

والرواية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬بشأن‭ ‬مكان‭ ‬وتاريخ‭ ‬مولده‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬اتّفق‭ ‬حولها‭ ‬بعض‭ ‬المقربين‭ ‬من‭ ‬الشاعر48،‭ ‬حيث‭ ‬حدد‭ ‬مولده‭ ‬سنة‭ ‬1822م‭ ‬بالواد‭ ‬المالح‭ ‬الواقع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬وهران‭ ‬وعين‭ ‬تموشنت‭ ‬قرب‭ ‬العامرية‭ ‬حاليا،‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬يؤكده‭ ‬الشاعر‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬سجنه‭ ‬بكالفي‭ ‬سنة‭ ‬1884م‭:‬

محمد‭ ‬قال‭ ‬عليك‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬ولى‭ ‬شيباني‭ ‬

بعد‭ ‬اثنين‭ ‬وستين‭ ‬مابقي‭ ‬ليا‭ ‬ما‭ ‬ينزاد

ومن‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬يلد‭ ‬في‭ ‬مراعي‭ ‬الرزيقات‭ ‬حسب‭ ‬عادة‭ ‬البدو،‭ ‬لكن‭ ‬الظّروف‭ ‬الطبيعية‭ ‬القاهرة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬السّنوات‭ ‬الشداد‭ ‬كانت‭ ‬القبائل‭ ‬ترحل‭ ‬نحو‭ ‬التّل‭ ‬طلبا‭ ‬للقوت‭ ‬والعمل‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬الحصاد،‭ ‬حيث‭ ‬يزداد‭ ‬الطّلب‭ ‬على‭ ‬الشوالة‭ ‬واللقاطة،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬عائلته‭ ‬تنتجع‭ ‬نحو‭ ‬الشمال‭ ‬حيث‭ ‬الكلأ‭ ‬والماء‭ ‬والعمل‭.‬

ترعرع‭ ‬الشّاعر‭ ‬وسط‭ ‬مجتمع‭ ‬معروف‭ ‬بخصال‭ ‬وشمائل‭ ‬كثيرة‭ ‬كالكرم‭ ‬والوفاء‭ ‬بالعهد‭ ‬وحبّ‭ ‬الحرية‭ ‬والصّبر‭ ‬على‭ ‬الشّدائد‭ ‬والذّود‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬والعرض،‭ ‬فأكسبته‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬والخبرات‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬أهل‭ ‬منطقته‭ ‬مما‭ ‬نمّى‭ ‬من‭ ‬معرفته‭ ‬وصقل‭ ‬موهبته،‭ ‬وقد‭ ‬لازم‭ ‬منذ‭ ‬نعومة‭ ‬أظافره‭ ‬الطلاب‭ ‬والكتاتيب‭ ‬لحفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كما‭ ‬عاشر‭ ‬بعض‭ ‬الشعراء‭ ‬والمداحين‭ ‬والقوالين،‭ ‬وتأثر‭ ‬بهم‭ ‬فتفتقت‭ ‬قريحته‭ ‬الشعرية‭ ‬وتحركت‭ ‬فيه‭ ‬الأحاسيس‭ ‬والمشاعر‭ ‬الوجدانية‭ ‬وتدفقت‭ ‬عواطفه‭ ‬سيلا‭ ‬من‭ ‬القوافي‭ ‬والكلام‭ ‬الموزون‭ ‬المعبر،‭ ‬تزوج‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬فاطمة‭ ‬بنت‭ ‬بوقفدة‭ ‬وأنجب‭ ‬منها‭ ‬عدة‭ ‬أطفال‭ ‬منهم‭ ‬لخضر‭ ‬وعبد‭ ‬القادر‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬سيدي‭ ‬الشّيخ‭: ‬

سميت‭ ‬ولدي‭ ‬من‭ ‬عزّك‭ ‬بإمام‭ ‬عرباني

في‭ ‬البيت‭ ‬عند‭ ‬مزراقك‭ ‬ما‭ ‬انكونش‭ ‬جاحدوا

وكان‭ ‬له‭ ‬ارتباط‭ ‬متين‭ ‬بسيدي‭ ‬الشيخ‭ ‬الذي‭ ‬يعتبره‭ ‬الدليل‭ ‬والمرشد‭ ‬والقائد‭ ‬الهمام‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الطريقة‭ ‬الشيخيّة49‭.‬

كان‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬كريما‭ ‬شجاعا‭ ‬وفارسا‭ ‬مقداما‭ ‬لا‭ ‬يهاب‭ ‬الأعداء،‭ ‬وكان‭ ‬يفضّل‭ ‬أن‭ ‬يستشهد‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬ودينه‭ ‬ووطنه‭ ‬وعرضه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بحبوحة‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الخضوع‭ ‬للنفوذ‭ ‬والهيمنة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإنه‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الحروب‭ ‬والمعارك‭ ‬حيث‭ ‬روّض‭ ‬حصانه‭ ‬الملقب‭ ‬بالأزرق‭ ‬للوغى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سقط‭ (‬الحصان‭) ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬الشرف،‭ ‬وقد‭ ‬خلد‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬قصائد،‭ ‬أما‭ ‬أسلحته‭ ‬فهي‭ ‬البندقية‭ ‬مزدوجة‭ -‬الزويجة‭- ‬مع‭ ‬مسدسين‭ (‬كوابيس‭ ‬رديف‭).‬

حين‭ ‬نكبت‭ ‬الجزائر‭ ‬بالاحتلال‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وتوسّع‭ ‬كالمـرض‭ ‬الخبيث‭ ‬فـي‭ ‬جسم‭ ‬الأمّة،‭ ‬اندهش‭ ‬الشّاعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظّاهرة‭ ‬الغريبة‭ ‬ونظم‭ ‬حول‭ ‬ذلك‭ ‬عدة‭ ‬قصائد‭ ‬بيّن‭ ‬فيها‭ ‬طغيان‭ ‬هذا‭ ‬الأجنبي‭ ‬الفرنسي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬مقاومة‭ ‬أولاد‭ ‬سيدي‭ ‬الشيخ‭ ‬1864م‭ ‬الّتي‭ ‬وجدته‭ ‬كهلا‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬الأربعين‭ ‬فانخرط‭ ‬فيها‭ ‬واجتمعت‭ ‬عنده‭ ‬الفروسية‭ ‬وقول‭ ‬الشعر،‭ ‬وكان‭ ‬لشعره‭ ‬الأثر‭ ‬الأقوى‭ ‬على‭ ‬الفرنسيّين‭ ‬وأتباعهم‭ ‬،‭ ‬فأصبح‭ ‬من‭ ‬المطلوبين‭ ‬بالقبض‭ ‬عليه‭. ‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬شهدها،‭ ‬عوينة‭ ‬بوبكر‭ ‬والتي‭ ‬قتل‭ ‬فيها‭ ‬العقيد‭ - ‬بوبيرتر‭- ‬ومعركة‭ ‬ابن‭ ‬الحطاب‭ ‬ومعركة‭ ‬غارات‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ‭ ‬في‭ ‬فيفري‭ ‬1965م،‭ ‬والتي‭ ‬استشهد‭ ‬فيها‭ ‬زعيم‭ ‬الثورة‭ ‬سي‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬حمزة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ريعان‭ ‬شبابه،‭ ‬كما‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬عين‭ ‬ماضي‭ ‬أو‭ ‬القارة‭ ‬العشوى‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ثورة‭ ‬بوعمامة،‭ ‬بعد‭ ‬مسيرة‭ ‬قتالية‭ ‬جهادية‭ ‬بطولية‭ ‬طويلة،‭ ‬مع‭ ‬ثورة‭ ‬أولاد‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬هاجر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬مع‭ ‬الثوار‭ ‬أو‭ ‬أولاد‭ ‬سي‭ ‬حمزة‭ ‬بن‭ ‬بوبكر‭ ‬إلى‭ ‬الوادي‭ ‬الغربي‭ ‬ومنه‭ ‬إلى‭ ‬قير‭ ‬ثم‭ ‬إيغالي‭ ‬وتينقورارين‭ ‬وبعد‭ ‬برهة‭ ‬حصل‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخلاف‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬بن‭ ‬حمزة‭ ‬المؤيد‭ ‬للتفاوض‭ ‬مع‭ ‬الفرنسيين‭ ‬وأخيه‭ ‬قدور‭ ‬بن‭ ‬حمزة،‭ ‬قائد‭ ‬الثورة،‭ ‬حينذاك‭ ‬والمتحمس‭ ‬لمواصلة‭ ‬الجهاد‭ ‬مع‭ ‬عمه‭ ‬سي‭ ‬الأعلى‭ ‬لكن‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬موقف‭ ‬المتفرج‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬حوله‭ ‬أو‭ ‬تصيب‭ ‬إخوانه،‭ ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬يجول‭ ‬خائضا‭ ‬كل‭ ‬الغمار‭ ‬طارقا‭ ‬كل‭ ‬باب‭ ‬متصديا‭ ‬لكل‭ ‬حالة،‭ ‬يحث‭ ‬ويحاول‭ ‬ويشجع‭ ‬ويذكر،‭ ‬وبعدها‭ ‬اضطر‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬مغادرة‭ ‬معسكر‭ ‬الخلاف‭ ‬لينتقل‭ ‬إلى‭ ‬المنيعة‭ ‬لحث‭ ‬أولاد‭ ‬زايد‭ ‬والشعانبة‭ ‬على‭ ‬استئناف‭ ‬الجهاد‭ ‬المقدس،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يوفق‭ ‬في‭ ‬مهمّته‭ ‬فاتّجه‭ ‬صوب‭ ‬مخيمات‭ ‬ومراعي‭ ‬الرزيقات‭ ‬عند‭ ‬عشيرته‭ ‬وقبيلته‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّ‭ ‬السلطات‭ ‬العسكرية‭ ‬التابعة‭ ‬لحامية‭ ‬البيض‭ ‬أخذت‭ ‬عائلته‭ ‬كرهينة‭ ‬ونقلتها‭ ‬إلى‭ ‬الثكنة‭ ‬تحت‭ ‬حراسة‭ ‬مشددة‭ ‬من‭ ‬جنود‭ ‬مسلحين‭ ‬وكان‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬أخ‭ ‬له‭ ‬مريضا‭ ‬فتقدم‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭ ‬العسكري‭ ‬باذلا‭ ‬نفسه‭ ‬للعدو‭ ‬مقابل‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬عائلته‭ ‬فألقي‭ ‬القبض‭ ‬عليه50،‭ ‬وأخضع‭ ‬للتحقيقات‭ ‬والاستجوابات‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬سيق‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬وقضى‭ ‬به‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬ثمّ‭ ‬نقــل‭ ‬تحت‭ ‬حراسة‭ ‬مشددة‭ ‬إلى‭ ‬معسكر،‭ ‬حيث‭ ‬التأم‭ ‬مجلس‭ ‬حكمه‭ ‬الذي‭ ‬أصدر‭ ‬حكمه‭ ‬بسجنه‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ ‬مع‭ ‬نفيه‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬كورسيكا‭ ‬سنة‭ ‬1884م،‭ ‬انتشر‭ ‬خبر‭ ‬هذا‭ ‬النفي‭ ‬كالنار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأنحاء‭ ‬لأنّ‭ ‬اسم‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬ومسيرة‭ ‬حياته‭ ‬قد‭ ‬ارتبطتا‭ ‬بتاريخ‭ ‬المقاومة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬خلال‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬للجنوب‭ ‬الوهراني‭ ‬والذي‭ ‬دام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬وبعد‭ ‬قضاء‭ ‬فترة‭ ‬بسجن‭ ‬معسكر‭ ‬أخذ‭ ‬إلى‭ ‬وهران‭ ‬ومنها‭ ‬أبحر‭ ‬إلى‭ ‬مرسيليا،‭ ‬ثم‭ ‬حول‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬كورسيكا‭ ‬ليسجن‭ ‬بقلعة‭ ‬كالفي‭ ‬الرهيبة،‭ ‬اعتقد‭ ‬الشاعر‭ ‬أنه‭ ‬اجتاز‭ ‬بحرين‭ ‬من‭ ‬وهران‭ ‬إلى‭ ‬مرسيليا‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬كالفي‭ ‬كما‭ ‬ورد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬له‭: ‬

فيوك‭ ‬يا‭ ‬خلقي‭ ‬تعوّل

سلاك‭ ‬الحاصلة‭ ‬تفك‭ ‬من‭ ‬البحرين51

وكم‭ ‬قتلت‭ ‬قلعة‭ ‬كالفي‭ ‬وقلاع‭ ‬سان‭ ‬موغريب‭ ‬وكاليدونيا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أرواح‭ ‬جزائرية‭ ‬كانت‭ ‬متفائلة‭ ‬مبتسمة52‭.‬

كان‭ ‬الشاعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬في‭ ‬سجنه‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يفرج‭ ‬عنه‭ ‬ليرجع‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الجزائر‭ ‬الطاهرة،‭ ‬دار‭ ‬الإسلام‭ ‬ومما‭ ‬يؤلمه‭ ‬أيضا‭ ‬داخل‭ ‬السجن‭ ‬هو‭ ‬الإذلال‭ ‬الّذي‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬شدّة‭ ‬المهانة‭ ‬وفقدان‭ ‬الكرامة‭ ‬والإنسانية‭ ‬وهو‭ ‬الفارس‭ ‬الشهم،‭ ‬فرغم‭ ‬العذاب‭ ‬الجسدي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬الشاقة،‭ ‬فإنّ‭ ‬آلامه‭ ‬النفسية‭ ‬كانت‭ ‬أشد،‭ ‬وقد‭ ‬دوّن‭ ‬الشّاعر‭ ‬أروع‭ ‬القصائد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظّروف،‭ ‬وقد‭ ‬وصل‭ ‬البعض‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬رغم‭ ‬الستار‭ ‬الحديدي‭ ‬المضروب‭ ‬عليه،‭ ‬وقد‭ ‬جمع‭ ‬جزءا‭ ‬منها‭ ‬الأستاذ‭ ‬بوعلام‭ ‬بسايح‭ ‬وسي‭ ‬حمزة‭ ‬بوبكر،‭ ‬وبقيت‭ ‬مخزونة‭ ‬لدى‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬لدى‭ ‬أهل‭ ‬المنطقة‭ ‬ويرددها‭ ‬بعض‭ ‬المولعين‭ ‬بالشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬أمثال‭ ‬بن‭ ‬حاجة‭ ‬محمد‭ ‬وحفيد‭ ‬الشاعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬الحاج‭ ‬عبد‭ ‬القادر53‭.‬

أفرج‭ ‬عن‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬1894م‭ ‬فرجع‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الجزائر‭ ‬ولم‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بزيارة‭ ‬أهله‭ ‬بالبيض،‭ ‬فتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الأبيض‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ‭ ‬عند‭ ‬القبة‭ ‬وأقام‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬وحاول‭ ‬أولاد‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ‭ ‬أن‭ ‬يعوضوه‭ ‬عن‭ ‬معاناته‭ ‬فقدموا‭ ‬له‭ ‬هدايا‭ ‬ثمينة‭ ‬من‭ ‬ملابس‭ ‬فاخرة‭ ‬وحصان‭ ‬جميل‭ ‬بسرج‭ ‬مطرز‭ ‬بالخيوط‭ ‬الذهبية‭... ‬أمضى‭ ‬بقية‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬يفضح‭ ‬فيه‭ ‬أعمال‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬الجزائر،‭ ‬ولم‭ ‬يمكث‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬رحالة‭ ‬كثير‭ ‬التجوال‭ ‬عبر‭ ‬الجنوب‭ ‬الوهراني،‭ ‬وحين‭ ‬تقدم‭ ‬به‭ ‬العمر‭ ‬أصبح‭ ‬يصاب‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر‭ ‬بوعكات‭ ‬صحية‭ ‬تلزمه‭ ‬الفراش،‭ ‬حتى‭ ‬فارق‭ ‬الحياة‭ ‬سنة‭ ‬1904م‭ ‬أو‭ ‬1906م،‭ ‬ودفن‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬القناطر،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬قام‭ ‬أحبابه‭ ‬وأقاربه‭ ‬بنقل‭ ‬رفاته‭ ‬إلى‭ ‬مقبرة‭ ‬الشهداء‭ ‬بدائرة‭ ‬بوعلام‭ ‬قرب‭ ‬البيض‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بجانب‭ ‬شهداء‭ ‬ثورة‭ ‬التحرير‭ ‬الكبرى‭.‬

محمد‭ ‬بلخير‭ ‬الذي‭ ‬نحتته‭ ‬البيئة‭ ‬فصنعت‭ ‬منه‭ ‬شاعرا‭ ‬مميزا‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الشعراء‭ ‬الشعبيين‭ ‬فهو‭ ‬فارس‭ ‬ومجاهد‭ ‬وشاعر‭ ‬الثورة‭ ‬والحب‭ ‬عشق‭ ‬المرأة‭ ‬وعشق‭ ‬الثورة‭ ‬وعشق‭ ‬سيد‭ ‬الشيخ،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬لتنقلاته‭ ‬الكثيرة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الهضاب‭ ‬العليا‭ ‬والصحراء‭ ‬ومجالسة‭ ‬الفقهاء‭ ‬وأهل‭ ‬الرأي‭ ‬والحكمة‭ ‬الأثر‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬اكتسابه‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬والمعارف‭ ‬في‭ ‬الشريعة‭ ‬والتصوف‭ ‬والتاريخ‭ ‬رغم‭ ‬أميته،‭ ‬إن‭ ‬أميته‭ - ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭- ‬رفعت‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬بفضل‭ ‬ثقافته‭ ‬الشعبية،‭ ‬كان‭ ‬ذا‭ ‬قلب‭ ‬سخيّ‭ ‬وروح‭ ‬سامية‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬بداخل‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬البدوي‭ ‬ملكة‭ ‬شعرية‭ ‬أهلته‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬شاعر‭ ‬القبيلة‭ ‬وفارسها،‭ ‬لقد‭ ‬قال‭ ‬الشعر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬الصوم‭ ‬ويقر‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يتعلم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬بتاتا‭: ‬

ما‭ ‬اقريت‭ ‬مع‭ ‬طلبة‭ ‬بني‭ ‬عشير

ولا‭ ‬كتاب‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬جا‭ ‬في‭ ‬يدي

ويوضح‭ ‬مصدر‭ ‬ملكته‭ ‬بما‭ ‬منحه‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬ذكاء‭ ‬وفطنة‭ ‬وموهبة‭ ‬وبما‭ ‬ألهمه‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭: ‬

اقريت‭ ‬بلا‭ ‬كتوب‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬الرحمن

ما‭ ‬زينها‭ ‬يا‭ ‬ناس‭ ‬طاعة54

تميز‭ ‬شعره‭ ‬في‭ ‬صغره‭ ‬بالغزل،‭ ‬فقد‭ ‬تناول‭ ‬عدة‭ ‬نساء‭ ‬في‭ ‬غزلياته‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تطعيمه‭ ‬بالحكم‭ ‬والنّصائح،‭ ‬يقول‭ ‬عنه‭ ‬جاك‭ ‬بيرك‭ ‬اوإذا‭ ‬ما‭ ‬أرقه‭ ‬الشوق‭ ‬والحنان‭ ‬فيتمتع‭ ‬بسحر‭ ‬شعوره‭ ‬كمراهق‭ ‬لينساب‭ ‬شعره‭ ‬في‭ ‬صفاء‭ ‬واحتشام‭ ‬وبلغه‭ ‬شعبية‭ ‬مشحونة‭ ‬بالعبر‭ ‬والأمثالب55‭.‬

كما‭ ‬أنّ‭ ‬تجربته‭ ‬الغنية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬احتكاكه‭ ‬بالمجتمع‭ ‬وأهل‭ ‬الدراية‭ ‬والعلم‭ ‬والخبرة‭ ‬مكنته‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬كنه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬فكانت‭ ‬له‭ ‬فلسفته‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬تنم‭ ‬بنظرة‭ ‬صائبة‭ ‬وحكمة‭ ‬حاضرة‭. ‬

ما‭ ‬نيشي‭ ‬بادع‭ ‬للكلام‭ ‬نحسب‭ ‬قولي‭ ‬مداوي

نهدر‭ ‬لك‭ ‬بالمعنى‭ ‬إذا‭ ‬تكون‭ ‬للجلوس‭ ‬عقول

دنق‭ ‬للعرف‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬ذاك‭ ‬من‭ ‬الشجرة‭ ‬راوي

والقاصف‭ ‬بعدما‭ ‬تكمله‭ ‬يسمى‭ ‬موصول

الرقبة‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬تكنه‭ ‬للبارود‭ ‬القاوي

دنق‭ ‬جهد‭ ‬البارود‭ ‬قاع‭ ‬من‭ ‬صال‭ ‬عليـه‭ ‬يصول

الجايح‭ ‬بعدما‭ ‬تعظمه‭ ‬ما‭ ‬يرجع‭ ‬شي‭ ‬ساوي

دنق‭ ‬للي‭ ‬مبداه‭ ‬شين‭ ‬ما‭ ‬مات‭ ‬إلا‭ ‬مذلول56

ويقول‭: ‬

ما‭ ‬تدوم‭ ‬أيام‭ ‬الشدة‭                        ‬يحن‭ ‬ربي‭ ‬بـأيام‭ ‬الخير

مـا‭ ‬تدوم‭ ‬سموم‭ ‬البلدة‭                   ‬مقابلتها‭ ‬ساعة‭ ‬تبرير

ويصف‭ ‬إيمانه‭ ‬بالله‭ ‬وبقضائه‭ ‬ويدعو‭ ‬الله‭ ‬بالمغفرة‭ ‬له‭ ‬ولوالديه‭ ‬ولجميع‭ ‬من‭ ‬معه،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يفك‭ ‬سجنه‭ ‬ويتغير‭ ‬حاله‭ ‬بفضل‭ ‬الله‭.‬

أمر‭ ‬الله‭ ‬قريب‭ ‬ويدور‭ ‬المشوار

ربي‭ ‬قال‭ ‬أظن‭ ‬عبدي‭ ‬نوفيـه

اغفريا‭ ‬لغفار‭ ‬لجميع‭ ‬الحضار

ونـاظـم‭ ‬لشعار‭ ‬ولـوالديه

وفي‭ ‬قصيدة‭ ‬أخرى‭: ‬

ربـي‭ ‬غفـار‭ ‬للزلازل

يغفر‭ ‬ذنبي‭ ‬مع‭ ‬ذنوب‭ ‬الصالحين

ابغيت‭ ‬من‭ ‬الرخا‭ ‬نكيل

يرعى‭ ‬نحلي‭ ‬نوار‭ ‬جنـة‭ ‬العدنين57

انسحب‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬مع‭ ‬رفاقه،‭ ‬بعد‭ ‬معارك‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬المـغرب‭ ‬واستقر‭ ‬في‭ ‬تافيلالت،‭ ‬لم‭ ‬ينقطع‭ ‬عن‭ ‬قول‭ ‬الشعر‭ ‬والتغني‭ ‬به،‭ ‬ولكن‭ ‬قصائده‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬موضوعها‭ ‬الكفاح‭ ‬والاستنفار‭ ‬للحرب،‭ ‬وليس‭ ‬يخل‭ ‬بالشعر‭ ‬مطلقا‭ ‬أنّه‭ ‬يتحول‭ ‬سلاحا‭ ‬قويا‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الإنسان‭ ‬يفتح‭ ‬به‭ ‬طريق‭ ‬السعادة‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تزول‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬السيطرة‭ ‬والاستغلال‭ ‬والعبودية،‭ ‬وقد‭ ‬احتل‭ ‬الحصان‭ ‬فيها‭ ‬مكانة‭ ‬مرموقة‭ ‬لا‭ ‬يدانيه‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬البندقية،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يرسم‭ ‬خياله‭ ‬لوحة‭ ‬لجواد‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬لجياد،‭ ‬أي‭ ‬حركة‭ ‬موكب‭ ‬خيل‭ ‬جامحة‭ ‬مطلقة‭ ‬العنان،‭ ‬حتى‭ ‬يمزجها‭ ‬برائحة‭ ‬البارود،‭ ‬يقول‭:‬

واش‭ ‬يجيب‭ ‬إجبال‭ ‬كسال‭ ‬للفيلالـي

بكري‭ ‬كان‭ ‬يجيني‭ ‬طيـر‭ ‬حرّ‭ ‬يحـوم

في‭ ‬ذاك‭ ‬المضرب‭ ‬ضاري‭ ‬انحرق‭ ‬خيلي

ويستنى‭ ‬عودي‭ ‬حتى‭ ‬اتجيـه‭ ‬القـوم

هذي‭ ‬تحريكة‭ ‬تغدى‭ ‬وذيك‭ ‬اتوالي

و‭ ‬من‭ ‬درك‭ ‬العلفة‭ ‬بارودها‭ ‬كمكوم

يطلع‭ ‬في‭ ‬راسي‭ ‬حمان‭ ‬به‭ ‬انشالي

و‭ ‬يلعب‭ ‬عودي‭ ‬لعب‭ ‬إزفافني‭ ‬ملطوم

ومثل‭ ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬لا‭ ‬نجدها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الجاهلي‭ ‬عامة‭ ‬وفي‭ ‬شعر‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬خاصة‭ ‬الذي‭ ‬يلتقي‭ ‬مع‭ ‬شاعرنا‭ ‬رغم‭ ‬بعد‭ ‬المسافة‭ ‬الزمنية‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬السيف‭ ‬وركوب‭ ‬الخيل‭ ‬والقلم،‭ ‬يقول‭ ‬عنترة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭: ‬

والخيل‭ ‬تعلم‭ ‬والفـوارس‭ ‬أننـي

شيخ‭ ‬الحروب‭ ‬وكهلها‭ ‬وفتاها

ستذكرني‭ ‬قومي‭ ‬إذا‭ ‬الخيل‭ ‬أشبعت

تحول‭ ‬بها‭ ‬الفرسان‭ ‬بين‭ ‬المضارب

فإن‭ ‬هم‭ ‬نسوني‭ ‬فالصوارم‭ ‬والقفـا

تذكرهم‭ ‬فعلي‭ ‬ووقع‭ ‬مضاربي

أمّا‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬فيقول‭ : ‬

قولي‭ ‬ناصره‭ ‬ربي‭ ‬وادعاوي‭ ‬الناس

نقرا‭ ‬الحرف‭ ‬بغيـر‭ ‬لوحة

الي‭ ‬قال‭ ‬أنا‭ ‬رجيل‭ ‬يغـزى‭ ‬معاي

يعرف‭ ‬خوك‭ ‬اسطـر‭ ‬ولا‭ ‬اهرب

الكلام‭ ‬يواتي‭ ‬الأعقاد

يـؤكد‭ ‬ويوم‭ ‬المشليه

كما‭ ‬يفخر‭ ‬الشاعر‭ ‬بمآثر‭ ‬قومه‭ ‬وجودهم‭ ‬وكرمهم‭ ‬فلما‭ ‬كان‭ ‬حسن‭ ‬الضيافة‭ ‬من‭ ‬الفضائل‭ ‬التي‭ ‬يحتفي‭ ‬بها‭ ‬بلخير‭ ‬كل‭ ‬الاحتفاء،‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬مطلب‭ ‬من‭ ‬مطالب‭ ‬الخلقية‭ ‬وصنيع‭ ‬جميل‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬لأنّه‭ ‬كذلك‭ ‬عمل‭ ‬يحفظ‭ ‬العلاقات‭ ‬الشخصية‭ ‬ويصونها‭ ‬ويستديم‭ ‬الحوار‭ ‬ويتيح‭ ‬الصلة‭ ‬والتواصل،‭ ‬فالاتّصال‭ ‬أو‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السهوب‭ ‬الجرداء‭ ‬يكف‭ ‬الصمت‭ ‬ويؤنس‭ ‬الوحشة‭ ‬ويكسر‭ ‬العزلة‭ ‬ويوصل‭ ‬الخطاب‭ ‬ويبلغ‭ ‬الرسالة‭ ‬ويرعى‭ ‬حق‭ ‬الأخوة‭.‬

نهفي‭ ‬وانبان‭ ‬كالسراب‭ ‬تحت‭ ‬الغيوم

حارز‭ ‬عرضي‭ ‬ولساني

للي‭ ‬قاتل‭ ‬بوي‭ ‬انضيفوا‭ ‬بالطعام

نضحك‭ ‬للي‭ ‬عاداني58

هنا‭ ‬يذكر‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نختار‭ ‬ضيفنا‭ ‬بالضرورة‭ ‬فكل‭ ‬وافد‭ ‬علينا‭ ‬يجد‭ ‬لدينا‭ ‬الترحاب‭ ‬والتكريم‭ ‬الدائم،‭ ‬مهما‭ ‬يكن‭ ‬اسمه‭ ‬ومركزه‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬إن‭ ‬وجوده‭ ‬بيننا‭ ‬ليفرض‭ ‬احترامه‭ ‬ويوجب‭ ‬ضيافته‭ ‬وإكرامه،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يخل‭ ‬بهذه‭ ‬القاعدة‭ ‬ويخالفها‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يشوه‭ ‬معـــناها‭ ‬أو‭ ‬يحرفه،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يخلط‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬يقصد‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬أغراضا‭ ‬أخرى‭ ‬تمحى‭ ‬شهرته‭ ‬ويضمحلّ‭ ‬صيته‭ ‬وهذا‭ ‬تصور‭ ‬بلخير‭: ‬

متربص‭ ‬ولبيق‭ ‬حـافظ‭ ‬بلاقـراي‭ ‬

نعطـي‭ ‬حـق‭ ‬النـاس‭ ‬والواجـب

عمري‭ ‬ضيفي‭ ‬ما‭ ‬يبور‭ ‬وأنا‭ ‬هنـاي

عرضـي‭ ‬خفـت‭ ‬عليـه‭  ‬ينغتـب

وفي‭ ‬هذا‭ ‬يقول‭ (‬جاك‭ ‬بيرك‭): ‬اإن‭ ‬بلخير‭ ‬منشد‭ ‬الشجاعة‭ ‬البدوية،‭ ‬شادي‭ ‬بطولة‭ ‬البدو‭ ‬الرحل‭ ‬والشوق‭ ‬الأبدي‭ ‬ليقترح‭ ‬علينا‭ ‬فيما‭ ‬يمليه‭ ‬من‭ ‬صيغ‭ ‬خالصة‭ ‬خطاب‭ ‬الغد‭ ‬ورسالة‭ ‬الأبدب59‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬بلخير‭ ‬الشاعر‭ ‬وبلخير‭ ‬المتيم‭ ‬كان‭ ‬يحب‭ ‬وطنه‭ ‬ويهيم‭ ‬به‭ ‬كان‭ ‬يحبه‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحبه‭ ‬بدوي‭ ‬قوي‭ ‬القنا‭ ‬شديد‭ ‬البطش‭ ‬في‭ ‬الهيجاء،‭ ‬يتضح‭ ‬ذلك‭ ‬عند‭ ‬ما‭ ‬صرح‭ ‬بموقفه‭ ‬بكل‭ ‬صرامة‭ ‬ولو‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬منحهم‭ ‬ولائه،‭ ‬إذا‭ ‬بدا‭ ‬ما‭ ‬منهم‭ ‬ما‭ ‬يسيء‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬ولذلك‭ ‬يعتبر‭ ‬سليمان‭ ‬متخاذلا‭ ‬وخائنا‭ ‬فيفضحه‭ ‬قائلا‭:‬

والله‭  ‬مـا‭ ‬قعـدوا‭ ‬مـزان‭ ‬هنـاي

من‭ ‬غير‭ ‬سليمان‭ ‬خـان‭  ‬العاهـد

كما‭ ‬يفضح‭ ‬موقف‭ ‬عطا‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬يتجرّأ‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬الفتاوى‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬الاستعمار‭ ‬وإلزامية‭ ‬إدانة‭ ‬المقاومين‭ ‬وإثبات‭ ‬خروجهم‭ ‬عن‭ ‬الطاعة‭ ‬وتأكيد‭ ‬ضرورة‭ ‬معاقبتهم‭: ‬

قولو‭ ‬لعطا‭ ‬الله‭ ‬واش‭ ‬كلفك‭ ‬ياحزين

ولاه‭ ‬تشمت‭ ‬في‭ ‬اللي‭ ‬ما‭ ‬لداهم‭ ‬قران

لعبت‭ ‬بك‭ ‬الدنيـا‭  ‬أيامهـا‭ ‬فانييـن‭ ‬

ولعبت‭ ‬بيك‭ ‬القهوة‭ ‬وصـار‭ ‬الأثمان

شوف‭ ‬كتبك‭ ‬تلق‭ ‬أقوال‭ ‬متخالفيـن

من‭ ‬خير‭ ‬أنت‭ ‬ولا‭ ‬كلاب‭ ‬رحمان

وهذه‭ ‬المواقف‭ ‬العملية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬كلفته‭ ‬حجز‭ ‬عائلته‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الحكام‭ ‬وكلفته‭ ‬حياة‭ ‬ظلّت‭ ‬مضطربة‭ ‬فلم‭ ‬ينعم‭ ‬بالاستقرار،‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬تافيلالت‭ ‬جنوب‭ ‬المغرب‭ ‬ومرة‭ ‬في‭ ‬المنيعة‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬المنفى‭ ‬بكالفي،‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬كورسيكا‭ ‬وقد‭ ‬أخذ‭ ‬المنفى‭ ‬جزءا‭ ‬غير‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأهل‭ ‬والوطن‭.‬

إن‭ ‬روح‭ ‬المقاومة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تلاحق‭ ‬الشـاعر‭ ‬محمد‭ ‬بلخير‭ ‬قد‭ ‬كلفته‭ ‬التضحية‭ ‬بشيء‭ ‬غال،‭ ‬إنها‭ ‬الغربة،‭ ‬غربة‭ ‬في‭ ‬وطنه‭ ‬بسبب‭ ‬الاستعمار‭ ‬وغربة‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬بسبب‭ ‬الاستعمار‭ ‬أيضا،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬لموضوع‭ ‬الغربة‭ ‬نصيب‭ ‬في‭ ‬شعره‭.‬

وقال‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تافيلالت‭ ‬بالمغرب‭: ‬

الدنيا‭ ‬ضاقت‭ ‬وأنا‭ ‬رحيلـي‭  ‬تالـي

من‭ ‬تفكار‭ ‬حبابي‭ ‬خاطري‭ ‬مهمـوم

الدنيا‭ ‬ليلهـا‭ ‬قـمر‭ ‬بـدر‭ ‬يلالـي

وليلة‭ ‬فيها‭ ‬ظلمة‭ ‬وتـبان‭ ‬النجـوم

واش‭ ‬يجيب‭ ‬جبل‭ ‬كسال‭ ‬للفيلالـي

بكري‭ ‬كان‭ ‬يجي‭ ‬الطير‭ ‬حر‭ ‬يحوم

وقال‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المنيعة‭:‬

نعشى‭ ‬بلاد‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬طلـب‭ ‬ا‭ ‬لعلا

وبـلادنـا‭ ‬متـروكـة‭  ‬للنــاس

ونكاد‭ ‬تفترش‭ ‬الثـرى‭ ‬وبأرضنـا

للأجنبـي‭ ‬مـوائـد‭ ‬و‭ ‬كـراسـي

وطني‭ ‬أحب‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬كـل‭  ‬الدنـى

وأعز‭ ‬ناس‭ ‬في‭ ‬البريـة‭  ‬ناسـي

‭***‬

ما‭ ‬درت‭ ‬الطّايحة‭ ‬هجرت‭  ‬على‭ ‬ليمان

مـا‭ ‬هـي‭ ‬سرقـة‭ ‬ولا‭ ‬خـديعـة

هربت‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬النصارى‭ ‬والشيطان

وارضات‭ ‬لصـاحب‭ ‬الشفـاعـة

أما‭ ‬في‭ ‬سجن‭ (‬كالفي‭) ‬فكان‭ ‬يقول‭:‬

مـن‭ ‬حبـه‭ ‬خـاطـري‭ ‬امهـول

وحش‭ ‬أولادي‭ ‬وحب‭ ‬سيدي‭ ‬جاو‭ ‬ثنين

رانـي‭ ‬فـي‭ ‬كـالفـي‭ ‬مـجـول

أنا‭ ‬والشيخ‭ ‬بن‭ ‬دوينة‭ ‬مرهونين‭ ‬60

5‭ - ‬ابن‭ ‬مسايب‭: ‬

هو‭ ‬أبو‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الحاج‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬مسايب،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬شعراء‭ ‬الشعر‭ ‬الملحون،‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬الهجري‭ (‬12هـ‭)‬61،‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬أندلسي‭ ‬استقر‭ ‬بتلمسان‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬باب‭ ‬الزير‭ ‬حيث‭ ‬نشأ‭ ‬والتحق‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بالكتاتيب‭ ‬القرآنية،‭ ‬فتعلم‭ ‬الفقه‭ ‬والنحو‭ ‬وحفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬لم‭ ‬تثبت‭ ‬الدراسات‭ ‬المتتبعة‭ ‬لحياة‭ ‬الشاعر‭ ‬دلائل‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬مولده‭ ‬وحياته‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬الفذة‭ ‬وذلك‭ ‬لنقص‭ ‬ما‭ ‬دوّن‭ ‬عنه،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها‭ ‬البالغة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الإبهام‭ ‬الذي‭ ‬يخيّم‭ ‬على‭ ‬حياته‭.‬

ويعتبر‭ ‬محمد‭ ‬بخوشة‭ ‬صاحب‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬ونشر‭ ‬بعض‭ ‬أشعار‭ ‬ابن‭ ‬مسايب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬دواوين،‭ ‬وقد‭ ‬احتوت‭ ‬القليل‭ ‬مما‭ ‬رواه،‭ ‬حتى‭ ‬إنها‭ ‬قدرت‭ ‬بما‭ ‬يفوق‭ ‬ألفي‭ ‬قصيدة62‭.‬

لقد‭ ‬أمضى‭ ‬ابن‭ ‬مسايب‭ ‬شبابه‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬مهنة‭ ‬النسيج‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬ذوقه‭ ‬الفني،‭ ‬وقد‭ ‬اتهم‭ ‬أيضا‭ ‬بالانحلال‭ ‬الخلقي‭ ‬وكثرت‭ ‬الإشاعات‭ ‬عن‭ ‬تعرضه‭ ‬بالتشبيب‭ ‬بالنساء‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬المغرب،‭ ‬بحيث‭ ‬نال‭ ‬حظوة‭ ‬و‭ ‬شأنا‭ ‬لدى‭ ‬أحفاد‭ ‬وأولاد‭ ‬امولاي‭ ‬إسماعيل‭ ‬الذهبيب‭ . ‬

وقد‭ ‬نقل‭ ‬لنا‭ ‬ابن‭ ‬مسايب‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬تلك‭ ‬الرحلات‭ ‬الطويلة‭ ‬حيث‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬أسفاره‭ ‬التي‭ ‬جاب‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬الجزائر‭ ‬والمغرب‭ ‬الأقصى،‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭: ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شخصية‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬اجتهد‭ ‬ليكتسب‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬ولم‭ ‬يبخل‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬معاصريه‭ ‬الذين‭ ‬شهدوا‭ ‬له‭ ‬بالعلم‭ ‬و‭ ‬اعترفوا‭ ‬له‭ ‬بالولاية،‭ ‬فذهب‭ ‬راضيا‭ ‬واستسلم‭ ‬لنداء‭ ‬الأجل‭ ‬عام‭ ‬1190هـ‭ ‬الموافق‭ ‬لـ‭ ‬1768م‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عمّر‭ ‬طويلا،‭ ‬دفن‭ ‬أمام‭ ‬ضريح‭ ‬الموحد‭ ‬الشيخ‭ ‬السنوسي‭ ‬رحمهما‭ ‬الله‭ ‬بمدينة‭ ‬تلمسان‭.‬

كرس‭ ‬ابن‭ ‬مسايب‭ ‬جل‭ ‬أشعاره‭ ‬في‭ ‬المرأة،‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬وقوف‭ ‬الشاعر‭ ‬على‭ ‬الحبيبة‭ ‬بغزله‭ ‬ونسيبه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬النساء،‭ ‬فقد‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬الحبيبة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬قيل‭ ‬في‭ ‬الأم‭ ‬والزوجة،‭ ‬في‭ ‬نوعه‭ ‬و‭ ‬كمه‭ ‬وقوة‭ ‬عاطفته‭ ‬ووجده،‭ ‬وربما‭ ‬جاءت‭ ‬كثرة‭ ‬الأشعار‭ ‬في‭ ‬الحبيبة،‭ ‬لأن‭ ‬أغلب‭ ‬الشعراء‭ ‬عاشوا‭ ‬عيشة‭ ‬هنيئة‭ ‬مترفة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬ملكت‭ ‬قلوبهم،‭ ‬فمن‭ ‬الشعراء‭ ‬من‭ ‬أحب‭ ‬حبا‭ ‬صادقا‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬تمتع‭ ‬بوهم‭ ‬الحب‭ ‬ولهاً‭.‬

ولأن‭ ‬الشاعر‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬أندلسي،‭ ‬فإن‭ ‬الغزل‭ ‬كان‭ ‬ينساب‭ ‬على‭ ‬شفاهه‭ ‬ويدعو‭ ‬إليه‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬الأندلس‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬جميلة‭ ‬وحياة‭ ‬حضارية‭ ‬ناعمة،‭ ‬ومجالس‭ ‬أنس‭ ‬ورخاء‭ ‬وغناء63‭.‬

والبيئة‭ ‬التلمسانية‭ ‬شبيهة‭ ‬تماما‭ ‬بالبيئة‭ ‬الأندلسية‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬الخلابة‭ ‬وفي‭ ‬حضارتها‭ ‬وعاداتها‭ ‬وتقاليدها،‭ ‬هنا‭ ‬نشأ‭ ‬ابن‭ ‬مسايب،‭ ‬ممتهنا‭ ‬حرفة‭ ‬الحياكة‭ ‬بالحارة‭ ‬الشعبية‭ ‬باب‭ ‬الزير،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بمزج‭ ‬الألوان،‭ ‬فما‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬مشاهدته‭ ‬للألوان‭ ‬وتناسقها‭ ‬بمعمل‭ ‬الدراز‭ ‬قد‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬أسلوبه‭ ‬وذلك‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬الطفولة‭ ‬التي‭ ‬قضاها‭ ‬بالمعمل،‭ ‬وهو‭ ‬يئن‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬اللوعة،‭ ‬شاعر‭ ‬عاشق‭ ‬للحسن‭ ‬والجمال‭ ‬أحب‭ ‬الجمال‭ ‬وهام‭ ‬فيه،‭ ‬له‭ ‬معشوقة‭ ‬معروفة‭ ‬شهر‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬ملمحا‭ ‬تارة،‭ ‬ومصرحا‭ ‬أخرى،‭ ‬يقول‭: ‬

عزامك‭ ‬يا‭ ‬عايشة‭                  ‬سِـرْ‭ ‬قَلبـي‭ ‬فشـا

في‭ ‬عروقي‭ ‬يتمشى‭                       ‬هواك‭ ‬راه‭ ‬في‭ ‬الحشـاش

داهش‭ ‬منك‭ ‬دهشة‭             ‬لوح‭ ‬عودي‭ ‬أرشــا

ماننساك‭  ‬يا‭ ‬عايشة‭              ‬حتـى‭ ‬في‭ ‬النعــاش64

والشاعر‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬مسايب‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يشتهر‭ ‬كشاعر‭ ‬صوفي‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬قصائده‭ ‬مفعمة‭ ‬بالروح‭ ‬الصوفية‭ ‬والمصطلحات‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬المديح‭ ‬النبوي‭ ‬ومدح‭ ‬الأولياء‭ ‬الصالحين،‭ ‬والمعروف‭ ‬أنه‭ ‬منذ‭ ‬شبابه‭ ‬المبكر‭ ‬أصيب‭ ‬بغرام‭ ‬فتاة‭ ‬اسمها‭ ‬عائشة‭ ‬لكنه‭ ‬أصيب‭ ‬بخيبات‭ ‬عاطفية‭ ‬عديدة‭ ‬دفعته‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬الحب‭ ‬الدنيوي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أيضا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬البسطاء‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬غضبه‭ ‬ومخاوفه‭ ‬إزاء‭ ‬محيط‭ ‬فاسد‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬جراء‭ ‬ظلم‭ ‬الولاة‭ ‬آنئذ،‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬حولته‭ ‬من‭ ‬شاعر‭ ‬الحب‭ ‬الدنيوي‭ ‬إلى‭ ‬شاعر‭ ‬الحب‭ ‬الإلهي‭.‬

و‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬بخوض‭ ‬بن‭ ‬مسايب‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الصوفي‭ ‬نذكر‭ ‬قصيدة‭ (‬ما‭ ‬وافى‭ ‬شي‭ ‬طلبي‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬قصيدة‭ ‬يوحي‭ ‬ظاهرها‭ ‬عند‭ ‬قراءتها‭ ‬بأنها‭ ‬غرامية‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬آخرها‭: ‬

نمدح‭ ‬جد‭ ‬الشرفا

صاحب‭ ‬الحوض‭ ‬أحمد‭ ‬سلطاني65

والمتمعن‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬يجد‭ ‬فعلا‭ ‬تعابير‭ ‬غرامية‭ ‬كثيرة‭ ‬ليست‭ ‬الحسية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬الجسدية‭ ‬أيضا‭ ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭:‬

محبوبي‭ ‬كحل‭ ‬العين

والشفر‭ ‬و‭ ‬الحاجب‭ ‬و‭ ‬السالف66

و‭ ‬عند‭ ‬القراءة‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬وكأنه‭ ‬يصف‭ ‬امرأة‭ ‬لا‭ ‬رجلا،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬سمة‭ ‬شعراء‭ ‬الصوفية‭ ‬في‭ ‬تعابيرهم‭ ‬المفعمة‭ ‬بالحب‭ ‬تجاه‭ ‬الله‭ ‬ورسوله‭ ‬الكريم‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭.‬

وابن‭ ‬مسايب‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ (‬بدر‭ ‬الدجى‭) ‬يمدح‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬ويطلب‭ ‬فيه‭ ‬الشاعر‭ ‬النديم‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬الكؤوس‭ ‬بخمر‭ ‬سماوية‭ ‬على‭ ‬شرف‭ ‬محبوبه‭ ‬ويصف‭ ‬أيضا‭ ‬جماله‭ ‬المادي‭.‬وهو‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬يقتدي‭ ‬بالشعراء‭ ‬الصوفية‭ ‬الذين‭ ‬ليست‭ ‬لديهم‭ ‬مشكلة‭ ‬أو‭ ‬عقدة‭ ‬من‭ ‬التحدث‭ ‬عن‭ ‬العشق‭ ‬وهو‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬لله‭ ‬تعالى‭ ‬أو‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬يقول‭: ‬

بدر‭ ‬الدجا‭ ‬عسعـاس‭                          ‬والليل‭ ‬راح

يحلى‭ ‬الطرب‭ ‬و‭ ‬الكاس‭                       ‬بين‭ ‬الملاح

قم‭ ‬يا‭ ‬نديم‭ ‬فـم‭                                          ‬دِرْ‭ ‬الكيوس67

و‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬أيضا‭: ‬

محمد‭ ‬نور‭ ‬مافي‭             ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬قدر‭ ‬ما‭ ‬شرفوا‭ ‬68

وفي‭ ‬قصيدة‭ (‬الحرم‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭) ‬الشاعر‭ ‬بالمدينة‭ ‬المنورة‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬التائب،‭ ‬المتضرع‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬طالبا‭ ‬شفاعة‭ ‬رسوله‭ ‬الكريم‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭: ‬

الحرم‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله

الحرم‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله

خيفان‭ ‬جيت‭ ‬عندك‭ ‬قاصد

الحرم‭ ‬يارسول‭ ‬الله

خيفان‭ ‬جيت‭ ‬عندك‭ ‬قاصد

يا‭ ‬صاحب‭ ‬الشفاعة‭ ‬الامجد

خوفي‭ ‬بزلتي‭ ‬نتمرد

يوم‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬الله69

ويقول‭ ‬أيضا‭:‬

يا‭ ‬إله‭  ‬اغفر‭ ‬لي‭  ‬ما‭  ‬فات

و‭ ‬اغفر‭ ‬للناظم‭ ‬ذي‭ ‬الأبيات‭ ‬70‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬استرعت‭ ‬اهتمام‭ ‬الشاعر‭ ‬ابن‭ ‬مسايب‭ ‬موضوع‭ ‬الوطن،‭ ‬فصور‭ ‬لنا‭ ‬هجرته‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭ ‬الحبيب‭ ‬وما‭ ‬عاناه‭ ‬من‭ ‬آلام‭ ‬و‭ ‬لوعة‭ ‬الفراق‭ ‬جراء‭ ‬هذه‭ ‬الغربة،‭ ‬فهو‭ ‬لم‭ ‬يغادر‭ ‬الجزائر‭ ‬سائحا‭ ‬الحالة‭ ‬السيئة‭ ‬التي‭ ‬آلت‭ ‬إليها‭ ‬أحوال‭ ‬المجتمع،‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬وجبروت‭ ‬الأتراك‭ ‬آنذاك،‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬عاناه‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬هجرته‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬غربة‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬أثرت‭ ‬تأثيرا‭ ‬ايجابيا‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬سلوكه‭ ‬فغير‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الحياة،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬قصيدة‭ ‬سجل‭ ‬فيها‭ ‬أسفه‭ ‬ولوعته‭ ‬لمدينة‭  ‬تلمسان،‭ ‬وما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬نظم‭ ‬قصيدة‭ ‬اربي‭ ‬قضىب‭ ‬فقال‭ : ‬

الناس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يدخلها

يستحسن‭ ‬الوطن‭ ‬والبقعـا

بالعلم‭ ‬مرفوع‭ ‬و‭ ‬الحكة‭ ‬اكمله

باشعال‭ ‬من‭ ‬اتقان‭ ‬الصنعــــا

خلي‭ ‬الحنادق‭ ‬ونزلها

بين‭ ‬البعل‭ ‬و‭ ‬بين‭ ‬القلعا

في‭ ‬مواسط‭ ‬الجبـل‭ ‬و‭ ‬عرها

وبناها‭ ‬و‭ ‬عمل‭ ‬اسوار‭ ‬وبرج‭ ‬و‭ ‬تبيان‭ ‬71‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬فالشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬كان‭ ‬وسيظل‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬آلام‭ ‬وآمال‭ ‬الطبقات‭ ‬الشعبية‭ ‬بكل‭ ‬درجاتها‭ ‬ومراتبها،‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬أمانيها‭ ‬وهمومها‭ ‬عن‭ ‬أفراحها‭ ‬وأقراحها،‭ ‬عن‭ ‬رقيها‭ ‬وانحطاطها،‭ ‬إنه‭ ‬باختصار‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسه،‭ ‬فهو‭ ‬خالد‭ ‬خلود‭ ‬المجتمع‭ ‬ويكتسي‭ ‬حلة‭ ‬خاصة‭ ‬و‭ ‬طابعا‭ ‬متميزا،‭ ‬ولقد‭ ‬أخذت‭ ‬دائرته‭ ‬تتسع‭ ‬بفضل‭ ‬جهود‭ ‬أهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬وذوي‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الميدان‭ ‬من‭ ‬باحثين‭ ‬ومنظرين‭ ‬وكتاب‭ ‬وشعراء‭ ‬وقراء‭ ‬ومبدعين‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مناهجهم‭ ‬ومناهلهم،‭ ‬وجهودهم‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متواصلة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬البداية،‭ ‬إذ‭ ‬ينبئ‭ ‬عن‭ ‬نظريات‭ ‬وآليات‭ ‬ومناهج‭ ‬جديدة‭ ‬ستكشف‭ ‬عنها‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬المستقبلية‭.‬

هذا‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬حول‭ ‬موضوع‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الجزائري‭ ‬وشعرائه‭ ‬الفحول‭ ‬المشهورين‭ ‬بالجزائر‭ ‬الذين‭ ‬تركوا‭ ‬تراثا‭ ‬شعريا‭ ‬ضخما‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الكثير‭ ‬منه‭ ‬مدسوسا‭ ‬في‭ ‬الخزائن‭ ‬والحقائب‭ ‬وفي‭ ‬الرفوف‭ ‬والأدراج‭ ‬وفي‭ ‬المخطوطات‭ ‬والكناشات‭ ‬وربما‭ ‬ضاع‭ ‬الكثير‭ ‬منه‭ ‬بسبب‭ ‬الإهمال‭ ‬واللامبالاة،‭ ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬وصلنا‭ ‬من‭ ‬شعرهم‭ ‬إلا‭ ‬القليل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬محفوظا‭ ‬في‭ ‬ألباب‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬ومكنونا‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬المهتمين‭ ‬من‭ ‬أمثال‭: ‬الحاج‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬الحاج‭ ‬الغوثي‭ ‬بخوشة‭ ‬والحاج‭ ‬محمد‭ ‬الحبيب‭ ‬حشلاف‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مخطوطات‭ ‬ماجستير‭ ‬ودكتوراه‭ ‬للكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬الأكاديميين‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬بمدينة‭ ‬تلمسان‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬كما‭ ‬هائلا‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬المغاربي‭ ‬وخاصة‭ ‬الجزائري،‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجمع‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتنظير‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجوانب‭ ‬الإجرائية،‭ ‬وكذا‭ ‬أقسام‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جامعات‭ ‬الوطن‭ ‬الجزائري‭ ‬قام‭ ‬فيها‭ ‬الباحثون‭ ‬بدراسات‭ ‬ميدانية‭ ‬حول‭ ‬بيئة‭ ‬وتراث‭ ‬شعراء‭ ‬الشعبي‭ ‬القدامى‭ ‬والمحدثون،‭ ‬حيث‭ ‬حاوروا‭ ‬وسجلوا‭ ‬وسألوا‭ ‬وساءلوا‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة‭ ‬والكتابة‭ ‬والدراسة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬بالشخصيات‭ ‬الشاعرة،‭ ‬من‭ ‬أحفاد‭ ‬وأعيان‭ ‬وباحثين‭ ‬ورواة‭ ‬ومهتمين‭ ‬بالتراث،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬تراث‭ ‬البلد‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭: ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬المالك‭ ‬مرتاض‭ ‬والأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬بورايو‭ ‬والأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬رشيد‭ ‬بن‭ ‬مالك‭ ‬والأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬سعيدي‭ ‬محمد،‭ ‬والأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬أوشاطر‭ ‬مصطفى،‭ ‬وعبد‭ ‬الحق‭ ‬زريوح‭ ‬وجعلوك‭ ‬عبد‭ ‬الرزاق‭ ‬وشايف‭ ‬عكاشة‭ ...‬الخ،‭ ‬فنتمنى‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬قد‭ ‬عملنا‭ ‬على‭ ‬نفض‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬تراث‭ ‬منطقة‭ ‬الجزائر‭ ‬وإخراجه‭ ‬إلى‭ ‬النور،‭ ‬والتشهير‭ ‬أكثر‭ ‬بشخصيات‭ ‬كبيرة‭ ‬ومجهولة‭ ‬حتى‭ - ‬بيننا‭- ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬وإخراج‭ ‬شعرهم‭ ‬إلى‭ ‬دوامة‭ ‬البحث‭ ‬وعالم‭ ‬المعرفة‭ ‬المستمرة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تبيان‭ ‬دور‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬وأهميته‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬وتسجيل‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬تاريخنا‭ ‬المجيد،‭ ‬ومساعدتنا‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬الصحيح‭ ‬والسليم‭ ‬والسديد‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬الغامضة‭ ‬التي‭ ‬أهملها‭ ‬الباحثون‭ ‬والمؤرخون‭ ‬أو‭ ‬تناسوها‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬لآخر‭.‬

2019