اللغة العدد
الثقافة الشعبية أفقا معرفيا المنجز والمأمول
الثقافة الشعبية أفقا معرفيا المنجز والمأمول
العدد 45 - التصدير

 

أ‭.‬د‭. ‬محمد‭ ‬النويري‭ ‬

أستاذ‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬بجامعة‭ ‬تونس‭ ‬

رئيس‭ ‬الهيأة‭ ‬العلمية‭ ‬للمنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭ ‬I‭.‬O‭.‬V‭.‬

 

 

عديدة‭ ‬هي‭ ‬المجلات‭ ‬العلمية‭ ‬المُحكّمَـة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬أكاديمية‭ ‬أو‭ ‬هيآت‭ ‬بحث‭ ‬منتشرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أطراف‭ ‬الدنيا‭. ‬وهي‭ ‬كلٌ‭ ‬في‭ ‬مجالها،‭ ‬تُسدي‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬المعرفة‭ ‬الذي‭ ‬جعلته‭ ‬موضوع‭ ‬اهتمامها،‭ ‬خدمة‭ ‬جليلة‭ . ‬تُعمّـق‭ ‬مسأليّـته‭. ‬وتضبط‭ ‬منهجيّـته‭. ‬وتفتح‭ ‬آفاقـه‭. ‬فالدورية‭ ‬العلمية‭ ‬تمثل‭ ‬المنبر‭ ‬المتاح‭ ‬لأهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬حتى‭ ‬يعرضوا‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬لجهودهم‭ ‬إدراكه‭ ‬من‭ ‬بحث‭ ‬واستحداث‭ ‬وسؤال‭ . ‬في‭ ‬رحابها‭ ‬يتّسع‭ ‬للباحث‭ ‬أن‭ ‬يقيس‭ ‬عمله‭ ‬بعمل‭ ‬غيره‭. ‬ويزن‭ ‬أفكاره‭ ‬بأفكارمخالفيه‭. ‬ويلتمس‭ ‬متنفّسا‭ ‬للمضايق‭ ‬التي‭ ‬واجهها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬منجز‭ ‬معرفي‭. ‬هكذا‭ ‬يتيسّر‭ ‬للمعرفة‭ ‬أن‭ ‬تمضي‭ ‬إلى‭ ‬فضائها‭. ‬ينشأ‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭. ‬وتبعث‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬الفكرة‭. ‬ويتولّـد‭ ‬المنهج‭ ‬من‭ ‬نظيره‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬الذي‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬صفة‭ ‬له‭ ‬ليس‭ ‬مرساة‭ ‬نلقيها‭ ‬عند‭ ‬بلوغ‭ ‬الشاطىء‭. ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬قِـلْعٌ‭ ‬مشْـرعٌ‭ ‬أبدا‭ ‬للإبحار‭. ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬مرفإ‭ ‬حتى‭ ‬يغادره‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬ولاشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تضمّها‭ ‬الدوريات‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬الأفكار‭ ‬والمناهج‭ ‬وأساليب‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬تحتويها‭. ‬وإنما‭ ‬تتجاوزها‭ ‬إلى‭ ‬التساؤلات‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬والاعتراضات‭ ‬التي‭ ‬تثيرها‭ ‬والمشاريع‭ ‬التي‭ ‬تمهّد‭ ‬الطريق‭ ‬إليها‭. ‬فالأنساق‭ ‬المعرفية‭ ‬المنغلقة‭ ‬على‭ ‬أطروحاتها‭ ‬،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بذاتها‭ ‬طرحا‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬سؤال،‭ ‬ويحلّ‭ ‬كل‭ ‬إشكال،‭ ‬ويُهـدّىء‭  ‬كل‭ ‬هاجس،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬مهما‭ ‬ادّعت‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬من‭ ‬نسب‭. ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أن‭ ‬الانكفاء‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬والدوران‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬والتغنّي‭ ‬بالمنجز‭ ‬الذي‭ ‬تنقطع‭ ‬دونه‭ ‬الرقاب‭ ‬ليس‭ ‬أقلّ‭ ‬ضررا‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬طريقها‭. ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬استنطاق‭ ‬المسائل‭ ‬المعرفية‭ ‬بغير‭ ‬أدواتها‭ ‬لا‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬انتظاما‭ ‬علميا‭ ‬؛‭ ‬فإن‭ ‬الأنساق‭ ‬التي‭ ‬تسألك‭ ‬الإنصات‭ ‬والتمثّـل‭ ‬والاقتداء‭ ‬لاتزيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تسدّ‭ ‬طريق‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تحسب‭ ‬أنها‭ ‬انتهت‭ ‬إلي‭ ‬مُشاشِ‭ ‬الحكمة‭ ‬فيها‭ . ‬فالنّسق‭ ‬العلمي‭ ‬الخليق‭ ‬بصفة‭ ‬العلم،‭ ‬إنما‭ ‬يصاغ‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬محتملا‭ ‬للتساؤل‭ ‬والمراجعة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأسس‭ ‬النظرية‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬والأبعاد‭ ‬الإجرائية‭ ‬التي‭ ‬ينتهي‭ ‬إليها‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬نشاط‭ ‬مراكز‭ ‬المتابعة‭ ‬العلمية‭ ‬المنتشرة‭  ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬بـ‭ ‬امعامل‭ ‬التأثيرب‭ ‬Impact‭ ‬Factor‭. ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مراصد‭ ‬تحصي‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬الدورية‭ ‬العلميّة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تخصّصها‭. ‬وذلك‭ ‬بحساب‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الأبحاث‭ ‬التي‭ ‬تنشرها‭ ‬ورصد‭ ‬تواتر‭ ‬الاستشهاد‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬عقبتها‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مصنّفات‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭ ‬أو‭ ‬دوريات‭ ‬متخصصة‭ . ‬وذلك‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬ثابتة‭ ‬ومقاييس‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬شبه‭ ‬متّفق‭ ‬عليها‭ . ‬

وليس‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تعتمده‭ ‬معامل‭ ‬التأثير‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬الاستشهاد‭ ‬وتواتر‭ ‬الإحالة‭ ‬على‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ ‬الدوريات‭ ‬العلمية‭ ‬الصادرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬،‭ ‬يمثّل‭ ‬محرارا‭ ‬مهمّا‭ ‬لقيس‭ ‬أهميّة‭ ‬هذه‭ ‬النشريّة‭ ‬العلميّة‭ ‬أوتلك‭ . ‬ولكنّه‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬تقدرينا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الروز‭ ‬والتقدير‭ . ‬فنحن‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننكر‭ ‬طغيان‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬المحسوبية‭ ‬والزبائنيّة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط‭ ‬المعرفية‭ ‬حيث‭ ‬يتبادل‭ ‬الباحثون‭ ‬الأدوار‭. ‬فيكون‭ ‬الاستشهاد‭ ‬منغلقا‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬لا‭ ‬تخرج‭ ‬عنها‭.‬‭ ‬وتمثل‭ ‬الأبحاث‭ ‬صدى‭ ‬لفكرة‭ ‬محورية‭ ‬لا‭ ‬تعدوها‭ . ‬تنطلق‭ ‬منها‭. ‬وتحيل‭ ‬عليها‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬هي‭ ‬أبدا‭ ‬عود‭ ‬على‭ ‬بدء‭. ‬تحسب‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬تتقـدّم‭ ‬وهي‭ ‬توغل‭ ‬في‭ ‬قرارها‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تغادره‭ ‬حتى‭ ‬تعود‭ ‬إليه‭.‬

ومن‭ ‬منطلق‭ ‬الإيمان‭ ‬بأن‭ ‬الباحث‭ ‬وهو‭ ‬يصوغ‭ ‬أفكاره‭ ‬إزاء‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬يتناولها‭ ‬إنما‭ ‬يخاطب‭ ‬أهل‭ ‬اختصاصه‭ ‬عند‭ ‬مباشرة‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬يتناولها،‭ ‬حرصت‭ ‬مجلة‭ ‬االثقافة‭ ‬الشعبيةب‭ ‬على‭ ‬ترجمة‭ ‬ملخصات‭ ‬أبحاثها‭ ‬إلى‭ ‬اللغات‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ووزعت‭ ‬نشر‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬صفحاتها‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الانجليزية‭ ‬والفرنسية‭ ‬وموقعها‭ ‬الألكتروني‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬اللغات‭. ‬فشأن‭ ‬الأفكار‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬ليس‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬شأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يكسبها‭ ‬السفر‭ ‬ألـقـــا‭. ‬ويضفي‭ ‬عليها‭ ‬جدة‭. ‬ويتيح‭ ‬لها‭ ‬فسحة‭ ‬لسيرورة‭ ‬لم‭ ‬تتيسّر‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مهادها‭ ‬الأول‭. ‬إنما‭ ‬الأفكار‭ ‬تذوي‭ ‬بالإنزواء‭ ‬وتنقدح‭ ‬بالحوار‭ ‬وطرق‭ ‬الأبواب‭ ‬الموصدة‭ ‬وارتياد‭ ‬الأبعاد‭ ‬القصيّة‭.‬

إن‭ ‬اعتماد‭ ‬مجلة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬معامل‭ ‬التأثير‭ ‬الجادة‭ ‬باعتبارها‭ ‬دورية‭ ‬علمية‭ ‬محكّمة،‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬اختصاصها؛‭ ‬التقى‭ ‬مع‭ ‬تقارير‭ ‬المسح‭ ‬الدوري‭ ‬للموقع‭ ‬الألكتروني‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬الرسوم‭ ‬البيانية‭ ‬لعدد‭ ‬الزوار‭ ‬وجنسياتهم‭ ‬المختلفة،‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬متصاعدة‭ . ‬ولا‭ ‬مِراء‭ ‬أن‭ ‬الرِّهان‭ ‬كان‭ ‬صعبا‭. ‬فقد‭ ‬حرصنا‭ ‬على‭ ‬التأليف‭ ‬بين‭  ‬هواجس‭ ‬الباحث‭ ‬المختص‭ ‬وانتظارات‭ ‬القارىء‭ ‬العادي‭ . ‬لكنّا‭ ‬مضينا‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬التحدّي‭. ‬ونحسب‭ ‬أن‭ ‬المجلة‭ ‬أوفت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬منتظرا‭ ‬منها‭ . ‬وللأمانة‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ماكان‭ ‬ليتحقق‭ ‬لولا‭ ‬حكمة‭ ‬الإدارة‭ ‬وتقديرها‭ ‬لهيأة‭ ‬علمية‭ ‬اجتمعت‭ ‬فيها‭ ‬خلالُ‭ ‬التمسّك‭ ‬بأصول‭ ‬المعرفة‭ ‬والسعي‭ ‬الدّؤوب‭ ‬إلى‭ ‬الإيفاء‭ ‬بشرائطها‭ . ‬ذلك‭ ‬جميعا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيادة‭ ‬آمنت‭ ‬بالإنسان‭ ‬غايـة‭ ‬والمعرفة‭ ‬منهجا‭. ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬راحتُـنا‭ ‬للنتائج‭ ‬مشروعة‭ ‬،‭ ‬فنحن‭ ‬أحرص‭ ‬ما‭ ‬نكون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نستكين‭ ‬إليها‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعرفة‭ ‬هوبداية‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الأسس‭ ‬الإيتيقية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ . ‬

إن‭ ‬البحث‭ ‬العلميّ‭ ‬تجرّدٌ،‭ ‬ونكرانٌ‭ ‬للـذّات،‭ ‬وتمسّكٌ‭ ‬بأصول‭ ‬الأخلاق‭. ‬

2019