اللغة العدد
«الزبيل» في الذاكرة الشعبية
«الزبيل» في الذاكرة الشعبية
العدد 45 - لوحة الغلاف

 

الزبيل‭ ‬والجمع‭ ‬زبلان،‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬وعاء‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬خوص‭ ‬النخيل‭ ‬وله‭ ‬قاعدة‭ ‬دائرية‭ ‬الشكل،‭ ‬يصنع‭ ‬بأحجام‭ ‬مختلفة،‭ ‬وبجودة‭ ‬وأنماط‭ ‬متباينة؛‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬الزبلان‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تزين‭ ‬بخوص‭ ‬ملون‭ ‬بألوان‭ ‬جميلة،‭ ‬ويكون‭ ‬لها‭ ‬أغطية،‭ ‬وتصنع‭ ‬من‭ ‬أجود‭ ‬أنواع‭ ‬الخوص‭ ‬وهو‭ ‬خوص‭ ‬االگلبب‭ (‬أي‭ ‬القلب‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬خوص‭ ‬السعف‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النخلة،‭ ‬وتستخدم‭ ‬هذه‭ ‬الزبلان‭ ‬لحفظ‭ ‬الملابس‭. ‬وبالمقابل‭ ‬هناك‭ ‬زبلان‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬الخوص‭ ‬منخفض‭ ‬الجودة‭ ‬تستخدم‭ ‬لجمع‭ ‬القمامة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬الزبلان‭ ‬المتوسطة‭ ‬والصغيرة‭ ‬الحجم،‭ ‬والتي‭ ‬تخصها‭ ‬العامة‭ ‬باسم‭ ‬اگفةب‭ (‬أي‭ ‬قفة‭)‬،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬لها‭ ‬غطاء،‭ ‬وهذه‭ ‬تستخدم‭ ‬لحفظ‭ ‬الأدوات‭ ‬في‭ ‬المنزل‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تستخدم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الباعة‭ ‬لعرض‭ ‬بضائع‭ ‬مختلفة‭.‬

وللزبيل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية،‭ ‬فهناك‭ ‬صورة‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الزبيل‭ ‬والذي‭ ‬وضعت‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬أشترته‭ ‬من‭ ‬خضار‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬بضاعة‭ ‬أخرى،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬يوجد‭ ‬غير‭ ‬الزبيل‭ ‬تجمع‭ ‬فيه‭ ‬البضاعة‭ ‬المشتراة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يراد‭ ‬جمعه‭ ‬ونقله‭. ‬وصورة‭ ‬جمع‭ ‬البضاعة‭ ‬في‭ ‬الزبيل‭ ‬تم‭ ‬أختزالها‭ ‬في‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي،‭ ‬الذي‭ ‬ذكره‭ ‬الناصري‭ ‬في‭ ‬موسوعته،‭ ‬وهو‭ ‬اتخلص‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الزبيلب،‭ ‬وتخلص‭ ‬بمعنى‭ ‬تنتهي‭ ‬وهي‭ ‬تعود‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬في‭ ‬الزبيل‭ (‬الناصري،‭ ‬ص‭ ‬249‭). ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬إشارة‭ ‬للتهافت‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الزبيل،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يشير‭ ‬المثل‭ ‬لقلة‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬في‭ ‬الزبيل،‭ ‬فيصبح‭ ‬المثل‭ ‬حينها‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬جمعه‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬والذي‭ ‬يتم‭ ‬تفريقه‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬منه‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬للإدخار‭ ‬أو‭ ‬التخزين‭.‬

وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬زبيل‭ ‬الرز،‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬فيه‭ ‬الرز،‭ ‬والذي‭ ‬يستخدم،‭ ‬أيضاً،‭ ‬لغسل‭ ‬الرز‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬طهيه‭. ‬وهذه‭ ‬صورة‭ ‬أيضاً‭ ‬أختزلت‭ ‬في‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬ذكره‭ ‬الناصري،‭ ‬وهو‭ ‬اأما‭ ‬بالحبة‭ ‬لو‭ ‬بالزبيلب‭ ‬وهو‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المثل‭ ‬اأما‭ ‬بالحبة‭ ‬لو‭ ‬بالچبةب‭ (‬الناصري‭ ‬161‭ ‬ذ‭ ‬162‭). ‬ويشير‭ ‬المثل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬أخذ‭ ‬الرز‭ ‬من‭ ‬الزبيل‭ ‬تتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مكيال‭ ‬معين،‭ ‬فلا‭ ‬يأخذ‭ ‬بالحبة‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإفراغ‭ ‬المباشر‭ ‬بالزبيل،‭ ‬والمثل‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬الإفراط‭ ‬أو‭ ‬التفريط‭ ‬في‭ ‬الأمور‭. ‬

وهكذا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الزبيل‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الراهن‭ ‬فقد‭ ‬استبدل‭ ‬الزبيل‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الحديثة‭ ‬الصنع،‭ ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬هناك‭ ‬له‭ ‬مكان‭ ‬إلا‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬التراث،‭ ‬وبقيت‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬المختلفة‭ ‬للزبيل‭ ‬والتي‭ ‬حفرت‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬والتي‭ ‬تختزل‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬شعبية‭ ‬أو‭ ‬مثل‭ ‬شعبي‭.‬

المراجع‭: ‬الناصري،‭ ‬محمد‭ ‬علي،‭ ‬موسوعة‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬دار‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬الكبير،‭ ‬بيروت‭ ‬ذ‭ ‬لبنان،‭ ‬بدون‭ ‬تاريخ‭.‬

حسين‭ ‬محمد‭ ‬حسين

2019