اللغة العدد
الفولكلور.. شكل خاص من أشكال الإبداع
الفولكلور.. شكل خاص من أشكال الإبداع
العدد 45 - أدب شعبي

 بيتر بوغا تيريف

رومان ياكوبسون

ترجمة‭: ‬أ‭. ‬حسين‭ ‬جمعة‭ ‬ذ‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬الأردن

 

أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ - ‬تغلّب‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العلمي‭ ‬على‭ ‬فتور‭ ‬الفكر‭ ‬النظري‭ ‬الواقعي‭ ‬الساذج‭ ‬وعدم‭ ‬اكتماله‭. ‬فقد‭ ‬انشغل‭ ‬ممثلو‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬بجمع‭ ‬المادة‭ ‬وبحث‭ ‬المهمات‭ ‬الاختصاصية‭ ‬الملموسة،‭ ‬وافتقدوا‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬المقدمات‭ ‬الفلسفية‭. ‬ولهذا،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتخلفوا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمبادئ‭ ‬النظرية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬اتسع‭ ‬انتشار‭ ‬الواقعية‭ ‬الساذجة،‭ ‬واشتد‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ (‬القرن‭ ‬العشرون‭).‬

ولما‭ ‬كانت‭ ‬النظرة‭ ‬الفلسفية‭ ‬للواقعية‭ ‬الساذجة‭ ‬مخالفة‭ ‬جداً‭ ‬للأبحاث‭ ‬العصرية‭ (‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭ ‬هناك،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تصبح‭ ‬بعد‭ ‬تعاليم‭ ‬تلقينية‭ ‬أو‭ ‬دوغما‭ ‬لا‭ ‬تدحض‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬ثمة‭ ‬عدة‭ ‬صيغ‭ ‬كاملة‭ ‬تبدو‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لمقدمات‭ ‬العلم‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تسكن‭ ‬حقول‭ ‬العلم‭ ‬المختلفة‭ ‬حول‭ ‬الثقافة‭ ‬كحصاة‭ ‬مهرّبة‭ ‬أو‭ ‬رواسب‭ ‬تعيق‭ ‬تطور‭ ‬العلم‭.‬

المنتج‭ ‬النمطي‭ ‬للواقعية‭ ‬الساذجة‭ ‬هو‭ ‬مقولة‭ ‬النحويين‭ ‬الشباب‭ ‬المنتشرة‭ ‬بشكل‭ ‬واسع،‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬الفردية‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الفعلية‭ ‬الوحيدة‭. ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬تثبت‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬لغة‭ ‬إنسان‭ ‬معين‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬معينة‭ ‬هي‭ ‬واقع‭ ‬فعلي،‭ ‬وما‭ ‬عدا‭ ‬ذلك‭ ‬ـ‭ ‬يبقى‭ ‬تجريدات‭ ‬علمية‭ ‬نظرية‭. ‬إذن‭ ‬فليس‭ ‬غريباً‭ ‬لهذه‭ ‬الدرجة‭ ‬على‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬اللغة‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬أحد‭ ‬الأركان‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬نظرية‭ ‬النحويين‭ ‬الشباب‭.‬

يعرف‭ ‬علم‭ ‬اللغة‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الفعل‭ ‬القولي‭ ‬الفردي‭ ‬المنعزل‭ ‬اparoleب‭ ‬وفق‭ ‬مصطلح‭ ‬دي‭ ‬سوسيور،‭ ‬مصطلحاً‭ ‬آخر‭ ‬اlangueب،‭ ‬يعني‭: ‬امجمل‭ ‬المواضعات‭ ‬التي‭ ‬ثقفتها‭ ‬جماعة‭ ‬معينة‭ ‬كي‭ ‬تضمن‭ ‬الفهم‭ ‬المشترك‭ ‬للكلامب‭. ‬ويمكن‭ ‬لأي‭ ‬متكلم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬التقليدية‭ ‬البينيّة‭ ‬أن‭ ‬يدرج‭ ‬بعض‭ ‬التبدلات‭ ‬الأحادية‭ ‬التي‭ ‬تُؤوَّل‭ ‬كانزياحات‭ ‬فردية‭ ‬عن‭ ‬اللغة‭ ‬اparoleب،‭ ‬وفي‭ ‬حدود‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الأخيرة‭ ‬فقط‭. ‬وتغدو‭ ‬هذه‭ ‬الانتحاءات‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬اللغة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تتقبلها‭ ‬الجماعة‭ (‬حامل‭ ‬اللغة‭)‬،‭ ‬وتوافق‭ ‬عليها،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تقرها‭ ‬كلغة‭ ‬متداولة،‭ ‬وهنا‭ ‬يحدث‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬التغيرات‭ ‬اللغوية‭ ‬والأخطاء‭ ‬الفردية‭ ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ (‬سقطات‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬الانحرافات‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬التأثر‭ ‬الشديد‭ ‬أو‭ ‬نشوة‭ ‬المتحدث‭ ‬الانفعالية‭ ‬الجمالية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭.‬

إذا‭ ‬تناولنا‭ ‬هذا‭ ‬الاستحداث‭ ‬اللغوي‭ ‬أو‭ ‬ذاك؛‭ ‬فإننا‭ ‬نستخلص‭ ‬حالات‭ ‬تتجلى‭ ‬فيها‭ ‬التغيرات‭ ‬اللغوية‭ ‬بفضل‭ ‬إشاعتها‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬وتعميم‭ ‬الأخطاء‭ ‬الفردية‭ (‬السقطات‭) ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬والحماسة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬تشوهات‭ ‬التعابير‭ ‬الجمالية‭. ‬وتنبع‭ ‬التغيرات‭ ‬اللغوية‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى‭ ‬أيضاً،‭ ‬وذلك‭ ‬حينما‭ ‬تأتي‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬ومنطقية‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬من‭ ‬تبدلات‭ ‬تتجسد‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬اlangueب‭ (‬التطور‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬البيولوجيا‭). ‬لكن،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬ملابسات‭ ‬التغيرات‭ ‬اللغوية،‭ ‬فنحن‭ ‬نستطيع‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬اولادةب‭ ‬التشكيلات‭ ‬اللغوية‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬فيها‭ ‬حقيقة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬يعني‭ ‬عندما‭ ‬تستوعبها‭ ‬الجماعة‭ ‬اللغوية‭ ‬وتتقنها‭.‬

لنفترض‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الجماعة‭ ‬أنشأ‭ ‬تعبيراً‭ ‬ما‭ ‬بطريقة‭ ‬فردية‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬شفوياً،‭ ‬ولم‭ ‬يتقبل‭ ‬الجمهور‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬ابتدعه‭ ‬الفرد‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬لآخر،‭ ‬ولم‭ ‬يُستوعب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أعضاء‭ ‬الجماعة‭ ‬الآخرين‭ ‬ذ‭ ‬فإنه‭ ‬محكوم‭ ‬عليه‭ ‬بالاندثار‭ ‬والفناء‭.‬

ما‭ ‬ينقذ‭ ‬أي‭ ‬استحداث‭ ‬جديد‭ ‬هو‭ ‬الصدفة،‭ ‬كأن‭ ‬يدوّن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أحد‭ ‬المهتمين‭ ‬بالتجديدات،‭ ‬حينئذٍ‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬الأدب‭ ‬المكتوب‭.‬

ونسوق‭ ‬هنا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬شاعر‭ ‬فرنسي‭ ‬من‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬كان‭ ‬يسمّي‭ ‬نفسه‭ ‬الكونت‭ ‬دي‭ ‬لوتريامون،‭ ‬وهو‭ ‬مثال‭ ‬نموذجي‭ ‬لما‭ ‬يدعى‭ ‬االشعراء‭ ‬الملاعينب‭ ‬اpoêts mauditsب،‭ ‬يعني‭ ‬المرفوضين‭ ‬من‭ ‬معاصريهم‭ ‬والمسكوت‭ ‬عنهم‭ ‬وغير‭ ‬المعترف‭ ‬بهم‭. ‬أصدر‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬كتيباً‭ ‬صغيراً‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬ولم‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭ ‬أحد،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬حضور،‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬أعمال‭ ‬الشاعر،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬حبيسة‭ ‬الأدراج‭. ‬كان‭ ‬عمره‭ ‬حينما‭ ‬وافاه‭ ‬الأجل‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬24سنة‭. ‬مرت‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭. ‬ظهر‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬الاتجاه‭ ‬السيريالي،‭ ‬حيث‭ ‬وجدت‭ ‬أشعار‭ ‬لوتريامون‭ ‬بعض‭ ‬الأصداء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭. ‬استعاد‭ ‬لوتريامون‭ ‬اعتباره‭: ‬أخذت‭ ‬تصدر‭ ‬أعماله‭ ‬بشكل‭ ‬واسع،‭ ‬وشرعوا‭ ‬يمجدونه‭ ‬كشاعر‭ ‬كبير،‭ ‬وذي‭ ‬تأثير‭ ‬عظيم‭. ‬ولكن،‭ ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬مع‭ ‬لوتريامون،‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مؤلف‭ ‬أعمال‭ ‬شعرية‭ ‬شفوية؟‭ ‬فإن‭ ‬أشعاره‭ ‬كانت‭ ‬ستزول‭ ‬بلا‭ ‬آثر‭ ‬مع‭ ‬موته‭.‬

أوردنا‭ ‬هنا‭ ‬مثالاً‭ ‬لحالة‭ ‬متطرفة‭. ‬العمل‭ ‬هنا‭ ‬تم‭ ‬رفضه‭ ‬كلياً‭. ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬عدم‭ ‬التقبل‭ ‬وعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الملامح‭ ‬الجزئية‭ ‬والخواص‭ ‬الشكلية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأغراض‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬فإن‭ ‬الحاضنة‭ ‬تقوم‭ ‬بتحوير‭ ‬العمل‭ ‬وفق‭ ‬منوالها،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬رفضه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬لم‭ ‬يحظ‭ ‬بالبقاء‭ ‬كحقيقة‭ ‬فولكلورية،‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬الاستعمال‭ ‬ويفنى‭.‬

إحدى‭ ‬بطلات‭ ‬رواية‭ ‬غونشاروف‭ ‬االهوة‭ ‬السحيقةب‭ ‬اندفعت‭ ‬لتعرف‭ ‬نهاية‭ ‬الحبكة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بالقراءة‭. ‬لنفترض‭ ‬أن‭ ‬القارئ‭ ‬الجماهيري‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭. ‬يمكنه‭ ‬أثناء‭ ‬القراءة‭ ‬أن‭ ‬يستبعد‭ ‬كمثال‭ ‬وصف‭ ‬الطبيعة،‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يعيقه‭ ‬ويعتبره‭ ‬حجر‭ ‬عثرة‭. ‬لكن‭ ‬مهما‭ ‬شوه‭ ‬القارئ‭ ‬الرواية،‭ ‬ومهما‭ ‬تعارض‭ ‬معمارها‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬المدارس‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬ما،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬تلقى‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬فإنها‭ ‬تبقى‭ ‬كاملة‭ ‬وغير‭ ‬ناقصة‭ ‬في‭ ‬كينونتها‭ ‬الحيوية،‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬وزمن‭ ‬ما‭ ‬يُعيد‭ ‬الاعتبار‭  ‬لبعض‭ ‬الملامح‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعترف‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬

لكن‭ ‬لنجرب‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬الفولكلور‭: ‬لنفترض‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬سرد‭ ‬فولكلوري‭ ‬يخضع‭ ‬حتماً‭ ‬لشكل‭ ‬البناء،‭ ‬الذي‭ ‬نعثر‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬سردية‭ ‬تولستوي‭ ‬اموت‭ ‬إيفان‭ ‬إيليتشب،‭ ‬إذ‭ ‬يسبق‭ ‬فك‭ ‬اللغز‭ ‬بداية‭ ‬السرد‭. ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يعجب‭ ‬الجماعة‭ ‬وصف‭ ‬الطبيعة،‭ ‬فإنه‭ ‬يُحذف‭ ‬من‭ ‬تلاوين‭ ‬الفولكلور‭ ‬وهكذا‭. ‬وبكلمة‭ ‬واحدة،‭ ‬يحتفظ‭ ‬الفولكلور‭ ‬بالأشكال‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬مفيدة‭ ‬وظيفياً‭ ‬للجماعة‭. ‬وهنا‭ ‬نتفهم‭ ‬إمكانية‭ ‬استبدال‭ ‬إحدى‭ ‬وظائف‭ ‬الشكل‭ ‬بأخرى‭. ‬عندما‭ ‬يفقد‭ ‬الشكل‭ ‬وظيفته‭ ‬يتلاشى‭ ‬في‭ ‬الفولكلور،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الأدبي‭ ‬يظل‭ ‬يحتفظ‭ ‬بوجوده‭ ‬وطاقته‭ ‬الكامنة‭.‬

وثمة‭ ‬مثال‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الأدبي‭: ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬بـاالرفقاء‭ ‬الخالدينب،‭ ‬الذين‭ ‬تؤوَّل‭ ‬أعمالهم‭ ‬بأشكال‭ ‬متباينة‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬المختلفة،‭ ‬كل‭ ‬يؤوِّل‭ ‬وفق‭ ‬رؤيته‭ ‬وبشكل‭ ‬جديد‭. ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬خصوصيات‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأدباء،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬غريبة‭ ‬غير‭ ‬مفهومة‭ ‬وغير‭ ‬ضرورية‭ ‬وغير‭ ‬مقبولة‭ ‬من‭ ‬المعاصرين،‭ ‬تحظى‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بتقييم‭ ‬عالٍ،‭ ‬وتبدو‭ ‬فجأة‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة،‭ ‬يعني‭ ‬تصبح‭ ‬عوامل‭ ‬أدبية‭ ‬مثمرة‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الأدب‭. ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لإبداع‭ ‬ليسكوف‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي،‭ ‬المترافق‭ ‬بإبداع‭ ‬قولي‭ ‬افي‭ ‬غير‭ ‬زمانهب،‭ ‬الذي‭ ‬أضحى‭ ‬بعد‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬فقط‭ ‬عاملاً‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬إبداع‭ ‬ريميزوف‭ ‬وما‭ ‬بعده‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬الروس؟‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬لبيئة‭ ‬ليسكوف‭ ‬أن‭ ‬تطهِّر‭ ‬إبداعه‭ ‬من‭ ‬الكلام‭ ‬الوحشي‭. ‬وبكلمة‭ ‬واحدة،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬مفهوم‭ ‬التقاليد‭ ‬الأدبية‭ ‬تختلف‭ ‬بصورة‭ ‬عميقة‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬التقاليد‭ ‬الفولكلورية‭. ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الفولكلور‭ ‬إمكانية‭ ‬إعادة‭ ‬بعثها‭ ‬غير‭ ‬ممكنة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬حقائق‭ ‬الأدب‭ ‬الغارقة‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬تظهر‭ ‬ثانية‭ ‬وتغدو‭ ‬حقائق‭ ‬فاعلة‭. ‬وهذا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الأساليب‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين‭.‬

مما‭ ‬قيل‭ ‬أعلاه‭ ‬يبدو‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬العمل‭ ‬الفولكلوري‭ ‬يفترض‭ ‬وجود‭ ‬جماعة‭ ‬تتقنه‭ ‬وتقره‭. ‬وعند‭ ‬دراسة‭ ‬الفولكلور‭ ‬يجب‭ ‬الأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬الرقابة‭ ‬التمهيدية‭ ‬للجماعة‭ ‬كعامل‭ ‬رئيس‭. ‬ونحن‭ ‬نستخدم‭ ‬بوعي‭ ‬تعبير‭ ‬اتمهيديب‭ ‬لأن‭ ‬الحديث‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬حقائق‭ ‬الفولكلور‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬على‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الظهور،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬االأحمالب‭ ‬أو‭ ‬الوجود‭ ‬الجنيني،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬اولادةب‭ ‬الحقائق‭ ‬الفولكلورية‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬وعن‭ ‬مصيرها‭ ‬المستقبلي‭.‬

يدافع‭ ‬دارسو‭ ‬الفولكلور،‭ ‬لاسيما‭ ‬السلاف‭ ‬منهم،‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬أغنى‭ ‬مادة‭ ‬فولكلورية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬عن‭ ‬الفكرة‭ ‬القائلة‭: ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬فوارق‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭ ‬والأدب،‭ ‬حيث‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬نتعامل‭ ‬معهما‭ ‬كنتاجات‭ ‬إبداع‭ ‬فردي‭ ‬غير‭ ‬مشكوك‭ ‬بها‭. ‬تعود‭ ‬نشأة‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لتأثير‭ ‬الواقعية‭ ‬الساذجة‭: ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يُقدم‭ ‬لنا‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تجربة‭ ‬واضحة‭. ‬ولهذا،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفترض‭ ‬وجود‭ ‬مبدع‭ ‬فردي‭ ‬ما،‭ ‬ويعتبر‭ ‬فسيفولد‭ ‬ميللر‭ ‬النحوي‭ ‬النمطي‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬أن‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭ ‬للجماهير‭ ‬وهم،‭ ‬لأنه‭ ‬افترض‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬لم‭ ‬ترصد‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الإبداع‭ ‬قط‭. ‬وهنا،‭ ‬بدون‭ ‬شك‭ ‬يجد‭ ‬تأثير‭ ‬المحيط‭ ‬اليومي‭ ‬جلاء‭ ‬له‭. ‬ليس‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعبي،‭ ‬وإنما‭ ‬الأدب‭ ‬المكتوب‭ ‬يبدو‭ ‬لنا‭ ‬شيئاً‭ ‬عادياً‭ ‬وشكلاً‭ ‬إبداعياً‭ ‬معروفاً‭ ‬جداً‭. ‬وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬التصورات‭ ‬الاعتيادية‭ ‬تتكاثف‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الفولكلور‭. ‬وعليه،‭ ‬تعتبر‭ ‬لحظة‭ ‬ولادة‭ ‬العمل‭ ‬الأدبي‭ ‬هي‭ ‬لحظة‭ ‬ترسيخه‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤلف،‭ ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يتموضع‭ ‬فيها‭ ‬العمل‭ ‬الشفوي‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬يعني‭  ‬يُؤدى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤلف،‭ ‬يؤول‭ ‬كلحظة‭ ‬الولادة،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬يصبح‭ ‬حقيقة‭ ‬فولكلورية‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬قبوله‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجماعة‭ ‬وحسب‭. ‬

أنصار‭ ‬مقولة‭ ‬الطابع‭ ‬الفردي‭ ‬لإبداع‭ ‬الفولكلور‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬مؤلِّف‭ ‬مجهول‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الجماعة‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬القيادات‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الروسي‭ ‬الشفوي‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬يلي‭: ‬ابهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬يتضح‭ ‬أنه‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الأغنية‭ ‬الأنشودة‭ ‬الطقسية،‭ ‬إذا‭ ‬كنا‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬منشئ‭ ‬الطقس،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أنشأ‭ ‬الأنشودة‭ ‬الأولى،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الإبداع‭ ‬الفردي،‭ ‬ولكنه‭ ‬يقول‭ ‬أن‭ ‬الطقس‭ ‬قديم‭ ‬جداً‭ ‬بحيث‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬مؤلفه،‭ ‬ليست‭ ‬ملابسات‭ ‬النشأة‭ ‬القديمة‭ ‬هي‭ ‬المرتبطة‭ ‬بشدة‭ ‬بطقس‭ ‬الأغنية،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬بشخصية‭ ‬المؤلف،‭ ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بذكره‭. ‬وبهذه‭ ‬الصورة‭ ‬فإن‭ ‬فكرة‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي،‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬أساس‭ ‬لهاب‭. ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطقس‭ ‬بدون‭ ‬قبول‭ ‬الجماعة‭ ‬له‭ ‬غير‭ ‬ممكن،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬contradictio in adjecto‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬منبع‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬نفحة‭ ‬فردية،‭ ‬فإن‭ ‬الطريق‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الطقس‭ ‬بعيدة‭ ‬جداً،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬الانحراف‭ ‬الفردي‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬في‭ ‬اللغة‭.  

ما‭ ‬قيل‭ ‬حول‭ ‬الطقس‭ (‬أو‭ ‬حول‭ ‬نشأة‭ ‬أعمال‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭) ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستعمله‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬الطقس‭ (‬وعليه‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭ ‬عامة‭). ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مقبول‭ ‬في‭ ‬اللسانيات‭ ‬حول‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬تغير‭ ‬المعيار‭ ‬اللغوي‭ ‬والانزياح‭ ‬الفردي‭ ‬عنه،‭ ‬التباين‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الدلالة‭ ‬الكمية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬دلالة‭ ‬مبدئية‭ ‬نوعية،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬غريباً‭ ‬وبعيداً‭ ‬جداً‭ ‬عن‭ ‬الفولكلور‭.‬

أحد‭ ‬أهم‭ ‬المعايير‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬الفولكلور‭ ‬والأدب‭ ‬هو‭ ‬مفهوم‭ ‬كينونة‭ ‬الإبداع‭ ‬الفني‭ ‬نفسه‭.‬

الرابطة‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬وتموضعه،‭ ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بروايات‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬لدى‭ ‬أدائه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬مماثل‭ ‬تماماً‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬parole وLangue‭. ‬النتاج‭ ‬الفولكلوري‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬اللغة‭ ‬Langue‭ ‬ليس‭ ‬شخصياً،‭ ‬ويتواجد‭ ‬كطاقة‭ ‬احتمالية‭ ‬وحسب،‭ ‬إنه‭ ‬مركب‭ ‬من‭ ‬أعراف‭ ‬ودوافع‭ ‬معروفة،‭ ‬ومجرى‭ ‬التقاليد‭ ‬الفعالة‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬المؤدون‭ ‬بتوشية‭ ‬الإبداع‭ ‬الفردي‭ ‬بالزخرفات،‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬منتجوparole‭ ‬بخصوص‭ ‬Langue،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬بأن‭ ‬المغنين‭ ‬لا‭ ‬ينشدون‭ ‬النص‭ ‬المثبت،‭ ‬وإنما‭ ‬يقومون‭ ‬بإعادة‭ ‬إنتاجه‭ ‬ثانية‭. ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬تستجيب‭ ‬هذه‭ ‬التشكيلات‭ ‬الجديدة‭ /‬الفردية‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ (‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭) ‬لمتطلبات‭ ‬الجماعة،‭ ‬وتتبارى‭ ‬مع‭ ‬التطور‭ ‬المنطقي‭ ‬للغة‭ ‬Langue‭ (‬ووفق‭ ‬ذلك‭ ‬الفولكلور‭)‬،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعمٍّر‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وتصبح‭ ‬حقائق‭ ‬لغة‭ (‬بما‭ ‬يتفق‭ ‬وعناصر‭ ‬المنتج‭ ‬الفولكلوري‭).‬

العمل‭ ‬الأدبي‭ ‬متموضع،‭ ‬وهو‭ ‬يتواجد‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭ ‬مستقلاً‭ ‬عن‭ ‬القارئ،‭ ‬وكل‭ ‬قارئ‭ ‬يليه‭ ‬يتوجه‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬درب‭ ‬الأثر‭ ‬الفولكلوري‭ ‬من‭ ‬مؤدٍ‭ ‬لمؤدٍ‭ ‬آخر،‭ ‬وإنما‭ ‬الطريق‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬المؤدي،‭ ‬ويمكن‭ ‬حقاً‭ ‬أن‭ ‬يؤخذ‭ ‬التأويل‭ ‬الذي‭ ‬يسبق‭ ‬المؤدين‭ ‬بالاعتبار،‭ ‬لكنه‭ ‬أحد‭ ‬العناصر‭ ‬المكونة‭ ‬لتلقي‭ ‬العمل،‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬المنبع‭ ‬الواحد‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭. ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬مطابقة‭ ‬دور‭ ‬المؤدي‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الفولكلوري‭ ‬بأي‭ ‬شكل‭ ‬لا‭ ‬بدور‭ ‬القارئ‭ ‬ولا‭ ‬بدور‭ ‬القارئ‭ ‬التالي،‭ ‬ولا‭ ‬بدور‭ ‬المؤلف‭. ‬فمن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬مؤدي‭ ‬العمل‭ ‬الفولكلوري‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬اللغة‭ ‬Langue،‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬خارج‭ ‬النطاق‭ ‬الشخصي،‭ ‬تتواجد‭ ‬مستقلة‭ ‬عن‭ ‬المؤدي،‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬تسمح‭ ‬بالتشويه‭ ‬وإدخال‭ ‬مادة‭ ‬إبداعية‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬وخلطها‭ ‬بالحقيقية‭. ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬مؤلف‭ ‬العمل‭ ‬الأدبي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬حقائق‭ ‬parole؛‭ ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬معطاة‭ ‬مسبقاً،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬عطاء‭ ‬التجسيد‭ ‬الفردي‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معطى‭ ‬هو‭ ‬مركب‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬التي‭ ‬على‭ ‬أرضيتها،‭ ‬يعني‭ ‬على‭ ‬أرضية‭ ‬التمثيل‭ ‬الفولكلوري‭ ‬لها،‭ ‬ينشأ‭ ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬الجديد‭ (‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬التي‭ ‬تُستوعب،‭ ‬وأشكال‭ ‬أخرى‭ ‬تتشكل،‭ ‬وثالثة‭ ‬يستغنى‭ ‬عنها‭).‬

الاختلاف‭ ‬البائن‭ ‬بين‭ ‬الفولكلور‭ ‬والأدب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬يتصف‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬Langue،‭ ‬أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيتجه‭ ‬إلى‭ ‬الكلام‭ ‬parole،‭ ‬ووفق‭ ‬بوتيبنيا‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬توصيفاً‭ ‬عادلاً‭ ‬لمجال‭ ‬الفولكلور،‭ ‬فإن‭ ‬المنشئ‭ ‬نفسه‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الحق‭ ‬أو‭ ‬الأسس‭ ‬لاعتبار‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬صنيعه،‭ ‬ولا‭ ‬اعتبار‭ ‬أعمال‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬الدائرة‭ ‬نفسها‭ ‬غريبة‭ ‬عنه‭. ‬إن‭ ‬الدور‭ ‬الرقابي‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الجماعة‭ ‬متباين‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬وفي‭ ‬الفولكلور‭ ‬ذ‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬أعلاه‭. ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬تحمل‭ ‬الرقابة‭ ‬طابعاً‭ ‬أوامرياً،‭ ‬وهي‭ ‬مقدمة‭ ‬ضرورية‭ ‬لنشأة‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭. ‬الكاتب‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬يوجه‭ ‬اهتمامه‭ ‬ويتفهم‭ ‬متطلبات‭ ‬البيئة،‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتكيف‭ ‬بشكل‭ ‬ما‭ ‬معها،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يتصف‭ ‬به‭ ‬الفولكلور‭ ‬فهو‭ ‬التأثير‭ ‬الصارم‭ ‬للرقابة،‭ ‬والإنتاج‭ ‬يغيب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭. ‬العمل‭ ‬الفني‭ ‬لا‭ ‬تحدده‭ ‬الرقابة‭ ‬مسبقاً‭ ‬ولا‭ ‬يخلو‭ ‬نهائياً‭ ‬منها،‭ ‬إنها‭ ‬تقريبية‭ ‬ذ‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬صحيح‭ ‬وجزء‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬صحيح‭- ‬تأخذ‭ ‬بالاعتبار‭ ‬المتطلبات،‭ ‬وبعض‭ ‬حاجات‭ ‬الجمهور‭ ‬لا‭ ‬تؤخذ‭ ‬بالاعتبار‭ ‬أبداً‭.‬

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأدب‭ ‬ومستهلكيه‭ ‬يجد‭ ‬مثيلاً‭ ‬قريباً‭ ‬وموازياً‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ ‬اإنتاج‭ ‬الوفرةب،‭ ‬بينما‭ ‬يقترب‭ ‬الفولكلور‭ ‬من‭ ‬االإنتاج‭ ‬حسب‭ ‬الطلبب‭. ‬

عدم‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الوسط‭ ‬والعمل‭ ‬الأدبي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نتيجته‭ ‬الإخفاق،‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬اختلافاً‭ ‬متعمداً‭ ‬مقصوداً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬لإرضاء‭ ‬متطلبات‭ ‬الوسط،‭ ‬وتهذيبه‭ ‬أدبياً،‭ ‬هذه‭ ‬المحاولة‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬الترويج‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الفشل‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬ناضجة‭. ‬الرقابة‭ ‬لا‭ ‬تتنازل،‭ ‬بين‭ ‬معاييرها‭ ‬والعمل‭ ‬يندلع‭ ‬التناقض،‭ ‬البعض‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬نفسه‭ ‬كمبدع‭ ‬فولكلور‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬االأديبب‭ ‬ومثيله،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التشبيه‭ ‬غير‭ ‬دقيق‭. ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬االأديبب‭ ‬فإن‭ ‬امنشئ‭ ‬الفولكلورب‭ ‬لا‭ ‬يبني‭ - ‬حسب‭ ‬ملاحظة‭ ‬أنيشكوف‭ ‬الدقيقة‭ - ‬اأي‭ ‬بيئة‭ ‬جديدةب،‭ ‬وأي‭ ‬نية‭ ‬لتشكيل‭ ‬بيئة‭ ‬جديدة‭ ‬غريبة‭ ‬عنه‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭: ‬السيطرة‭ ‬التامة‭ ‬للرقابة‭ ‬المسبقة‭ ‬التي‭ ‬تدين‭ ‬أي‭ ‬نزاع‭ ‬للعمل‭ ‬مع‭ ‬الرقابة‭ ‬غير‭ ‬مثمر،‭ ‬وهذا‭ ‬يكوّن‭ ‬نمطاً‭ ‬خاصاً‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري،‭ ‬ويضطر‭ ‬الشخص‭ ‬للتخلي‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تعدٍ‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬الرقابة‭.‬

في‭ ‬فهم‭ ‬الفولكلور‭ ‬كإبداع‭ ‬فردي‭ ‬بلغ‭ ‬اتجاه‭ ‬استبعاد‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬وتاريخ‭ ‬الفولكلور‭ ‬أوجه‭. ‬ونحن‭ ‬نفترض،‭ ‬من‭ ‬إدراكنا‭ ‬لما‭ ‬قيل‭ ‬أعلاه،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتعرض‭ ‬لإعادة‭ ‬نظر‭ ‬أساسية‭. ‬لكن،‭ ‬هل‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬هذه‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للتصور‭ ‬الرومانسي،‭ ‬الذي‭ ‬انتقده‭ ‬بشدة‭ ‬ممثلو‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬المذكورة؟‭ ‬لا‭ ‬شك‭. ‬في‭ ‬وصف‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي‭ ‬والأدب،‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬منظرو‭ ‬الرومانسية،‭ ‬نجد‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الآراء‭ ‬الصائبة،‭ ‬كان‭ ‬الرومانسيون‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أكدوا‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬الجماعي‭ ‬للإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي،‭ ‬ومقارنته‭ ‬باللغة‭. ‬لكن‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬الصحيح‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬الرومانسي،‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬تأكيدات‭ ‬لا‭ ‬يسندها‭ ‬النقد‭ ‬العلمي‭ ‬الحديث‭.‬

قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أعاد‭ ‬الرومانسيون‭ ‬تقييم‭ ‬أصالة‭ ‬الفولكلور‭ ‬وألفته‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬أعمال‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة‭ ‬الدور‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭ ‬للظاهرة‭ ‬التي‭ ‬تسمى‭ ‬في‭ ‬الإتنوغرافيا‭ ‬الألمانية‭ ‬المعاصرة‭ ‬االذخيرة‭ ‬الثقافية‭ ‬الهابطةب‭ ‬اgesunkenes‭ ‬kulturgutب‭. ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬هنا‭ ‬اشتباه‭ ‬نتيجة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمكانة‭ ‬المهمة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬تشغلها‭ ‬هذه‭ ‬الذخيرة‭ ‬في‭ ‬الاستعراض‭ ‬الشعبي،‭ ‬بأن‭ ‬يتقلص‭ ‬دور‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭. ‬بينما‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭. ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬يستدينها‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬الجماعية‭ ‬العليا،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بذاتها‭ ‬نتاجاً‭ ‬نمطياً‭ ‬لمبادرة‭ ‬شخصية‭ ‬وإبداع‭ ‬فردي‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬التساؤل‭ ‬الخاص‭ ‬حول‭ ‬منابع‭ ‬العمل‭ ‬الفولكلوري‭ ‬يقع‭ ‬خارج‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الجوهر‭. ‬فأي‭ ‬تساؤل‭ ‬حول‭ ‬تنوع‭ ‬المصادر‭ ‬يغدو‭ ‬قضية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬تمت‭ ‬دراسة‭ ‬هذه‭ ‬المنابع‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬تلك‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬دمج‭ ‬هذه‭ ‬المنابع‭ ‬فيها‭. ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬ليس‭ ‬النشأة‭ ‬اللافولكلورية‭ ‬وكينونة‭ ‬المنابع،‭ ‬وإنما‭ ‬وظيفة‭ ‬الأخذ‭ ‬والانتقاء‭ ‬وانتقال‭ ‬المادة‭ ‬المستقرضة‭. ‬ووفق‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬فإن‭ ‬الطرح‭ ‬المعروف‭ ‬االشعب‭ ‬لا‭ ‬ينتج،‭ ‬وإنما‭ ‬يعيد‭ ‬الإنتاج،‭ ‬يفقد‭ ‬حدّته،‭ ‬لأننا‭ ‬نفقد‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حد‭ ‬فاصل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬وإعادة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬واعتبار‭ ‬الأخير‭ ‬غير‭ ‬مكتمل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬ما‭. ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إعادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الاستقراض‭ ‬السلبي،‭ ‬وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بين‭ ‬موليير‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬تركيب‭ ‬التمثيليات‭ ‬القديمة،‭ ‬والشعب‭ ‬طبق‭ ‬تعبير‭ ‬ناؤومان‭ ‬اein‭ ‬kunstlied‭ ‬zersingtب‭ ‬أي‭ ‬اختلاف‭ ‬مبدئي‭. ‬التغير‭ ‬الذي‭ ‬يطرأ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬الفن‭ ‬التذكاري‭ ‬والإنتاج‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالبدائي‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬إبداعي‭ ‬أيضاً‭.   

المقاربة‭ ‬الإبداعية‭ ‬تتجلى‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬العمل‭ ‬المأخوذ‭ ‬منه،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬تكييفه‭ ‬لخبرات‭ ‬الآخرين‭. ‬وتصبح‭ ‬الأشكال‭ ‬الأدبية‭ ‬الراسخة‭ ‬بعد‭ ‬انتقالها‭ ‬إلى‭ ‬الفولكلور‭ ‬مادة‭ ‬تخضع‭ ‬للتشكّل‭. ‬وعلى‭ ‬خلفية‭ ‬البيئة‭ ‬الشعرية‭ ‬الأخرى‭ ‬والتقاليد‭ ‬المغايرة،‭ ‬والعلاقة‭ ‬الأخرى‭ ‬بالقيم‭ ‬الفنية،‭ ‬يجري‭ ‬تأويل‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬جديد،‭ ‬وحتى‭ ‬ذلك‭ ‬العرض‭ ‬الشكلي،‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أنه‭ ‬ظل‭ ‬ثابتاً‭ ‬عند‭ ‬الاستقراض،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬كنظير‭ ‬لصورته‭ ‬الأولى‭: ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬الفنية‭ ‬يتم،‭ ‬وفق‭ ‬عبارة‭ ‬دارس‭ ‬الأدب‭ ‬الروسي‭ ‬تينيانوف،‭ ‬نقل‭ ‬الوظائف‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬الوظيفية،‭ ‬التي‭ ‬بدونها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬حقائق‭ ‬الفن،‭ ‬فإن‭ ‬العمل‭ ‬الشعري‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الفولكلور،‭ ‬وكذلك‭ ‬العمل‭ ‬المتبنّى‭ ‬من‭ ‬الفولكلور‭ ‬هما‭ ‬حقائق‭ ‬مختلفة‭ ‬قطعاً‭.‬

إن‭ ‬سيرة‭ ‬قصيدة‭ ‬بوشكن‭ ‬االفارسب‭ ‬هي‭ ‬مثال‭ ‬ساطع‭ ‬على‭ ‬كيفيّة‭ ‬تبدل‭ ‬وظيفة‭ ‬الأشكال‭ ‬الفنية،‭ ‬التي‭ ‬تتسرب‭ ‬من‭ ‬الفولكلور‭ ‬إلى‭ ‬الأدب،‭ ‬ومرة‭ ‬ثانية‭ ‬ذ‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬الفولكلور‭.‬

السرد‭ ‬الفولكلوري‭ ‬النمطي‭ ‬عن‭ ‬صدام‭ ‬الرجل‭ ‬البسيط‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬الغيب‭ (‬مركز‭ ‬ثقل‭ ‬السرد‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬وصف‭ ‬الشيطنة‭) ‬تمت‭ ‬صياغته‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬بوشكن‭ ‬بواسطة‭ ‬سيكولوجية‭ ‬الشخوص‭ ‬الفاعلة‭ ‬والبواعث‭ ‬النفسية‭ ‬لأفعالها‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬اللوحات‭ ‬الأجناسية‭. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬تصوير‭ ‬البطل‭ ‬الرئيس‭ (‬الفارس‭)‬،‭ ‬وجدْل‭ ‬الخرافات‭ ‬الشعبية‭ ‬وتجسيدها‭ ‬من‭ ‬قبله‭ ‬بصيغة‭ ‬تهكمية‭. ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬استخدمها‭ ‬بوشكن‭ ‬ذ‭ ‬ذات‭ ‬منشأ‭ ‬شعبي،‭ ‬لكن‭ ‬فولكلوريتها‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الشاعر‭ ‬تصنيعها‭ ‬إبداعياً،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬فنية،‭ ‬وأضحت‭ ‬ذ‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬ذ‭ ‬علامة‭ ‬لافتة‭.‬

لهجة‭ ‬الحكّاء‭ ‬الشعبي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ذوق‭ ‬فيها‭ ‬كانت‭ ‬مادة‭ ‬حافزة‭ ‬لبوشكن‭ ‬ليصوغ‭ ‬قصيدته‭. ‬عادت‭ ‬قصيدة‭ ‬بوشكن‭ ‬إلى‭ ‬الفولكور،‭ ‬وانضمت‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬وجوهٍ‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬الشعبي‭ ‬الروسي‭ ‬لعروض‭ ‬االقيصر‭ ‬ماكسيمليانب‭.‬

هذه‭ ‬الاقتباسات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬شيوع‭ ‬الأحداث‭ ‬الموضوعة،‭ ‬وهي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬التمثيل‭ ‬الإضافي‭ ‬المتنوع‭ ‬التي‭ ‬يؤديها‭ ‬بطل‭ ‬الحدث،‭ ‬الفارس‭. ‬وتتماشى‭ ‬ادعاءات‭ ‬الفارس‭ ‬اليائسة‭ ‬وروح‭ ‬الجماليات‭ ‬الهزلية،‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬التجسيد‭ ‬الفكاهي‭ ‬للشيطنة‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬المفارقة‭ ‬الرومانسية‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬سخرية‭ ‬بوشكن‭ ‬لا‭ ‬يجمعها‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭ ‬مع‭ ‬آلاعيب‭ ‬االقيصر‭ ‬ماكسيمليانب‭ ‬التهريجية،‭ ‬التي‭ ‬تتشابه‭ ‬وهذه‭ ‬القصيدة‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬فيها‭ ‬قصيدة‭ ‬بوشكن‭ ‬لتغيرات‭ ‬بسيطة،‭ ‬فقد‭ ‬جرى‭ ‬تأويلها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجمهور‭ ‬الذي‭ ‬تربى‭ ‬على‭ ‬الفولكلور‭ ‬بصورة‭ ‬فريدة‭ ‬جداً،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬عند‭ ‬أدائها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ممثل‭ ‬شعبي،‭ ‬وعلى‭ ‬خلفية‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أدوار‭. ‬وفي‭ ‬حالات‭ ‬أخرى‭ ‬تتجلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الوظائف‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬الشكل‭: ‬يتصف‭ ‬أسلوب‭ ‬بوشكن‭ ‬الحواري‭ ‬العامي‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬بالمرونة،‭ ‬حيث‭ ‬ينتقل‭ ‬ببساطة‭ ‬إلى‭ ‬شعر‭ ‬حكائي‭ ‬فولكلوري،‭ ‬ويبقى‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬نفسها‭ ‬المخطط‭ ‬السياقي‭ ‬الفاقد‭ ‬للحوافز،‭ ‬الذي‭ ‬يندمج‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬النكات‭ ‬الهزلية‭ ‬النمطية‭ ‬والكلام‭ ‬المبطن‭.‬

إذا‭ ‬تشابكت‭ ‬مصائر‭ ‬الأدب‭ ‬والإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي،‭ ‬وكانت‭ ‬تأثيراتهما‭ ‬متبادلة‭ ‬شديدة‭ ‬ودائمة،‭ ‬وكان‭ ‬الفولكلور‭ ‬يتجه‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬الأدب،‭ ‬فإننا‭ ‬رغم‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬ليس‭ ‬لنا‭ ‬حق‭ ‬تجاهل‭ ‬الحدود‭ ‬المبدئية‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشعبي‭ ‬والأدب‭ ‬لمصلحة‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬الجينية‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬مسألة‭ ‬الأصالة‭ ‬الجينية‭ ‬للفولكلور‭ ‬ثمة‭ ‬خطأ‭ ‬حيوي‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬التوصيف‭ ‬الرومانسي،‭ ‬وهي‭ ‬الأطروحة‭ ‬القائلة‭ ‬بأن‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتوزع‭ ‬في‭ ‬طبقات،‭ ‬أي‭ ‬الشخصية‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬نفَس‭ ‬واحدة‭ ‬ورؤية‭ ‬واحدة،‭ ‬يعنى‭ ‬الطائفة‭ ‬المتراصة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬أي‭ ‬تعابير‭ ‬فردية‭ ‬للنشاط‭ ‬الإنساني،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬صانعة‭ ‬للفولكلور‭ ‬وذاتاً‭ ‬جماعية‭ ‬للإبداع‭. ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الراسخة‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭ ‬واالجماعة‭ ‬الثقافية‭ ‬البدائيةب‭ ‬نعثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن‭ ‬عند‭ ‬ناؤومان‭ ‬ومدرسته،‭ ‬الذين‭ ‬يلتقون‭ ‬مع‭ ‬الرومانسيين‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مسائل،‭ ‬يقول‭ ‬ناؤومان‭: ‬الا‭ ‬فردية‭ ‬هنا‭. ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬التخوف‭ ‬من‭ ‬الاقتباس‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الحيوان‭ ‬للتشبيه‭: ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬هذا‭ ‬يمنحنا‭ ‬مقارنة‭ ‬قريبة‭. ‬الفن‭ ‬الشعبي‭ ‬الحقيقي‭- ‬هو‭ ‬فن‭ ‬جماعي،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬عش‭ ‬السنونو،‭ ‬وأقراص‭ ‬العسل‭ ‬وصدفات‭ ‬الحلزون‭ ‬المبشّرة،‭ ‬كلها‭ ‬أعمال‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الفن‭ ‬الجماعي‭ ‬الحقيقيب‭. ‬ويستمر‭ ‬بالقول‭: ‬اإنها‭ ‬جميعاً‭ ‬محتضنة‭ ‬بحركة‭ ‬واحدة،‭ ‬إنها‭ ‬تحمل‭ ‬ثقافة‭ ‬جماعية‭ ‬ذ‭ ‬فهي‭ ‬جميعها‭ ‬مشحونة‭ ‬بالنوايا‭ ‬المتكافئة‭ ‬والأفكار‭ ‬المتكافئةب‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬يكمن‭ ‬خطر‭ ‬أي‭ ‬استخلاص‭ ‬متسرع‭ ‬ومباشر‭ ‬من‭ ‬التجلي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬النفسية،‭ ‬مثال‭ ‬ذلك‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬صفات‭ ‬الأشكال‭ ‬اللغوية‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬التفكير‭ (‬هذه‭ ‬المماثلة‭ ‬اكتشف‭ ‬خطرها‭ ‬بإتقان‭ ‬أنطون‭ ‬مارتي‭). ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نرصده‭ ‬في‭ ‬الإتنوغرافيا‭: ‬الهيمنة‭ ‬اللامحدودة‭ ‬للتفكير‭ ‬الجماعي‭ ‬ليست‭ ‬مقدمة‭ ‬ضرورية‭ ‬للإبداع‭ ‬الجماعي،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التفكير‭ ‬ينتج‭ ‬التربة‭ ‬الملائمة‭ ‬لازدهار‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭ ‬التام‭.‬

ليس‭ ‬غريباً‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬الزاخرة‭ ‬بالروح‭ ‬الفردية‭ ‬ملامح‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي‭. ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬التشكيلات‭ ‬المعاصرة‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬الألغاز‭ ‬وعن‭ ‬النميمة‭ ‬والإشاعات‭ ‬المماثلة‭ ‬للخرافات،‭ ‬وعن‭ ‬الخزعبلات‭ ‬والأساطير،‭ ‬وعن‭ ‬الموضة‭ ‬والرسميات‭.‬

وثمة‭ ‬كلمة‭ ‬تقال‭ ‬إن‭ ‬اختصاص‭ ‬الإتنوغرافيا‭ ‬الروس،‭ ‬الذين‭ ‬استقصوا‭ ‬قرى‭ ‬منطقة‭ ‬موسكو،‭ ‬قدموا‭ ‬معطيات‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬ارتباط‭ ‬العرض‭ ‬الفولكلوري‭ ‬الحياتي‭ ‬والثري‭ ‬بالتباين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والأيديولوجي‭ ‬والمعيشي‭ ‬المتنوع‭ ‬للفلاحين‭.‬

وجود‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي‭ (‬وعليه‭ ‬الأدب‭) ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬وظيفياً‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬ما،‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الناحية‭ ‬النفسية‭. ‬لنقارن‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تعايش‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭ ‬والكتابي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الروسية‭ ‬المتعلمة‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬والسابع‭ ‬عشر‭: ‬الإبداع‭ ‬الكتابي‭ ‬أنجز‭ ‬مهمات‭ ‬ثقافية‭ ‬محددة،‭ ‬أما‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭ ‬فقام‭ ‬بمهمات‭ ‬أخرى‭ ‬مختلفة‭. ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬المدينة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬اإنتاج‭ ‬الوفرةب‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬الفولكلور‭ - ‬االإنتاج‭ ‬وفق‭ ‬الطلبب‭. ‬الإبداع‭ ‬الفردي‭ ‬كحقيقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬غريب‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬القرية‭ ‬البطركية‭ ‬كإنتاج‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الوفرة‭ ‬والرواج‭.‬

قبول‭ ‬مسألة‭ ‬الفولكلور‭ ‬كإبداع‭ ‬شعبي‭ ‬يضع‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المهمات‭ ‬الملموسة‭. ‬إن‭ ‬انتقال‭ ‬المناهج‭ ‬والمفاهيم‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬أثناء‭ ‬المادة‭ ‬التاريخية‭ /‬الأدبية‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬وهن‭ ‬تحليل‭ ‬الأشكال‭ ‬الفنية‭ ‬الفولكلورية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬خفض‭ ‬التقييم‭ ‬للتباين‭ ‬الملحوظ‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬وتسجيل‭ ‬العمل‭ ‬الفولكلوري،‭ ‬وهذا‭ ‬بدوره‭ ‬يشوه‭ ‬بلا‭ ‬محالة‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬وينقله‭ ‬من‭ ‬معيار‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭. 

قد‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأشكال‭ ‬المتماثلة‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الفولكلور‭ ‬والأدب‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعنى‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬مفهوم‭ ‬بيت‭ ‬الشعر،‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬لأول‭ ‬نظرة‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الفولكلور،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬هما‭ ‬يختلفان‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الوظيفية‭. ‬يعتبر‭ ‬مارسيل‭ ‬جوس‭ ‬الباحث‭ ‬الماهر‭ ‬في‭ ‬الألفاظ‭ ‬الإيقاعية‭ ‬الشفوية‭ (‬style‭ ‬oral‭ ‬rythmique‭) ‬أن‭ ‬التباين‭ ‬مهم‭ ‬جداً‭ ‬بقدر‭ ‬أهمية‭ ‬مفاهيم‭ ‬االقصيدب‭ ‬واالشعرب‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الأدب،‭ ‬بينما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الإبداع‭  ‬الشفوي‭ ‬يستخدم‭ ‬جوس‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ذلك،‭ ‬االمخطط‭ ‬الإيقاعيب،‭ ‬وااللفظ‭ ‬الشفويب‭ ‬حتى‭ ‬يتجنب‭ ‬اجتياح‭ ‬المفاهيم‭ ‬العادية‭ ‬ذات‭ ‬المضمون‭ ‬الأدبي‭ ‬لمفاهيم‭ ‬الفولكلور‭. ‬ويكشف‭ ‬بمهارة‭ ‬عالية‭ ‬الوظيفة‭ ‬الاستذكارية‭ ‬لهذه‭ ‬االمخططات‭ ‬الإيقاعيةب‭.‬

يؤول‭ ‬جوس‭ ‬اللفظ‭ ‬الإيقاعي‭ ‬الشفوي‭ ‬في‭ ‬اmilieu‭ ‬des‭ ‬recitateurs‭ ‬encore‭ ‬spontanesب‭.‬‭ ‬على‭ ‬الشكل‭ ‬التالي‭: ‬النتصور‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬جملتين‭ ‬مقفيتين،‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬جمل،‭ ‬وفي‭ ‬أربعة‭ ‬أو‭ ‬خمسة‭ ‬أنماط‭ ‬من‭ ‬المخططات‭ ‬الإيقاعية‭ ‬المثبتة‭ ‬بدقة،‭ ‬التي‭ ‬يجري‭ ‬نقلها‭ ‬بدون‭ ‬إخلال‭ ‬بالتقليد‭ ‬الشفوي‭: ‬فإن‭ ‬الابتكار‭ ‬الشخصي‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬المخططات‭ ‬الإيقاعية‭ ‬والإكليشيهات‭ ‬التعبيرية‭ ‬كنموذج،‭ ‬وإنشاء‭ ‬مخططات‭ ‬أخرى‭ ‬نظائر‭ ‬لها،‭ ‬معنىً‭ ‬وانسجاماً‭.. ‬وفي‭ ‬تقارب‭ ‬الموضوع‭ ‬إن‭ ‬أمكن‭ ‬ذلكب‭. ‬نجد‭ ‬هنا‭ ‬وصفاً‭ ‬محكماً‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬التقليد‭ ‬والارتجال،‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬والكلام‭ ‬langue‭ ‬parole‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬والشفوي‭. ‬ويأتي‭ ‬القصيد‭ ‬والمقطع‭ ‬والبنية‭ ‬كدعامة‭ ‬صلبة‭ ‬للتقليد‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ووسيلة‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬تقنية‭ ‬الارتجال‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬اوهذان‭ ‬الجانبان‭ ‬مرتبطان‭ ‬ببعضهماب‭. ‬

يتعين‭ ‬أن‭ ‬يشاد‭ ‬تصنيف‭ ‬الأشكال‭ ‬الفولكلورية‭ ‬مستقلاً‭ ‬عن‭ ‬تصنيف‭ ‬أشكال‭ ‬الأدب‭. ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬مهمات‭ ‬اللغة‭ ‬وضع‭ ‬تصنيف‭ ‬فونولوجي‭ (‬صوتي‭) ‬وآخر‭ ‬مورفولوجي‭ (‬صرفي‭). ‬وغدا‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬وجود‭ ‬قوانين‭ ‬بنيوية‭ ‬شمولية‭ ‬لا‭ ‬تزعزعها‭ ‬أي‭ ‬لغة‭: ‬وبدا‭ ‬أن‭ ‬تنوع‭ ‬البنى‭ ‬الفونولوجية‭ ‬والمورفولوجية‭ ‬محدود،‭ ‬ويمكن‭ ‬حصره‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬ضيق‭ ‬نسبياً،‭ ‬وذلك‭ ‬لأن‭ ‬تنوع‭ ‬أشكال‭ ‬الإبداع‭ ‬الفولكلوري‭ ‬فقير‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭. ‬تتيح‭ ‬طبيعة‭ ‬الكلام‭ ‬parole‭ ‬مضاعفة‭ ‬تنوع‭ ‬التغيرات‭ ‬بشكل‭ ‬أوسع‭ ‬مما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬langue‭. ‬ويمكن‭ ‬مقابلة‭ ‬تأكيدات‭ ‬علم‭ ‬اللغة‭ ‬المقارن‭ ‬هذه‭ ‬بتنوع‭ ‬السياقات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الأدب‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وبضيق‭ ‬عدد‭ ‬سياقات‭ ‬الحكايات‭ ‬في‭ ‬الفولكلور‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭. ‬هذا‭ ‬الحصر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬بعمومية‭ ‬المنابع‭ ‬ولا‭ ‬بالمرجعية‭ ‬النفسية‭ ‬أو‭ ‬الملابسات‭ ‬الخارجية‭ ‬الواحدة‭. ‬تنبع‭ ‬السياقات‭ ‬المتشابهة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬قوانين‭ ‬المعمار‭ ‬الشعري‭ ‬العامة‭: ‬هذه‭ ‬القوانين،‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬القوانين‭ ‬البنيوية‭ ‬للغة‭ ‬ذات‭ ‬تنوع‭ ‬منخفض‭ ‬وحذر‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الجماعي،‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭ ‬الفردي‭.‬

المهمة‭ ‬المرحلية‭ ‬لعلم‭ ‬الفولكلور‭ ‬التزامني‭ ‬هي‭ ‬توصيف‭ ‬منظومة‭ ‬الأشكال‭ ‬الفنية،‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الأدوار‭ ‬الفاعلة‭ ‬لجماعة‭ ‬معينة‭ ‬ذ‭ ‬القرية،‭ ‬المجموعة‭ ‬الإثنية،‭ ‬الدائرة‭ ‬المحيطة‭. ‬حينئذ‭ ‬يؤخذ‭ ‬بالاعتبار‭ ‬نواتج‭ ‬الأشكال‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬وتراتبها،‭ ‬والتباين‭ ‬بين‭ ‬الأشكال‭ ‬المنتجة،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬فاعليتها،‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭. ‬وطبق‭ ‬الدور‭ ‬الفولكلوري‭ ‬التمثيلي‭ ‬يتم‭ ‬إظهار‭ ‬المجموعات‭ ‬الإثنية‭ ‬والجغرافية،‭ ‬وكذلك‭ ‬المجموعات‭ ‬وفق‭ ‬الجنس‭ (‬ذكر‭ ‬أم‭ ‬أنثى‭)‬،‭ ‬والعمر‭ (‬أطفال،‭ ‬شباب،‭ ‬عجائز‭) ‬والمهن‭ (‬راعي،‭ ‬صياد،‭ ‬جندي،‭ ‬قرصان‭ ‬وغيرها‭).‬

بقدر‭ ‬ما‭ ‬تنتج‭ ‬المجموعات‭ ‬المهنية‭ ‬المذكورة‭ ‬أعمالاً‭ ‬فولكلورية‭ ‬لنفسها،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬السلاسل‭ ‬الفولكلورية‭ ‬يمكن‭ ‬تنظيمها‭ ‬حسب‭ ‬اللغات‭ ‬المهنية‭ ‬المخصوصة،‭ ‬وثمة‭ ‬أدوار‭ ‬فولكلورية‭ ‬تعود‭ ‬لمجموعة‭ ‬مهنية‭ ‬محددة،‭ ‬ولكنها‭ ‬مخصصة‭ ‬لمستهلكين‭ ‬بعيدين‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يعتبر‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭ ‬إحدى‭ ‬علامات‭ ‬المجموعة‭ ‬المهنية‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬تؤدى‭ ‬غالبية‭ ‬الأشعار‭ ‬الروحية‭ ‬الروسية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬هواة‭ ‬عابرين،‭ ‬أو‭ ‬مشردين‭ ‬متجولين‭ ‬الذين‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتوحدون‭ ‬في‭ ‬مجموعات‭ ‬رفاقية‭ ‬متخصصة‭. ‬أداء‭ ‬الأشعار‭ ‬الروحية‭ ‬ذ‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬رزقهم‭. ‬هذا‭ ‬المثال‭ ‬على‭ ‬الانفصام‭ ‬التام‭ ‬بين‭ ‬المنتجين‭ ‬والمستهلكين‭ ‬وبين‭ ‬أقصى‭ ‬الحالات‭ ‬المناقضة،‭ ‬وذلك‭ ‬حينما‭ ‬تكون‭ ‬الجماعة‭ ‬كلها‭ ‬منتجة‭ ‬ومستهلكة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ (‬للأمثال‭ ‬والألغاز‭ ‬والحزازير‭ ‬والشاستوشكا‭ ‬والأجناس‭ ‬المعروفة‭ ‬للأغاني‭ ‬الطقوسية‭ ‬وغير‭ ‬الطقوسية‭) ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأنماط‭ ‬البينية‭. ‬ويحدث‭ ‬أن‭ ‬تحتكر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬والموهوبين‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬محددة‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬إنتاج‭ ‬لون‭ ‬فولكلوري‭ ‬معين‭ (‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬الحكايات‭). ‬هؤلاء‭ ‬ليسوا‭ ‬اختصاصيين،‭ ‬والإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬ليس‭ ‬انشغالهم‭ ‬الأساس‭ ‬ومصدر‭ ‬رزقهم؛‭ ‬هؤلاء‭ ‬مجرد‭ ‬هواة‭ ‬يشتغلون‭ ‬بالشعر‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬فراغهم،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬هنا‭ ‬مطابقة‭ ‬تامة‭ ‬بين‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك،‭ ‬ولا‭ ‬انفصام‭ ‬تام،‭ ‬الحدود‭ ‬متذبذبة‭. ‬هناك‭ ‬أناس‭ ‬يمارسون‭ ‬دورين،‭ ‬دور‭ ‬الحكّائين‭ ‬ودور‭ ‬المستمعين،‭ ‬ومن‭ ‬السهل‭ ‬على‭ ‬المنتج‭ ‬الهاوي‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬مستهلكاً‭ ‬وعلى‭ ‬العكس‭.‬

يظل‭ ‬الإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي‭ ‬جماعياً‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬التباعد‭ ‬بين‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك،‭ ‬لكن‭ ‬الجماعة‭ ‬تتسم‭ ‬هنا‭ ‬بملامح‭ ‬مميزة‭. ‬عندما‭ ‬تتواجد‭ ‬مجموعة‭ ‬منتجين‭ ‬وتكون‭ ‬االرقابة‭ ‬المسبقةب‭ ‬متحررة‭ ‬من‭ ‬المستهلك‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬المنتج‭ ‬والمستهلك،‭ ‬عندها‭ ‬تأخذ‭ ‬الرقابة‭ ‬مصالح‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭ ‬على‭ ‬قدم‭ ‬المساواة‭.‬

من‭ ‬طبيعة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬تحت‭ ‬ظرف‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬الفولكلور،‭ ‬ويتوقف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إبداعاً‭ ‬جماعياً،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬وجود‭ ‬فريق‭ ‬متوائم‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬تقاليد‭ ‬مهنية‭ ‬راسخة،‭ ‬ويتعاملون‭ ‬بحماس‭ ‬مع‭ ‬الأعمال‭ ‬الشعرية،‭ ‬ويسعون‭ ‬بكل‭ ‬قواهم‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬بدون‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬يذكر‭. ‬وهذا‭ ‬ممكن‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬وتشهد‭ ‬عليه‭ ‬عدة‭ ‬أمثلة‭ ‬تاريخية‭. ‬هكذا‭ ‬تنفلت‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الكهنة‭ ‬وعبر‭ ‬العصور‭ ‬أناشيد‭ ‬الفيدا‭- ‬من‭ ‬فم‭ ‬لفم،‭ ‬أو‭ ‬وفق‭ ‬المصطلح‭ ‬البوذي‭ ‬عبر‭ ‬االسلالب‭ ‬المتنقلة‭. ‬جميع‭ ‬القوى‭ ‬كانت‭ ‬موجهة‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬تحريف‭ ‬هذه‭ ‬النصوص،‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الإدخالات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أهمية‭ ‬لها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭. ‬هناك‭ ‬حيث‭ ‬دور‭ ‬الجماعة‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬كسر‭ ‬قانون‭ ‬العمل‭ ‬الشعري‭ ‬تُلغى‭ ‬الرقابة‭ ‬الإبداعية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الارتجال،‭ ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬إبداع‭ ‬جماعي‭.‬

كمثال‭ ‬عابر‭ ‬للأشكال‭ ‬البينية‭ ‬للإبداع‭ ‬الشعري‭ ‬الشفوي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭ ‬في‭ ‬الأدب‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬فإن‭ ‬نشاط‭ ‬المؤلفين‭ ‬المجهولين‭ ‬ونسّاخي‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يغدو‭ ‬هذه‭ ‬النشاط‭ ‬خارج‭ ‬مجال‭ ‬الأدب،‭ ‬فهو‭ ‬يتسم‭ ‬ببعض‭ ‬الملامح‭ ‬التي‭ ‬بفضلها‭ ‬يقترب‭ ‬ولو‭ ‬جزئياً‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬الشفوي‭: ‬اتجه‭ ‬الناسخ‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬نسخ‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬ونسخه‭ ‬كمادة‭ ‬خاضعة‭ ‬لإعادة‭ ‬التصنيع‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭. ‬ومهما‭ ‬بلغت‭ ‬الظواهر‭ ‬المتنقلة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الإنتاج‭ ‬الفردي‭ ‬والإنتاج‭ ‬الجماعي،‭ ‬فإننا‭ ‬لن‭ ‬نسلك‭ ‬فصل‭ ‬السوفسطائي‭ ‬الذي‭ ‬أوجع‭ ‬رأسه‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الذريرات‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يفرز‭ ‬من‭ ‬كومة‭ ‬الذرات‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تسمى‭ ‬كومة‭.‬

يوجد‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬الحقلين‭ ‬الثقافيين‭ ‬الجارين‭ ‬المحبوبين‭ ‬دائماً‭ ‬مناطق‭ ‬بينية‭ ‬وأخرى‭ ‬انتقالية‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتيح‭ ‬لنا‭ ‬رفض‭ ‬وجود‭ ‬نمطين‭ ‬مختلفين‭ ‬مع‭ ‬فاعلية‭ ‬الفصل‭ ‬بينهما‭.‬

أتاح‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬فيه‭ ‬تقريب‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬حلّ‭ ‬عدة‭ ‬مسائل‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬جيني،‭ ‬لكن‭ ‬فك‭ ‬ارتباط‭ ‬هذين‭ ‬المساقين،‭ ‬وتثبيت‭ ‬استقلال‭ ‬علم‭ ‬الفولكلور‭ ‬يسهّل‭ ‬ذ‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭- ‬دراسة‭ ‬وظائف‭ ‬الفولكلور‭ ‬واكتشاف‭ ‬أسسه‭ ‬وخواصه‭ ‬البنيوية‭. ‬