اللغة العدد
ألفاظ الأطعمة والأشربة في الشرق الجزائري - دراسة في ضوء اللسانيات الجغرافية-
ألفاظ الأطعمة والأشربة في الشرق الجزائري - دراسة في ضوء اللسانيات الجغرافية-
العدد 45 - أدب شعبي

د‭. ‬إبراهيم‭ ‬براهمي،‭  ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬الجزائر

 

اتجه‭ ‬الدرس‭ ‬اللساني‭ ‬المعاصر‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬الواقع‭ ‬اللغوي،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ظواهر‭ ‬تتعلق‭ ‬بالممارسات‭ ‬اللغوية‭ ‬للفرد‭ ‬المعاصر؛‭ ‬في‭ ‬وعيه‭ ‬وإدراكه‭ ‬بماضيه‭ ‬وحاضره،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تفاعله‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولأجل‭ ‬هذا‭ ‬القصد‭ ‬كان‭ ‬انفتاح‭ ‬النسق‭ ‬اللساني‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأنساق‭ ‬المعرفية‭ ‬تفاعلا‭ ‬ايجابيا‭ ‬أخذا‭ ‬وعطاء؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬والحاجة‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تصادف‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬

ومن‭ ‬صور‭ ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬تعالق‭ ‬اللسانيات‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬الذي‭ ‬يتوخى‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الدارس‭ ‬اللساني‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أثر‭ ‬البيئة‭ ‬الجغرافية‭ ‬في‭ ‬التباين‭ ‬اللغوي‭ ‬بين‭ ‬الأفراد،‭ ‬وما‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬فروق‭ ‬لغوية‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الاستعمال‭ ‬اللغوي‭ ‬اصوتا،‭ ‬وصرفا،‭ ‬وتركيبا،‭ ‬ومعجماب؛‭ ‬وما‭ ‬يتولد‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬اللغات‭ ‬إلى‭ ‬لهجات‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميزها‭ ‬اختلاف‭ ‬العادات‭ ‬اللغوية‭ ‬في‭ ‬نطق‭ ‬الألفاظ‭ ‬بالتصرف‭ ‬في‭ ‬بنائها‭ ‬وتركيبها‭ ‬من‭ ‬موطن‭ ‬إلى‭ ‬موطن،‭ ‬ومن‭ ‬إقليم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬وهكذا‭ ‬نلاحظ‭ ‬ااتصال‭ ‬علم‭ ‬اللغة‭ ‬الحديث‭ ‬بعلم‭ ‬الجغرافيا‭ ‬اتصالا‭ ‬وثيقا،‭ ‬وقد‭ ‬اقتبس‭ ‬علم‭ ‬اللغة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬مضى‭ ‬طرائق‭ ‬علم‭ ‬الجغرافيا؛‭ ‬ليضع‭ ‬حدودا‭ ‬لغوية‭ ‬للهجات‭ ‬المختلفة،‭ ‬في‭ ‬خرائط‭ ‬تبين‭ ‬معالم‭ ‬كل‭ ‬لهجة،‭ ‬وتفرق‭ ‬بين‭ ‬لهجة‭ ‬وأخرى،‭ ‬ولا‭ ‬تختلف‭ ‬هذه‭ ‬الخرائط‭ ‬عن‭ ‬خرائط‭ ‬الجغرافيا‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يدون‭ ‬عليها‭ ‬ظواهر‭ ‬لغوية،‭ ‬تطلع‭ ‬القارئ‭ ‬على‭ ‬أدق‭ ‬الفروق‭ ‬في‭ ‬الأصوات‭ ‬والمفردات،‭ ‬بين‭ ‬اللغات‭ ‬المختلفة‭ ‬واللهجات‭ ‬المتباينةب1‭.‬

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ما‭ ‬لتباعد‭ ‬اللغات‭ ‬أو‭ ‬تقاربها‭ ‬جغرافيا‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬والمثاقفة‭ ‬بينهما؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬يصطنعها‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬قديم‭ ‬الزمان‭ ‬تتهاوي‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬أمام‭ ‬التمدد‭ ‬اللغوي‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وتصبح‭ ‬الحدود‭ ‬اللغوية‭ ‬للمجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الأساس‭ ‬لبناء‭ ‬الكيانات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

انطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬وسواها‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬علاقة‭ ‬اللغة‭ ‬بالجغرافيا‭ ‬تتأسس‭ ‬نظرتنا‭ ‬لموضوع‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬تروم‭ ‬تقصي‭ ‬الخصوصية‭ ‬اللغوية‭ ‬للفرد‭ ‬الجزائري‭ ‬ضمن‭ ‬إقليمه‭ ‬المحلي‭ ‬الخاص،‭ ‬وفي‭ ‬إطاره‭ ‬الجغرافي‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬الإقليمي؛‭ ‬وذلك‭ ‬بالسعي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أطالس‭ ‬لغوية‭ ‬لمختلف‭ ‬الألفاظ‭ ‬اللغوية‭ ‬التي‭ ‬يستعملها‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬العامة؛‭ ‬واستكشاف‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬من‭ ‬سمات‭ ‬لسانية،‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬أصولها؛‭ ‬وفي‭ ‬صلتها‭ ‬باللغة‭ ‬الفصحى،‭ ‬وفي‭ ‬مدى‭ ‬تأثر‭ ‬اللغات‭ ‬الأم‭ ‬للجزائريين‭ ‬وتفاعلها‭ ‬مع‭ ‬الوافد‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬شهده‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬سيرورته‭ ‬التاريخية،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬لميزات‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬وارتباطها‭ ‬العضوي‭ ‬بالمكان‭ ‬والإنسان؛‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬سمة‭ ‬للإنسان‭ ‬الجزائري‭ ‬يوسم‭ ‬بها‭ ‬لغويا‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬المعمورة‭. ‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬استكشاف‭ ‬هذه‭ ‬الجوانب‭ ‬كلها‭ ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬الدراسة‭ ‬في؛‭ ‬مقدمة‭ ‬وخمسة‭ ‬مباحث؛‭ ‬أوضحت‭ ‬في‭ ‬المبحث‭ ‬الأول‭ ‬ماهية‭ ‬اللسانيات‭ ‬الجغرافية‭ ‬ومجالات‭ ‬اشتغالها،‭ ‬وفي‭ ‬المبحث‭ ‬الثاني‭ ‬منزلة‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬اللغوي‭ ‬العربي‭ ‬والمغاربي،‭ ‬وفي‭ ‬المبحث‭ ‬الثالث‭ ‬وصف‭ ‬المجال‭ ‬الجغرافي‭ ‬للدراسة،‭ ‬وفي‭ ‬المبحث‭ ‬الرابع‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬المستعملة‭ ‬في‭ ‬عامية‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬وتأصيل‭ ‬دلالاتها‭ ‬اللغوية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬المبحث‭ ‬الخامس‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الأشربة‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭. ‬ثم‭ ‬خاتمة‭ ‬متضمنة‭ ‬لأهم‭ ‬النتائج‭ ‬المتوصل‭ ‬إليها‭.‬

 

اللسانيات‭ ‬الجغرافية؛

المصطلح‭ ‬والوظيفة

ظهرت‭ ‬اللسانيات‭ ‬الجغرافية‭ ‬اgéographie‭ ‬linguistiqueب‭ ‬كأحد‭ ‬أنساق‭ ‬الدرس‭ ‬اللغوي‭ ‬التطبيقي‭ ‬المعاصر‭ ‬البارزة؛‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬اللساني‭ ‬فرديناند‭ ‬دي‭ ‬سوسير‭ ‬Ferdinand De‭ ‬Saussure-ب‭  ‬1912مب‭ ‬سباقا‭ ‬في‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬إبراز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬اللساني‭ ‬ومجالاته‭ ‬المعرفية؛‭ ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬أوضحه‭ ‬بقوله‭: ‬اإن‭ ‬من‭ ‬يباشر‭ ‬مسألة‭ ‬علاقة‭ ‬الظاهرة‭ ‬الألسنية‭ ‬بالمكان‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬الألسنية‭ ‬الداخلية،‭ ‬ويدخل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الألسنية‭ ‬الخارجية‭. ‬وإن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يسترعي‭ ‬انتباه‭ ‬من‭ ‬يدرس‭ ‬اللغات‭ ‬إنما‭ ‬هو،‭ ‬وما‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬فروق‭ ‬لغوية‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬الواحد‭. ‬ولئن‭ ‬كانت‭ ‬الاختلافات‭ ‬اللغوية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الزمان‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬الملاحظ‭ ‬فإن‭ ‬الاختلافات‭ ‬بين‭ ‬مكان‭ ‬وآخر‭ ‬تبرز‭ ‬مباشرة‭ ‬للعيان‭. ‬وحتى‭ ‬البدائيون‭ (‬المتوحشون‭) ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يدركونها‭ ‬بفضل‭ ‬اتصالهم‭ ‬بقبائل‭ ‬أخرى‭ ‬ذات‭ ‬ألسن‭ ‬متغايرة‭ ‬ومقارنتاهم‭ ‬لغتهم‭ ‬بلغتهم‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬بالذات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬شعبا‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬يتفطن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬لسانا‭ ‬خاصاب‭ ‬3‭.‬

وقــــد‭ ‬ورد‭ ‬مــــصــــطــــلـــح‭ ‬جـــغــرافـــيـــا‭ ‬لـــســـانـــيـــة‭ ‬اgéolinguistiqueب‭ ‬كصيغة‭ ‬مختزلة‭ ‬عن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬اللـسـانـيـة‭ ‬أو‭ ‬الـجـغـــرافــيـا‭ ‬اللغــويــة‭ ‬اlinguistique géographieب‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬الفروق‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬الإقليمية‭ ‬الخاصة‭ ‬بلغة‭ ‬ما،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬اختلافات‭ ‬اللغات‭ ‬وفروقاتها‭ ‬في‭ ‬الخرائط‭ ‬الجغرافية5‭.‬

وعرفه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ااوزالد‭ ‬ديكروب‭ ‬واجان‭ ‬ماري‭ ‬سشافيرب‭ ‬في‭ ‬قاموسهما‭ ‬الموسوعي‭ ‬الجديد‭ ‬لعلوم‭ ‬اللسان‭ ‬بكونه‭: ‬العلم‭ ‬الذي‭ ‬يراد‭ ‬به‭ ‬معرفة‭ ‬حدود‭ ‬الظواهر‭ ‬اللغوية‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬ظواهر‭ ‬صوتية‭ ‬أم‭ ‬ظواهر‭ ‬تتعلق‭ ‬باستعمال‭ ‬الألفاظ،‭ ‬وذلك‭ ‬بوضع‭ ‬مصور‭ ‬لغوي‭ (‬أطلس‭ ‬لغوي‭) ‬يبين‭ ‬المناطق‭ ‬اللغوية‭ ‬والجزر‭ ‬اللغوية6‭. ‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬من‭ ‬الدراسة‭ ‬اللغوية‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي؛‭ ‬فيذهب‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬العرب‭ ‬المعاصرين‭ ‬إلى‭ ( ‬أن‭ ‬من‭ ‬يدرس‭ ‬النشأة‭ ‬الأولى‭ ‬للنحو‭ ‬العربي‭ ‬يجد‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬بذور‭ ‬اللسانيات‭ ‬الجغرافية‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬الأخذ‭ ‬بها‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬الخليل‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬بوضع‭ ‬نظرية‭ ‬العامل‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬اللغات‭ ‬أو‭ ‬اللهجات‭ ‬التي‭ ‬عدها‭ ‬نقية‭ ‬آنذاك،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬البذرة‭ ‬الأخرى‭ ‬لهذا‭ ‬العلم‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬البصرة‭ ‬والكوفة‭ ‬ثم‭ ‬بغداد‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬وغير‭ ‬العرب،‭ ‬وبين‭ ‬الفقهاء‭ ‬والنحاة‭ ‬والمفسرين‭ ‬والفلاسفة‭ ‬والكلاميين‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬وغيرهم،‭ ‬فتكونت‭ ‬بذلك‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الدرس‭ ‬اللغوي‭ ‬وفقا‭ ‬للتفاعل‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬ورغبة‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬بحكم‭ ‬تخصصه‭. ‬أما‭ ‬العامل‭ ‬الثالث‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬بمثابة‭ ‬بذرة‭ ‬رئيسة‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬فهي‭ ‬المد‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬واعتناق‭ ‬أصحاب‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى‭ ‬للفكر‭ ‬الإسلامي‭)‬7‭. ‬

وقد‭ ‬تعزز‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬اللساني؛‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الشق‭ ‬المتعلق‭ ‬باللهجات‭ ‬وتوزيعها‭ ‬وانتشارها،‭ ‬واختلافاتها‭ ‬اللغوية،‭ ‬وفي‭ ‬علاقتها‭ ‬باللغات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الفصحى‭/‬المعيار،‭ ‬ومما‭ ‬يستتبع‭ ‬ذلك‭ ‬العناية‭ ‬ببناء‭ ‬الأطالس‭ ‬الجغرافية‭ ‬اللغوية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬معجمات‭ ‬متنوعة‭ ‬لألفاظ‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬لتتعدى‭ ‬وظيفة‭ ‬هذه‭ ‬المعجمات‭ ‬مجرد‭ ‬حصر‭ ‬الألفاظ‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬طبيعة‭ ‬استعمال‭ ‬الألفاظ؛‭ ‬لتعكس‭ ‬اللغة‭ ‬بذلك‭ ‬الملامح‭ ‬الخاصة‭ ‬للمجموعات‭ ‬البشرية‭ ‬المختلفة‭. ‬

واللهجات‭ ‬حبلى‭ ‬في‭ ‬تكوينها‭ ‬البنيوي‭ ‬وبعدها‭ ‬التداولي‭ ‬الاستعمالي؛‭ ‬فتجود‭ ‬لدارسها‭ ‬بشتى‭ ‬المعارف‭ ‬الحياتية،‭ ‬وتعطيه‭ ‬رؤية‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬وطريقة‭ ‬تفكيرها؛‭ ‬وحتى‭ ‬تكون‭ ‬أبحاثنا‭ ‬اللسانية‭ ‬العلمية‭ ‬مسايرة‭ ‬للحركة‭ ‬العالمية،‭ ‬وذات‭ ‬قيمة‭ ‬موضوعية؛‭ ‬فعليها‭ ‬أن‭ ‬تواكب‭ ‬سيرورة‭ ‬الحركة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فتنقل‭ ‬التصورات‭ ‬اللغوية‭ ‬الممارسة‭ ‬في‭ ‬ماضي‭ ‬الأفراد‭ ‬وحاضرهم‭ ‬بالبحث‭ ‬التطبيقي‭ ‬الميداني‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستصغر‭ ‬من‭ ‬الظواهر‭ ‬اللغوية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬شيئا‭ ‬قلَّ‭ ‬شأنها‭ ‬أو‭ ‬علا‭ ‬صيتها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الناس،‭ ‬وهو‭ ‬الدأب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يسلكه‭ ‬أجدادنا‭ - ‬للأسف‭ ‬الشديد‭- ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات،‭ ‬فاكتفوا‭ ‬بالرواية‭ ‬الشفوية‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬الظواهر‭ ‬ونقل‭ ‬تجاربهم‭ ‬ومعارفهم،‭ ‬فضاع‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬كنوزهم‭ ‬المعرفية،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬من‭ ‬إرثهم‭ ‬المعنوي‭ ‬إلا‭ ‬النزر‭ ‬اليسير‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغني‭ ‬كثيرا‭ ‬الدارسين‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أبحاثهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية‭.     

 

منزلة‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬

والأشربة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬اللغوي

حسبنا‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬الدرس‭ ‬اللغوي؛‭ ‬أن‭ ‬ألفاظ‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭ ‬كانت‭ ‬أساسا‭ ‬متينا‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬صرح‭ ‬الدرس‭ ‬المعجمي‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬اللغوي‭ ‬العربي؛‭ ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬اتسع‭ ‬نطاق‭ ‬العناية‭ ‬بها‭ ‬ليشمل‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬العربية،‭ ‬وتجاوزت‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬علماء‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬علماء‭ ‬البلاغة،‭ ‬والرحلات‭ ‬والتاريخ‭ ‬والجغرافيا،‭ ‬والطب‭ ‬والصيدلة،‭ ‬والأصول‭ ‬والفقه‭ ‬وسواهم‭. ‬وتأتي‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬اهتمام‭ ‬الدارسين‭ ‬اللغويين‭ ‬العرب‭ ‬القدامى8؛‭ ‬فقد‭ ‬خصت‭ ‬بمباحث‭ ‬وفصول‭ ‬مطولة‭ ‬ضمن‭ ‬مؤلفاتهم9؛‭ ‬لتوفر‭ ‬مادة‭ ‬لغوية‭ ‬ثرية‭ ‬ومتنوعة؛‭ ‬تعكس‭ ‬تنوع‭ ‬عاداتهم‭ ‬وأذواقهم‭ ‬في‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب،‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬اللغوي‭ ‬والثقافي‭ ‬الحاصل‭ ‬في‭ ‬أبنية‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬ودلالتها‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬احتكاكهم‭ ‬بالشعوب‭ ‬الإسلامية‭.‬

وقد‭ ‬شاعت‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬تسميات‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬بحسب‭ ‬أنواعها،‭ ‬وأحوالها،‭ ‬وأوقاتها،‭ ‬وأذواقها؛‭ ‬افهناك‭: ‬المأدبة،‭ ‬والوليمة،‭ ‬والعقيقة،‭ ‬والوكيرة،‭ ‬والخُرس،‭ ‬والقِرَى،‭ ‬والتحفة،‭ ‬والوضيمة،‭ ‬والإفطار،‭ ‬والفطور،‭ ‬والسحور،‭ ‬والغداء،‭ ‬والعشاء،‭ ‬والوقيعةب10،‭ ‬وإطلاق‭ ‬هذه‭ ‬التسميات‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬اللساني‭ ‬التداولي‭ ‬السياقي‭ ‬يصور‭ ‬أحوال‭ ‬المعاش‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬نحو؛‭ ‬اليسر‭ ‬والترف‭ ‬أو‭ ‬العسر‭ ‬والضيق‭ ‬في‭ ‬العيش،‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬الندرة‭ ‬والقلة‭ ‬أو‭ ‬الرخاء‭ ‬والسعة‭ ‬في‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬شيوع‭ ‬هذه‭ ‬التسميات‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬يرسم‭ ‬صورة‭ ‬حقيقة‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬جانبه‭ ‬الجغرافي‭ ‬بدوا‭ ‬كانوا‭ ‬أم‭ ‬حضرا؛‭ ‬ولكل‭ ‬منهما‭ ‬طريقته‭ ‬وأسلوبه‭ ‬في‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشدة‭ ‬واللين‭. ‬وتجسد‭ ‬أخيرا‭ ‬ما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬بيئة‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬خيرات؛‭ ‬من‭ ‬حبوب،‭ ‬وبقول،‭ ‬وخضر،‭ ‬وفواكه،‭ ‬ورطب‭ ‬وألبان‭. ‬ونجد‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬علاقة‭ ‬أكيدة‭ ‬في‭ ‬الاستطباب‭ ‬والوقاية‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الأمراض،‭ ‬اوقد‭ ‬جعلوا‭ ‬لأطعمتهم‭ ‬وأشربتهم‭ ‬أوزانا‭ ‬محدودة،‭ ‬وأوقات‭ ‬معلومةب11‭.‬

وإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬اللغوي‭ ‬ضمن‭ ‬الحيز‭ ‬الجغرافي‭ ‬المغاربي‭ ‬نجد‭ ‬التنامي‭ ‬اللغوي‭ ‬لألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬وتطورها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يصور‭ ‬لنا‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬ثقافة‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المغاربي‭ ‬القديم‭ ‬حيث‭ ‬انجد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يغفل‭ ‬جانب‭ ‬الطبخ‭ ‬وأولى‭ ‬لهذا‭ ‬الباب‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة،‭ ‬فأبدع‭ ‬سكان‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬فيه؛‭ ‬فاهتموا‭ ‬بأنواع‭ ‬الأطعمة‭ ‬التي‭ ‬تطبخ‭ ‬واستعملوا‭ ‬اللحوم‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬واهتموا‭ ‬بأساليب‭ ‬حفظها‭ ‬ونقلها‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الأماكن،‭ ‬وادخلوا‭ ‬المطيبات‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬طبخ‭ ‬الأطعمة‭ ‬كالملح‭ ‬والزعفران‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المطيبات‭ ‬التي‭ ‬تضفي‭ ‬على‭ ‬الطعام‭ ‬نكهة‭ ‬مميزة،‭ ‬أما‭ ‬الحلويات‭ ‬والمعجنات‭ ‬فشكلت‭ ‬قسما‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬المطبخ‭ ‬المغربي‭. ‬كما‭ ‬اهتموا‭ ‬بصناعة‭ ‬الأشربة‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعهاب12‭.‬

ولا‭ ‬يفوتنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬المصنفات‭ ‬العلمية‭ ‬القيمة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬المغاربي‭ ‬التي‭ ‬نقلت‭ ‬لنا‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة؛‭ ‬وهي‭ ‬الرحلة‭ ‬المشهورة‭ ‬بـا‭ ‬تحفة‭ ‬النظار‭ ‬في‭ ‬غرائب‭ ‬الأمصار‭ ‬وعجائب‭ ‬الأسفارب‭ ‬للرحالة‭ ‬المغاربيب‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭(‬1325م‭ ‬- 1377م‭)‬ب13،‭ ‬حيث‭ ‬ظهر‭ ‬غنى‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬الألفاظ،‭ ‬لكونه‭ ‬يمس‭ ‬جانبا‭ ‬يتكرر‭ ‬ذكره‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة؛‭ ‬فهو‭ ‬يمس‭ ‬حاجة‭ ‬ضرورية‭ ‬للإنسان‭ ‬لاستمراره‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬شملتها‭ ‬الرحلة‭ ‬تختلف‭ ‬عاداتها‭ ‬في‭ ‬الأكل‭ ‬والشرب،‭ ‬والمأكول‭ ‬والمشروب،‭ ‬وقد‭ ‬بينت‭ ‬الرحلة‭ ‬االأثر‭ ‬اللغوي‭ ‬لتلك‭ ‬المفردات‭ ‬وإسهامها‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬المستمر‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬الألفاظ‭ ‬والمعاني،‭ ‬فهي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬وفير‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬العربية‭ ‬المولدة،‭ ‬أو‭ ‬الدخيلة‭ ‬على‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬لغات‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬معانٍ‭ ‬جديدة‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الرحلة‭ ‬بألفاظ‭ ‬عربيةب14،‭ ‬وما‭ ‬يهمنا‭ ‬في‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬التي‭ ‬ذكرت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالمغرب‭ ‬العربي؛‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬التسميات‭ ‬السائدة‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة؛‭ ‬والى‭ ‬حقب‭ ‬أسبق‭ ‬عنها‭ ‬زمانيا‭.‬

ومع‭ ‬هذه‭ ‬الأهمية‭ ‬البالغة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمثلها‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬للدارس‭ ‬اللغوي‭ ‬وغيره؛‭ ‬فيمكن‭ ‬النظر‭ ‬اليوم‭ ‬إليها‭  ‬بوصفها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬مستوى‭ ‬الرقي‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬بلغه‭ ‬إنسان‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬التاريخي،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تعاقب‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬وإمارات‭ ‬في‭ ‬حيزه‭ ‬الجغرافي،‭ ‬لتكشف‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬نظامه‭ ‬الغذائي‭ ‬للإنسان‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالتغذية،‭ ‬والطب،‭ ‬والأطباق‭ ‬الشعبية،‭ ‬والقضايا‭ ‬الثقافية‭ ‬والعرقية‭ ‬وسواها‭. ‬فلم‭ ‬تحظ‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬بدراسات‭ ‬علمية‭ ‬جادة‭ ‬مرتكزة‭ ‬على‭ ‬الأسس‭ ‬المنهجية‭ ‬العلمية‭ ‬المعاصرة‭ ‬مثل؛‭ ‬الإحصاء،‭ ‬والمقارنة،‭ ‬والتأثيل‭ (‬البحث‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬الكلمة‭ ‬وجذورها‭). ‬إذا‭ ‬استثنينا‭ ‬عددا‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬الأبحاث‭ ‬الجادة؛‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬أغلبها‭ ‬فصول‭ ‬ضمن‭ ‬كتب‭ ‬جامعة‭ ‬أو‭ ‬مقالات‭ ‬علمية‭ ‬محكمة15‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬طرح‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬وجيها،‭ ‬والحاجة‭ ‬الماسة‭ ‬إليه‭ ‬أكيدة؛‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭: ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬ثراء‭ ‬وتنوع‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬اللغوي‭ ‬لهذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬في‭ ‬الاستعمال‭ ‬المحلي؟،‭ ‬وما‭ ‬أصول‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري؟‭ ‬وما‭ ‬علاقة‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى؟،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الدلالات‭ ‬اللغوية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لهذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬في‭ ‬الاستعمال‭ ‬المحلي؟‭ ‬وأخيرا‭ ‬أي‭ ‬أهمية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمثلها‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬واقعنا‭ ‬اللغوي؟‭ ‬

يذهب‭ ‬أستاذنا‭ ‬اد‭. ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬عوفيب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭: ‬العامية‭ ‬الجزائرية‭ ‬مزدانة‭ ‬بالألفاظ‭ ‬والمصطلحات‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬الأطعمة‭ ‬وما‭ ‬يتعلق‭ ‬بها‭ ‬مما‭ ‬ورثناه‭ ‬عن‭ ‬أسلافنا،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تزاحمها‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬المولدة‭ ‬التي‭ ‬تقتضيها‭ ‬ضرورة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والألفاظ‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬تقذف‭ ‬بها‭ ‬المدنية‭ ‬المعاصرة‭ ‬يوميا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬إن‭ ‬احتفاظ‭ ‬عاميتنا‭ ‬بهذا‭ ‬الموروث‭ ‬المصطلحي‭ ‬من‭ ‬فصيح‭ ‬العربية،‭ ‬كالثريدة‭ ‬والعصيدة‭ ‬والزريقة،‭ ‬والقلية،‭ ‬والقديد،‭ ‬والوليمة،‭ ‬والشواء،‭ ‬والخليع،‭ ‬والرغيدة،‭ ‬والهريسة،‭ ‬والمزيت،‭ ‬والكفتة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مئات‭ ‬الألفاظ‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬أفراد‭ ‬الأسر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مما‭ ‬ولد‭ ‬حديثا‭ ‬للحاجة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬كالمحمر،‭ ‬والبنان،‭ ‬والطمينة،‭ ‬والمحجوبة،‭ ‬والمحشي،‭ ‬والشخشوخة،‭ ‬والجاري،‭ ‬والطاجين،‭ ‬والبوراك،‭ ‬والمتوبة‭...‬الخ‭. ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬وغيرها‭ ‬دليل‭ ‬ثراء‭ ‬لغتنا،‭ ‬ومؤشر‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬إيقاف‭ ‬السيل‭ ‬الجارف‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬الحضارية‭ ‬والعلمية‭ ‬التي‭ ‬تفد‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬ولها‭ ‬نظائر‭ ‬في‭ ‬لغتنا‭ ‬اليومية‭ ‬مما‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بالفصحى16‭.‬

 

المجال‭ ‬الجغرافي‭ ‬للدراسة

إن‭ ‬دراسة‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬رسم‭ ‬أطلس‭ ‬لغوي‭ ‬لمجال‭ ‬جغرافي‭ ‬واسع،‭ ‬يشمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬محافظة‭ (‬ولاية‭) ‬يمتد‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬شمالا‭ ‬إلى‭ ‬مشارف‭ ‬أعماق‭ ‬الصحراء‭ ‬جنوبا،‭ ‬ومن‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬الجمهورية‭ ‬التونسية‭ ‬الشقيقة‭ ‬شرقا‭ ‬إلى‭ ‬محافظات‭ ‬وسط‭ ‬الجزائر‭ ‬غربا؛‭ ‬إقليم‭ ‬يتربع‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬تتنوع‭ ‬فيه‭ ‬طبائع‭ ‬الأفراد‭ ‬وخصائصهم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإثنية،‭ ‬كما‭ ‬تتنوع‭ ‬تضاريسه‭ ‬الطبيعية‭ ‬من‭ ‬وهاد‭ ‬وسهول‭ ‬وهضاب؛‭ ‬يجود‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بخيراته‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬تنافس‭ ‬غيرها؛‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬أقاليم‭ ‬طبيعية‭:‬

إقليم‭ ‬الصحراء‭: ‬يتكون‭ ‬هذا‭ ‬الإقليم‭ ‬من‭ ‬محافظة‭ ‬بسكرة،‭ ‬وجانب‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬محافظتي‭ ‬خنشلة‭ ‬وتبسة،‭ ‬وجانب‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬محافظة‭ ‬الوادي؛‭ ‬وتتصف‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬بألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬التي‭ ‬تزخر‭ ‬بها‭ ‬البيئة‭ ‬الصحراوية،‭ ‬مثل‭ ‬التمر‭ ‬ومشتقاته؛‭ ‬وتكثر‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬محددة‭ ‬مثل‭ ‬أوائل‭ ‬فصل‭ ‬الخريف‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أساليب‭ ‬الحفظ‭ ‬والتصبير‭ ‬التي‭ ‬دأب‭ ‬عليها‭ ‬إنسان‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬وأبدعها‭ ‬منذ‭ ‬قديم‭ ‬الزمان‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬أطعمته‭ ‬وأشربته‭ ‬متوفرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أوقات‭ ‬السنة‭.   

إقليم‭ ‬الهضاب‭: ‬يتكون‭ ‬هذا‭ ‬الإقليم‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬محافظات‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬الهضاب‭ ‬العليا،‭ ‬ويتصف‭ ‬هذا‭ ‬القسم‭ ‬بشساعة‭ ‬مساحته‭ ‬وتنوع‭ ‬تضاريسه‭ ‬من‭ ‬وهاد‭ ‬وسهول‭ ‬وهضاب‭ ‬وجبال‭ ‬عالية،‭ ‬وتنوع‭ ‬الغطاء‭ ‬النباتي‭ ‬للمنطقة‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬بوفرة‭ ‬خيرات‭ ‬الطبيعة‭ ‬النباتية‭ ‬والحيوانية؛‭ ‬التي‭ ‬تجود‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬بما‭ ‬لذ‭ ‬وطاب‭ ‬ليصنع‭ ‬منها‭  ‬إنسان‭ ‬المنطقة‭ ‬أطعمته‭ ‬وأشربته‭ ‬المتنوعة‭. ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬المحافظات‭ (‬الولايات‭) ‬المشكلة‭ ‬لهذا‭ ‬الإقليم‭: ‬سوق‭ ‬أهراس،‭ ‬وتبسة،‭ ‬وقالمة،‭ ‬وقسنطينة،‭ ‬وميلة،‭ ‬وباتنة،‭ ‬وسطيف،‭ ‬برج‭ ‬بوعريرج،‭ ‬أم‭ ‬البواقي،‭ ‬وخنشلة‭.    

إقليم‭ ‬الساحل‭: ‬يتكون‭ ‬هذا‭ ‬الإقليم‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬محافظات‭ ‬ساحلية‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط؛‭ ‬وتتصف‭ ‬بعامل‭ ‬مشترك‭ ‬جامع‭ ‬بينها‭ ‬هو‭ ‬اعتمادها‭ ‬الأساس‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجود‭ ‬به‭ ‬البحر‭ ‬من‭ ‬خيرات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سهولها‭ ‬الخصبة‭ ‬طوال‭ ‬العام؛‭ ‬لكثرة‭ ‬مجاري‭ ‬المياه،‭ ‬وخصوبة‭ ‬الأراضي‭. ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬المحافظات‭ ‬المشكلة‭ ‬لهذا‭ ‬القسم‭: ‬الطارف،‭ ‬عنابة،‭ ‬سكيكدة،‭ ‬جيجل‭.‬

ومع‭ ‬شساعة‭ ‬إقليم‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الخصائص‭ ‬اللغوية‭ ‬المتقاربة‭ ‬لألفاظ‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العامة‭ ‬تظل‭ ‬عنصرا‭ ‬جامعا‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان،‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ندر؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نلمسه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفروق‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬النظام‭ ‬اللغوي‭ ‬للتعبير‭ ‬اللهجي‭ ‬المحلي‭ ( ‬المستوى‭ ‬الصوتي‭ ‬بالأخص‭).‬

إن‭ ‬التعمير‭ ‬المبكر‭ ‬للإنسان‭ ‬لهذا‭ ‬المجال‭ ‬الجغرافي‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬الحقب‭ ‬التاريخية‭ ‬أعطى‭ ‬للمكان‭ ‬حضوره‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وزخمه‭ ‬الثقافي‭ ‬المقترن‭ ‬بالطبيعة‭ ‬المشبعة‭ ‬بالثروات‭ ‬المتعددة‭ (‬لا‭ ‬سيما‭ ‬ثروات‭ ‬النبات،‭ ‬والحيوان‭)‬؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حقق‭ ‬الوفرة‭ ‬في‭ ‬المأكل‭ ‬والمشرب؛‭ ‬وانعكس‭ ‬في‭ ‬ثراء‭ ‬تسميات‭ ‬المطبوخ‭ ‬والمشروب‭ ‬وتنوعها؛‭ ‬هذه‭ ‬التسميات‭ ‬التي‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬جانبها‭ ‬اللغوي‭ ‬الاثنوغرافي‭ ‬والفلكلوري‭ ‬مرتبطة‭ ‬بضروب‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬اللغوي‭ ‬لتعبر‭ ‬عن‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬بالشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬ومناسباته‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬نحو؛‭ ‬الأعياد‭ ‬الدينية،‭ ‬والأفراح‭ ‬والمسرات‭ ‬والأعراس،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأعياد‭ ‬الطقوسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالطبيعة‭ ‬ومظاهرها‭ ‬المختلفة‭ ‬مثل؛‭ ‬رأس‭ ‬السنة،‭ ‬وقدوم‭ ‬الربيع،‭ ‬أو‭ ‬مواسم‭ ‬الحصاد‭ ‬والزرع‭ (‬التويزة‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬أطعمة‭ ‬الاستسقاء‭ ‬ونزول‭ ‬الأمطار‭(‬الزردة‭) ‬وسواها‭. ‬فلكل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬التواصلية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المهمة‭ ‬ما‭ ‬يناسبها‭ ‬من‭ ‬أطعمة‭ ‬ومشروبات؛‭ ‬لها‭ ‬تسمياتها‭ ‬المخصوصة‭ ‬المعبرة‭ ‬عنها‭.  

والبحث‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬اللغوية‭ ‬لهذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬ودلالتها‭ ‬يكشف‭ ‬للدارس‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬بهذه‭ ‬البيئة‭ ‬الجغرافية،‭ ‬وما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬خيرات‭ ‬يرتبط‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بموسم‭ ‬معين،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬فهناك‭ ‬أطعمة‭ ‬وأشربة‭ ‬كثيرة‭  ‬يكثر‭ ‬شيوعها‭ ‬وتحضيرها‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬معينة‭ ‬لارتباطها‭ ‬بمواسم‭ ‬معينة؛‭ ‬لتقل‭ ‬في‭ ‬مواسم‭ ‬أخرى‭. ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالخضر‭ ‬أو‭ ‬الفواكه‭ (‬من‭ ‬مثل؛‭ ‬مواسم‭ ‬جني‭ ‬القمح،‭ ‬أو‭ ‬الشعير،‭ ‬أو‭ ‬الزيتون،‭ ‬أو‭ ‬جمع‭ ‬عسل‭ ‬النحل‭) ‬أو‭ ‬غيرها‭.‬

أما‭ ‬جذور‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬اللغات‭ ‬الأم‭ ‬للجزائريين‭ (‬الأمازيغية‭ ‬والعربية‭) ‬وهو‭ ‬الغالب‭ ‬الأعم؛‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬من‭ ‬الوافد‭ ‬التركي‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التسميات‭ ‬المحدودة‭.‬

واعتقد‭ -‬كما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭- ‬إلى‭ ‬أن‭ ( ‬الحقيقة‭ ‬الغائبة‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬وفي‭ ‬مجتمعات‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ - ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬خاصة‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬العربية‭- ‬هي‭ ‬أن‭ ‬ألفاظا‭ ‬ومصطلحات‭ ‬كثيرة‭ ‬تخص‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للفرد‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬ذات‭ ‬أصول‭ ‬عربية‭ ‬فصيحة،‭ ‬فهي‭ ‬إما‭ ‬أنها‭ ‬مستعملة‭ ‬استعمالا‭ ‬فصيحا‭ ‬كما‭ ‬وردت‭ ‬على‭ ‬ألسنة‭ ‬العرب‭ ‬الأقحاح‭ ‬وروتها‭ ‬كتب‭ ‬اللغة‭ ‬ومعجماتها،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬تطورا‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬اللغة‭ ‬قد‭ ‬أصابها‭ ‬فوقع‭ ‬فيها‭ ‬انحراف‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يبعدها‭ ‬عن‭ ‬أصلها‭ ‬الفصيح‭ ‬وبقيت‭ ‬تؤدي‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأصلية‭ ‬بالدلالة‭ ‬نفسها،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬تطورت‭ ‬دلاليا‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬آخر‭ ‬لحاجة‭ ‬مستعمليها‭ ‬ولظروف‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬استعملت‭ ‬فيه،‭ ‬لأن‭ ‬اللغة‭ -‬كما‭ ‬ذكرنا‭- ‬كالكائن‭ ‬الحي‭ ‬تتطور‭ ‬وتتغير‭ ‬كما‭ ‬يتطور‭ ‬الفرد‭ ‬المستعمل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬المجتمع‭) ‬17‭.‬

فعلينا‭ ‬إذا‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬القراءة‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬قرب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬يحملها‭ ‬الذي‭ ‬يجهلها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الفصيح‭ ‬وأنها‭ ‬بعيدة‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬جذورها‭ ‬الأصيلة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحملنا‭ ‬على‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التأسيس‭ ‬لأطلس‭ ‬لغوي‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ؛‭ ‬وفي‭ ‬المبحثين‭ ‬التاليين‭ ‬سأعكف‭ ‬على‭ ‬أعطاء‭ ‬نماذج‭ ‬لألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬العامي‭ ‬الفصيح‭.     

 

تأصيل‭ ‬بعض‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة

ودلالاتها‭ ‬اللغوية‭ ‬والاجتماعية

جانب‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ :‬

تشتهر‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬بسجل‭ ‬لغوي‭ ‬يتصف‭ ‬بالثراء‭ ‬بأبنية‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬وتنوع‭ ‬حقولها‭ ‬الدلالية؛‭ ‬وقد‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬السجل،‭ ‬وتنامى‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭ ‬وتعاقب‭ ‬الأحوال؛‭ ‬احتفظ‭ ‬بأصالة‭ ‬الماضي‭ ‬وعبق‭ ‬الحاضر،‭ ‬ليعكس‭ ‬لنا‭ ‬هذا‭ ‬السجل‭ ‬اللغوي‭ ‬طبيعة‭ ‬المأكولات‭ ‬والمشروبات‭ ‬التي‭ ‬اشتهرت‭ ‬بها‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر،‭ ‬والتي‭ ‬تتنوع‭ ‬بتنوع‭ ‬المناسبات‭ ‬والأعياد،‭ ‬يكشف‭ ‬عما‭ ‬يتمتع‭ ‬به‭ ‬إنسان‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬ذوق‭ ‬رفيع،‭ ‬ويصور‭ ‬تفنن‭ ‬أنامل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الطبخ‭ ‬وإعداد‭ ‬الحلويات‭ ‬والمشروبات؛‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬حسن‭ ‬تدبيرها‭ ‬في‭ ‬مواكبة‭ ‬سيرورة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية؛‭ ‬وما‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬الطبيعة‭ ‬من‭ ‬خضر‭ ‬وفواكه‭ ‬موسمية؛‭ ‬تتمتع‭ ‬بها‭ ‬المنطقة‭ ‬طوال‭ ‬السنة‭. ‬وسأحاول‭ ‬فما‭ ‬يأتي‭ ‬عرض‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬وما‭ ‬تتصف‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬لغوية‭ ‬واجتماعية‭: ‬

1‭) ‬الشخشوخة

‭ ‬لفظ‭ ‬لأكلة‭ ‬شعبية‭ ‬مشهورة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري،‭ ‬تطبخ‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬كالأعراس‭ ‬والأعياد،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عجينة‭ ‬من‭ ‬القمح‭ ‬اللين‭ ‬والماء‭ ‬والملح‭. ‬وللشخشوخة‭ ‬أنواع؛‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭: ‬شخشوخة‭ ‬الظفر،‭ ‬وشخشوخة‭ ‬الفول،‭ ‬وشخشوخة‭ ‬الفرماس،‭ ‬والشخشوخة‭ ‬المورقة،‭ ‬والشخشوخة‭ ‬الرزام،‭ ‬والشخشوخة‭ ‬الحامضة،‭ ‬وشخشوخة‭ ‬الشواط،‭ ‬وشخشوخة‭ ‬الرفيس‭. ‬وتشتهر‭ ‬منطقة‭ ‬قالمة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬بـ‭:‬

‭- ‬شخشوخة‭ ‬الظفر‭:‬‭ ‬دقيق‭ ‬وماء‭ ‬وملح‭ ‬تخلط‭ ‬لتكون‭ ‬عجينة‭ ‬طرية‭ ‬تخبز‭ ‬كالكسرة‭ ‬وبعدما‭ ‬تطهى‭ ‬تقطع‭ ‬مستطيلات‭ ‬ثم‭ ‬تقطع‭ ‬بالظفر‭ ‬مربعات‭ ‬صغيرة‭ ‬وتفور‭ ‬ثم‭ ‬تقدم‭ ‬مع‭ ‬المرق‭.‬

‭- ‬شخشوخة‭ ‬الفول‭:‬‭ ‬فول‭ ‬مفور‭ ‬يضاف‭ ‬إليه‭ ‬شخشوخة‭ ‬الظفر،‭ ‬وتكثر‭ ‬هذه‭ ‬الأكلة‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬جني‭ ‬الفول‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الربيع‭.‬

2‭) ‬الخبـز18‭:‬

‭ ‬لفظ‭ ‬لطعام‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬الجزائر؛‭ ‬وفي‭ ‬التعبير‭ ‬اللهجي‭ ‬المحلي‭ ‬نستعمل‭ ‬لفظة‭ ‬مرادفة‭ ‬لها‭ ‬االكسرةب‭ ‬ومن‭ ‬ألفاظ‭ ‬أصنافه‭ ‬المشهورة‭: ‬كسرة‭ ‬الدار،‭ ‬كسرة‭ ‬المطبقة،‭ ‬كسرة‭ ‬الرخساس،‭ ‬كسرة‭ ‬المطلوعة،‭ ‬وكسرة‭ ‬الشعير‭ (‬وتسميها‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬الرغدة‭)‬19،‭ ‬كسرة‭ ‬الشحمة،‭ ‬كسرة‭ ‬الرقاق،‭ ‬كسرة‭ ‬الملال‭ (‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭: ‬وتطهى‭ ‬في‭ ‬الرماد‭ ‬الذي‭ ‬أخمدت‭ ‬ناره‭ ‬لتوها‭).‬

3‭) ‬السفنج‭ ‬أو‭ ‬الفطاير20‭:‬

‭ ‬لفظ‭ ‬لأكلة‭ ‬تحضر‭ ‬بخلط‭ ‬الدقيق‭ ‬والملح‭ ‬والخميرة‭ ‬والماء‭ ‬الدافئ؛‭ ‬ويترك‭ ‬الخليط‭ ‬للاختمار‭ ‬مدة،‭ ‬ثم‭ ‬يقسم‭ ‬إلى‭ ‬كويرات‭ ‬صغيرة‭ ‬تخبز‭ ‬وتقلى‭ ‬ثم‭ ‬تغمز‭ ‬في‭ ‬العسل،‭ ‬تقدم‭ ‬هذه‭ ‬الأكلة‭ ‬كفطور‭ ‬في‭ ‬الصباح،‭ ‬ويبتهج‭ ‬الأطفال‭ ‬بتناولها‭ ‬في‭ ‬الجلسات‭ ‬الأسرية‭. ‬

4‭) ‬الكسكسي‭:‬

لفظ‭ ‬لطعام‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري؛‭ ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬بعض‭ ‬الدارسين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬اللفظ‭ ‬ا‭ ‬الكسكسوب‭  ( ‬هو‭ ‬طعام‭ ‬أهل‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬المغرب؛‭ ‬قال‭ ‬التازي‭: ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬استعمل‭ ‬هذا‭ ‬اللفظ‭  ‬بهذه‭ ‬الصيغة‭ ‬ا‭ ‬الكسكسوب،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬استعمل‭ ‬ذلك‭ ‬اللفظ،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ابن‭ ‬رزين‭ ‬التجيبي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الهجري‭ (‬في‭ ‬حدود‭ ‬640هـ‭) ‬قد‭ ‬ذكر‭ ‬ذلك‭ ‬الطعام‭ ‬باسمب‭ ‬الكسكسوب؛‭ ‬وفصل‭ ‬طريقة‭ ‬طبخه‭ ‬وأنواعه‭ ‬المتعددة‭)‬21‭. ‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الكسكسى‭ ‬له‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬الطويل‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا؛‭ ‬حتى‭ ‬جعله‭ ‬بعضهم‭ ‬علامة‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬مميزة‭ ‬لمعاشهم؛‭ ‬فإن‭ ‬ألفاظه‭ ‬تتعدد‭ ‬وتتنوع‭ ‬بحسب‭ ‬طريقة‭ ‬إعداده‭ ‬وطهوه؛‭ ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬ألفاظه‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬قالمة‭ ‬والشرق‭ ‬الجزائري؛‭ ‬البربوشة،‭ ‬والمسفوف،‭ ‬المفتول،‭ ‬المحمصة،‭ ‬العيش‭ ‬بركوكش‭ ( ‬وينطق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬بركوكس‭)‬،‭ ‬وبمغلوث،‭ ‬والمسفوف‭ ‬المحور؛‭ ‬وسأعرض‭ ‬هنا‭ ‬للنوعين‭ ‬الأخيرين‭:‬

‭- ‬لفظ‭ ‬المسفوف‭ ‬المفور‭: ‬كسكس‭ ‬رقيق‭ ‬يفور‭ ‬يزاد‭ ‬إليه‭ ‬الزبيب‭ ‬والتمر‭ ‬والزبدة‭ ‬والعسل‭ ‬والرمان‭ ‬ويزين‭ ‬بالمكسرات

‭- ‬لفظ‭ ‬كسكس‭ ‬بمغلوث‭: (‬ويميل‭ ‬لونه‭ ‬إلى‭ ‬الاحمرار‭ ‬الذي‭ ‬يشوبه‭ ‬سواد‭) ‬وهو‭ ‬لفظ‭ ‬فصيح‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬مفعول‭ ‬من‭ ‬الغَلْثُ؛‭ ‬و‭( ‬الغَلْثُ‭ ‬خَلْطُ‭ ‬البُرِّ‭ ‬بالشَّعِيرِ‭)‬22‭.‬

5‭) ‬لغرايف‭ ‬أو‭ ‬البغرير‭:‬

‭ ‬لفظ‭ ‬لأكلة‭ ‬تقدم‭ ‬بالأخص‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬السارة‭ ‬المختلفة؛‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬دقيق‭ ‬وماء‭ ‬وخميرة،‭ ‬تطهى‭ ‬في‭ ‬اطاجين‭ ‬لمسرح‭ - ‬آلة‭ ‬طهيب،‭ ‬ثم‭ ‬تضاف‭ ‬إليها‭ ‬الزبدة‭ ‬الذائبة،‭ ‬والسكر‭ ‬أو‭ ‬العسل‭. 

6‭ ) ‬الطاجين‭:‬

‭ ‬آلة‭ ‬من‭ ‬آلات‭ ‬الطبيخ،‭ ‬وهو‭ ‬المقلى‭ ‬الذي‭ ‬تطيب‭ ‬فيه‭ ‬أنواع‭ ‬الكسور،‭ ‬كالحرشاية،‭ ‬والمطلوع،‭ ‬والشخشوخة‭ ‬وغيرها،‭ ‬كما‭ ‬تقلى‭ ‬فيه‭ ‬الحبوب‭ ‬كالقمح،‭ ‬والشعير،‭ ‬والحمص،‭ ‬ويسميه‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ (‬الفراح‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬نوعان‭: ‬نوع‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬الحديد‭ ‬وهو‭ ‬حديث،‭ ‬ونوع‭ ‬آخر‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬الفخار‭.‬

ومصطلح‭ ‬الطاجين‭ ‬دخيل‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية،‭ ‬وفد‭ ‬إلى‭ ‬الجزائر‭ ‬مع‭ ‬الفاتحين‭ ‬الأوائل‭ ‬وبقي‭ ‬مستعملا‭ ‬في‭ ‬ألسنة‭ ‬الناس‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬ولكن‭ ‬العامة‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بالاستعمال‭ ‬الأصلي‭ ‬بل‭ ‬وسعوا‭ ‬مجاله‭ ‬الدلالي‭ ‬فأصبح‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬أصناف‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬الرفيعة‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الخاصة‭ ‬والأفراح‭.‬

ومن‭ ‬ألفاظ‭ ‬أصنافه‭: ‬طاجين‭ ‬العنب،‭ ‬وطاجين‭ ‬الزيتون،‭ ‬وطاجين‭ ‬التفاح،‭ ‬وطاجين‭ ‬الشواء،‭ ‬وطاجين‭ ‬الإجاص،‭ ‬وطاجين‭ ‬العين،‭ ‬وطاجين‭ ‬الخوخ،‭ ‬وطاجين‭ ‬السفرجل،‭ ‬وطاجين‭ ‬شباح‭ ‬الصفرا،‭ ‬وغيرها23‭.‬

7‭ ) ‬الثريدة‭:‬

من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬الشائعة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬اعتبر‭ ‬الثريد‭ ‬طعام‭ ‬العرب‭ ‬وسيد‭ ‬الأطعمة،‭ ‬واالثريد‭ ‬من‭ ‬الثرد‭ ‬وهو‭ ‬الهشم‭ ‬والفت‭ ‬والكسر،‭ ‬ومنه‭ ‬قيل‭ ‬لما‭ ‬يهشم‭ ‬ويبل‭ ‬بالمرق‭ ‬وغيره‭ ‬ثريداً،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬كلمة‭ ‬االمرقب‭ ‬تفيد‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يمرق‭ ‬من‭ ‬اللحم،‭ ‬فإن‭ ‬اغيرهب‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬يثرد‭ ‬به‭ ‬الخبز،‭ ‬فكلما‭ ‬كانت‭ ‬العرب‭ ‬تصنع‭ ‬الثريد‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬وعراقه‭ ‬والقديد،‭ ‬كانت‭ ‬تعالجه‭ ‬بالزيت‭ ‬والسمن‭ ‬وتتخذه‭ ‬من‭ ‬التمر،‭ ‬ولعلها‭ ‬تثرد‭ ‬الخبز‭ ‬بالزيت‭ ‬زمن‭ ‬الشدةب24‭.‬

8‭ ) ‬البَسِيسَةُ‭:‬

نوع‭ ‬من‭ ‬الحلوى‭ ‬من‭ ‬دقيق‭ ‬القمح‭ ‬والحمص‭ ‬المقليين‭ ‬والسمن‭ ‬أو‭ ‬الزيت‭ ‬والعسل،‭ ‬وأهل‭ ‬تلمسان‭ ‬ينطقونه‭ (‬لمبسس‭) ‬بسكون‭ ‬الميم،‭ ‬أما‭ ‬البسيسة‭ ‬فلغة‭ ‬أهل‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬كقسنطينة‭ ‬وضواحيها،‭ ‬وفي‭ ‬الأوراس‭ ‬تعرف‭ ‬هذه‭ ‬الحلوى‭ ‬باسم‭ (‬الزرير‭)‬،‭ ‬وتقدم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬عندهم‭ ‬للمرأة‭ ‬النفساء،‭ ‬ومنه‭ ‬أيضا‭: ‬بسيسة‭ ‬الشعير‭ ‬المعروفة‭ ‬باسم‭ (‬المرمز‭)‬،‭ ‬والكسرة‭ ‬لمبسسة،‭ ‬أما‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬للمرأة‭ ‬النفساء‭ ‬في‭ ‬العربية‭ ‬فيسمى‭ ‬الخرسة25،‭ ‬وهو‭ ‬لفظ‭ ‬عامي‭ ‬فصيح26‭. ‬

9‭ ) ‬القلية‭: ‬

من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬التي‭ ‬يكثر‭ ‬استعمالها‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬قالمة‭ ‬والشرق‭ ‬الجزائري؛‭ ‬وقد‭ ‬تعددت‭ ‬أصنافه‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن؛‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬العامي‭ ‬الفصيح‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬اللغة‭ ‬االقِليّةُ‭: ‬من‭ ‬قلوْتُ‭ ‬الشيء،‭ ‬وقلَيْته‭: ‬إذا‭ ‬شوَيْتَه‭ ‬مع‭ ‬نُدوَّةٍب27‭.‬

10‭ . ‬الجاري‭ (‬الحريرة‭):‬

حساء‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬دشيش‭ ‬القمح‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬فريكا،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينضج،‭ ‬ويخلط‭ ‬مع‭ ‬اللحم‭ ‬والطماطم‭ ‬وبعض‭ ‬البهارات‭. ‬ويشيع‭ ‬استعماله‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬من‭ ‬حساء‭ ‬الجاري‭. ‬وعن‭ ‬فصاحته‭ ‬يقول‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬المالك‭ ‬مرتاض‭: ‬اإننا‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإطلاق‭ ‬عربي‭ ‬فصيح‭ ‬لا‭ ‬غميزة‭ ‬فيه‭ ‬والاسم‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬المسمى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاشتقاق‭ ‬اللغويب‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬مصطلح‭ (‬الجاري‭) ‬عربي‭ ‬البناء،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬المولدة‭ ‬التي‭ ‬مكن‭ ‬لها‭ ‬الاستعمال‭ ‬الاستمرارية،‭ ‬لأن‭ ‬االمصطلح‭ ‬الذي‭ ‬يلقى‭ ‬القبول‭ ‬والاستعمال‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الجمهور‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬بالبقاء‭ ‬والاستمرارب‭. ‬والجاري‭ ‬أنواع،‭ ‬منه‭ ‬جاري‭ ‬دويدة،‭ ‬وجاري‭ ‬لسان‭ ‬العصفور،‭ ‬وجاري‭ ‬مرمز،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬ولكنهم‭ ‬يستعملون‭ ‬مصطلح‭ ‬الحساء،‭ ‬وهو‭ ‬عربي‭ ‬فصيح‭ ‬أيضا28‭.‬

11‭) ‬العصيدة‭:‬

‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬التقليدية‭ ‬العامية‭ ‬الفصيحة29؛‭ ‬والعصيدة‭ ‬دقيق‭ ‬يلت‭ ‬بسمن‭ ‬ويطبخ‭ ‬في‭ ‬ماء‭ ‬القدر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ينضب،‭ ‬ويحرك‭ ‬بها‭ ‬الدقيق‭ ‬في‭ ‬القدر‭ ‬تحريكاً،‭ ‬حتى‭ ‬ينقلب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬القدر‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬شيء‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬انقلب‭ ‬عندما‭ ‬ينضب‭ ‬الماء،‭ ‬ويضاف‭ ‬له‭ ‬السكر‭ ‬والزبدة‭(‬الدهان‭) ‬وتقدم‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬معلومة‭ ‬مثل‭ ‬أيام‭ ‬البرودة‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭.‬

11‭) ‬الرفيس‭:‬

لفظ‭ ‬لنوع‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬التقليدي؛‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬العامية‭ ‬الفصيحة30،‭ ‬وهي‭ ‬طعام‭ ‬يتم‭ ‬تحضيره‭ ‬بالسميد‭ ‬المتوسط‭ ‬الذي‭ ‬بعد‭ ‬التحميص‭ ‬في‭ ‬المقلاة‭ ‬يخلط‭ ‬بالتمر‭ ‬المعجون‭(‬الغرس‭) ‬المنزوع‭ ‬من‭ ‬النواة‭ ‬وكل‭ ‬الشوائب،‭ ‬مع‭ ‬إضافة‭ ‬الزبدة‭ ‬أو‭ ‬الدهان،‭ ‬لنحصل‭ ‬على‭ ‬الرفيس‭ ‬قي‭ ‬شكل‭ ‬قطع‭ ‬عجينة‭ ‬حلوة‭ ‬المذاق؛‭ ‬هذا‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬في‭ ‬المناسبات؛‭ ‬كالأعراس‭ ‬والختان،‭ ‬وفي‭ ‬الأعياد،‭ ‬ولأعز‭ ‬الضيوف‭.    

12‭) ‬الكليلة‭:‬

لفظ‭ ‬لنوع‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬التقليدية‭ ‬المشتقة‭ ‬من‭ ‬الحليب؛‭ ‬ويتم‭ ‬إعدادها‭ ‬بوضع‭ ‬كمية‭ ‬من‭ ‬اللبن‭ ‬في‭ ‬قدر‭ ‬يطهو‭ ‬لمدة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬ثم‭ ‬نضعه‭ ‬في‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬رقيقة‭ ‬ونقوم‭ ‬بعصره،‭ ‬وهكذا‭ ‬نتحصل‭ ‬على‭ ‬مادة‭ ‬متماسكة‭ ‬تسمى‭ ‬الكليلة،‭ ‬يجفف،‭ ‬ويحفظ‭ ‬ليتم‭ ‬أكله‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬السنة‭.‬

13‭) ‬جبن‭ ‬بوهزة‭:‬

من‭ ‬ألفاظ‭ ‬أسماء‭ ‬الجبن‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تحضر‭ ‬من‭ ‬اللبن‭ ‬الذي‭ ‬يقطر‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬لتزول‭ ‬منه‭ ‬الحموضة‭ ‬المفرطة،‭ ‬وتضاف‭ ‬له‭ ‬بعض‭ ‬البهارات‭ ‬ليصبح‭ ‬مذاقه‭ ‬متميزا‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الحموضة‭.‬

هذه‭ ‬الألفاظ‭ - ‬وسواها‭ ‬مما‭ ‬لم‭ ‬اذكره‭ ‬حصرا‭- ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬مميزة‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬الشعبية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المختلفة؛‭ ‬إذ‭ ‬لكل‭ ‬منها‭ ‬رمزيتها‭ ‬التواصلية؛‭ ‬من‭ ‬نحو؛‭ ‬قدوم‭ ‬الضيف،‭ ‬أو‭ ‬عودة‭ ‬الغائب،‭ ‬أو‭ ‬زاد‭ ‬المسافر‭ ‬في‭ ‬سفر‭ ‬الطويل،‭ ‬أو‭ ‬إعلان‭ ‬الزفاف،‭ ‬أو‭ ‬فقد‭ ‬عزيز،‭ ‬أو‭ ‬ازدياد‭ ‬مولود،‭ ‬أو‭ ‬نجاح‭ ‬الولد‭ ‬والبنت،‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أمنية‭ ‬من‭ ‬الأماني‭ ‬فلكل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬الشعبية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أكلاتها‭ ‬المميزة‭ ‬ونكهتها‭ ‬الخاصة‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬إليها‭ ‬هنا‭ ‬بإيجاز‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭: ‬العصبان،‭ ‬والروينة‭ (‬الزميطة‭)‬،‭ ‬المقرطفة،‭ ‬والفطير،‭ ‬والمحاجب،‭ ‬والمريش،‭ ‬والمسمن،‭ ‬الهريسة‭ ( ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الحلوى‭)‬،‭ ‬الأبراج‭ ‬وغيرها‭ ‬بألفاظ‭ ‬متنوعة‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭. 

 

تأصيل‭ ‬بعض‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬ودلالاتها

ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬منزلة‭ ‬عن‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري،‭ ‬والمتصفح‭ ‬للسجل‭ ‬اللغوي‭ ‬لألفاظ‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية؛‭ ‬يجد‭ ‬التنوع‭ ‬في‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬الواسعة‭ ‬الاستعمال؛‭ ‬وهي‭ ‬تعبر‭ ‬في‭ ‬دلالتها‭ ‬اللغوية‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأفراد؛‭ ‬فمن‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬المعاش‭ ‬وسد‭ ‬الرمق‭ ‬للجائع،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يشرب‭ ‬في‭ ‬جلسات‭ ‬المتعة‭ ‬ولحظات‭ ‬الفرح‭ ‬والاجتماع‭ ‬الأسري‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬الأصدقاء‭... ‬

وقد‭ ‬تطورت‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت؛‭ ‬ففي‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬كانت‭ ‬الأشربة‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬البادية‭ ‬ومصادرها‭ ‬الطبيعية‭ ‬النقية،‭ ‬مما‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬مباشرة‭ ‬كشراب‭ ‬العسل،‭ ‬ومشتقات‭  ‬الحليب‭ ‬كاللبن،‭ ‬والحليب‭ ‬الرائب،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬جلبها‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬المجاورة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬بعيدة؛‭ ‬من‭ ‬نحو،‭ ‬القهوة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬تجلب‭ ‬خضراء‭ ‬ثم‭ ‬تقلى‭ ‬في‭ ‬البيوت،‭ ‬والشاي‭ ‬الأخضر‭ ‬والأحمر،‭ ‬الذي‭ ‬يفضل‭ ‬عادة‭ ‬أهل‭ ‬المنطقة‭ ‬شربه‭ ‬مع‭ ‬المكسرات‭ ‬كالفول‭ ‬السوداني،‭ ‬واللوز،‭ ‬والجوز‭ . ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬التقليدية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭: ‬

1‭) ‬العسل‭:‬

‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬الشائعة‭ ‬منذ‭ ‬قديم‭ ‬الزمان‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬ويشيع‭ ‬بالأخص‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬يربون‭ ‬النحل،‭ ‬ويقطنون‭ ‬في‭ ‬المرتفعات‭ ‬وأعالي‭ ‬الجبال‭ ‬أو‭ ‬أطراف‭ ‬الانهار‭ ‬والمنابع‭ ‬المائية؛‭ ‬حيث‭ ‬تسهل‭ ‬تربية‭ ‬النحل‭ ‬ويكثر‭ ‬النبت‭ ‬والزهر‭ ‬واخضرار‭ ‬الشجر‭ ‬طوال‭ ‬السنة،‭ ‬وتبدو‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬اللفظ‭ ‬في‭ ‬بعده‭ ‬العقدي،‭ ‬وفي‭ ‬الاستطباب‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأمراض؛‭ ‬وقد‭ ‬زادت‭ ‬الحاجة‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة؛‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬كشفه‭ ‬الطب‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬مزاياه‭ ‬الطبية‭. 

2‭) ‬اللبن‭:‬

من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬الاساسة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬المنطقة؛‭ ‬ويكثر‭ ‬تناول‭ ‬هذا‭ ‬الشراب‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬والمدن؛‭ ‬منذ‭ ‬قديم‭ ‬الزمان؛‭ ‬اوقد‭ ‬كان‭ ‬يستعمل‭ ‬من‭ ‬قبائل‭ ‬بلاد‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬عصري‭ ‬المرابطين‭ ‬والموحدينب31؛‭ ‬ومن‭ ‬الألفاظ‭ ‬التي‭ ‬تشيع‭ ‬تسمية‭ ‬اللبن‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬االشنينةب‭.‬

3‭) ‬الــرُّبْ‭:‬

من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري؛‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬اعصارة‭ ‬الفواكه‭ ‬المطبوخة‭ ‬بالسكر،‭ ‬ويستعمل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الأطعمة‭ ‬في‭ ‬الجنوب،‭ ‬كبسكرة‭ ‬وسيدي‭ ‬عقبة‭ ‬ااعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬مثال‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الباحث؛‭ ‬وهو‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬مناطق‭ ‬الشرق‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬الحدود‭ ‬مثل‭ ‬تبسة،‭ ‬وسوق‭ ‬أهراس،‭ ‬والطارفب،‭ ‬ويحضر‭ ‬بوضع‭ ‬حبات‭ ‬التمر‭ ‬في‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬خفيفة‭ ‬حتى‭ ‬تتحلل‭ ‬التمرات،‭ ‬ثم‭ ‬يصفى‭ ‬الخليط‭ ‬ويعصر‭ ‬ويعاد‭ ‬مرة‭ ‬ثانية‭ ‬على‭ ‬النار‭ ‬حتى‭ ‬يعقد،‭ ‬ثم‭ ‬يحفظ‭ ‬الرب‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬بارد،‭ ‬ويتناول‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات32‭.‬

ومصطلح‭ ‬الرب‭ ‬لفظ‭ ‬عربي‭ ‬فصيح،‭ ‬ذكرته‭ ‬كتب‭ ‬اللغة‭ ‬ومعاجمها،‭ ‬فقد‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬اللسان‭: ‬االرب‭: ‬ما‭ ‬يطبخ‭ ‬من‭ ‬التمر،‭ ‬وهو‭ ‬الدبس‭ ‬أيضا‭. ‬والرب‭: ‬الطلاء‭ ‬الخاثر‭ ‬وقيل‭: ‬هو‭ ‬دبس‭ ‬كل‭ ‬ثمرة،‭ ‬وهو‭ ‬سلاقة‭ ‬خثارتها‭ ‬بعد‭ ‬الاعتصار‭ ‬والطبخ،‭ ‬والجمع‭ ‬الربوب‭ ‬والربابب33‭.‬

3‭) ‬عصير‭ ‬النخلة‭ (‬اللاقمي‭): ‬

عصير‭ ‬النخلة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬الخيرات‭ ‬التي‭ ‬يجود‭ ‬بها‭ ‬النخيل‭ ‬ويعرف‭ ‬في‭ ‬اللهجة‭ ‬العامية‭ ‬بالشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬باللاقمي‭ ‬ايكتب‭ ‬بالأجنبية‭: ‬LAGMIب‭ ‬ويسمى‭ ‬باللغة‭ ‬الأجنبية‭ (‬jus de palmier‭) ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬شائعة‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬بالمناطق‭ ‬الجنوبية‭ ‬بالشرق‭ ‬الجزائري‭(‬جنوب‭ ‬محافظتي‭ ‬تبسة،‭ ‬وخنشلة،‭ ‬ومحافظتي‭ ‬بسكرة،‭ ‬والوادي‭) ‬34‭. ‬

وإجمالا‭ ‬فألفاظ‭ ‬الأشربة‭ ‬سجل‭ ‬لغوي‭ ‬حافل‭ ‬بما‭ ‬تزخر‭ ‬به‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أشربة‭ ‬طبيعية،‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬وفد‭ ‬مع‭ ‬الحركات‭ ‬التاريخية‭ ‬مع‭ ‬الهجرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬استوطنت‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬وجلبت‭ ‬معها‭ ‬عاداتها‭ ‬وتقاليدها‭ ‬من‭ ‬المشروبات‭ ‬وطريقة‭ ‬إعدادها‭.‬

خاتمـة

يمكن‭ ‬أن‭ ‬نخلص‭ ‬في‭ ‬الختام‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ :‬

في‭ ‬اللسانيات‭ ‬الجغرافية؛‭ ‬تبدو‭ ‬اللغة‭ ‬بوصفها‭ ‬انتماء‭ ‬جغرافيا؛‭ ‬والمكان‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬اللغة‭ ‬هُوية‭ ‬وانتماء‭ ‬للفرد‭ ‬والمجتمع‭. ‬

‭ ‬تعاظم‭ ‬أهمية‭ ‬اللسانيات‭ ‬الجغرافية‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أنها‭ ‬بحث‭ ‬علمي‭ ‬ميداني‭ ‬يتوخى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬لغات‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭ ‬ولهجاتها؛‭ ‬والفروق‭ ‬اللغوية‭ ‬المميزة‭ ‬لها؛‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضع‭ ‬أطالس‭ ‬لغوية‭ ‬علمية‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬حضارية‭. ‬

‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬تهتم‭ ‬بها‭ ‬الأطالس‭ ‬اللغوية‭ ‬المعاصرة؛‭ ‬جمع‭ ‬وتدوين‭ ‬ألفاظ‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬عامة‭ ‬التي‭ ‬يكثر‭ ‬شيوعها‭ ‬في‭ ‬الاستعمال‭ ‬اللغوي‭ ‬اليومي،‭ ‬وتأتي‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬صدارتها‭.‬

‭ ‬حفلت‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬منذ‭ ‬قديم‭ ‬الزمان‭ ‬بهذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬التواصلية‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬الشعبي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬العام‭. ‬

‭ ‬قدمت‭ ‬الدراسة‭ ‬إطلالة‭ ‬بسيطة‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬الألفاظ‭ ‬الشائعة‭ ‬بالمنطقة‭ ‬للتحسيس‭ ‬بأهميتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬اللغوي‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وسعيا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أطلس‭ ‬لغوي‭ ‬جامع‭ ‬لهذه‭ ‬الألفاظ‭.‬

‭ ‬تتباين‭ ‬بعض‭ ‬ألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الجزائري‭ ‬في‭ ‬الخصائص‭ ‬الصوتية‭ ‬والمعجمية‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬مناطق‭ ‬الجزائر،‭ ‬وعلى‭ ‬العكس‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬توافقها‭ ‬جليا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الألفاظ‭ ‬ليمتد‭ ‬إلى‭ ‬البلد‭ ‬الشقيق‭ ‬المجاور‭ ‬اتونسب‭.  

‭ ‬وقد‭ ‬تبين‭ ‬للباحث‭ ‬ما‭ ‬لهذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬العامية‭ ‬من‭ ‬صلات‭ ‬شديدة‭ ‬باللغات‭ ‬الأم‭ ‬للجزائريين؛‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭ ‬ولهجاتها‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬والحديثة؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعاه‭ ‬إلى‭ ‬بيان‭ ‬العامي‭ ‬الفصيح‭ ‬منها،‭ ‬والتأكيد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الكشف‭ ‬والتنقيب‭ ‬عن‭ ‬صيغ‭ ‬الفصيح‭ ‬وتراكيبه‭ ‬في‭ ‬تعابيرنا‭ ‬اللهجية‭ ‬المحلية‭. 

‭ ‬تتأسس‭ ‬بألفاظ‭ ‬الأطعمة‭ ‬والأشربة‭ ‬الروابط‭ ‬المتينة‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة،‭ ‬وتحافظ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬هذه‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬الصلات‭ ‬الثقافية‭ ‬الحميمة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬انتماء‭ ‬حضاري‭ ‬واحد‭. ‬