اللغة العدد
الموسيقى الشعبية القديمة بالبلاد التونسية بين الهيدونية والعقلانية: دراسة تاريخية توثيقية
الموسيقى الشعبية القديمة بالبلاد التونسية بين الهيدونية والعقلانية: دراسة تاريخية توثيقية
العدد 45 - موسيقى وأداء حركي

د‭. ‬محمد‭ ‬الدريدي‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس

في‭ ‬بداية‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬كان‭ ‬هاجسنا‭ ‬الأوّل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬التوثيق‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬القديمة‭ ‬خلال‭ ‬الفترتين‭ ‬البونية‭ ‬والرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية،‭ ‬وكان‭ ‬تخوّفنا‭ ‬الأساسي‭ ‬هو‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬فخّ‭ ‬التوثيق‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬تأتيها‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العليا‭ ‬دون‭ ‬سواها،‭ ‬في‭ ‬تغييب‭ ‬كلّي‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬كلّي‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬لدى‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد،‭ ‬وهذا‭ ‬التخوّف‭ ‬االمعرفيب‭ ‬نعتبره‭ ‬مشروعا‭ ‬خاصّة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬دقّقنا‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬الإغريقية‭ ‬والفارسية‭ ‬والعربية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬فإننا‭ ‬نجدها‭ ‬لم‭ ‬توثّق‭ ‬إلا‭ ‬الموسيقى‭ ‬االرسميةب‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬االسلطةب‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أشكالها‭ ‬كالسلطة‭ ‬الدينية‭ ‬والسلطة‭ ‬الحاكمة‭ ‬وغيرهما‭ ‬دون‭ ‬التعرّض‭ ‬إلى‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬تأتيها‭ ‬العامة‭ ‬وتوثيقها‭ ‬ودرس‭ ‬أنظمتها‭ ‬الموسيقية‭ ‬وآلاتها‭ ‬وطرق‭ ‬عرضها‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها‭ ‬لإثراء‭ ‬المادة‭ ‬الموسيقية‭ ‬معرفيا‭ ‬ومنهجيا‭. ‬

ولتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬االمخاوف‭ ‬المعرفيةب،‭ ‬ارتأينا‭ ‬أن‭ ‬نتناول‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬الموسيقية‭ ‬باعتماد‭ ‬مقاربات‭ ‬ومناهج‭ ‬هي‭ ‬تاريخية‭ ‬وحضارية‭ ‬بالأساس،‭ ‬لكن‭ ‬تناولنا‭ ‬لها‭ ‬كان‭ ‬بطريقة‭ ‬مستحدثة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الملاحظة‭ ‬والتصنيف‭ ‬واستقراء‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الوثائق‭ ‬المكتوبة‭ ‬والمرسومة‭ ‬والمشيّدة‭ ‬وكذلك‭ ‬مختلف‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬ونقدها،‭ ‬وهي‭ ‬بالأساس‭ ‬المنهجيات‭ ‬الحديثة‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬مباحث‭ ‬علم‭ ‬الآثار‭ ‬الموسيقي‭ ‬والأنثروبولوجيا‭ ‬الموسيقية‭ ‬والإثنوموسيقولوجيا‭. ‬

وخلال‭ ‬تحليلنا‭ ‬لمختلف‭ ‬الوثائق‭ ‬النصية‭ ‬والأيقنوغرافية،‭ ‬التي‭ ‬تحصلنا‭ ‬عليها‭ ‬لتعميق‭ ‬فهمنا‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬الفترتين‭ ‬البونية‭ ‬والرومانية،‭ ‬لاحظنا‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬الموسيقية‭ ‬خلال‭ ‬هاتين‭ ‬الفترتين‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬الممارسة‭ ‬الهيدونية1‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬التلذذ‭ ‬والتنعّم‭ ‬والترفيه،‭ ‬والممارسة‭ ‬العقلانية2‭ ‬الواعية‭ ‬الموجهة‭ ‬للشأن‭ ‬التعليمي‭ ‬والتكويني‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬بطريقة‭ ‬منظّمة،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ارتأينا‭ ‬أن‭ ‬نقسّم‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬حسب‭ ‬الفترات‭ ‬التاريخية‭ ‬محور‭ ‬الدرس‭ (‬البونية‭ ‬والرومانية‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬نبين‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬المؤرخون‭ ‬الأفارقة‭ (‬السكان‭ ‬الأصليون‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية‭) ‬وكذلك‭ ‬إبراز‭ ‬أهم‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬ومجالات‭ ‬استعمالاتها‭ ‬حتى‭ ‬ندرك‭ ‬واقع‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬هاتين‭ ‬الفترتين‭ ‬في‭ ‬بعديها‭ ‬الهيدوني‭ ‬والعقلاني،‭ ‬وسنعتمد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الصور‭ ‬المجسّمة‭ ‬لمختلف‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬من‭ ‬رسوم‭ ‬جدارية‭ ‬ولوحات‭ ‬فسيفسائية‭ ‬ورسوم‭ ‬على‭ ‬الصفائح‭ ‬العاجية‭ ‬والتماثيل‭ ‬الفخارية‭ ‬المتوفرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬متاحف‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬قصد‭ ‬الاستدلال‭ ‬والتوثيق‭.‬

 

ملامح‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ (‬814‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬ذ‭ ‬146‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭)‬

لدراسة‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬العهد‭ ‬البوني،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها‭ ‬التي‭ ‬توثق‭ ‬جملة‭ ‬الأنشطة‭ ‬والآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المستعملة‭ ‬والتكوين‭ ‬الموسيقي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العهد،‭ ‬وأهمّ‭ ‬هذه‭ ‬المصادر‭ ‬هي‭ ‬المصادر‭ ‬المكتوبة،‭ ‬لكن‭ ‬أغلب‭ ‬المؤرخين‭ ‬لهذا‭ ‬العهد‭ ‬وأغلبهم‭ ‬من‭ ‬الإغريقيين‭ ‬اللاتينيين‭ ‬لم‭ ‬يتعرضوا‭ ‬في‭ ‬كتاباتهم‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬الفنون‭ ‬والموسيقى،‭ ‬وأهم‭ ‬المصنفات‭ ‬المؤرخة‭ ‬لهذا‭ ‬العهد‭ ‬نذكر‭ ‬كتاب‭ ‬االتاريخب‭ ‬لهيرودوت‭ (‬484‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬420‭ ‬ق‭. ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬االسياسةب‭ ‬لأرسطو‭ ‬‭(‬384‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬322‭ ‬ق‭. ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬االتاريخب‭  ‬لبوليبيوس‭ ‬‭ (‬200‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬120‭ ‬ق‭. ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬اتراجم‭ ‬مشاهير‭ ‬الرجالب‭ ‬لكرنليوس‭ ‬نيبوس‭ (‬100‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬24‭ ‬ق‭. ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬االمكتبة‭ ‬التاريخيةب‭ ‬لديودورس‭ ‬الصقلي‭ ‬Diodore de Sicile‭ (‬90‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬20‭ ‬ق‭. ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬االتاريخ‭ ‬الرومانيب‭ ‬لتيتوس‭ ‬لييوس‭ ‬Tite‭ ‬Live‭ (‬59‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬17‭ ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬االتاريخ‭ ‬الرومانيب‭ ‬لآبيانوس‭ ‬الأسكندراني‭ ‬Appien d’Alexandrie‭ (‬القرن‭ ‬2‭ ‬م‭.) ‬وكتاب‭ ‬املخص‭ ‬تاريخ‭ ‬العالمب‭ ‬ليوستينوس‭ ‬Justin‭ (‬القرن‭ ‬2‭ ‬م‭.) ‬3‭ ‬‭. ‬

إن‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الكتابات‭ ‬التاريخية‭ ‬وغيرها‭ ‬يلاحظ‭ ‬ارتباط‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭ ‬بالممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمختلف‭ ‬الآلهات‭ ‬وطرق‭ ‬التعبد،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬تمس‭ ‬كل‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعمرية‭ ‬فإن‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬تأتيها‭ ‬كل‭ ‬الطبقات‭ ‬والفئات،‭ ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬حضور‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البوني‭ ‬على‭ ‬الممارسة‭ ‬الطقسية‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬تعداه‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬التكوين‭ ‬والتعليم‭. ‬

1‭) ‬التكوين‭ ‬الموسيقي‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية

‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭:‬

تعتبر‭ ‬شخصية‭ ‬صفنبعل‭ ‬Sophonisbe‭ ‬ابنة‭ ‬عزربعل‭ ‬Hasdrubal‭ ‬أحد‭ ‬سياسيي‭ ‬قرطاج‭ ‬أحسن‭ ‬مثال‭ ‬يمكن‭ ‬درسه‭ ‬لمعرفة‭ ‬مدى‭ ‬اعتناء‭ ‬البونيين‭ ‬بالجانب‭ ‬التكويني‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬الموسيقي،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬صفنبعل‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تلقت‭ ‬تكوينا‭ ‬جيدا‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬والرقص‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬تكوينها‭ ‬الأدبي‭ ‬وإجادتها‭ ‬لغات‭ ‬عصرها‭ ‬وثقافتها‭ ‬الواسعة4‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نفترض‭ ‬وجود‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬التكوين‭ ‬الموسيقي‭ ‬يعتنون‭ ‬خاصة‭ ‬بأبناء‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العليا،‭ ‬كما‭ ‬نفترض‭ ‬أيضا‭ ‬وجود‭ ‬مدارس‭ ‬تعليم‭ ‬الموسيقى‭ ‬للفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الأخرى‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬انتشار‭ ‬القيان‭ ‬والعازفين‭ ‬المحترفين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬فضاءات‭ ‬اللهو‭ ‬والتسلية‭ ‬والخمارات‭. ‬

أما‭ ‬اعتناء‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العليا‭ ‬بالتكوين‭ ‬الموسيقي‭ ‬لأبنائهم‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬فإنه‭ ‬يزيدنا‭ ‬قناعة‭ ‬بأهمية‭ ‬التأثيرات‭ ‬الخارجية‭ ‬على‭ ‬القرطاجيين‭ ‬وخاصة‭ ‬منها‭ ‬المؤثرات‭ ‬الفكرية‭ ‬لحضارات‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬الفينيقيين‭ ‬والإغريق‭ ‬وغيرهم،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أبرز‭ ‬أعلام‭ ‬الفكر‭ ‬والسياسة‭ ‬الإغريق‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬أعطوا‭ ‬الموسيقى‭ ‬بعدا‭ ‬فكريا‭ ‬ومتنفسا‭ ‬معرفيا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬مظاهر‭ ‬التنعم‭ ‬والتلذذ‭ ‬وكل‭ ‬أشكال‭ ‬الهيدونية،‭ ‬فنجد‭ ‬مفهوم‭ ‬التربية‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الإيطيقي‭ ‬مع‭ ‬دامون‭ ‬الأثيني،‭ ‬وهو‭ ‬رجل‭ ‬سياسة‭ ‬إغريقي5‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬إصلاحا‭ ‬للناشئة‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬إقرار‭ ‬بأهمية‭ ‬الموسيقى‭ ‬وشرعيتها‭ ‬كمنطلق‭ ‬لمقاربة‭ ‬مثالية‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬المجتمعي‭.‬

ولدامون‭ ‬الأثيني‭ ‬السبق‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬المثل‭ ‬والتربية‭ ‬الموسيقية‭ ‬قبل‭ ‬أفلاطون‭ (‬428‭ ‬ق‭.‬م‭. ‬ذ‭ ‬347‭ ‬ق‭.‬م‭.) ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬للموسيقى‭ ‬بعدا‭ ‬تربويا‭ ‬ومتنفسا‭ ‬معرفيا‭ ‬ودلاليا‭ ‬وفلسفيا‭ ‬بحيث‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الإدراك‭ ‬المطلق‭ ‬والجمال‭: ‬جمال‭ ‬الفضيلة‭ ‬وحسن‭ ‬التدبير‭. ‬وقد‭ ‬جعل‭ ‬أفلاطون‭ ‬الموسيقى‭ ‬أداة‭ ‬تربوية‭ ‬بإدراجها‭ ‬ضمن‭ ‬الرابوع‭ ‬المعرفي‭ ‬اquadriviumب‭ ‬أساس‭ ‬تربية‭ ‬الناشئة‭ ‬والذي‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬الرياضيات‭ ‬والهندسة‭ ‬والفلك‭ ‬والموسيقى،‭ ‬وبذلك‭ ‬فهو‭ ‬يتدرج‭ ‬بالموسيقى‭ ‬مدرج‭ ‬التعاليم‭ ‬التأسيسية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الإغريقي،‭ ‬وينحو‭ ‬بذلك‭ ‬منحى‭ ‬الفضيلة‭ ‬والأخلاق‭ ‬كقيمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مطلقة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬الدور‭ ‬المثالي‭ ‬للموسيقى‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬التربوية،‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬حثا‭ ‬للمجتمع‭ ‬على‭ ‬إتيان‭ ‬الفضيلة‭ ‬والسمو‭ ‬إلى‭ ‬الأدب‭ ‬والكمال‭ ‬حتى‭ ‬تكتمل‭ ‬معالم‭ ‬المدينة‭ ‬الفاضلة‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إنشائها‭.‬

2‭) ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬المجمع‭ ‬الكهنوتي‭ ‬القرطاجي‭:‬

يعمل‭ ‬المجمع‭ ‬الكهنوتي‭ ‬على‭ ‬تسيير‭ ‬الحياة‭ ‬الدينية‭ ‬والممارسات‭ ‬الطقسية‭ ‬خلال‭ ‬العهد‭ ‬البوني،‭ ‬وهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النقائش‭ ‬والشواهد‭ ‬القبرية‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬بقرطاج‭ ‬مذيلة‭ ‬بأسماء‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الكهان‭ ‬رجالا‭ ‬كانوا‭ ‬أو‭ ‬نساء‭ ‬ومعلومات‭ ‬حول‭ ‬ترتيبهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والآلهة‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬يخدمونها6‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬ورد‭ ‬ذكرهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقائش‭ ‬والذين‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬المجمع‭ ‬الكهنوتي‭ ‬نجد‭ ‬سدنة‭ ‬المعابد‭ ‬الموسيقيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الأحرار‭ ‬وكان‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬وكانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬حول‭ ‬المعابد،‭ ‬ونجد‭ ‬أيضا‭ ‬كاهنات‭ ‬قرطاج‭ ‬الموسيقيات‭ ‬حسب‭ ‬الحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الأب‭ ‬ديلاتر‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬بول‭ ‬غوكلار‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬والتي‭ ‬أثبتت‭ ‬وجود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬بقبور‭ ‬الكاهنات‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬تدل‭ ‬عليه‭ ‬النقائش‭ ‬القبرية‭ ‬وأغلب‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬هي‭ ‬الكوسات‭ ‬المعدنية‭ ‬التي‭ ‬يقرعها‭ ‬عادة‭ ‬الكهان‭ ‬المخصيون‭ ‬وهم‭ ‬يطوفون‭ ‬بتمثال‭ ‬الآلهة‭ ‬والنواقيس‭.‬

افقد‭ ‬استخرج‭ ‬ديلاتر‭ ‬من‭ ‬قبر‭ ‬الكاهنة‭ ‬جر‭ ‬ملقرت‭ ‬السابقة‭ ‬الذكر‭ ‬كوسات‭ ‬من‭ ‬البرنز‭ ‬وناقوس‭ ‬معدني‭ ‬صغير‭ ‬وفي‭ ‬قبر‭ ‬آخر‭ ‬ناقوسا‭ ‬معدنيا‭ ‬مربوطا‭ ‬من‭ ‬طرفه‭ ‬بسلسلة‭. ‬كما‭ ‬كشف‭ ‬في‭ ‬أوتيكة‭ ‬قبر‭ ‬يحتوي‭ ‬رفات‭ ‬كاهنة‭ ‬متزينة‭ ‬بحلي‭ ‬وقد‭ ‬دفن‭ ‬معها‭ ‬كوسات‭ ‬متكون‭ ‬من‭ ‬صحنين‭ ‬معدنيين‭ ‬مربوطين‭ ‬بسلسلة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ناقوس‭ ‬برنزي‭ ‬لازال‭ ‬محتفظا‭ ‬بمطرقته‭ ‬الرنانةب7‭.‬

ويشير‭ ‬الباحث‭ ‬محمد‭ ‬حسين‭ ‬فنطر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المعدنية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬قبور‭ ‬الكاهنات‭ ‬تلعب‭ ‬دور‭ ‬تعويذات‭ ‬صوتية‭ ‬لها‭ ‬وظائف‭ ‬التمائم‭ ‬والطلاسم‭ ‬وهي‭ ‬االأدوات‭ ‬التي‭ ‬بصوتها‭ ‬تزعج‭ ‬الشياطين‭ ‬فينصرفوا‭ [‬هكذا‭]‬8‭ ‬بعيدا‭ ‬عنها‭.‬ب9‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نتبين‭ ‬مدى‭ ‬ارتباط‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭ ‬بالممارسات‭ ‬الطقسية،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬وسيلة‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬الآلهة‭ ‬وتستخدم‭ ‬كأداة‭ ‬كهنوتية‭ ‬لاستجداء‭ ‬الآلهة‭ ‬والالتحام‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الغناء‭ ‬ومختلف‭ ‬أنماط‭ ‬الرقص‭ ‬ومحاباتها‭ ‬بالقرابين‭ ‬المصاحبة‭ ‬بالأنغام‭ ‬والألحان‭ ‬وإبعاد‭ ‬القوى‭ ‬الشريرة‭ ‬بإزعاجها‭ ‬بقرقعة‭ ‬النواقيس‭ ‬وتصدية‭ ‬الكوسات‭.‬

لئن‭ ‬أشارت‭ ‬أغلب‭ ‬المصادر‭ ‬النصيّة‭ ‬المكتوبة‭ ‬إلى‭ ‬تحرك‭ ‬أغلب‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬خلال‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الديني‭ ‬الطقسي،‭ ‬فإن‭ ‬استقراء‭ ‬بعض‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬تحيلنا‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تحرك‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬الأنشطة‭ ‬الدنيوية‭ ‬أيضا،‭ ‬فنجد‭ ‬الموسيقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتسلية‭ ‬والمآدب‭ ‬والمجالس‭ ‬الخمرية‭ ‬والألعاب‭ ‬الرياضية‭ ‬والفرجوية‭ ‬والمسابقات‭ ‬الموسيقية‭ ‬والعروض‭ ‬المسرحية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬التنعم‭ ‬والتلذذ‭ ‬وكل‭ ‬مظاهر‭ ‬الهيدونية،‭ ‬وهناك‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬المعروضة‭ ‬بمتاحف‭ ‬باردو‭ ‬وسوسة‭ ‬ولمطة‭ ‬تحيلنا‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الدنيوي‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الرسوم‭ ‬على‭ ‬الصفائح‭ ‬العاجية‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬ضمن‭ ‬الحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬بقرطاج‭ ‬10،‭ ‬واستقراء‭ ‬هذه‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬تحيلنا‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تأثر‭ ‬الأنشطة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الدنيوية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬بالحضارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬وتعابيرها‭ ‬الجمالية‭ ‬ومختلف‭ ‬مقوماتها‭ ‬الفكرية‭. ‬

3‭) ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭:‬

أثبتت‭ ‬الحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬بمختلف‭ ‬المناطق‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬وجود‭ ‬عدة‭ ‬آلات‭ ‬موسيقية‭ ‬كانت‭ ‬مستعملة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية،‭ ‬ومجمل‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الدينية‭ ‬والمجالات‭ ‬الدنيوية،‭ ‬وهي‭ ‬آلات‭ ‬إيقاعية‭ ‬وهوائية‭ ‬ووترية‭.‬

أ‭- ‬الآلات‭ ‬الإيقاعية‭: ‬

الصنّاجات‭: ‬وهي‭ ‬الكوسات‭ (‬جمع‭ ‬كوس‭)‬،‭ ‬ومفرد‭ ‬صناجات‭: ‬صَنْجٌ‭. ‬إن‭ ‬ملاحظة‭ ‬أغلب‭ ‬الصناجات‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬صحنين‭ ‬قليلي‭ ‬التقبّب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صحن‭ ‬منهما‭ ‬حلقة‭ ‬تمكن‭ ‬العازف‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬إصبعه‭ ‬لتيسير‭ ‬عملية‭ ‬المسك‭ ‬أثناء‭ ‬التوقيع‭.‬

 

 

النواقيس‭: ‬مفردها‭ ‬ناقوس‭ ‬وهو‭ ‬الجَرَس‭ ‬أو‭ ‬الجُرَيّـِس‭. ‬يوجد‭ ‬بمتحف‭ ‬قرطاج‭ ‬35‭ ‬عينة‭ ‬أصلية‭ ‬من‭ ‬النواقيس‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬النحاس‭ ‬أو‭ ‬البرنز‭ ‬وكلها‭ ‬من‭ ‬الحجم‭ ‬الصغير،‭ ‬إذ‭ ‬يصل‭ ‬ارتفاع‭ ‬أغلبها‭ ‬إلى‭ ‬4‭ ‬صم‭. ‬ويبلغ‭ ‬قطر‭ ‬فوهة‭ ‬الناقوس‭ ‬2.8‭ ‬صم‭.‬

 

 

الدفوف‭: ‬وهي‭ ‬جمع‭ ‬دفّ،‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬الآلات‭ ‬الإيقاعية‭ ‬ذات‭ ‬الغشاء،‭ ‬ويعتبر‭ ‬الدف‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬وجودا‭ ‬على‭ ‬المحامل‭ ‬الأثرية‭ ‬القرطاجية،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الدف‭ ‬مشخصا‭ ‬بيد‭ ‬دمى‭ (‬تماثيل‭) ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬المفخور‭ ‬تشكلت‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬عازفات‭ ‬يمسكن‭ ‬بدف‭. ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬صفيحة‭ ‬عاجية‭ ‬تجسد‭ ‬عازفة‭ ‬دف‭. ‬والدفوف‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭ ‬على‭ ‬نوعين‭: ‬الدفوف‭ ‬الصغيرة‭ ‬والدفوف‭ ‬الكبيرة‭.‬

ب‭- ‬الآلات‭ ‬الهوائية‭: ‬

يعتبر‭ ‬تعدد‭ ‬ووفرة‭ ‬المشاهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬القرطاجية‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬آلة‭ ‬المزمار‭ ‬المزدوج‭ ‬دليلا‭ ‬واضحا‭ ‬على‭ ‬كثرة‭ ‬استعمالها‭ ‬وانتشارها‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬العهد‭ ‬البوني‭.‬

ويبدو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استقراء‭ ‬مختلف‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬المتوفرة‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬والتي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬أن‭ ‬استعمال‭ ‬المزمار‭ ‬المزدوج‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأغراض‭ ‬الدنيوية‭ ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬المجال‭ ‬الديني‭ ‬والممارسة‭ ‬الطقسية‭ ‬هي‭ ‬المجال‭ ‬الأوسع‭ ‬لاستعمال‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مراسم‭ ‬تقديم‭ ‬القرابين‭ ‬11‭ ‬‭.‬

ج‭- ‬الآلات‭ ‬الوترية‭: ‬

إن‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬جملة‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالآلات‭ ‬الوترية‭ ‬التي‭ ‬تحصلنا‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬الحفريات‭ ‬يلاحظ‭ ‬تعدد‭ ‬آلات‭ ‬الكنارة‭ ‬وانتشارها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬غياب‭ ‬آلة‭ ‬الجنك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مستعملة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الفترة‭ ‬بإيطاليا‭ ‬عند‭ ‬الفينيقيين‭. ‬ويفسر‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬كشواهد‭ ‬أيقنوغرافية‭ ‬بعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭ ‬كآلة‭ ‬رسمية‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والممارسات‭ ‬الطقسية،‭ ‬ولعل‭ ‬أكثر‭ ‬الأدلة‭ ‬التي‭ ‬تساند‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬هو‭ ‬استعمال‭ ‬الجنك‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القيان‭ ‬المحترفات‭ ‬اللواتي‭ ‬كن‭ ‬يعزفن‭ ‬في‭ ‬الخمارات‭ ‬والملاهي‭ ‬ولم‭ ‬يستعمل‭ ‬الجنك‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬الطقسية‭ ‬كالدفوف‭ ‬والصناجات‭ ‬والمزامير‭ ‬المزدوجة‭ ‬12‭. ‬والكنارة‭ ‬البونية‭ ‬هي‭ ‬آلة‭ ‬وترية‭ ‬تشبه‭ ‬القيثارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬في‭ ‬شكلها‭ ‬لكنها‭ ‬تتميز‭ ‬عنها‭ ‬بالمادة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬منها،‭ ‬إذ‭ ‬أثبتت‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬أن‭ ‬الكنارة‭ ‬البونية‭ ‬تصنع‭ ‬عادة‭ ‬الرقبة‭ ‬من‭ ‬قرون‭ ‬الوعول‭ ‬والغزلان‭ ‬بينما‭ ‬تستعمل‭ ‬هذه‭ ‬القرون‭ ‬في‭ ‬الكنارة‭ ‬الفينيقية‭ ‬لصناعة‭ ‬المقبض‭ ‬فقط‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬المؤرخ‭ ‬هيردوت‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬االتاريخب‭ ‬13‭ ‬‭. ‬والكنارة‭ ‬البونية‭ ‬وجدت‭ ‬على‭ ‬شكلين‭ ‬مختلفين‭: ‬الكنارة‭ ‬المستطيلة‭ ‬والكنارة‭ ‬المقوسة‭. ‬

 

 

ونظرا‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬فإن‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬قد‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬النزعة‭ ‬الهيدونية‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬مبدإ‭ ‬التلذذ‭ ‬والتنعم‭ ‬والترفيه‭ ‬والممارسة‭ ‬الطقسية‭ ‬التعبدية‭ ‬وبين‭ ‬النزعة‭ ‬العقلانية‭ ‬المبنية‭ ‬على‭ ‬التوظيف‭ ‬الواعي‭ ‬للمسألة‭ ‬الموسيقية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعليم‭ ‬والتكوين،‭ ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬جليا‭ ‬من‭ ‬خلال‭:‬

  ‬تعدد‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬وانتشارها‭ ‬وتنوعها‭: ‬آلات‭ ‬إيقاعية‭ ‬وهوائية‭ ‬ووترية‭.‬

  ‬تعدد‭ ‬تقنيات‭ ‬العزف‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭.‬

‭ ‬اعتناء‭ ‬مختلف‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بالتكوين‭ ‬الموسيقي‭.‬

  ‬تعدد‭ ‬المناسبات‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬فيها‭ ‬حضور‭ ‬بارز‭ ‬من‭ ‬مناسبات‭ ‬اجتماعية‭ ‬دنيوية‭ ‬ومناسبات‭ ‬دينية‭ ‬طقسية‭.‬

  ‬ممارسة‭ ‬مختلف‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬الموسيقى،‭ ‬سواء‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬أو‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدنيوية‭ ‬التي‭ ‬تبعث‭ ‬على‭ ‬الهيدونية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الموسيقى‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬الفكرية‭ ‬العقلانية‭.‬

  ‬انتشار‭ ‬الفضاءات‭ ‬المعدّة‭ ‬للتسلية‭ ‬والترفيه‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬حضور‭ ‬الموسيقى‭ ‬والموسيقيين‭ ‬من‭ ‬عازفين‭ ‬وقيان‭ ‬حضورا‭ ‬بارزا‭.‬

‭ ‬تفتح‭ ‬البونيين‭ ‬القاطنين‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الحضارات‭ ‬المتوسطية‭ ‬الأخرى‭ ‬كالفينيقيين‭ ‬والإغريق‭ ‬وتأثرهم‭ ‬بها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬فيهم‭. ‬ولعل‭ ‬وجود‭ ‬شواهد‭ ‬أيقنوغرافية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بومباي‭ ‬الإيطالية‭ ‬متضمنة‭ ‬لنفس‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المستعملة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬لخير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬تفتح‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬التيارات‭ ‬الفكرية‭ ‬والفنية‭ ‬للحضارات‭ ‬التي‭ ‬تزامنت‭ ‬معها‭. ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬بغريب‭ ‬على‭ ‬أهالي‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬الذين‭ ‬يتميزون‭ ‬بالتفتح‭ ‬وعدم‭ ‬التقوقع،‭ ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬البونيين‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬لم‭ ‬يقطعوا‭ ‬المعاملات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬الفينيقيين‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحروب‭ ‬البونية‭ ‬الفينيقية‭ (‬264‭ ‬ق‭. ‬م‭. ‬ذ‭ ‬146‭ ‬ق‭. ‬م‭.) ‬وأن‭ ‬التفاعل‭ ‬الثقافي‭ ‬بينهما‭ ‬لم‭ ‬يخمد‭ ‬بل‭ ‬تبلور‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬وجود‭ ‬جاليات‭ ‬أجنبية‭ ‬إغريقية‭ ‬تفاعلت‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬القرطاجي14‭.‬

 

‭ ‬ملامح‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ (‬146‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬ذ‭ ‬439‭ ‬ميلادي‭):‬

سقطت‭ ‬قرطاج‭ ‬البونية‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الرومان‭ ‬سنة‭ ‬146‭ ‬ق‭.‬م‭. ‬وصارت‭ ‬إفريقية‭ (‬البلاد‭ ‬التونسية‭) ‬ولاية‭ ‬رومانية‭ (‬إفريقيا‭ ‬الرومانية‭) ‬تعرف‭ ‬بمطمور‭ ‬روما‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تزود‭ ‬روما‭ ‬بالحبوب‭. ‬وقد‭ ‬سكنها‭ ‬المستوطنون‭ ‬الرومان‭ ‬وهُمّش‭ ‬السكان‭ ‬المحليون‭ ‬فرضخ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬المحتل‭ ‬بينما‭ ‬اختار‭ ‬البعض‭ ‬مقاومة‭ ‬العدو‭ ‬المحتل‭ ‬ومجابهته‭. ‬ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬الميلادي‭ ‬اندمج‭ ‬السكان‭ ‬الأصليون‭ ‬في‭ ‬الحضيرة‭ ‬الرومانية‭ ‬وعمّ‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والأمن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬البلاد‭ ‬وتبنى‭ ‬الأهالي‭ ‬ثقافة‭ ‬الرومان‭ ‬وتقلد‭ ‬بعضهم‭ ‬مراتب‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬عليا‭ ‬وعمّ‭ ‬الرخاء‭ ‬على‭ ‬إفريقية‭ ‬وبرزت‭ ‬المعالم‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬نلاحظها‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البقايا‭ ‬الأثرية‭ ‬الشاهدة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬البذخ‭ ‬الذي‭ ‬عاشته‭ ‬أغلب‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إشعاع‭ ‬قرطاج‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬كعاصمة‭ ‬علمية‭ ‬وثقافية‭. ‬ومما‭ ‬يؤكد‭ ‬سرعة‭ ‬ذوبان‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬المحتل‭ ‬ومعتقداته‭ ‬هو‭ ‬اعتناق‭ ‬الأهليين‭ ‬للديانة‭ ‬المسيحية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬الاضطهاد‭ ‬التي‭ ‬لاحقت‭ ‬المسيحيين‭ ‬وأراقت‭ ‬دماء‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬معتنقي‭ ‬العقيدة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬الأفارقة‭ (‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬للبلاد‭). ‬وتبعا‭ ‬لهذا‭ ‬الذوبان‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العقيدة،‭ ‬فإننا‭ ‬نتساءل‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬السكان‭ ‬الأصليون‭ ‬قد‭ ‬تبنوا‭ ‬أيضا‭ ‬مختلف‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬الرومانية‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬مع‭ ‬المحتل‭ ‬وهل‭ ‬تنكروا‭ ‬للموسيقى‭ ‬المحلية‭ ‬بكل‭ ‬مقوماتها‭ ‬الدلالية‭ ‬والفكرية‭ ‬والحضارية‭.‬

لدراسة‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬ارتأينا‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬الشواهد‭ ‬النصية‭ ‬المكتوبة‭ ‬المؤرخة‭ ‬لهذه‭ ‬الفترة‭. ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬فإن‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬الأفارقة‭ ‬تعتبر‭ ‬متوفرة‭ ‬بكثافة‭ ‬ولعل‭ ‬ذلك‭ ‬يعكس‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭ ‬مدى‭ ‬اهتمام‭ ‬الرومان‭ ‬بالتوثيق‭ ‬الموسيقي‭ ‬وتبعا‭ ‬لذلك‭ ‬بالممارسة‭ ‬الموسيقية‭. ‬وكثافة‭ ‬المصادر‭ ‬المكتوبة‭ ‬للأفارقة‭ ‬تجعلنا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬معلومات‭ ‬أكثر‭ ‬تهم‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬الروماني‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ندرة‭ ‬المصادر‭ ‬المختصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المبحث‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬اهتمت‭ ‬بالممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬نذكر‭:‬

  ‬كتاب‭: ‬أبولوجيا‭ ‬اApologiaب‭ ‬أي‭ ‬التبرير‭ ‬ألفه‭ ‬أبوليوس‭ ‬Apulée‭ ‬وهو‭ ‬لوقيوس‭ ‬أبوليوس‭ ‬Lucius‭ ‬Apuleius‭ ‬ولد‭ ‬سنة‭ ‬125‭ ‬ميلاديا‭ ‬بمدوروس‭ ‬اMadaurosب‭ ‬مدوروش‭ ‬حاليا‭ ‬شرق‭ ‬الجزائر‭ ‬توفي‭ ‬سنة‭ ‬180‭ ‬ميلاديا‭. ‬والكتاب‭ ‬عبارة‭ ‬على‭ ‬نص‭ ‬للمرافعة‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬محكمة‭ ‬صبراتة‭ ‬من‭ ‬تهمة‭ ‬تعاطي‭ ‬السحر‭ ‬لإغراء‭ ‬أرملة‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تزوجها‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬أهمية‭ ‬الكتاب‭ ‬الأدبية،‭ ‬فللكتاب‭ ‬قيمة‭ ‬تاريخية‭ ‬إذ‭ ‬يقدم‭ ‬عدة‭ ‬معلومات‭ ‬حول‭ ‬المجتمع‭ ‬الإفريقي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬ونجد‭ ‬فيه‭ ‬أيضا‭ ‬بعض‭ ‬المعلومات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالموسيقى‭ ‬وممارستها‭ ‬في‭ ‬الطقوس‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالمعتقدات‭ ‬المحلية‭ ‬للسكان‭ ‬الأصليين‭ ‬15‭ ‬‭. ‬

  ‬كتاب‭ ‬دي‭ ‬سبقتاقوليس‭ ‬اDe spectaculisب‭ ‬أي‭ ‬العُروض‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مؤلفات‭ ‬ترتليانوس‭ ‬Tertullien‭ ‬وهو‭ ‬قوينطوس‭ ‬سبتيموس‭ ‬فلورنس‭ ‬ترتليانوس‭ ‬Quitus Septimius Florens‭ ‬Tertullianus‭ ‬ولد‭ ‬وعاش‭ ‬في‭ ‬قرطاج‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬155‭ ‬و225‭ ‬الميلاديتين‭. ‬والكتاب‭ ‬يحمل‭ ‬عدة‭ ‬معلومات‭ ‬قيمة‭ ‬تؤرخ‭ ‬للموسيقى‭ ‬والموسيقيين‭ ‬بولاية‭ ‬إفريقيا‭ ‬الرومانية‭ ‬وخاصة‭ ‬عاصمتها‭ ‬قرطاج‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬وصف‭ ‬مختلف‭ ‬العُروض‭ ‬وتصنيفاتها‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬دلالاتها‭ ‬وكيفية‭ ‬إقامتها‭. ‬ويقدم‭ ‬لنا‭ ‬الكتاب‭ ‬أيضا‭ ‬صورة‭ ‬للحركية‭ ‬الفنية‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالسلطة‭ ‬العليا‭ ‬ومختلف‭ ‬طبقات‭ ‬المجتمع‭ ‬16‭. ‬

‭ ‬كتاب‭ ‬دي‭ ‬سبقتاقوليس‭ ‬اDe‭ ‬spectaculisب‭ ‬أي‭ ‬العُروض‭ ‬الذي‭ ‬ألفه‭ ‬قيبريانوس‭ ‬القرطاجي‭ ‬Saint Cuprien De Carthage‭ ‬وهو‭ ‬تسقيوس‭ ‬قيسيليوس‭ ‬قيبريانوس‭ ‬Thascius‭ ‬Caccilius‭ ‬Cyprianus‭ ‬ولد‭ ‬بقرطاج‭ ‬سنة‭ ‬200‭ ‬واشتغل‭ ‬بها‭ ‬خطيبا‭ ‬ومحاميا‭ ‬أُعدم‭ ‬سنة‭ ‬258‭ ‬ضمن‭ ‬الحملة‭ ‬التي‭ ‬شُنت‭ ‬ضد‭ ‬المسيحيين،‭ ‬والكتاب‭ ‬يعتبر‭ ‬مصدرا‭ ‬قيما‭ ‬لتأريخ‭ ‬الحركة‭ ‬الفنية‭ ‬والموسيقية‭ ‬بولاية‭ ‬إفريقيا‭ ‬الرومانية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬الميلادي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬عمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفصول‭ ‬الستة‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬وعظ‭ ‬سكان‭ ‬قرطاج‭ ‬بتجنب‭ ‬حضور‭ ‬العروض‭ ‬والألعاب‭ ‬لأنها‭ ‬تتنافى‭ ‬مع‭ ‬مبادئ‭ ‬الدين‭ ‬المسيحي‭ ‬17‭. ‬

  ‬كتاب‭ ‬ضد‭ ‬الوثنيين‭ ‬اAdversus‭ ‬nationesب‭ ‬للكاتب‭ ‬أرنوبيوس‭ ‬Arnobe‭ ‬ولد‭ ‬سنة‭ ‬260‭ ‬وتوفي‭ ‬سنة‭ ‬327‭ ‬اشتغل‭ ‬مدرسا‭ ‬لفنون‭ ‬الخطابة‭ ‬في‭ ‬سيقا‭ ‬وناريا‭ ‬اSicca‭ ‬Veneriaب‭ ‬الكاف‭ ‬حاليا،‭ ‬وقد‭ ‬ألف‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬304‭ ‬و312‭ ‬وقد‭ ‬احتوى‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المقترنة‭ ‬بالممارسات‭ ‬الطقسية‭ ‬للوثنية،‭ ‬كما‭ ‬يُبرز‭ ‬الكتاب‭ ‬الحراك‭ ‬الفكري‭ ‬والأدبي‭ ‬والفني‭ ‬للزمن‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬فيه‭ ‬الكاتب‭. ‬

  ‬كتاب‭ ‬اDe Musicaب،‭ ‬ارسالة‭ ‬في‭ ‬الموسيقىب‭ ‬اTraité de la musiqueب‭ ‬الذي‭ ‬ألفه‭ ‬أوغسطينوس‭ ‬Saint Augustin‭ ‬وهو‭ ‬أورليوس‭ ‬أوغسطينوس‭ ‬Aurelius‭ ‬Augustinus‭ ‬ولد‭ ‬بتغست‭ ‬اThgasteب‭ ‬سوق‭ ‬هراس‭ ‬حاليا‭ ‬سنة‭ ‬354‭ ‬وتوفي‭ ‬بهيبونا‭ ‬عنابة‭ ‬حاليا‭ ‬سنة‭ ‬430‭. ‬يعتبر‭ ‬أوغسطينوس‭ - ‬حسب‭ ‬علمنا‭ - ‬المؤرخ‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬الأفارقة‭ ‬الذين‭ ‬خصّوا‭ ‬الموسيقى‭ ‬بكتاب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬محاورة‭ ‬بين‭ ‬معلم‭ ‬وتلميذه‭ ‬تعرض‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فصوله‭ ‬المتعددة‭ ‬إلى‭ ‬ماهية‭ ‬الموسيقى‭ ‬وعلاقتها‭ ‬باللغة،‭ ‬كما‭ ‬تعرض‭ ‬إلى‭ ‬الإيقاعات‭ ‬والألحان‭ ‬وتجاوز‭ ‬مفهوم‭ ‬الموسيقى‭ ‬عنده‭ ‬حدود‭ ‬التطبيقات‭ ‬الفنية‭ ‬إذ‭ ‬يراها‭ ‬معرفة‭ ‬نظرية‭ ‬فيها‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬المعادلات‭ ‬الرياضية‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬التناسق‭ ‬المستمد‭ ‬من‭ ‬المنطق‭ ‬العددي‭ ‬الذي‭ ‬بواسطته‭ ‬يُدرك‭ ‬العقل‭ ‬جمالية‭ ‬الموسيقى‭ ‬وتطرب‭ ‬الأذن‭ ‬لسماعها‭. ‬كما‭ ‬بحث‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬العَروض‭ ‬والإيقاعات‭ ‬الشعرية‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالمقاطع‭ ‬الصوتية‭ ‬للجمل‭ ‬وفيه‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬الشعر‭ ‬والموسيقى‭. ‬كما‭ ‬عالج‭ ‬الكتاب‭ ‬مسألة‭ ‬الفروقات‭ ‬الجوهرية‭ ‬بين‭ ‬الإيقاع‭ ‬والعروض،‭ ‬وتعرض‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬الهرمونيقا‭ ‬والنسب‭ ‬العددية‭ ‬للأبعاد‭ ‬الموسيقية‭. ‬

  ‬كتاب‭ ‬دي‭ ‬نيوبتيس‭ ‬فيلولوجيا‭ ‬آت‭ ‬مارقوريي‭ ‬اDe‭ ‬nuptiis Philologiae et Mercuriiب‭ ‬أي‭ ‬أعراس‭ ‬فقه‭ ‬اللغة‭ ‬والمرقوريوس‭ ‬للكاتب‭ ‬مرتيانوس‭ ‬كبلا‭ ‬Martianus‭ ‬Capella‭ ‬وهو‭ ‬مينيوس‭ ‬فليكس‭ ‬كبلا‭ ‬Martianus Minneus Felix Capella‭ ‬ولد‭ ‬بقرطاج‭ ‬وعاش‭ ‬فيها‭ ‬قبل‭ ‬سنة‭ ‬439‭. ‬خُصص‭ ‬الجزء‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬للتعريف‭ ‬بعلم‭ ‬الموسيقى‭ ‬متعمقا‭ ‬في‭ ‬شرح‭ ‬النظرية‭ ‬الموسيقية‭ ‬الإغريقية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬مكونا‭ ‬أساسيا‭ ‬للرابوع‭ ‬المعرفي‭ ‬دون‭ ‬الإتيان‭ ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬الأنماط‭ ‬الموسيقيّة‭ ‬الرائجة‭ ‬في‭ ‬عصره‭.   

إلى‭ ‬جانب‭ ‬دراسة‭ ‬المصادر‭ ‬المكتوبة‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالدرس‭ ‬ارتأينا‭ ‬أن‭ ‬ندرس‭ ‬أيضا‭ ‬مختلف‭ ‬الشواهد‭ ‬الأثرية‭ ‬من‭ ‬فضاءات‭ ‬عروض‭ ‬ووثائق‭ ‬أيقنوغرافية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬منّا‭ ‬لفهم‭ ‬الوضع‭ ‬العام‭ ‬للموسيقى‭ ‬والموسيقيين،‭ ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تتشكل‭ ‬لدينا‭ ‬صورة‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬حول‭ ‬الممارسة‭ ‬الشعبية‭ ‬للموسيقى‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭.‬

1‭) ‬فضاءات‭ ‬العروض‭:‬

تعتبر‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المناطق‭ ‬المتوسطية‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬فضاءات‭ ‬عروض‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية،‭ ‬وكثافة‭ ‬هذه‭ ‬الفضاءات‭ ‬وتنوعها‭ ‬تحيلنا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬اعتناء‭ ‬الرومان‭ ‬والأفارقة‭ ‬بالموسيقى‭ ‬والعروض‭ ‬المسرحية‭ ‬والألعاب‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬الموسيقى‭ ‬وكل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬تحيلنا‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬المتأثرة‭ ‬بمختلف‭ ‬حضارات‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭. ‬والمسارح‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬تصنف‭ ‬إلى‭ ‬نوعين‭: ‬المسارح‭ ‬المغطاة‭ ‬والتي‭ ‬تعرف‭ ‬بالأوديون‭ ‬والمسارح‭ ‬الدائرية‭:‬

أ‭ - ‬المسرح‭ ‬المغطى‭: ‬الأوديون‭ ‬

تعني‭ ‬لفظة‭ ‬أوديون‭ ‬اOdienب‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الإغريقية‭ ‬الغناء21،‭ ‬والأوديون‭ ‬اodéonب‭ ‬هو‭ ‬صرح‭ ‬معماري‭ ‬مخصص‭ ‬لاستماع‭ ‬الموسيقى‭ ‬استماعا‭ ‬جيدا‭. ‬ويتميز‭ ‬الأوديون‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الفضاءات‭ ‬المخصصة‭ ‬للعروض‭ ‬بكونه‭ ‬فضاء‭ ‬مسقفا‭ ‬معزولا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬المؤثرات‭ ‬الصوتية‭ ‬الخارجية،‭ ‬ويرجح‭ ‬أغلب‭ ‬المؤرخين‭ ‬أن‭ ‬استحداث‭ ‬هذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الفضاءات‭ ‬فرضتها‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬ضعف‭ ‬صوت‭ ‬أغلب‭ ‬الآلات‭ ‬الوترية‭ ‬المستعملة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬وكذلك‭ ‬بدافع‭ ‬مقتضيات‭ ‬المسابقات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعزف‭ ‬والغناء‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقام‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العهد‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تتطلب‭ ‬إصغاء‭ ‬جيدا‭ ‬لتحقيق‭ ‬النزاهة‭ ‬في‭ ‬التقييم2‭ ‬2‭. ‬وتضم‭ ‬قرطاج‭ ‬أكبر‭ ‬أوديون‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الروماني‭ ‬وقد‭ ‬بناه‭ ‬الإمبراطور‭ ‬سبتيموس‭ ‬سويروس‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬لتقام‭ ‬فيه‭ ‬ألعاب‭ ‬بيثيا23‭ ‬وقع‭ ‬تهديمه‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الوندال‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬بعض‭ ‬الأعمدة‭ ‬والتماثيل‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ضخامته‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬المعلومات‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الأوديون‭ ‬القرطاجي‭ ‬فإن‭ ‬سعة‭ ‬حجمه‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬أكبر‭ ‬فضاء‭ ‬مغلق‭ ‬مخصص‭ ‬لسماع‭ ‬الموسيقى‭ ‬وإقامة‭ ‬المسابقات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬هو‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬اهتمام‭ ‬الرومان‭ ‬والسكان‭ ‬الأصليين‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬بالموسيقى‭ ‬والممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬تنفيذا‭ ‬وتقبلا‭.‬

ب‭ - ‬المسرح‭ ‬الدائري‭:‬

أقيمت‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬عدة‭ ‬مسارح‭ ‬دائرية‭ ‬وهي‭ ‬على‭ ‬نوعين،‭ ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬شُيِّد‭ ‬على‭ ‬هضبة‭ ‬أو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هضبة‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬شيد‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬منبسطة‭ ‬لإقامة‭ ‬ألعاب‭ ‬مصارعة‭ ‬الجلادين‭ ‬وقنص‭ ‬الحيوانات‭ ‬البرية‭ ‬وذلك‭ ‬لتعويض‭ ‬الفضاءات‭ ‬المفتوحة‭ ‬بالساحات‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقام‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬الألعاب،‭ ‬وهذه‭ ‬الفضاءات‭ ‬المفتوحة‭ ‬تعرف‭ ‬باسم‭ ‬الفوروم‭ ‬اforumب‭.‬

كما‭ ‬استغلت‭ ‬المسارح‭ ‬الدائرية‭ ‬أيضا‭ ‬للعروض‭ ‬الموسيقية‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تستعمل‭ ‬فيها‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬ذات‭ ‬الأصوات‭ ‬القوية‭. ‬ويحتوي‭ ‬المسرح‭ ‬الدائري‭ ‬على‭ ‬حلبة‭ ‬تعرف‭ ‬باسم‭ ‬أرينا‭ ‬اarèneب‭ ‬المشتقة‭ ‬من‭ ‬اللفظة‭ ‬اللاتينية‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬الرمل‭ ‬اarenaب‭ ‬وهو‭ ‬الفضاء‭ ‬المخصص‭ ‬لألعاب‭ ‬المصارعة‭ ‬والاقتتال‭. ‬يحيط‭ ‬بحلبة‭ ‬المسرح‭ ‬الدائري‭ ‬عادة‭ ‬جدار‭ ‬مرتفع‭ ‬يعرف‭ ‬بجدار‭ ‬المنصة‭ ‬البوديوم‭ ‬اpodiumب‭ ‬ويكون‭ ‬متوازنا‭ ‬مع‭ ‬جدار‭ ‬ثان‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الحلبة‭ ‬ومدارج‭ ‬المتفرجين،‭ ‬كما‭ ‬يحتوي‭ ‬المسرح‭ ‬الدائري‭ ‬على‭ ‬مدارج‭ ‬لجلوس‭ ‬المتفرجين‭ ‬تساعد‭ ‬بحكم‭ ‬شكلها‭ ‬المدروس‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬انتشار‭ ‬الصوت‭ ‬خلال‭ ‬العروض‭ ‬الموسيقية‭ ‬أو‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية‭.‬

تتميز‭ ‬بناءات‭ ‬المسارح‭ ‬الرومانية‭ ‬بعدة‭ ‬خصائص‭ ‬صوتية‭ ‬تحيلنا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬اهتمام‭ ‬الرومان‭ ‬بمسألة‭ ‬انتشار‭ ‬الصوت‭ ‬داخل‭ ‬الفضاءات‭ ‬التي‭ ‬تقام‭ ‬فيها‭ ‬الألعاب‭ ‬والعروض‭ ‬الفنية‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬والعروض‭ ‬الموسيقية‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬وهذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬المسارح‭ ‬الكبرى‭ ‬الموجودة‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬وهي‭ ‬مسرح‭ ‬قرطاج‭ ‬ومسرح‭ ‬دﭬـة‭ ‬ومسرح‭ ‬الجم‭. ‬ومن‭ ‬أهم‭ ‬المميزات‭ ‬الصوتية‭ ‬لهذه‭ ‬المسارح‭ ‬نذكر‭ ‬بُعد‭ ‬المسارح‭ ‬عن‭ ‬المدن‭ ‬وكذلك‭ ‬عكس‭ ‬الصوت‭ ‬وتضخيمه‭ ‬وأيضا‭ ‬دقّة‭ ‬انتشار‭ ‬الصوت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العناية‭ ‬بحيازة‭ ‬الصوت‭ ‬وتفخيمه‭. ‬

2‭) ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لوحات‭ ‬الفسيفساء‭:‬

لدراسة‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬المميزة‭ ‬لهذه‭ ‬الفترة‭ ‬وهي‭ ‬الفسيفساء‭. ‬ويعتبر‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬والممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المواضيع‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬حضورها‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬لوحات‭ ‬الفسيفساء‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬والأنشطة‭ ‬الدنيوية‭ ‬الاجتماعية‭.‬

‭ ‬نلاحظ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جملة‭ ‬اللوحات‭ ‬الفسيفسائية‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬والتي‭ ‬تتضمن‭ ‬مشاهد‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬مدى‭ ‬اهتمام‭ ‬الرومان‭ ‬بالممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬بعديها‭ ‬الهيدوني‭ ‬والعقلاني،‭ ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭:‬

  ‬حضور‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭: ‬قرطاج‭ ‬والجم‭ ‬وصفاقس‭ ‬ودﭬـة‭ ‬وﭬـفصة‭ ‬وأوتيكا‭ ‬وسوسة‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬لوحات‭ ‬فسيفسائية‭ ‬تجسم‭ ‬بعض‭ ‬الأساطير‭ ‬والشخصيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬أساسا‭ ‬بالموسيقى‭.‬

  ‬تنوع‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والدنيوية‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬للموسيقى‭ ‬فيها‭ ‬حضور‭ ‬فعال‭.‬

  ‬تعدد‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬وتنوعها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬الموجودة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭. ‬

‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية

‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭:‬

1‭) ‬الآلات‭ ‬الإيقاعية‭:‬

المضارب‭ ‬الرنانة‭: ‬نلاحظ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬وجود‭ ‬ضربين‭ ‬من‭ ‬المضارب‭ ‬الرنانة‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬وهما‭ ‬القضبان‭ ‬المتصادمة‭ ‬والصاجات،‭ ‬ويعود‭ ‬استعمال‭ ‬المضارب‭ ‬الرنانة‭ ‬بنوعيْها‭ ‬إلى‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭.‬

القضبان‭ ‬المتصادمة‭: ‬تبرز‭ ‬القضبان‭ ‬المتصادمة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬يقارب‭ ‬الأربعين‭ ‬سنتيمترا‭ ‬ويرجح‭ ‬الباحث‭ ‬أنيس‭ ‬المؤدب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القضبان‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬الخشب‭ ‬الصلب‭. ‬24

 

 

الصاجات‭: ‬تتكون‭ ‬الصاجات‭ ‬من‭ ‬زوجين‭ ‬من‭ ‬القضيبان‭ ‬الرفيعة‭ ‬يكونان‭ ‬متساويين‭ ‬في‭ ‬الطول‭ ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬رأس‭ ‬مستدير‭ ‬مسطح‭.‬

 

 

الكوسات‭: ‬يتميز‭ ‬الرومان‭ ‬عن‭ ‬البونيين‭ ‬باستعمال‭ ‬الكوسات‭ ‬أو‭ ‬الصناجات‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدنيوية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استعمالها‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭ ‬الدينية‭ ‬والممارسات‭ ‬الطقسية،‭ ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬جليا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بعض‭ ‬اللوحات‭ ‬الفسيفسائية‭ ‬الراجعة‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬والتي‭ ‬تجسد‭ ‬مشاهد‭ ‬رقص‭ ‬دنيوي‭ ‬فيه‭ ‬حضور‭ ‬مكثف‭  ‬للكوسات‭.‬

الصلاصل‭: ‬تحيلنا‭ ‬مجمل‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬الصلاصل‭ ‬أن‭ ‬استعمالها‭ ‬ارتبط‭ ‬أساسا‭ ‬بعبادة‭ ‬الآلهة‭ ‬إيزيس،‭ ‬وتتصل‭ ‬رمزية‭ ‬الآلة‭ ‬بالحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭.‬

 

 

الدفوف‭: ‬ارتبطت‭ ‬الدفوف‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالممارسات‭ ‬الطقسية‭ ‬لديانة‭ ‬اقيبالب‭ ‬فنجدها‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الديانوسية‭ ‬إذ‭ ‬نجدها‭ ‬بكثرة‭ ‬بأيدي‭ ‬أتباع‭ ‬ديونيسيوس‭: ‬المينادوس‭ ‬والسيلانوس‭. ‬والدفوف‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬تصنف‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الآلات‭ ‬الشعبية‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬مرتبطة‭ ‬بأية‭ ‬آلهة‭ ‬من‭ ‬آلهات‭ ‬الفنون‭ ‬بل‭ ‬بقيت‭ ‬آلة‭ ‬مصاحبة‭ ‬فقط‭ ‬للرقص‭ ‬والتمثيل‭ ‬في‭ ‬المسرح‭.‬

2‭) ‬الآلات‭ ‬الوترية‭:‬

الجنك‭: ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬والتي‭ ‬فيها‭ ‬حضور‭ ‬لهذه‭ ‬الآلة‭ ‬نلاحظ‭ ‬ارتباطها‭ ‬بالعازفات‭ ‬دون‭ ‬العازفين‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مثلث‭ ‬غير‭ ‬منتظم‭ ‬الأضلاع‭ ‬ويتجاوز‭ ‬ارتفاعه‭ ‬مستوى‭ ‬رؤوس‭ ‬العازفات‭.‬

الكنارة‭: ‬يعتبر‭ ‬استعمال‭ ‬آلة‭ ‬الكنارة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تأثر‭ ‬الموسيقى‭ ‬الرومانية‭ ‬بحضارات‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬وخاصة‭ ‬الحضارة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها‭ ‬كانت‭ ‬رائجة‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الإغريق‭ ‬وهي‭ ‬آلة‭ ‬مقدسة‭ ‬مقترنة‭ ‬بأبوللو‭ ‬وموساي،‭ ‬كما‭ ‬اهتم‭ ‬بها‭ ‬كبار‭ ‬المنظرين‭ ‬والمفكرين،‭ ‬إذ‭ ‬جعلها‭ ‬أفلاطون‭ ‬آلة‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬يتعلمها‭ ‬النشء‭ ‬حتى‭ ‬يكونوا‭ ‬أسوياء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيره‭ ‬لإنشاء‭ ‬المدينة‭ ‬الفاضلة25‭. ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬أرسطو‭ ‬على‭ ‬تعليمها‭ ‬للنشء‭ ‬بما‭ ‬أنها‭ ‬آلة‭ ‬تنمي‭ ‬الذكاء26‭. ‬وتشير‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬الكنارة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تتضمن‭ ‬عدة‭ ‬أنواع‭ ‬أهمها‭ ‬الليرة‭ ‬والقيثارة‭:‬

الليرة‭: ‬تبين‭ ‬مختلف‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬مكونات‭ ‬الليرة‭ ‬التي‭ ‬تميزها‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الآلات‭ ‬المشابهة‭ ‬لها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬صندوق‭ ‬الرنين‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬تُرس‭ ‬السلحفاة‭ ‬يمتد‭ ‬منه‭ ‬قرنان‭ ‬متناظران‭ ‬بينهما‭ ‬مقبض‭ ‬تنطلق‭ ‬منه‭ ‬الأوتار‭ ‬المتوازية‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬المشط‭ ‬المثبت‭ ‬في‭ ‬أسفل‭ ‬الصندوق‭ ‬المصوت‭.‬

القيثارة‭: ‬عند‭ ‬دراسة‭ ‬مختلف‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬والتي‭ ‬تتضمن‭ ‬تجسيدا‭ ‬للقيثارة‭ ‬نتبين‭ ‬مدى‭ ‬ارتباط‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬بأبوللو‭ ‬وآلهة‭ ‬الموسيقى‭ ‬ايراتو‭. ‬وتختلف‭ ‬القيثارة‭ ‬عن‭ ‬الليرة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشكل‭ ‬وأيضا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مادة‭ ‬الصنع،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬شكل‭ ‬صندوق‭ ‬رنين‭ ‬القيثارة‭ ‬يكون‭ ‬مستطيلا‭ ‬منحرفا‭ ‬أو‭ ‬سداسي‭ ‬الأضلاع‭ ‬تمتد‭ ‬منه‭ ‬رقبتان‭ ‬سميكتان‭.‬

العود‭ ‬اباندوريومب‭: ‬يعتبر‭ ‬استعمال‭ ‬الباندوريوم‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التأثر‭ ‬بالحضارات‭ ‬القديمة‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬والحضارة‭ ‬الآشورية‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتباط‭ ‬الموسيقى‭ ‬الرومانية‭ ‬وفنونها‭ ‬عامة‭ ‬بالحضارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬فإن‭ ‬استعمال‭ ‬الباندوريوم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متداولا‭ ‬عند‭ ‬الإغريق‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يحبذون‭ ‬الآلات‭ ‬ذات‭ ‬الأوتار‭ ‬المطلقة‭ ‬عن‭ ‬الآلات‭ ‬ذات‭ ‬الأوتار‭ ‬المعفوقة‭. ‬ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬فإن‭ ‬توفر‭ ‬الوثائق‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬وانتشارها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬كثرة‭ ‬استعمالها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات‭ ‬27‭. 

ومن‭ ‬خلال‭ ‬بعض‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الصندوق‭ ‬المصوت‭ ‬للباندوريوم‭ ‬مصنوع‭ ‬من‭ ‬ترس‭ ‬السلحفاة‭ ‬ولعل‭ ‬استعمال‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬وخاصة‭ ‬الطقوس‭ ‬الجنائزية‭ ‬يجعلنا‭ ‬نميل‭ ‬أكثر‭ ‬إلى‭ ‬رأي‭ ‬الباحث‭ ‬جاك‭ ‬بريل‭ ‬Jacques‭ ‬BRIL‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬والأشكال‭ ‬الحيوانية‭ ‬لأجزائها‭ ‬أو‭ ‬استمداد‭ ‬مواد‭ ‬صنعتها‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬حيوانية‭ ‬معينة‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬عقائدي‭ ‬طوطمي،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬استمرارية‭ ‬حيوية‭ ‬القوى‭ ‬الطوطمية‭ ‬اtotémiqueب‭ ‬في‭ ‬الآلات‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬من‭ ‬أعضائها29‭.‬‭ ‬‭ ‬ومما‭ ‬يؤكد‭ ‬استعمال‭ ‬الباندوريوم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ ‬التابعة‭ ‬للنفوذ‭ ‬الروماني‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات‭ ‬وجود‭ ‬دمى‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬المفخور‭ ‬تجسد‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬قصر‭ ‬غيلان‭ ‬بجنوب‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭.‬

3‭) ‬الآلات‭ ‬الهوائية‭:‬

الشعيبية‭: ‬الشعيبية‭ ‬اsyrinxب‭ ‬هي‭ ‬آلة‭ ‬موسيقية‭ ‬هوائية‭ ‬متعددة‭ ‬الأنابيب‭ ‬المتدرجة‭ ‬في‭ ‬الطول‭ ‬مثل‭ ‬اflûte‭ ‬de‭ ‬panب،‭ ‬ولم‭ ‬يتفق‭ ‬المؤرخون‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬أول‭ ‬ظهور‭ ‬لها‭ ‬إذ‭ ‬أثبتت‭ ‬الحفريات‭ ‬والدراسات‭ ‬الأثرية‭ ‬استعمالها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة‭ ‬المتباعدة‭ ‬جغرافيا‭ ‬وزمنيا‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الشعيبية‭ ‬تصنع‭ ‬من‭ ‬القصب‭ ‬وقد‭ ‬وجدت‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬الأصلية‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬الخشب‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬البرنز‭ ‬والعاج‭ ‬وذلك‭ ‬حسب‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬المتوفرة‭ ‬والتي‭ ‬تبين‭ ‬استعمالها‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬والدنيوية‭.‬

القصبة‭: ‬أبرزت‭ ‬الدراسات‭ ‬والحفريات‭ ‬الأثرية‭ ‬أن‭ ‬استعمال‭ ‬القصبة‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحضارات‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬أقدم‭ ‬العصور،‭ ‬لكن‭ ‬استعمال‭ ‬القصبة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬استعماله‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬غير‭ ‬محتفى‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬استعماله‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬الممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬والدنيوية،‭ ‬ولعل‭ ‬ذلك‭ ‬راجع‭ ‬بالأساس‭ ‬إلى‭ ‬تصنيف‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬ضمن‭ ‬الآلات‭ ‬الشعبية‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬مرتبطة‭ ‬بأي‭ ‬ربة‭ ‬من‭ ‬ربات‭ ‬الفنون،‭ ‬إذ‭ ‬نجدها‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأنشطة‭ ‬الرعوية‭ ‬وارتباطها‭ ‬بالمضامين‭ ‬الطبيعية‭.‬

المزمار‭ ‬المزدوج‭: ‬اعتبر‭ ‬المزمار‭ ‬المزدوج‭ ‬من‭ ‬الآلات‭ ‬الشعبية‭ ‬الوضيعة‭ ‬منذ‭ ‬العهد‭ ‬الإغريقي‭ ‬لارتباطه‭ ‬بأسطورة‭ ‬الآلهة‭ ‬أثينا‭ ‬التي‭ ‬صنعته‭ ‬ثم‭ ‬تخلت‭ ‬عنه‭ ‬بسبب‭ ‬الاعوجاج‭ ‬الذي‭ ‬خلفه‭ ‬لها‭ ‬بفمها‭ ‬وقد‭ ‬تبناه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مرسياس‭ ‬أحد‭ ‬شياطين‭ ‬الطبيعة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المعتقد‭ ‬السائد‭ ‬فإن‭ ‬الإغريق‭ ‬لم‭ ‬يتوانوا‭ ‬عن‭ ‬استعمال‭ ‬المزمار‭ ‬المزدوج‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والدنيوية‭ ‬ولكن‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬الآلات‭ ‬الدونية‭ ‬الوضيعة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬الآلات‭ ‬المتقنة‭ ‬التي‭ ‬اعتنى‭ ‬بها‭ ‬الفكر‭ ‬اليوناني‭ ‬القديم‭ ‬والتي‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬آلات‭ ‬النخبة‭ ‬المفكرة‭ ‬كالليرة‭ ‬والقيثارة30‭. ‬وقد‭ ‬تواصل‭ ‬هذا‭ ‬المعتقد‭ ‬الأسطوري‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ارتباطه‭ ‬بربات‭ ‬الموسيقى‭ ‬واستعماله‭ ‬وحضوره‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تجسد‭ ‬المزمار‭ ‬المزدوج‭ ‬بنوعيه‭: ‬المزامير‭ ‬المزدوجة‭ ‬ذات‭ ‬الأنابيب‭ ‬المستقيمة‭ ‬والمزامير‭ ‬المزدوجة‭ ‬ذات‭ ‬الأنابيب‭ ‬المعقوفة‭.‬

الأرغن‭ ‬المائي‭: ‬تعددت‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬المكتوبة‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬الأرغن‭ ‬المائي‭ ‬بالدرس،‭ ‬فقد‭ ‬أرجع‭ ‬هيرون‭ ‬الأسكندراني‭ ‬Héron‭ ‬dصAlexandrie‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الأول،‭ ‬بينما‭ ‬ترجع‭ ‬أغلب‭ ‬المصادر‭ ‬تاريخية‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثالث‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭ ‬31‭.  ‬وتبرز‭ ‬أغلب‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬أن‭ ‬استعمال‭ ‬الأرغن‭ ‬المائي‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المناسبات‭ ‬الدينية‭ ‬والدنيوية‭ ‬وخاصة‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الخاصة‭ ‬وألعاب‭ ‬مصارعة‭ ‬الجلادين‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استعمالات‭ ‬عسكرية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬المصاحبة‭ ‬الموسيقية‭ ‬لتدريبات‭ ‬الجنود‭ ‬32‭.‬

مزمار‭ ‬الجراب‭:‬لم‭ ‬يكن‭ ‬استعمل‭ ‬مزمار‭ ‬الجراب‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬متداولا‭ ‬بكثرة‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬تداوله،‭ ‬فقد‭ ‬تعرض‭ ‬سويتونيوس‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬احياة‭ ‬نيرونب‭ ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬أن‭ ‬نيرون‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العازفين‭ ‬عليها‭. ‬وتبين‭ ‬لنا‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬أن‭ ‬مزمار‭ ‬الجراب‭ ‬وقع‭ ‬استعماله‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البيزنطية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستخلص‭ ‬أن‭ ‬استعمال‭ ‬مزمار‭ ‬الجراب‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬وتواصل‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البيزنطية‭.‬

البوق‭: ‬يعتبر‭ ‬استعمال‭ ‬البوق‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬امتدادا‭ ‬لاستعماله‭ ‬خلال‭ ‬الحضارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬تأثر‭ ‬الحضارة‭ ‬الرومانية‭ ‬بحضارات‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط،‭ ‬فقد‭ ‬استعمل‭ ‬البوق‭ ‬عند‭ ‬الإغريق‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬العسكري‭ ‬وخاصة‭ ‬تدريبات‭ ‬الفرسان،‭ ‬وتواصل‭ ‬استعماله‭ ‬مع‭ ‬الرومان‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬النشاطات‭ ‬العسكرية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬السلم‭ ‬وأثناء‭ ‬الحروب‭. ‬

اكانت‭ ‬الجيوش‭ ‬الرومانية‭ ‬تستخدم‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬آلات‭ ‬ذات‭ ‬فوهات‭ ‬واستنادا‭ ‬إلى‭ ‬دستور‭ ‬الإمبراطور‭ ‬سرفيوس‭ ‬جُهز‭ ‬كل‭ ‬جيش‭ ‬من‭ ‬جيوش‭ ‬روما‭ ‬بمئة33‭ ‬عازف‭ ‬على‭ ‬البوق‭ ‬كانت‭ ‬مهمتهم‭ ‬أداء‭ ‬الإشارات‭ ‬المختلفة‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬النشاطات‭ ‬اليومية‭ ‬للعسكريين‭ ‬وتسلية‭ ‬الجنود‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬استراحتهم‭ ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬الجيش‭ ‬المنتصر‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬روما‭ ‬كانت‭ ‬عدة‭ ‬فرق‭ ‬موسيقية‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الاستعراض‭ ‬تعزف‭ ‬ألحانا‭ ‬عسكريةب34‭.‬

‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬والتي‭ ‬تتضمن‭ ‬تجسيدا‭ ‬لآلة‭ ‬البوق‭ ‬أو‭ ‬عازف‭ ‬بوق‭ ‬أثناء‭ ‬العزف،‭ ‬لوحة‭ ‬فسيفسائية‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬بجهة‭ ‬طبربة‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬بعد‭ ‬الميلاد‭ ‬تشخص‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العروض‭ ‬وتجسد‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬بوقي‭.‬

القرن‭: ‬يعتبر‭ ‬القرن‭ ‬من‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬الرومان‭ ‬عن‭ ‬الإغريق‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التأثر‭ ‬بحضارات‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والتي‭ ‬استغلت‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬النشاطات‭ ‬العسكرية‭ ‬وقت‭ ‬الحروب‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬السلم،‭ ‬وسجلت‭ ‬هذه‭ ‬الآلة‭ ‬حضورها‭ ‬بكثرة‭ ‬خلال‭ ‬الألعاب‭ ‬الرياضية‭ ‬وفي‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الرسمية‭ ‬والمواكب‭ ‬الجنائزية‭. ‬والملاحظ‭ ‬من‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬أن‭ ‬القرن‭ ‬أصبح‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬المعادن‭ ‬المختلفة‭ ‬كالبرنز‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬العضوية‭ ‬للقرون‭ ‬الحيوانية‭.‬

قناع‭ ‬الممثل‭ ‬كآلة‭ ‬موسيقية‭: ‬يعتبر‭ ‬القناع‭ ‬المكمل‭ ‬لأزياء‭ ‬الممثلين‭ ‬التراجيديين‭ ‬والكوميديين‭ ‬والإيمائيين‭ ‬آلة‭ ‬لتغيير‭ ‬الصوت‭ ‬بجعله‭ ‬حادا‭ ‬أو‭ ‬منخفضا‭ ‬حسب‭ ‬مقتضيات‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭. ‬وقد‭ ‬ذكره‭ ‬لوقيانوس‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية‭ ‬موضحا‭ ‬دور‭ ‬القناع‭ ‬المغير‭ ‬لطبيعة‭ ‬الصوت‭ ‬البشري‭ ‬والمتماشي‭ ‬مع‭ ‬الأزياء‭ ‬التنكرية‭ ‬التي‭ ‬يحتاجها‭ ‬الممثلون‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬العروض‭ ‬المشهدية‭ ‬35‭. ‬وانتقد‭ ‬ترتليانوس‭ ‬القناع‭ ‬في‭ ‬حملته‭ ‬على‭ ‬الممثلين‭ ‬والعروض‭ ‬المسرحية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القناع‭ ‬يغير‭ ‬الصوت‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬خطيئة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬المغالطات‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يشوه‭ ‬صورة‭ ‬مخلوقاته‭ ‬فهو‭ ‬مدنس‭ ‬لحرمته‭ ‬36‭.‬

مجالات‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬الشعبية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭: ‬

عند‭ ‬دراستنا‭ ‬للشواهد‭ ‬النصية‭ ‬المكتوبة‭ ‬ومختلف‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬إلى‭ ‬الممارسات‭ ‬الموسيقية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الحضور‭ ‬الموسيقي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬موجودا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الممارسات‭ ‬الحياتية‭ ‬سواء‭ ‬الممارسات‭ ‬الدينية‭ ‬الطقسية‭ ‬أو‭ ‬الممارسات‭ ‬الدنيوية‭ ‬الجادة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تبعث‭ ‬على‭ ‬الهيدونية‭. ‬ولئن‭ ‬اقتصرت‭ ‬الممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬الديني‭ ‬الطقسي‭ ‬وبعض‭ ‬المناسبات‭ ‬الدنيوية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية،‭ ‬فإن‭ ‬حضور‭ ‬الموسيقى‭ ‬والآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الديني‭ ‬الطقسي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬محدودا‭ ‬مقارنة‭ ‬بحضورها‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الدنيوية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية،‭ ‬ولعل‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬التنوع‭ ‬والتعدد‭ ‬في‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬المتوارثة‭ ‬عن‭ ‬حضارات‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬المتزامنة‭ ‬مع‭ ‬العهد‭ ‬الروماني‭ ‬أو‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة‭ ‬كالحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬والآشورية‭ ‬وغيرها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالآلات‭ ‬المتداولة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬المجالات‭ ‬الحياتية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬فيها‭ ‬دور‭ ‬فعال‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬مهمشة‭ ‬أو‭ ‬شبه‭ ‬مهمشة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬البونية‭ ‬نذكر‭: ‬

المجال‭ ‬العسكري‭: ‬كان‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬حضور‭ ‬سواء‭ ‬وقت‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬السلم،‭ ‬وكنا‭ ‬قد‭ ‬تعرضنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬دراستنا‭ ‬لبعض‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬المتعلقة‭ ‬ببعض‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬الهوائية‭ ‬المستعملة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬كالأرغن‭ ‬المائي‭ ‬والبوق‭ ‬والقرن‭.‬

المجال‭ ‬الرياضي‭: ‬وكنا‭ ‬قد‭ ‬تعرضنا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراستنا‭ ‬لبعض‭ ‬الشواهد‭ ‬الأيقنوغرافية‭ ‬المتعلقة‭ ‬ببعض‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬الهوائية‭ ‬المستعملة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬كالمزمار‭ ‬المزدوج‭ ‬ومزمار‭ ‬الجراب‭ ‬والبوق‭ ‬والقرن‭.‬

المجال‭ ‬الترفيهي‭: ‬كان‭ ‬للممارسة‭ ‬الموسيقية‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الترفيهية‭ ‬دور‭ ‬فعال‭ ‬وقد‭ ‬لاحظنا‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بقايا‭ ‬اللوحة‭ ‬الفسيفسائية‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬لنا‭ ‬مشهد‭ ‬وليمة‭ ‬فيها‭ ‬حضور‭ ‬للموسيقى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عازف‭ ‬شعيبية‭ ‬وراقصات‭ ‬يوقعن‭ ‬بصاجات‭.‬

المجال‭ ‬التكويني‭ ‬في‭ ‬الموسيقى‭: ‬اعتنى‭ ‬الرومان‭ ‬والأفارقة‭ ‬السكان‭ ‬الأصليون‭ ‬للبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالمجال‭ ‬التكويني‭ ‬والتعليمي‭ ‬للموسيقى،‭ ‬إذ‭ ‬يذكر‭ ‬أوغسطينوس‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬ارسالة‭ ‬في‭ ‬الموسيقىب‭ ‬أن‭ ‬تعلم‭ ‬تقنيات‭ ‬العزف‭ ‬والغناء‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬اختصاص‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحترفين‭ ‬أغلبهم‭ ‬من‭ ‬العبيد‭ ‬والموالي،‭ ‬ونفهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بعض‭ ‬خطبه‭ ‬الوعظية‭ ‬أن‭ ‬منطقة‭ ‬بلاريجيا‭ ‬قد‭ ‬اختصت‭ ‬بتعليم‭ ‬الرقص‭ ‬والموسيقى‭ ‬عزفا‭ ‬وغناء،‭ ‬ولعل‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬عرفت‭ ‬وجود‭ ‬مدارس‭ ‬أو‭ ‬معاهد‭ ‬لتعليم‭ ‬الرقص‭ ‬والموسيقى‭ ‬غناء‭ ‬وعزفا،‭ ‬ونستشف‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬أوغسطينوس‭ ‬واعظا‭ ‬أهالي‭ ‬بلاريجيا‭ ‬وناصحا‭ ‬إياهم‭ ‬بالتخلي‭ ‬على‭ ‬جملة‭ ‬هذه‭ ‬الصنائع‭: ‬اإخوتي‭ ‬متساكني‭ ‬بلاريجيا‭ ‬مدينتكم‭ ‬مشهورة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الجهات،‭ ‬ويتجه‭ ‬إليها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬عما‭ [‬هكذا‭]‬37‭ ‬‭ ‬يبحثون‭ ‬هنا؟‭ ‬عن‭ ‬ممثلين،‭ ‬عن‭ ‬خليعات،‭ ‬هل‭ ‬تجدون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬مجدا؟‭ ‬ألا‭ ‬تخجلون‭ ‬من‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بسلعة‭ ‬تشترى؟ب38

المجال‭ ‬الفني‭: ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬مسابقات‭ ‬موسيقية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬بالبلاد‭ ‬التونسية‭ ‬عندما‭ ‬تعرضنا‭ ‬لدراسة‭ ‬فضاءات‭ ‬العروض‭ ‬وخاصة‭ ‬أوديون‭ ‬قرطاج،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المسابقات‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المظاهر‭ ‬الفنية‭ ‬الموسيقية‭ ‬التي‭ ‬وقع‭ ‬الاعتناء‭ ‬فيها‭ ‬بالموسيقى‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التنظيمي‭ ‬والمستوى‭ ‬الفني،‭ ‬وما‭ ‬إقامة‭ ‬مسابقات‭ ‬ابيثياب‭ ‬الموسيقية‭ ‬وبناء‭ ‬الأوديون‭ ‬الخاص‭ ‬بهذه‭ ‬المسابقات‭ ‬إلا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفني‭ ‬الذي‭ ‬وصلته‭ ‬ولاية‭ ‬إفريقيا‭ ‬الرومانية،‭ ‬والذي‭ ‬يعتبر‭ ‬انعكاسا‭ ‬للمستوى‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭. ‬وإقامة‭ ‬المسابقات‭ ‬الموسيقية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التأثر‭ ‬بالحضارة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬إذ‭ ‬عملت‭ ‬السلطة‭ ‬الحاكمة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الرومانية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬مجد‭ ‬المسابقات‭ ‬الموسيقية‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الهلينستية‭ ‬وقد‭ ‬أحاطها‭ ‬الإمبراطور‭ ‬نيرون‭ ‬بهالة‭ ‬فخمة‭ ‬من‭ ‬المظاهر‭ ‬السياسية‭ ‬والدينية‭ ‬لتصير‭ ‬إحدى‭ ‬خطابات‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬الرومانية‭ ‬المعبرة‭ ‬عن‭ ‬بطولة‭ ‬الإمبراطور‭ ‬وتقديس‭ ‬صورته‭ ‬الأبوللونية‭.‬