اللغة العدد
واجهة وخصوصيات: مقاربة سيميولوجية/ بصَرِية لنماذج من أفضية سكنية تقليدية بالجنوب التونسي
واجهة وخصوصيات: مقاربة سيميولوجية/ بصَرِية لنماذج من أفضية سكنية تقليدية بالجنوب التونسي
العدد 45 - ثقافة مادية

د‭. ‬زينب‭ ‬قندوز‭ - ‬كاتبة‭ ‬من‭ ‬تونس

 

يُعدّ‭ ‬الفضاء‭ ‬السكني‭ ‬حاملا‭ ‬لمخزون‭ ‬ذاكراتي،‭ ‬يتجسّد‭ ‬عناصر‭ ‬معمارية‭ ‬مُشبعة‭ ‬رموزا‭ ‬وعلامات‭. ‬فمحامل‭ ‬الذاكرة‭ ‬على‭ ‬تعدّدها‭ ‬تُعدّ‭ ‬نمطا‭ ‬لتواجد‭ ‬الانسان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬مُتعالقا‭ ‬مع‭ ‬مركّبات‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ثقافية،‭ ‬دينية‭... ‬تُعطى‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬رمزية‭ ‬لنكون‭ ‬مع‭ ‬سيميائية‭ ‬الفضاء‭.‬

من‭ ‬هكذا‭ ‬منطلق‭ ‬يكون‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬السيميائية‭ ‬للأمكنة‭ ‬الهندسية‭ ‬والبنية‭ ‬الفضائية‭ ‬للمساكن‭ ‬التقليدية‭ ‬بالجنوب‭ ‬التونسي‭ ‬تحديدا‭ ‬واجهة‭ ‬المباني‭. ‬علّها‭ ‬دلالية‭ ‬تتجاوز‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬سطحيّة‭ ‬محتوياته‭ ‬المادية‭ ‬ومعطياته‭ ‬الجغرافية‭ ‬لنكون‭ ‬مع‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬تحتكم‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬الصّروح‭. ‬كذلك‭ ‬استقراء‭ ‬مجموع‭ ‬العلامات‭ ‬والتمفصلات‭ ‬داخل‭ ‬التركيب‭ ‬المكاني‭ ‬الذي‭ ‬يُؤسّس‭ ‬الفضاء‭ ‬المكاني‭ ‬ككُلّ‭.‬

كانت‭ ‬المساكن‭ ‬التقليدية‭ ‬بالجنوب‭ ‬التونسي‭ ‬على‭ ‬بساطة‭ ‬بناءاتها‭ ‬وسيلة‭ ‬تعبيريّة‭ ‬طوّعها‭ ‬مُنظّر‭ ‬الفضاء‭ ‬السكني‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬وهويّته‭ ‬ومعتقداته،‭ ‬وذلك‭ ‬بما‭ ‬تحويه‭ ‬هذه‭ ‬الانتاجات‭ ‬المعمارية‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬ودلالات‭ ‬لمفرداتها‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬لماهيات‭ ‬مادّيّة‭ ‬تقدّم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬رموز‭ ‬وعلامات‭ ‬باعتبارها‭ ‬عناصر‭ ‬ضمن‭ ‬أنساق‭ ‬سيميائية،‭ ‬يُعدّ‭ ‬الادراك‭ ‬البصري‭ ‬أولى‭ ‬تجلّياتها‭.    

تُعدّ‭ ‬الواجهة‭ ‬المعمارية‭ ‬حافظة‭ ‬السكن‭ ‬وحاضنته،‭ ‬يُحيطها‭ ‬متساكنو‭ ‬الجنوب‭ ‬التونسي‭ ‬بهالة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الخشوع‭ ‬وهي‭ ‬العنصر‭ ‬الظاهر‭ ‬للعيان‭ ‬واالغريب‭ ‬الوافدب،‭ ‬وأول‭ ‬سطور‭ ‬كتاب‭ ‬العمارة،‭ ‬عناصرها‭ ‬وسائل‭ ‬بصرية‭ ‬مضمونة‭ ‬الوصول‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭: ‬

  ‬كيف‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تجتمع‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬التكوينية‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬وخطوط،‭ ‬ألوان‭ ‬وزخارف‭ ‬بمختلف‭ ‬تمظهراتها‭ ‬لتنتج‭ ‬لغة‭ ‬بنيان‭ ‬بإملاءات‭ ‬مخصوصة؟

  ‬كيف‭ ‬أبدع‭ ‬أجدادنا‭ ‬مساكن‭ ‬بواجهات‭ ‬واءمت‭ ‬بين‭ ‬المعارف‭ ‬التقنية‭ ‬والوظيفية‭ ‬النفعية‭ ‬للمبنى‭ ‬والملامح‭ ‬البصرية‭ ‬فتختزل‭ ‬كلاهما‭ ‬صورة‭ ‬ذهنية‭ ‬متكاملة‭ ‬لواجهة‭ ‬المبنى؟

إنّ‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬منظرو‭ ‬الفضاء‭ ‬السكني‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬السكن‭ ‬عموما‭ ‬وواجهته‭ ‬بالخصوص‭ ‬من‭ ‬صنوف‭ ‬التشكيلات‭ ‬المختلفة‭ ‬تتجاوز‭ ‬ماديات‭ ‬المكان‭ ‬إلى‭ ‬علامات‭ ‬المكان‭. ‬فهذه‭ ‬النشاطات‭ ‬والممارسات‭ ‬والمشاهد‭ ‬التعبيرية‭ ‬غير‭ ‬اللّفظيّة،‭ ‬تُضفي‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬دلالات‭ ‬أعمق‭ ‬محطّ‭ ‬مسائلة‭ ‬دائمة‭ ‬ومادة‭ ‬قابلة‭ ‬للتأويل‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يعتبر‭ ‬بارث1‭ ‬الفضاء‭ ‬فضاءً‭ ‬دالا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬افتراض‭ ‬نصّيات‭ ‬أخرى‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬الظواهر‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والممارسات‭ ‬اليومية،‭ ‬وعليه‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬ظاهرة‭ ‬سيميائية‭ ‬ومعطى‭ ‬علاماتي‭ ‬نستقي‭ ‬منها‭ ‬معارف‭ ‬عن‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى‭. ‬فالفضاء‭ ‬على‭ ‬حسبه‭ ‬يحتضن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدوال‭ ‬المثبوتة‭ ‬داخل‭ ‬عاداتنا‭ ‬وتقاليدنا‭ ‬وفضاءاتنا‭ ‬المشبعة‭ ‬بالرموز‭ ‬والعلامات‭. ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬سلبيا‭ ‬ولا‭ ‬صامتا،‭ ‬وإنما‭ ‬يحمل‭ ‬دلالة‭ ‬تتخلّل‭ ‬جميع‭ ‬الأبعاد‭ ‬والاحداثيات‭ ‬والأركان،‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬ذكر‭ ‬تعريف‭ ‬تفصيلي‭ ‬لمدينة‭ ‬ما،‭ ‬وإنما‭ ‬يكتفي‭ ‬بذكر‭ ‬اسمها‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬معالمها‭ ‬وهذه‭ ‬المعالم‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬إحالات‭ ‬تُعطي‭ ‬أبعادا‭ ‬تأويلية‭ ‬ونفسية‭ ‬ورمزية‭ ‬لزائرها،‭ ‬بحيث‭ ‬تشكل‭ ‬على‭ ‬إثرها‭ ‬خطابا‭ ‬بصريًا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬بعده‭ ‬التواصلي‭ ‬والدلالي2‭. ‬

فتواجد‭ ‬البناءات‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬معين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬والتصاميم‭ ‬ومواد‭ ‬البناء‭ ‬والزخرفة،‭ ‬له‭ ‬رمزيته‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬وظيفة‭ ‬البناء‭ ‬الاجتماعية‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬مسجدا،‭ ‬منزلا،‭ ‬قصرا‭ ... ‬الخ،‭ ‬وتكون‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬فضاء‭ ‬لتقاطع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العلامات‭ ‬التشكيلية‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬دلالات‭ ‬ورموز‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬العمارة،‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فهمها‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعتبرها‭ ‬كائنا‭ ‬حيّا‭ ‬يتفاعل‭ ‬معنا‭ ‬ويتطوّر‭ ‬وفقا‭ ‬لاحتياجاتها،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬التواصلية‭ ‬لفن‭ ‬الهندسة‭ ‬المعمارية‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجال‭ ‬الإحالة،‭ ‬والانزواء‭ ‬على‭ ‬تأمل‭ ‬الموضوعات‭ ‬المعمارية‭ ‬بوصفها‭ ‬أشكالا‭ ‬تستمدّ‭ ‬ملموسيتها‭ ‬من‭ ‬ذاتها3،‭ ‬أي‭ ‬الدلائل‭ ‬الرّمزية‭ ‬للعمارة‭ ‬الحبيسة‭ ‬بتنوع‭ ‬الثقافات‭ ‬واللغات‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬النسيج‭ ‬العمراني‭ ‬وخصائصه‭ ‬لأي‭ ‬بلد4‭.‬

لا‭ ‬يُمثل‭ ‬الوجه‭ ‬المعماري‭ ‬للسكن‭ ‬سوى‭ ‬الجزء‭ ‬الظاهر‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬المادية‭ ‬والوظيفية‭ ‬والرمزية،‭ ‬منظورا‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬أشدّ‭ ‬عناصرها‭ ‬بساطة‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬رمزي‭ ‬يُعطي‭ ‬لها‭ ‬معنى‭. ‬لذا‭ ‬فالسلوك‭ ‬نفسه‭ ‬رمز‭ ‬مادام‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬التمثّل‭ ‬الصامت‭. ‬والسكن‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬هو‭ ‬حقل‭ ‬من‭ ‬السلوكات‭ ‬الرّمزيّة‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬وتتوالد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬متوازن‭ ‬مع‭ ‬بناء‭ ‬المنزل‭ ‬منذ‭ ‬التأسيس‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬سوسيولوجية5‭ ‬يمسّ‭ ‬البناء‭ ‬الجماعة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬نظرا‭ ‬للمضمون‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للفضاء،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تتجسّد‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬وتعبّر‭ ‬عن‭ ‬نفسها،‭ ‬فالسكن‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭ ‬وآليات‭ ‬الدّمج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الاستقلال‭ ‬بالسكن‭ ‬يرتبط‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬بعيد‭ ‬بمؤسّسة‭ ‬الزواج‭ ‬بما‭ ‬تعنيه‭ ‬من‭ ‬الانتماء‭ ‬والضبط‭ ‬والالتزام‭. ‬فالمنزل‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بالاجتماع‭ ‬العائلي‭ ‬وانشاؤه‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬مندرجا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ويستكمل‭ ‬بشروط‭ ‬الاعتراف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأخلاقي6‭.‬

بالنسبة‭ ‬لسيميولوجيا‭ ‬الفضاءات‭ ‬السكنية،‭ ‬فان‭ ‬هذا‭ ‬المقترب‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬تشبع‭ ‬المكان‭ ‬المديني‭ ‬بالمدلولات‭ ‬حاملة‭ ‬لمعان‭ ‬تتنوع‭ ‬بتنوع‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تبثها‭ ‬وباختلاف‭ ‬الاذهان‭ ‬التي‭ ‬تتلقاها‭ ‬لان‭ ‬صورة‭ ‬كل‭ ‬مدينة،‭ ‬بأبعادها‭ ‬الشكلية‭ ‬والوظائفية‭ ‬والرمزية،‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬تراكم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التصورات‭ ‬الشخصية‭ ‬البحتة‭. ‬فالأفضية‭ ‬السكنية‭ ‬لقرانا‭ ‬ومدننا‭ ‬التقليدية‭ -‬بكونها‭ ‬نظاما‭ ‬من‭ ‬علامات‭- ‬يمكن‭ ‬رصدها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬آليات‭ ‬المعاينة‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬التأويل‭. ‬تأسيسا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬تكون‭ ‬القرى‭/‬المدن‭ ‬التقليدية‭ ‬فضاءات‭ ‬مشبعة‭ ‬بالمعاني‭ ‬الظاهرة‭/‬المستترة‭ ‬المضمرة‭/‬المعلنة‭ ‬الحقيقية‭/‬المتخيلة‭ ‬المتطابقة‭/‬المتنافرة‭ ‬الحسية‭/‬الرمزية‭ ‬المتهتكة‭/‬المقدسة‭ ‬الدنيوية‭/‬الميتافيزيقية‭. ‬هذه‭ ‬العلامات‭ ‬وغيرها‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬القرى‭/‬المدن‭ ‬فضاءً‭ ‬تعثر‭ ‬العين‭ ‬على‭ ‬جدرانه‭ ‬وواجهات‭ ‬مساكنه‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬خيالات‭ ‬الذهن‭ ‬البشري‭ ‬وأعقد‭ ‬التباساته‭ ‬واستيهاماته‭ ‬وتوتراته7‭. ‬

تعدّ‭ ‬واجهة‭ ‬المسكن‭ ‬بنية‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬التقليدية،‭ ‬ووثيقة‭ ‬ما‭ ‬يتلقّاه‭ ‬وما‭ ‬يعكس‭ ‬ذاكرته،‭ ‬لتقدّم‭ ‬الواجهة‭ ‬الرمز‭ ‬والاشارة‭ ‬والايماءة‭ ‬فيكون‭ ‬التواصل‭. ‬بمساكن‭ ‬قرى‭/‬مدن‭ ‬الواحة‭ ‬التقليدية‭ ‬نفذت‭ ‬واجهاتها‭ ‬بأبسط‭ ‬خامات‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬وبرزت‭ ‬العناصر‭ ‬الزخرفية‭ ‬فيها‭ ‬نتيجة‭ ‬لإيجابية‭ ‬الانسان‭ ‬وتفاعله‭ ‬مع‭ ‬الطبيعة‭ ‬وجهوده‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬احتياجاته،‭ ‬فعبر‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬رموز‭ ‬تلخص‭ ‬فكر‭ ‬الانسان‭ ‬وعقيدته‭ ‬نحو‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬قسوة‭ ‬الطبيعة،‭ ‬فكان‭ ‬للبيئة‭ ‬تأثير‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬الواجهات‭ ‬فيكون‭ ‬ظاهرا‭ ‬على‭ ‬المباني‭ ‬وعلى‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬متبعا‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬والخامات‭ ‬المستخدمة‭.‬

أفضية‭ ‬سكنية‭ ‬تقليدية‭ ‬تستخدم‭ ‬العناصر‭ ‬الزخرفية‭ ‬في‭ ‬واجهاتها،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬تكرار‭ ‬الوحدات‭ ‬الهندسية‭ ‬المجردة‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬مدخل‭ ‬المسكن‭ ‬وأعلاه‭ ‬بطريقة‭ ‬متماثلة،‭ ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬الزخارف‭ ‬الحائطية‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬قسوة‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬حيث‭ ‬الهواء‭ ‬الجاف‭ ‬والمناخ‭ ‬الحار‭. ‬وقد‭ ‬حقق‭ ‬المتساكنون‭ ‬الاتزان‭ ‬والتناسق‭ ‬في‭ ‬التكوينات‭ ‬الهندسية‭ ‬البارزة‭ ‬والغائرة‭ ‬التي‭ ‬صمّمها‭. ‬فقد‭ ‬احتفظت‭ ‬العمارة‭ ‬بهوية‭ ‬مميزة‭ ‬وواضحة،‭ ‬فهي‭ ‬انعكاس‭ ‬صادق‭ ‬للبيئة،‭ ‬وهذا‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعلات‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬البيئية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والمناخية‭.‬

ان‭ ‬تشكيل‭ ‬الواجهات‭ ‬التقليدية،‭ ‬كتل‭ ‬وعناصر‭ ‬معمارية‭ ‬وزخرفية‭ ‬يؤكد‭ ‬مبدأ‭ ‬البساطة،‭ ‬فجاءت‭ ‬عمارة‭ ‬صريحة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬أنشئت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬في‭ ‬صياغتها،‭ ‬وعمق‭ ‬مضامينها‭ ‬التعبيرية‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬نتاج‭ ‬تراكم‭ ‬معرفي‭ ‬لسلسلة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭. ‬ولعلّ‭ ‬من‭ ‬خصوصيات‭ ‬الواجهات‭ ‬أنه‭:‬

يوجد‭ ‬تناسق‭ ‬في‭ ‬التشكيل‭ ‬الفني‭ ‬للواجهة‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتبارين‭ ‬أساسين؛‭ ‬أولهما‭ ‬علاقة‭ ‬عناصر‭ ‬التشكيل‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬ونقصد‭ ‬هنا‭ ‬عناصر‭ ‬االتصميمب‭ ‬بأدواته‭ ‬التي‭ ‬يتلاءم‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬عنصر‭ ‬بالآخر‭ ‬لخلق‭ ‬التوافق‭ ‬والصلة‭ ‬المستمرة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ (‬نوافذ‭ ‬وأبواب‭ ‬وزخارف‭ ‬وغيرها‭) ‬والمساحة‭ ‬الكلية‭ ‬للواجهة‭. ‬ثانيهما‭: ‬علاقة‭ ‬كل‭ ‬عنصر‭ ‬بالمبنى‭ ‬المعماري‭ ‬ككلّ‭ ‬تحقيقا‭ ‬للتوافق‭. ‬

يوجد‭ ‬تنوع‭ ‬بين‭ ‬العناصر‭ ‬المعمارية‭ ‬وهي‭ ‬تخلق‭ ‬مع‭ ‬الوحدة‭ ‬تميزاً‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬التشكيلي‭.‬

يوجد‭ ‬إيقاع‭ ‬باستخدام‭ ‬الوحدة‭ ‬والعناصر‭ ‬التي‭ ‬تتوالى‭ ‬متكرّرة‭ ‬بانتظام،‭ ‬فالوحدة‭ ‬والتنوع‭ ‬لم‭ ‬يلغ‭ ‬أحدهما‭ ‬الآخر‭. ‬

يوجد‭ ‬سيادة‭ ‬في‭ ‬التشكيل‭ ‬العام،‭ ‬وذلك‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬رغم‭ ‬القواعد‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬وحدة‭ ‬وتكرار‭ ‬وتغير‭ ‬وعلاقات،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يوجد‭ ‬شكل‭ ‬غالب‭ ‬مسيطر‭ ‬على‭ ‬الكلّ‭.‬

 

الواجهة‭ ‬بين‭ ‬المحدّدات‭ ‬الشكليّة

والاملاءات‭ ‬الرّمزية

تنشأ‭ ‬الرموز‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬الطّوْطم8‭ ‬والتّابو9‭ (‬totem‭-‬tabou‭) ‬هما‭ ‬معتقدان‭ ‬سحريّان،‭ ‬مؤدّاها‭ ‬قانون‭ ‬التبجيل‭ ‬والتحريم‭ ‬لغاية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭. ‬وكلّ‭ ‬عشيرة‭ ‬يقابلها‭ ‬طوطم‭ ‬يكون‭ ‬محطّ‭ ‬تحريم‭ ‬وتقديس‭ ‬ومعتقد‭ ‬سحري،‭ ‬وتكون‭ ‬التمثيلات‭ ‬الرّمزية‭ ‬كفيلة‭ ‬بطرد‭ ‬الأرواح‭ ‬الشرّيرة‭ ‬ومصدر‭ ‬إسعاده‭ ‬وتحقيق‭ ‬رغباته‭ ‬مثلا‭. ‬ففي‭ ‬تمزرط‭ ‬مثلا‭ ‬نشاهد‭ ‬بعض‭ ‬الرموز‭ ‬القديمة‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالسّكن،‭ ‬أشكالا‭ ‬رسمت‭ ‬ونقشت‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭ ‬والجدران‭ ‬لحماية‭ ‬المسكن‭ ‬وتحصينه‭. ‬فالرمز‭ ‬لم‭ ‬يخلق‭ ‬للتزيين‭ ‬فقط‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬سلاحا‭ ‬هجوميا‭ ‬ودفاعيا‭ ‬ضدّ‭ ‬شرّ‭ ‬ما‭.‬

تنتمي‭ ‬الرموز‭ ‬المعلّمة‭ ‬بالمساكن‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬المدوّنة‭ ‬الرمزيّة‭ ‬الشعبية‭ ‬المستخدمة‭ ‬على‭ ‬محامل‭ ‬مختلفة‭ ‬كالواجهات‭ ‬والأبواب‭ ‬والأثاث‭ ‬والأدوات‭ ‬المنزلية‭ ‬اليومية‭ ‬كالفخار‭ ‬والمنسوجات‭ ‬والجلد‭ ‬والألياف‭ ‬النباتية،‭ ‬أين‭ ‬تكرّر‭ ‬فيها‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬نفسها‭ ‬كالمعينات‭ ‬والمثلثات‭ ‬والخطوط‭ ‬المنكسرة‭. ‬

1‭) ‬الجدار‭:‬

يعدّ‭ ‬الحائط‭ ‬فسحة‭ ‬ممتدّة‭ ‬للخطّ‭ ‬والكتابة‭ ‬وتعليم‭ ‬الرّموز‭ ‬والتي‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬موضوعات‭ ‬دينية‭ ‬وأخرى‭ ‬دنيوية‭ ‬حيث‭ ‬تتجاور‭ ‬بل‭ ‬وتتداخل‭ ‬مثل‭ ‬عقود‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬وأدوات‭ ‬البناء‭ ‬بالأدعية‭ ‬والبسملة‭ ‬والتسبيح‭. ‬لكن‭ ‬الفصل‭ ‬بينهما‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬أصلا‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬دنيوي‭ ‬كان‭ ‬دينيا‭ ‬بالأساس‭ ‬11‭. ‬

نقائش‭ ‬خطية‭ ‬دينية‭: ‬علّها‭ ‬كتابات‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬تصنّف‭ ‬إلى‭ ‬نقائش‭ ‬ااستخدمت‭ ‬لتمجيد‭ ‬وتعظيم‭ ‬اسم‭ ‬اللّه‭ ‬وفق‭ ‬صيغ‭ ‬مختلفة‭ ‬مثل‭ ‬اما‭ ‬شاء‭ ‬اللهب‭ ‬االحمد‭ ‬للهب‭ ‬االله‭ ‬أكبرب،‭ ‬ابسم‭ ‬الله‭ ‬الرّحمان‭ ‬الرّحيمب12‭. ‬وهي‭ ‬كتابات‭ ‬دعائية‭ ‬انجد‭ ‬فيها‭ ‬ذكر‭ ‬الله‭ ‬والبسملة‭ ‬وذكر‭ ‬الرّسول‭ ‬محمد‭ ‬ﷺ‭ ‬اعتقادا‭ ‬من‭ ‬الأهالي‭ ‬بطرد‭ ‬العين‭ ‬والحسد‭ ‬ومحافظة‭ ‬على‭ ‬المسكن‭ ‬من‭ ‬الأذىب13‭. ‬

‭ ‬نقائش‭ ‬خطية‭ ‬دنيوية‭: ‬هي‭ ‬نقائش‭ ‬حياتية‭ ‬تعريفية‭ ‬تأريخيّة‭ ‬بالأساس‭ ‬تقدّم‭ ‬أسماء‭ ‬البنائين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الغرف،‭ ‬كما‭ ‬تسجّل‭ ‬تاريخ‭ ‬البناء‭ ‬معتمدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬وفاة‭ ‬الرسول‭ ‬الكريم‭. ‬كما‭ ‬تعرّف‭ ‬بعض‭ ‬النقوش‭ ‬بأصحاب‭ ‬الغرف،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشّأن‭ ‬في‭ ‬الدويرات‭ ‬بتطاوين‭ ‬ويعتبرها‭ ‬المتساكنون‭ ‬وثيقة‭ ‬ملكية‭. ‬والغايات‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬متعدّدة‭ ‬منها‭ ‬التوثيق‭ ‬والوقاية‭ ‬والحماية‭ ‬وتحصين‭ ‬الغرف‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬السحر‭ ‬المقبول‭ ‬دينيا‭ ‬الا‭ ‬سيّما‭ ‬وأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬بمكان‭ ‬لخزن‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬يحاط‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬قواعد‭ ‬الحماية‭ ‬والتّأصيل‭ ‬الروحي‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬مباركا‭ ‬نافعا‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬استهلاكه‭ ‬وإنّما‭ ‬من‭ ‬البذرة‭ ‬إلى‭ ‬المائدة‭ ‬مرورا‭ ‬بعمليّة‭ ‬الحفظ‭ ‬والخزنب‭ ‬14‭.  ‬تخلّد‭ ‬أسماء‭ ‬البنّائين‭ ‬باستخدام‭ ‬الصّيغة‭ ‬اللّغوية‭ ‬اصنع‭ ‬فلان‭ ‬بن‭ ‬فلانب‭ ‬والتي‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬يتسنّى‭ ‬لنا‭ ‬معرفة‭ ‬هويّتهم‭ ‬في‭ ‬بناءات‭ ‬الدّويرات‭ ‬مثلا‭.‬

  ‬كتابات‭ ‬رمزية‭: ‬وهي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬حروف‭ ‬االتيفانغب15‭ ‬وهي‭ ‬كتابات‭ ‬بربرية‭ ‬قديمة‭ ‬لا‭ ‬تفيدنا‭ ‬المصادر‭ ‬الشفوية‭ ‬عن‭ ‬ماهيتها،‭ ‬وقد‭ ‬عثر‭ ‬عليها‭ ‬سواء‭ ‬بقمة‭ ‬الجبل‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬السّهل‭.‬

  ‬علامات‭ ‬تشكيلية‭: ‬إن‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬العناصر‭ ‬التشكيلية‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬تحقق‭ ‬الانسجام‭ ‬والتآلف‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬البصرية،‭ ‬فجاءت‭ ‬العناصر‭ ‬المعمارية‭ ‬متناسبة‭. ‬وتنظيم‭ ‬التشكيل‭ ‬في‭ ‬واجهات‭ ‬العمارة‭ ‬التقليدية‭ ‬اتوزر‭ ‬ونفطةب‭ ‬بصرياً‭ ‬وحسياً‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬الوحدة‭ ‬التصميمية‭ ‬الثابتة‭ ‬لقالب‭ ‬االياجورب‭ ‬الآجر‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‭ ‬لعمل‭ ‬التشكيلات‭ ‬الابداعية‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬متعدّدة‭ ‬ومتنوعة‭. ‬إن‭ ‬القوالب‭ ‬بأبعادها‭ ‬القياسية‭ ‬أظهرت‭ ‬تآلفاً‭ ‬وتجانساً‭ ‬وتناسقاً‭ ‬لمكونات‭ ‬الواجهة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الجزئي‭ ‬والكلي‭. ‬

كما‭ ‬اعتبرت‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬خاصة‭ ‬منها‭ ‬المثلثية‭ ‬عنصراً‭ ‬رمزياً‭ ‬بارزاً‭ ‬في‭ ‬واجهات‭ ‬الأفضية‭ ‬السكنية‭ ‬لقرى‭/‬مدن‭ ‬الواحة‭ ‬التقليدية‭. ‬ندر‭ ‬وجود‭ ‬مبنى‭ ‬بدون‭ ‬مثلثات‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬تمثلاته‭. ‬فهذه‭ ‬العناصر‭ ‬ترمز‭ ‬إلى‭ ‬حرص‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬عناصر‭ ‬رمزية‭ ‬لطرد‭ ‬الأرواح‭ ‬الشريرة‭ (‬حسب‭ ‬بعض‭ ‬المعتقدات‭ ‬والأقاويل‭)‬،‭ ‬كذلك‭ ‬إضفاء‭ ‬علامة‭ ‬معبرة‭ ‬أخرى‭ ‬لمحيطهم‭ ‬المعيشي‭ ‬ورمزا‭ ‬لوحدتهم‭. ‬المثلث‭ ‬علامة‭ ‬متكرّرة‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬ونمط‭ ‬هندسي‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظته‭ ‬في‭ ‬الزخارف‭ ‬الموجودة‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حواشي‭ ‬المبنى‭ ‬والواجهة‭ ‬الرئيسية‭.  

توحي‭ ‬الخطوط‭ ‬المتكسرة‭ ‬بالحركة،‭ ‬كما‭ ‬نلاحظ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الخطوط‭ ‬الحدة‭ ‬في‭ ‬التشكيل،‭ ‬مما‭ ‬يستلزم‭ ‬استعمال‭ ‬بعض‭ ‬الحليّات‭ ‬معه‭ ‬لكي‭ ‬تلطف‭ ‬وتهدئ‭ ‬من‭ ‬تأثيره‭. ‬ويمكن‭ ‬للخط‭ ‬المنكسر‭ ‬المكوّن‭ ‬من‭ ‬مستقيمين‭ ‬أن‭ ‬يتضمن‭ ‬اتجاها‭ ‬مؤكداً‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬وضعهما‭ ‬في‭ ‬الحيز،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬بمحصلة‭ ‬المستقيمين‭ ‬المكونين‭ ‬للخط‭ ‬المنكسر‭.‬

إنّ‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬خطّته‭ ‬أيادي‭ ‬البنائين‭ ‬والحرفيين‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬رمزي‭ ‬يحيل‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬على‭ ‬معان‭ ‬مجرّدة‭ ‬تتخطى‭ ‬أحيانا‭ ‬الواقع‭ ‬الحسّي‭ ‬الذي‭ ‬تنطلق‭ ‬منه‭. ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يوحي‭ ‬به‭ ‬الظاهر‭ ‬الزخرفي‭ ‬والجمالي‭ ‬للعلامات‭ ‬والرموز،‭ ‬فإن‭ ‬الانسان‭ ‬ماثل‭ ‬فيها‭ ‬بقوة‭ ‬عبر‭ ‬كلّ‭ ‬تفاصيلها16،‭ ‬فمواضيعها‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬الانسان‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬البيئي‭ ‬الملموس‭ ‬وضمن‭ ‬شروط‭ ‬الحياة‭ ‬الواقعية‭ ‬دون‭ ‬إغفال‭ ‬للتاريخ17،‭ ‬فيأتينا‭ ‬الكثير‭ ‬منها،‭ ‬تلك‭ ‬الرموز،‭ ‬مستوحى‭ ‬من‭ ‬بيئته‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬التجريد،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فهي‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬الطابع‭ ‬التشخيصي‭ ‬للفن‭ ‬البدائي‭ ‬والممارسات‭ ‬التشكيلية‭.‬

2‭) ‬العتبة18‭:‬‭ ‬

تعدّ‭ ‬العتبة،‭ ‬ذلك‭ ‬الحيز‭ ‬المتواضع‭ ‬مساحة‭ ‬والمشحون‭ ‬دلالات،‭ ‬الفاصلة‭ ‬الواصلة‭ ‬بين‭ ‬الخارج‭ ‬والداخل،‭ ‬الخارج‭ ‬الغريب‭ ‬والداخل‭ ‬المألوف‭. ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬التعيين‭ ‬المادّي‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬العتبة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الحدّ‭ ‬العازل‭ ‬والواصل،‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬بين‭ ‬المنزل‭ ‬والشارع‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬تعيين‭ ‬اجتماعي‭ ‬ورمزي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬التقابل‭ ‬بين‭ ‬الفضاء‭ ‬الخاصّ‭ ‬والفضاء‭ ‬العامّ،‭ ‬وبالتّالي‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المرجعية‭ ‬العائلية‭ ‬والمرجعية‭ ‬المجتمعية‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬التصوّرات‭ ‬والمواقف‭. ‬

والعتبة‭ ‬فاتحة‭ ‬السّكن،‭ ‬ولعلّ‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬موضع‭ ‬العتبة‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الخشية‭ ‬والانفعال‭ ‬الكثير‭. ‬فيتمّ‭ ‬تخصيصه‭ -‬هذا‭ ‬الموضع‭-‬دون‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الأجزاء‭ ‬والوحدات‭ ‬المعمارية‭ ‬بطقوس‭ ‬عدّة‭ ‬تختلف‭ ‬العناصر‭ ‬المستخدمة‭ ‬فيها،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّــها‭ ‬تتجانس‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يعتقد‭ ‬أنّه‭ ‬اطبيعة‭ ‬العتبةب‭ ‬ومستقبل‭ ‬المسكن‭ ‬وساكنيه،‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬العتبة‭ ‬مباركة،‭ ‬جـاء‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬تأسّس‭ ‬عليها‭ ‬ميمونا‭ ‬مباركا،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يترجمه‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬الدّارج‭ ‬انواصي‭ ‬وعتب‭ ‬والبعض‭ ‬من‭ ‬الذريّةب19‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬القائل‭ ‬االدار‭ ‬عتبة‭ ‬والمرا‭ ‬قصّةب‭ ‬له‭ ‬دلالاته‭ ‬الرمزية‭ ‬والمعنوية‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬نستغرب‭ ‬ممارسات‭ ‬الأهالي‭ ‬لعادات‭ ‬صارت‭ ‬طقسا‭ ‬خاصا‭ ‬بالبناء،‭ ‬فعند‭ ‬المطاوى20‭ ‬يرمون‭ ‬قطعة‭ ‬ذهب‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬حوتة‭ (‬سمكة‭) ‬أو‭ ‬شعير21‭. ‬وهي‭ ‬الوظيفة‭ ‬نفسها‭ ‬الّتي‭ ‬يؤمّنها‭ ‬الباب‭ ‬عبر‭ ‬ثنائية‭ ‬الانغلاق‭ ‬والانفتاح‭ ‬والضيق‭ ‬والاتّساع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تجسّده‭ ‬لحظة‭ ‬التأسيس‭ ‬عبر‭ ‬الطقوس‭ ‬التي‭ ‬بمقتضاها‭ ‬يدشّن‭ ‬البناء‭. ‬

3‭) ‬الباب‭: ‬

إذا‭ ‬أخذنا‭ ‬الباب‭ ‬مجرّدا‭ ‬من‭ ‬ملحقاته‭ ‬الرمزية‭ ‬المادية،‭ ‬واعتمدنا‭ ‬أحد‭ ‬نماذجه‭ ‬الشائعة،‭ ‬وجدنا‭ ‬أنّه‭ ‬يتألّف‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬مادّة‭ ‬الخشب‭ ‬جهّز‭ ‬أحد‭ ‬مصراعيه‭ ‬بباب‭ ‬ضيّق‭ ‬منخفض‭ ‬يعرف‭ ‬ابالخوخةب،‭ ‬وهو‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ساكني‭ ‬الدار‭. ‬فالخوخة‭ ‬تعني‭ ‬المخترق‭ ‬بين‭ ‬شيئين‭ ‬سواء‭ ‬بين‭ ‬دارين‭ ‬او‭ ‬بين‭ ‬طريقين‭ ‬كما‭ ‬تطلق‭ ‬على‭ ‬كوة‭ ‬تدخل‭ ‬الضوء‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬وتدلّ‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬الباب‭ ‬الكبير‭ ‬للمبنى‭ ‬للاستعمال‭ ‬اليومي‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬الى‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬الكبير‭ ‬كما‭ ‬انها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الفتحة‭ ‬في‭ ‬الجدار‭ ‬او‭ ‬السور‭ ‬لتسهيل‭ ‬دخول‭ ‬وخروج‭ ‬الناس‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تتسع‭ ‬الا‭ ‬لمرور‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬والتنوع‭ ‬في‭ ‬المسمى‭ ‬محلي‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬مصطلح‭ (‬خوخة‭) ‬كدلالة‭ ‬عامة‭ ‬على‭ ‬الباب‭ ‬الصغير‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬الباب‭ ‬الرئيس‭ ‬للمسكن‭. ‬ولعلّ‭ ‬كبر‭ ‬حجم‭ ‬الباب‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬لدخول‭ ‬الدابة‭ ‬والعربة‭ ‬والأدوات‭ ‬الفلاحية‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬السكان‭ ‬يمتهنون‭ ‬الفلاحة‭.‬

تحتوي‭ ‬أغلبية‭ ‬الأبواب‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مقارع،‭ ‬ولكل‭ ‬منها‭ ‬صوت‭ ‬معين،‭ ‬تمكن‭ ‬أهالي‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬الزائر‭: ‬امرأة،‭ ‬رجل‭ ‬أو‭ ‬طفل‭. ‬مقارع‭ ‬الباب‭ ‬مرتبة‭ ‬بطريقة‭ ‬معينة‭: ‬مطرقة‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬اليمين،‭ ‬والمرأة‭ ‬على‭ ‬اليسار،‭ ‬والطفل‭ ‬على‭ ‬اليمين‭ (‬ولكن‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬غيرها‭). ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الباب‭ ‬الكبير‭ ‬المغلق‭ ‬مع‭ ‬الجدران‭ ‬العالية‭ ‬الصمّاء‭ ‬والسقيفة‭ ‬المظلمة‭ ‬الخالية‭ ‬توحي‭ ‬جميعها‭ ‬بالانـــغـــلاق‭ ‬ورفض‭ ‬الفضوليين‭ ‬والغرباء،‭ ‬فإنّ‭ ‬وسط‭ ‬الدّار‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬مقابل‭ ‬حيث‭ ‬تتدفّق‭ ‬فيه‭ ‬الحركة‭ ‬متجاوزة‭ ‬التقطيع‭ ‬الهندسي‭ ‬الوظيفي‭ ‬للفضاء‭.‬

لعلّ‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬الباب‭ ‬االدّقداقةب22‭ ‬التي‭ ‬تُعلّق‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬أو‭ ‬الجانبين‭ ‬على‭ ‬مستويين‭ ‬مختلفين‭ ‬ولها‭ ‬أشكال‭ ‬متعدّدة‭ ‬ولكلّ‭ ‬منها‭ ‬ميزة‭ ‬خاصة‭.  ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬على‭ ‬الاختلافات‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬الأبواب‭ ‬التقليدية‭ ‬والتي‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬بالصفة‭ ‬التراتبية‭ ‬للسكن‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬دلالته‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الطبقي‭ ‬لساكنيه،‭ ‬فإنه‭ ‬يلاحظ‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬الباب‭ ‬ووسمه‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬علامة‭ ‬المنزل‭ ‬وصورته‭. ‬

فهو‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سواء‭ ‬اتخذ‭ ‬هيئات‭ ‬انشائية‭ ‬وزخرفية‭ ‬بسيطة‭ ‬أو‭ ‬معقدة،‭ ‬وبفضل‭ ‬عناصره‭ ‬المادية‭ ‬والوظيفية‭ ‬والرمزية‭ ‬يتحول‭ ‬الباب‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬دلالي‭ ‬بصري‭ ‬وفضائي‭ ‬ليتجاوز‭ ‬فيه‭ ‬أنماطا‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬كالرسم‭ ‬والحفر‭ ‬والكتابة‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬يتمتع‭ ‬ببلاغة‭ ‬خاصة‭ ‬ترفعه‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬النص‭ ‬بالمعنى‭ ‬السيميولوجي‭ ‬للعمارة23‭.‬

عموما‭ ‬تكون‭ ‬أبواب‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬محاطة‭ ‬برقابة‭ ‬مكثفة‭ ‬مصدرها‭ ‬تعدد‭ ‬الحواجز‭ ‬مثل‭ ‬العتبة‭ ‬والسّدّة‭ ‬والسقيفة‭. ‬فالبيت‭ ‬في‭ ‬تصميمه‭ ‬مغلق‭ ‬على‭ ‬الخارج،‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬الداخل‭. 

يحضر‭ ‬الباب‭ ‬بعناصره‭ ‬الإنشائية‭ ‬والزخرفية‭ ‬بوصفه‭ ‬الجزء‭ ‬الأكثر‭ ‬كثافة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬السكن‭ ‬تعيينا‭ ‬وترميزا‭ ‬وتشكيلا،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬حضوره‭ ‬هندسيا‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬مراحل‭ ‬عملية‭ ‬البناء،‭ ‬فإنّ‭ ‬تمثّله‭ ‬يبدو‭ ‬واضحا‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬عبر‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬موضع‭ ‬العتبة‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الخشية‭ ‬والانفعال،‭ ‬فيتمّ‭ ‬تخصيصه‭ ‬دون‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الأجزاء‭ ‬والوحدات‭ ‬المعمارية‭ ‬بطقوس‭ ‬عدّة‭ ‬تختلف‭ ‬العناصر‭ ‬المستخدمة‭ ‬فيها،‭ ‬إلاّ‭ ‬أنّــها‭ ‬تتجانس‭ ‬في‭ ‬تمثّل‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬الحتميّة‭ ‬القدرية‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يعتقد‭ ‬أنّه‭ ‬اطبيعة‭ ‬العتبةب‭ ‬ومستقبل‭ ‬المسكن‭ ‬وساكنيه24‭. ‬وما‭ ‬الانفعال‭ ‬الخاصّ‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬العتبة‭ ‬والفتحة‭ ‬المعروفة‭ ‬ابـالخوخةب،‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تعليق‭ ‬بعض‭ ‬الرموز‭ ‬المادية‭ ‬كالقرون‭ ‬والخمسة‭ ‬واالحوتهب‭ ‬إلاّ‭ ‬إحالات‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬دلالي‭ ‬بصريّ‭ ‬وفضائيّ‭ ‬قد‭ ‬أحكم‭ ‬المجتمع‭ ‬شحنه‭. ‬ولعلّه‭ ‬وبفضل‭ ‬عناصره‭ ‬المادية‭ ‬الوظيفية‭ ‬والرمزية‭ ‬يتحوّل‭ ‬الباب‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬دلالي‭ ‬بصري‭ ‬وفضائي‭ ‬فيه‭ ‬أنماط‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬كالرسم‭ ‬والحفر‭ ‬والكتابة‭. ‬

نقوش‭ ‬وعلامات‭... ‬بصمات‭ ‬الذاكرة‭: 

1‭) ‬حوته‭ ‬وخمسة‭ ‬وقرن‭ ‬غزالة‭:‬

تعدّ‭ ‬النقوش‭ ‬الرّمزية‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬ميّزت‭ ‬جلّ‭ ‬أشكال‭ ‬الزينة‭ ‬المستعملة‭ ‬على‭ ‬واجهات‭ ‬مداخل‭ ‬أفضية‭ ‬الحوش‭ ‬الواحي‭ ‬التقليدي‭ (‬الواجهة‭ ‬الأمامية‭ ‬للمدخل‭ ‬ومداخل‭ ‬الغرف‭ ‬والأبواب‭) ‬مثل‭ ‬اليد،‭ ‬الخمسة،‭ ‬الهلال‭ ‬والنجمة‭ ‬الخماسية26‭ ‬والحوتة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬مفتوح‭ ‬ثقافيا‭ ‬وغير‭ ‬مغلق‭ ‬على‭ ‬نفسه‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يراد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬طلب‭ ‬البركة‭ ‬وطرد‭ ‬العين‭ ‬والحسد‭. ‬والسمكة‭ ‬بما‭ ‬معناها‭ ‬التجدّد‭ ‬والخير‭ ‬والعيش‭ ‬الرغيد‭. ‬اإذا‭ ‬كانت‭ ‬السمكة‭ ‬في‭ ‬زوجين‭ ‬فهي‭ ‬ترمز‭ ‬للحياة‭ ‬والاقتران‭ ‬والخصب‭ ‬والألفةب27‭.‬

يتمثل‭ ‬هذا‭ ‬التشكيل‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬لسمكتين‭ ‬متقابلتين،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬ارتبطت‭ ‬السمكة‭ (‬الحوتة‭) ‬في‭ ‬المخيال‭ ‬والاعتقاد‭ ‬الشعبي‭ ‬بالخصوبة‭ ‬فان‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬من‭ ‬الباب‭ ‬الرئيسي‭ ‬للمسكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬يمثل‭ ‬أمنيات‭ ‬أصحابه‭ ‬بالبنين‭ ‬والبنات‭ ‬اوالعمار‭ ‬والثمارب‭. ‬

وبصرف‭ ‬النّظر‭ ‬عن‭ ‬الاختلافات‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬الأبواب‭ ‬التقليدية‭ ‬والّتي‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬بالصفة‭ ‬التراتبية‭ ‬للسكن‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬دلالته‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الطبقي‭ ‬لساكنيه،‭ ‬فانّه‭ ‬يلاحظ‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬الباب‭ ‬ووسمه‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬علامة‭ ‬المنزل‭ ‬وصورته،‭ ‬فهو‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬سواء‭ ‬اتّخذ‭ ‬هيئات‭ ‬إنشائية‭ ‬وزخرفية‭ ‬فاخرة،‭ ‬كالأفريز،‭ ‬أو‭ ‬بسيطة‭ (‬شريط‭ ‬لوني‭ ‬محيط‭ ‬بالباب‭). ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬السمكة‭ ‬الرمز‭ ‬الوحيد‭ ‬المعتمد‭ ‬لطرد‭ ‬العين‭ ‬الحاسدة‭ ‬على‭ ‬مداخل‭ ‬المساكن‭ ‬التقليدية،‭ ‬ففي‭ ‬توزر‭ ‬مثلا‭ ‬يستدعى‭ ‬قدر‭ ‬أسود‭ ‬من‭ ‬الطين‭ ‬المشوي‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬عروتين‭ ‬كان‭ ‬يوضع‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬البيوت‭ ‬للتطيّر‭ ‬والتصدّي‭ ‬للعين‭ ‬الحسودة‭ ‬يسمّى‭ ‬االبُونِيب‭.  ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الدويرات‭ (‬تطاوين‭) ‬وجدت‭ ‬بعض‭ ‬النقائش‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬النجمة‭ (‬النجمة‭ ‬الخماسية‭) ‬والهلال‭ ‬على‭ ‬مدخل‭ ‬الحوش‭. ‬

ولغاية‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي،‭ ‬تنشأ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬من‭ ‬الطوطم‭ ‬والتابو‭ (‬هما‭ ‬معتقدان‭ ‬سحريان‭) ‬مؤداها‭ ‬قانون‭ ‬التبجيل‭ ‬والتحريم‭. ‬وكلّ‭ ‬اعشيرةب‭ ‬ويقابلها‭ ‬طوطم‭ ‬يكون‭ ‬محط‭ ‬تحريم‭ ‬وتقديس‭ ‬ومعتقد‭ ‬سحري،‭ ‬وتكون‭ ‬التمثلات‭ ‬الرمزية‭ ‬كفيلة‭ ‬بطرد‭ ‬الأرواح‭ ‬الشريرة‭ ‬ومصدر‭ ‬إسعاده‭ ‬وتحقيق‭ ‬رغباته‭ ‬مثلا‭. ‬وذلك‭ ‬لظنّه‭ ‬أنه‭ ‬يسنده‭ ‬قدرة‭ ‬خارقة‭. ‬ونشاهد‭ ‬في‭ ‬تمزرط‭ ‬بعض‭ ‬الرّموز‭ ‬القديمة‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالسّكن،‭ ‬أشكالا‭ ‬رسمت‭ ‬ونقشت‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭ ‬والجدران‭ ‬لحماية‭ ‬المسكن‭ ‬وتحصينه‭.   

رسم‭ ‬الناس‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬منازلهم‭ ‬يدا‭ ‬مبسوطة‭ ‬الأصابع،‭ ‬وعلّقوا‭ ‬على‭ ‬صدور‭ ‬ابنائهم‭ ‬تعاويذ‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬كفّ‭ ‬من‭ ‬عاج‭ ‬أو‭ ‬معدن‭ ‬ثمين،‭ ‬درءا‭ ‬للشرّ‭ ‬وإصابة‭ ‬العين‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬رمز‭ ‬الكفّ‭ ‬ضدّ‭ ‬شرّ‭ ‬العين‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬تحت‭ ‬أسماء‭ ‬متعدّدة‭: ‬ايد‭ ‬الرّبّب‭ ‬وايد‭ ‬الإله‭ ‬بعلب‭ ‬في‭ ‬المسلات‭ ‬الفينيقية‭ ‬والقرطاجية‭. ‬وايد‭ ‬مريمب‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬الافريقي‭ ‬وبلاد‭ ‬المغرب،‭ ‬وعرف‭ ‬بـ‭ ‬اكف‭ ‬عائشةب‭ ‬أيضا28‭. ‬والخُمسة‭ ‬نسبة‭ ‬لعدد‭ ‬أصابع‭ ‬اليد‭ ‬الخمسة،‭ ‬إذ‭ ‬يقال‭ ‬اخمسة‭ ‬وخميسة‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬العدوب‭ ‬أو‭ ‬اخمسة‭ ‬وخميسة‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الحسودب‭ ‬أي‭ ‬اليد‭ ‬والأصابع‭ ‬مرفوعة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الأشرار‭. 

على‭ ‬اختلاف‭ ‬أشكالها،‭ ‬تمثّل‭ ‬الرموز‭ ‬المعلّمة‭ ‬طابعا‭ ‬فنيا‭ ‬متجانسا‭ ‬مع‭ ‬مكوّنات‭ ‬الزخرفة‭ ‬الحفرية‭ (‬الغائرة‭ ‬والناتئة‭) ‬والزخرفة‭ ‬المركبة‭ ‬بهذه‭ ‬الوحدات‭ ‬السكنيّة‭ ‬التي‭ ‬يطغى‭ ‬عليها‭ ‬الطابع‭ ‬العقدي‭. ‬فكلّ‭ ‬هذه‭ ‬الرموز‭ ‬التي‭ ‬تزيّن‭ ‬الباب‭ ‬وإطاره‭ ‬تعكس‭ ‬قيما‭ ‬ثابتة‭ ‬بالمجتمع‭ ‬الواحي‭ ‬بالجنوب‭ ‬التونسي،‭ ‬فيتحوّل‭ ‬الباب‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬لا‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬هوية‭ ‬متساكنيه‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬هوية‭ ‬مجتمع‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬معتقدات‭ ‬متوارثة‭.‬

رغبة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬الشر‭ ‬غير‭ ‬المعروفة،‭ ‬أو‭ ‬خلق‭ ‬حظ‭ ‬حسن‭ ‬لنفسه،‭ ‬قادته‭ ‬إلى‭ ‬ابتداع‭ ‬الخرافات‭ ‬الجالبة‭ ‬للحظ‭ ‬الجيد‭ ‬وأخرى‭ ‬للحظ‭ ‬السيئ‭. ‬حدوة‭ ‬الحصان‭ ‬يعتبر‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬الواسعة‭ ‬الانتشار،‭ ‬ويتصور‭ ‬من‭ ‬يضع‭ ‬حدوة‭ ‬حصان‭ ‬أعلى‭ ‬باب‭ ‬بيته،‭ ‬بقدرتها‭ ‬العجيبة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬الحسد،‭ ‬فهو‭ ‬يهدف‭ ‬أساساً‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬اهتمام‭ ‬الناظر‭ ‬قبل‭ ‬دخوله‭ ‬الدار‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬حسوداً،‭ ‬وبهذا‭ ‬يذهب‭ ‬حسده‭ ‬إلى‭ ‬الحدوة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستطيع‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬ساكني‭ ‬الدار‭.‬

لعلّ‭ ‬العلاقة‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬متساكني‭ ‬قرى‭/‬مدن‭ ‬الواحة‭ ‬بالرمز‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تهبه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬البقاء‭. ‬فمحاولات‭ ‬التعديل‭ ‬والتطوير‭ ‬التي‭ ‬تمرّ‭ ‬بها‭ ‬الرّموز‭ ‬كانت‭ ‬إحياءً‭ ‬مستمرا‭ ‬لها‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬والمعايشة‭ ‬المستمرّة‭ ‬للرمز‭.  ‬فالعناصر‭ ‬الخشبية‭ ‬المكمّلة‭ ‬لمباني‭ ‬الواحة‭ ‬فلا‭ ‬أثر‭ ‬للزخارف‭ ‬على‭ ‬الخشب‭ ‬المحلّي‭ ‬وذلك‭ ‬لاستحالة‭ ‬النقش‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬الخام‭ ‬وبالتالي‭ ‬انحصرت‭ ‬الرموز‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬أولى‭ ‬على‭ ‬الجدران‭ ‬أين‭ ‬كانت‭ ‬تطبق‭ ‬على‭ ‬الطين‭ ‬ثم‭ ‬ظهرت‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬الزخارف‭ ‬البسيطة‭ ‬على‭ ‬الأبواب‭ ‬وأطرها‭.‬

يُعدّ‭ ‬عنصر‭ ‬الباب‭ ‬أكثر‭ ‬الوحدات‭ ‬المعمارية‭ ‬المشحون‭ ‬دلالات‭ ‬رمزية،‭ ‬ففي‭ ‬المخيال‭ ‬الشعبي‭ ‬مثلا‭ ‬افإنّ‭ ‬الملائكة‭ ‬تسكن‭ ‬بالباب‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوز‭ ‬العتبة‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬بِسْمِ‭ ‬الله‭ ‬الرّحْمَانِ‭ ‬الرّحيمِ،‭ ‬فكأن‭ ‬الملائكة‭ ‬تحرس‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الداخلي‭ ‬الخاص‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬خارجي‭ ‬مليء‭ ‬بالشرّ‭ ‬والحسدب29،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬والتصوّرات‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬لهذا‭ ‬العنصر‭ ‬المعماري‭ ‬قيمته‭ ‬وتجعله‭ ‬مجال‭ ‬تفنّن‭ ‬ومركز‭ ‬اهتمام‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلّية‭.   

2‭ ) ‬شطحات‭ ‬المخيال‭ ‬الشعبي‭: ‬

أ‭ - ‬الصور‭: ‬

تجسّد‭ ‬مظاهر‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬المألوفة‭ ‬مثل‭ ‬أدوات‭ ‬الزراعة‭ ‬الرّحى‭ ‬التقليدية‭ ‬والمنجل‭ ‬والمعول‭ ‬والمذراة‭ ‬كما‭ ‬تجسّد‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات‭ ‬الحرفية‭ ‬كالحليّ‭ ‬والقلادة‭ ‬والخاتم‭ ‬والخلال‭ ‬المستعمل‭ ‬لشدّ‭ ‬أطراف‭ ‬مئزر‭ ‬المرأة‭ ‬المعروف‭ ‬بالملاءة‭ ‬االمليةب‭ ‬والسكين‭ ‬والخنجر،‭ ‬ومن‭ ‬عناصرها‭ ‬أيضا‭ ‬الألعاب‭ ‬الشعبية‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬لعبة‭ ‬االخربقةب‭ ‬والنباتات‭ ‬مثل‭ ‬النخل‭ ‬والحيوانات‭ ‬مثيلة‭ ‬الثعبان30‭ ‬والسلحفاة‭ ‬كذلك،‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العين‭ ‬واليد‭.‬

  ‬النخلة‭: ‬نقش‭ ‬رسمة‭ ‬النخلة‭ ‬يعطي‭ ‬نفس‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬المعنى‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الجلد‭ ‬مثل‭ ‬الوشم‭ ‬أو‭ ‬نقش‭ ‬زخرفي‭ ‬على‭ ‬الصخر‭ ‬أو‭ ‬الطين‭ ‬أو‭ ‬رقش‭ ‬على‭ ‬النسيج‭ ‬أو‭ ‬القماش‭.‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬السابقة‭ ‬رسم‭ ‬النخلة33‭ ‬في‭ ‬التصوّر‭ ‬الشعبي‭ ‬رمز‭ ‬قديم‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬الانتاج‭ ‬والوفرة،‭ ‬يعترضنا‭ ‬جذع‭ ‬وبعض‭ ‬الورقات‭ (‬تجريدي‭). ‬إنه‭ ‬اختصار‭ ‬لمعان‭ ‬قديمة،‭ ‬ومعتقدات‭ ‬شعبية‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرّمز‭ ‬يعني‭ ‬الازدهار‭ ‬والخصب‭. ‬يعتبر‭ ‬رسم‭ ‬النخلة‭ ‬تعويذة‭ ‬وفألا‭ ‬حسنا‭ ‬للشخص‭ ‬الذي‭ ‬يحمله،‭ ‬وذلك‭ ‬بأن‭ ‬يطيل‭ ‬في‭ ‬عمره‭ ‬ليصبح‭ ‬مثل‭ ‬عمر‭ ‬النخلة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النخلة‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬الأشجار‭ ‬التي‭ ‬تبذل‭ ‬ثمارها‭ ‬الكثيرة‭ ‬بأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ري‭ ‬أو‭ ‬رعاية‭ ‬خاصة‭. ‬وهناك‭ ‬اعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬النخلة‭ ‬أطول‭ ‬الأشجار‭ ‬التي‭ ‬تنبت‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عمرا‭ ‬ومن‭ ‬يرسمها‭ ‬على‭ ‬جسمه‭ ‬أو‭ ‬ملابسه‭ ‬فسيكون‭ ‬عنده‭ ‬صبر‭ ‬طويل‭ ‬واحتمال‭ ‬عجيب‭ ‬لكل‭ ‬الظروف‭ ‬وعمره‭ ‬يكون‭ ‬طويلا‭ ‬وله‭ ‬إنتاج‭ ‬من‭ ‬الذرية‭ ‬كثير‭. ‬وأجدادنا‭ ‬القدماء‭ ‬قدسوا‭ ‬النخلة‭ ‬لأنها‭ ‬ساعدتهم‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الطبيعة‭ ‬القاسية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬تفكير‭ ‬الأنسان‭ ‬محدودا‭ ‬والطبيعة‭ ‬تهدده‭ ‬باستمرار‭ ‬فكانت‭ ‬النخلة‭ ‬هي‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تبخل‭ ‬عن‭ ‬أبنائها‭ ‬بشيء‭ ‬فكل‭ ‬مقتنياتهم‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حياتهم‭ ‬منها‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬مصدر‭ ‬للغذاء‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعــب‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭.‬

  ‬الرّمان‭: ‬يستخدم‭ ‬رمز‭ (‬حب‭ ‬الرمان‭) ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬ويطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬الحجاب،‭ ‬ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬ثمار‭ ‬الرمان‭ ‬التي‭ ‬يرجّح‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬ترمز‭ ‬لسيدة‭ ‬الخصب‭ ‬تانيت‭.‬

  ‬السلحفاة‭: ‬ترمز‭ ‬للكسل‭ ‬والبطء‭. ‬

  ‬السمكة‭: ‬ايعدّ‭ ‬الحوت‭ ‬في‭ ‬أبعاده‭ ‬الرمزية‭ ‬رمزا‭ ‬للبركة‭ ‬والتكاثر،‭ ‬يعني‭ ‬الحياة‭ ‬والخصب‭ ‬نظرا‭ ‬لقدرة‭ ‬السمكة‭ (‬الحوتة‭) ‬الفائقة‭ ‬على‭ ‬البيض‭. ‬وفي‭ ‬مخيالنا‭ ‬الشعبي‭ ‬فإن‭ ‬الأسماك‭ ‬تتواجد‭ ‬ذكورا‭ ‬وإناثا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنهما‭ ‬يرمزان‭ ‬للاقتران‭ ‬والألفة‭ ‬والتكاثر‭ ‬والتزواجب34‭. ‬فالسمكة‭ ‬رمز‭ ‬التكاثر،‭ ‬رمز‭ ‬قديم‭ ‬يعني‭ ‬التجدد‭ ‬والخير‭ ‬والعيش‭ ‬الرغيد‭ ‬وترمز‭ ‬لسعة‭ ‬الرزق‭ ‬وجلب‭ ‬الحظ‭ ‬والخصوبة‭. ‬والسمكة‭ ‬رمز‭ ‬للتجديد‭ ‬والأدلة‭ ‬في‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬قاطعة،‭ ‬ففي‭ ‬الأساطير‭ ‬العربية‭ ‬والحضارات‭ ‬السامية‭ ‬وفي‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬السماوية،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬هذا‭ ‬المخلوق‭ ‬على‭ ‬الانبعاث‭. ‬والسمكة‭ ‬في‭ ‬موروثنا‭ ‬الشعبي‭ ‬طاردة‭ ‬للأعين‭ ‬الحاسدة،‭ ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬برسمها‭ ‬على‭ ‬واجهة‭ ‬الدار‭ ‬حمايته‭ ‬من‭ ‬أعين‭ ‬الحاسدين‭.‬

ب‭ - ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬والزخرفية‭:‬

تمثل‭ ‬السجلّ‭ ‬الطاغي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرسوم‭ ‬حيث‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬المثلث‭ ‬والمعينات‭ ‬والمربع‭ ‬وخطوط‭ ‬منحنية‭ ‬ومنكسرة‭ ‬ونقاط‭ ‬متعامدة‭ ‬أو‭ ‬متقاطعة‭ ‬ونجوم‭ ‬خماسية‭ ‬أو‭ ‬سداسية‭ ‬ذات‭ ‬خطوط‭ ‬مستقيمة‭. ‬وقد‭ ‬رسمت‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ (‬المثلث‭ ‬والمربع‭ ‬والدائرة‭) ‬متداخلة‭ ‬ومتفرّعة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬دلالات‭ ‬رمزية‭ ‬نجدها‭ ‬بكثرة‭ ‬في‭ ‬الوشم‭ ‬والسجاد‭ ‬والحصير‭.‬

ويتجلّى‭ ‬الرمز‭ ‬نقشا‭ ‬وحفرا‭ ‬ونحتا‭ ‬ورسما،‭ ‬أشكالا‭ ‬هندسية،‭ ‬نقطا،‭ ‬خطوطا‭ ‬منكسرة‭ ‬أو‭ ‬مستقيمة‭ ‬أو‭ ‬متعرجة،‭ ‬هيئات‭ ‬هندسية‭ ‬تجريدية‭. ‬نزعة‭ ‬زخرفية‭ ‬تنحو‭ ‬إلى‭ ‬التجريد‭. ‬تختلف‭ ‬التقنيات‭ ‬والأساليب‭ ‬بتنوّع‭ ‬المحامل‭. ‬وينتج‭ ‬الأثر‭ ‬وليد‭ ‬ذاتية‭ ‬صانعة،‭ ‬والعناصر‭ ‬المادية‭ ‬المكوّنة‭ ‬له‭. ‬ففي‭ ‬سكن‭ ‬الغار‭ ‬مثلا‭ ‬يُطوّر‭ ‬النحت‭ ‬بأسلوب‭ ‬التشكيل‭ ‬تقنية‭ ‬ونتاجا‭. ‬وهو‭ ‬عكس‭ ‬النحت‭ ‬بالحفر‭. ‬يعتمد‭ ‬الحذف‭ ‬والاضافة،‭ ‬لخامات‭ ‬متنوعة‭ ‬مأخوذة‭ ‬من‭ ‬محيطه‭ ‬الخاص،‭ ‬فهذا‭ ‬الاسلوب‭ ‬قوامه‭ ‬اختلاف‭ ‬الوسائط‭ ‬وتنوعها،‭ ‬وتداخل‭ ‬التقنيات؛‭ ‬حفر،‭ ‬نقش،‭ ‬رسم،‭ ‬صباغة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ذات‭ ‬الشيء‭. ‬هو‭ ‬معيار‭ ‬جمالي‭ ‬قوامه‭ ‬أن‭ ‬التشكيل‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الشكل‭. ‬وهذا‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬ما‭ ‬أوجده‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬من‭ ‬أدوات،‭ (‬الفؤوس‭ ‬والمعاول‭ ‬والمناجل‭ ‬والفخاخ‭ ‬وغيرها‭)‬،‭ ‬زاخرة‭ ‬بالنقوش‭ ‬والرموز‭. ‬وقد‭ ‬امتلكت‭ ‬قيما‭ ‬جمالية،‭ ‬وعبرت‭ ‬على‭ ‬حسّ‭ ‬صانعها‭ ‬الفنّي‭.    

وفي‭ ‬ترتيب‭ ‬المنازل‭ ‬وتزيينها،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬البربر‭ ‬ايعتبرون‭ ‬الفنّ‭ ‬ظاهرة‭ ‬اعتيادية‭ ‬للحياة‭ ‬لا‭ ‬متعة‭ ‬للنخبة‭. ‬وكانوا‭ ‬لا‭ ‬يزخرفون‭ ‬إلاّ‭ ‬الأثاث‭ ‬المستعمل‭. ‬والمرأة‭ ‬فنانة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تزخرف‭ ‬آنية‭ ‬الخزف‭ ‬أو‭ ‬تنسج‭ ‬الزرابي‭. ‬ولا‭ ‬يستمدّ‭ ‬الفنّ‭ ‬البربري‭ ‬نماذجه‭ ‬من‭ ‬الطبيعة،‭ ‬بل‭ ‬يتعلّق‭ ‬بالزيتة‭ ‬ذات‭ ‬الأشكال‭ ‬الهندسية‭ ‬ولا‭ ‬يستعمل‭ ‬الخطوط‭ ‬المنحنية‭ ‬إلا‭ ‬نادرا‭ ‬وبدون‭ ‬براعة‭ ‬اوهذا‭ ‬الفنب‭ ‬الهندسي‭ ‬الرتيب‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬والذي‭ ‬ربما‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬ما‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬تطوّر‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬عصور‭ ‬قديمة‭ ‬جدا‭. ‬وهو‭ ‬يتّصف‭ ‬بحيوية‭. ‬وبقيت‭ ‬الفنون‭ ‬كالأدوات‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭. ‬ولعلّ‭ ‬النساء‭ ‬هن‭ ‬اللاتي‭ ‬حافظن‭ ‬على‭ ‬تقاليد‭ ‬الفن‭ ‬المنزلي‭ ‬العريقة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬عليها‭ ‬الاضطرابات‭ ‬والغزواتب36‭.‬

هناك‭ ‬أشكال‭ ‬طبيعية‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬مجرّدة،‭ ‬ويزداد‭ ‬تجريدها‭ ‬إلى‭ ‬الحدّ‭ ‬الذي‭ ‬يتعذر‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أصل‭ ‬تلك‭ ‬الرموز‭. ‬فرمز‭ ‬العين‭ ‬الواقية‭ ‬مثلا‭ ‬اتخذ‭ ‬شكل‭ ‬الخطوط‭ ‬المنكسرة‭ ‬واستخدم‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬والمصاغ‭ ‬والمشغولات‭ ‬الخشبية‭. ‬واتخذ‭ ‬شكل‭ ‬المربّعين‭ ‬المتقاطعين،‭ ‬وشكل‭ ‬المثلث‭ ‬أحيانا‭. ‬

توحي‭ ‬الخطوط‭ ‬الرأسية‭ ‬بالثبات،‭ ‬وباتجاه‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬إلى‭ ‬أسفل،‭ ‬وسبب‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬العين‭ ‬تتبع‭ ‬اتجاه‭ ‬الثقل‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬الخط‭ ‬حيث‭ ‬تبذل‭ ‬مجهوداً‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المجهود‭ ‬اللازم‭ ‬لقراءة‭ ‬خط‭ ‬بحركة‭ ‬صاعدة‭ ‬وبنفس‭ ‬الطول‭. ‬إن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الجاذبية‭ ‬الأرضية‭ ‬هي‭ ‬إذن‭ -‬بالنسبة‭ ‬لإحساسنا‭-‬الحركة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وكل‭ ‬حركة‭ ‬مضادة‭ ‬تتطلب‭ ‬مجهودا‭ ‬أكبر‭ ‬حتى‭ ‬تتحقق،‭ ‬فصعود‭ ‬مستوى‭ ‬مائل‭ ‬أكثر‭ ‬مشقة‭ ‬من‭ ‬نزوله‭.‬

رموز‭ ‬ورسوم‭ ‬وزخارف‭ ‬تتناقلها‭ ‬الأجيال‭ ‬عبر‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭. ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬هي‭ ‬حافظة‭ ‬التراث‭ ‬وقد‭ ‬وصفها‭ ‬بول‭ ‬روبرت‭ ‬ابأنها‭ ‬الملكة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬وتحفظ‭ ‬المدركات‭ ‬الماضية‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭. ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬يخزن‭ ‬ذاكرة‭ ‬الماضيب37‭.  ‬فالرمز‭ ‬هو‭ ‬الاشارة‭ ‬الصادقة‭ ‬التي‭ ‬توضح‭ ‬تاريخية‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬ومعانيه‭. ‬لنستنتج‭ ‬من‭ ‬عرضنا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬المتناقلة‭ -‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬محاملها‭-‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدّد‭ ‬قيمة‭ ‬الرّمز‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬الماديّة‭ ‬معنى‭ ‬معينا‭ ‬فتصبح‭ ‬رموزا‭.‬

ج‭ - ‬الرّموز‭ ‬اللّونية‭:‬

يعدّ‭ ‬اللّون‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الخصائص‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬هاما‭ ‬في‭ ‬الادراك‭ ‬البصري‭ ‬لما‭ ‬يصاحبها‭ ‬من‭ ‬مؤثرات‭ ‬مختلفة‭. ‬فاللّون‭ ‬وكما‭ ‬يشير‭ ‬Porter‭ ‬ايستخدم‭ ‬باستخدامين‭ ‬الأول‭ ‬الرمزي‭ ‬ويقول‭ ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬اللون‭ ‬أولا‭ ‬ليعطينا‭ ‬انطباعا‭ ‬عن‭ ‬الشكل،‭ ‬أو‭ ‬تعبيرا‭ ‬عنه‭. ‬والثاني‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتكامل‭ ‬الجيّد‭ ‬لبناء‭ ‬الشكلب38‭. ‬فيمكن‭ ‬للون‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬تعبير‭ ‬رمزي‭ ‬لمختلف‭ ‬الأغراض‭ ‬الحياتية‭ ‬أو‭ ‬الفنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعواطف‭ ‬الانسان‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬وكراهية‭ ‬وطموح‭ ‬وأمل‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬النوازع‭ ‬الغريزية‭ ‬والعقلية‭. ‬

يتضمن‭ ‬الرمز‭ ‬المعنى‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الشارة،‭ ‬والمعنى‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬متى‭ ‬كان‭ ‬مفهوماً‭. ‬ففكرة‭ ‬الاتصال‭ ‬متوفرة‭ ‬في‭ ‬مدلول‭ ‬المعنى‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬ارتباط‭ ‬وجود‭ ‬الإنسان‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بالرمز‭ ‬والرمزية‭. ‬المبنى‭ ‬بغلافه‭ ‬الخارجي‭ ‬وفراغاته‭ ‬الداخلية‭ ‬وسيلة‭ ‬مهمة‭ ‬لإشباع‭ ‬حاجة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الغير‭ ‬ونقل‭ ‬المعلومات‭. ‬فمُنظّر‭ ‬الفضاء‭ ‬السكني‭ ‬يعلق‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الرمزية،‭ ‬وهو‭ ‬باستمرار‭ ‬يستخدم‭ ‬رموزاً‭ ‬مختلفة‭ ‬ومفردات‭ ‬معمارية‭ ‬مميزة‭. ‬

يعدّ‭ ‬الشكل‭ ‬الهندسي‭ ‬العام‭ ‬للمبنى‭ ‬أو‭ ‬المخطط‭ ‬وتشكيل‭ ‬الفراغات‭ ‬ودرجة‭ ‬البساطة‭ ‬أو‭ ‬التعقيد‭ ‬وكتلة‭ ‬المبنى‭ ‬ونوعية‭ ‬المواد‭ ‬المستخدمة‭ ‬والألوان‭ ‬عناصر‭ ‬معمارية‭ ‬غنية‭ ‬بالرموز‭. ‬مفردات‭ ‬معمارية‭ ‬كالأعمدة،‭ ‬الحوائط،‭ ‬الأقبية‭ ‬والقباب،‭ ‬الزخارف‭ ‬والفتحات،‭ ‬النقوش‭ ‬المختلفة‭ ‬والمنتشرة‭ ‬في‭ ‬أركان‭ ‬المسكن‭ ‬لإثراء‭ ‬المدلول‭ ‬الرمزي‭. ‬

 

الخاتمة

لضمان‭ ‬عمارة‭ ‬ذات‭ ‬مضامين‭ ‬رمزية‭ ‬معبرة،‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬للسّعي‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬اقتراح‭ ‬تصاميم‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬البيئة،‭ ‬ذات‭ ‬هوية‭ ‬مميزة‭ ‬ومستخدمة‭ ‬لمفردات‭ ‬معمارية‭ ‬مقروءة‭. ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬المعماري‭ ‬وارتباطه‭ ‬بالمحيط‭. ‬

‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬رؤية‭ ‬العمارة‭ ‬كانعكاس‭ ‬لفكر‭ ‬فردي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تشير‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬الدلائل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العمارة‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬اجتماعي‭ ‬جماعي‭. ‬يمكن‭ ‬رؤية‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ثراء‭ ‬القيم‭ ‬المعمارية‭ ‬للمدن‭ ‬المحلية‭.‬تعمارة‭ ‬الواحة‭ ‬شكّلت‭ ‬مثالاً‭ ‬صادقاً‭ ‬عن‭ ‬غنى‭ ‬العمارة‭ ‬كنتاج‭ ‬حضاري‭ ‬جماعي‭. ‬النظرة‭ ‬لهذا‭ ‬الإرث‭ ‬تتخطى‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬والتباكي‭ ‬عليه،‭ ‬إلى‭ ‬التمعن‭ ‬فيه‭ ‬برؤى‭ ‬واقعية‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬عزلت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المصممين‭ ‬عن‭ ‬البيئة‭ ‬الموجودين‭ ‬بها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬

بهذا‭ ‬فالوجه‭ ‬المعماري‭ ‬للسكن‭ ‬لا‭ ‬يمثّل‭ ‬سوى‭ ‬الجزء‭ ‬الظاهر‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬المادية‭ ‬والوظيفية‭ ‬والرمزية‭ ‬منظورا‭ ‬إليها‭ ‬كوحدة‭ ‬تخضع،‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬أشدّ‭ ‬عناصرها‭ ‬بساطة‭ ‬وبداهة،‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬رمزي‭ ‬يعطي‭ ‬لها‭ ‬معنى،‭ ‬لذا‭ ‬افالسلوك‭ ‬نفسه‭ ‬رمزب39‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬حدّ‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬التمثّل‭ ‬الصامت،‭ ‬والسكن‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المجتمع‭ ‬التقليدي‭ ‬هو‭ ‬حقل‭ ‬من‭ ‬السلوكات‭ ‬الرمزية‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬وتتوالد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬متنام‭ ‬متواز‭ ‬مع‭ ‬بناء‭ ‬المنزل‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬التأسيس‭.‬