اللغة العدد
التنظيمات الحرفية التقليدية من منظور مقاربة النوع الاجتماعي
التنظيمات الحرفية التقليدية من منظور مقاربة النوع الاجتماعي
العدد 45 - ثقافة مادية

أ‭ . ‬يوسف‭ ‬بواتاون‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

 

مــقــدمــة

تحتل‭ ‬مقاربة‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وكذا‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬الصدارة‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬أولى‭ ‬أولويات‭ ‬الدول‭ ‬والحكومات‭ ‬والمجتمعات‭ ‬والأفراد‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬حجم‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والحضاري‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬البشرية،‭ ‬اتسع‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬استحضار‭ ‬البعد‭ ‬التحليلي‭ ‬لسوسيولوجيا‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للإحاطة‭ ‬بعالم‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬كمحدد‭ ‬وعامل‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬التنظيمات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬خاصة‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية‭ ‬التقليدية‭ ‬موضوع‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬اعترافا‭ ‬متزايدا‭ ‬بالدور‭ ‬الهام‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مجتمعها،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التنمية‭ ‬ومصير‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتقدمها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬المرأة‭ ‬ومختلف‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬حجر‭ ‬عثرة‭ ‬أمام‭ ‬تقدمها‭ ‬ومشاركتها‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬مختلف‭ ‬المواثيق‭ ‬والمعاهدات‭ ‬والمؤتمرات‭ ‬الدولية،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬واتفاقية‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬التمييز‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ (‬1979‭)‬،‭ ‬مرورا‭ ‬ببرنامج‭ ‬عمل‭ ‬فيينا‭ (‬1993‭) ‬والمؤتمر‭ ‬الدولي‭ ‬الرابع‭ ‬المنعقد‭ ‬في‭ ‬بيكين‭ (‬1995‭)‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المعاهدات‭ ‬والمؤتمرات‭ ‬التي‭ ‬شكلت،‭ ‬ولا‭ ‬زالت‭ ‬تشكل،‭ ‬مرجعا‭ ‬للحكومات‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬وغير‭ ‬الحكومية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬النهوض‭ ‬بأوضاع‭ ‬المرأة‭ ‬وإزالة‭ ‬مختلف‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬مسألة‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

لكن،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬لازال‭ ‬التمييز‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬وعدم‭ ‬المساواة،‭ ‬متأصلا‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬والبنيات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أهمها،‭ ‬ذلك‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬والثقافي‭ -‬السلبي‭- ‬الذي‭ ‬يكرس‭ ‬المركزية‭ ‬الذكورية‭ ‬ويرسخ‭ ‬تبعية‭ ‬المرأة‭ ‬للرجل‭ ‬ويحصر‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬محدد،‭ ‬ومتأصلا‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬مقاربة‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حديثة‭ ‬العهد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستعمال‭ ‬الأكاديمي‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬المغرب،‭ ‬ومتأصلا‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني،‭ ‬حيث‭ ‬تغيب‭ ‬التشريعات‭ ‬المناسبة‭ ‬والفعالة‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬والتمييز‭ ‬ضد‭ ‬النساء،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تزايد‭ ‬مطالب‭ ‬الحركة‭ ‬النسائية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحماية‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬ومختلف‭ ‬أشكال‭ ‬التمييز‭ ‬وتنظيم‭ ‬مسيرات‭ ‬احتجاجية‭ ‬لإيصال‭ ‬صوت‭ ‬المرأة‭ ‬المغربية‭ ‬الرافض‭ ‬للذل‭ ‬والمطالب‭ ‬بتفعيل‭ ‬وأجرأة‭ ‬مقتضيات‭ ‬الفصل‭ ‬19‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتفعيل‭ ‬المناصفة‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬والرجال‭.‬

في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬المشاركة‭ ‬بهذا‭ ‬المقال،‭ ‬الذي‭ ‬حاولنا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تقديم‭ ‬فهم‭ ‬صحيح‭ ‬حول‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لرصد‭ ‬مختلف‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬تمكين‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬إبراز‭ ‬قدراتهن‭ -‬المعطلة‭- ‬ودورهن‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬بالمغرب‭ ‬وتحقيق‭ ‬استقلاليتهن،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬إشكالية‭ ‬التوزيع‭ ‬الجنسي‭ ‬للعمل‭ ‬الحرفي‭ ‬الذي‭ ‬برز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬عالم‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬حاولنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحقيق‭ ‬الميداني‭ ‬تحليل‭ ‬ودراسة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬سلطة‭ ‬الرجل‭ ‬داخل‭ ‬التنظيم‭ ‬الحرفي‭ ‬التي‭ ‬تبعد‭ ‬المرأة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬التزام‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬الجماعة‭ ‬الحرفية‭ ‬ولا‭ ‬تترك‭ ‬لها‭ ‬مجالا‭ ‬للإبداع،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬سلطة‭ ‬المرأة‭ ‬المستعادة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ولوجها‭ ‬واختراقها‭ ‬لبعض‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجل،‭ ‬حيث‭ ‬استطاعت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحرفيات‭ ‬إبراز‭ ‬وجودهن‭ ‬وقدرتهن‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بكفاءة،‭ ‬واستطعن‭ ‬أيضا‭ ‬احتواء‭ ‬الثقافة‭ ‬الذكورية‭ ‬والتمييز‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمهني‭ ‬الذي‭ ‬يمارس‭ ‬في‭ ‬حقهن،‭ ‬ورفض‭ ‬النمطية‭ ‬والتقليد‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ينبني‭ ‬على‭ ‬العدل‭ ‬والإنصاف‭ ‬والمساواة‭ ‬لكلا‭ ‬الجنسين‭.‬

 

إشـكـالـيـة‭ ‬الـدراســة‭ ‬

وأهـمـيـتـهـا‭ ‬الـتـطـبـيـقـيـة

يؤكد‭ ‬الطرح‭ ‬الإشكالي‭ ‬الذي‭ ‬يؤطر‭ ‬هذا‭ ‬البحث،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬دراسة‭ ‬التنظيم‭ ‬الحرفي‭ ‬التقليدي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كفضاء‭ ‬للإنتاج‭ ‬والعمل‭ ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات،‭ ‬بل‭ ‬كوسط‭ ‬اجتماعي‭ ‬وكواقع‭ ‬تنظيمي‭ ‬له‭ ‬خصوصياته‭ ‬ومحدداته‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬بفعل‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وبفعل‭ ‬مختلف‭ ‬التحولات‭ ‬السوسيو‭- ‬مجالية‭ ‬وكذا‭ ‬ديناميكيات‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬أحدثت،‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التغيرات‭ ‬البنيوية‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬الحرف،‭ ‬تمثلت‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬ولوج‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الرجال‭ ‬فقط‭ ‬كحرفة‭ ‬النحاس‭ ‬والخزف‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬ركزت‭ ‬إشكالية‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬الفصل‭ ‬المهني‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬داخل‭ ‬الحرفة،‭ ‬ودراسة‭ ‬التوزيع‭ ‬الجنسي‭ ‬للعمل‭ ‬الحرفي‭ ‬الذي‭ ‬برز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬عالم‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬وذلك‭ ‬باعتمادنا‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نسبيا‭ ‬حديثة‭ ‬العهد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستعمال‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والبحثي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬خصوصا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموضوع‭ ‬البحث‭ ‬المقترح،‭ ‬والتي‭ ‬مكنتنا‭ ‬من‭ ‬الإحاطة‭ ‬بعالم‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬كمحدد‭ ‬وعامل‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬التنظيم‭ ‬الحرفي،‭  ‬ومن‭ ‬فهم‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬ومختلف‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬النساء‭ ‬العاملات‭ ‬في‭ ‬حرف‭ ‬توصف‭ ‬بالذكورية،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬التمييزية‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬في‭ ‬حقهن‭ ‬وأيضا‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬المجتمع‭ ‬البطريركية‭/‬الأبوية‭ (‬Patriarcat‭).‬

في‭ ‬ذات‭ ‬السياق،‭ ‬حاولنا‭ ‬طرح‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬التي‭ ‬تترجم‭ ‬إشكالية‭ ‬البحث‭ ‬وتعكس‭ ‬توجهاته‭ ‬الفكرية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬وهي‭ ‬كالتالي‭:‬

  ‬ماهي‭ ‬الأسباب‭ ‬والدوافع‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الرجال؟

  ‬ماهي‭ ‬المعوقات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬أثناء‭ ‬عملهن‭ ‬في‭ ‬حرف‭ ‬تصنف‭ ‬تقليديا‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬اختصاص‭ ‬الرجال؟

  ‬ماهي‭ ‬تصورات‭ ‬الحرفيات‭ ‬حول‭ ‬عملهن‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬مهام‭ ‬العمل‭ ‬الذكوري؟

  ‬هل‭ ‬تتعرض‭ ‬النساء‭ ‬العاملات‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الحرف‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬وإلى‭ ‬تقسيم‭ ‬غير‭ ‬عادل‭ ‬للأدوار؟

كل‭ ‬هذه‭ ‬التساؤلات،‭ ‬نطمح‭ ‬إلى‭ ‬الإجابة‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراستنا‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬حاولنا‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬توخي‭ ‬الموضوعية‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬أنماط‭ ‬التفكير‭ ‬الجاهزة‭ ‬والأحكام‭ ‬المتسرعة‭ ‬والقيمية،‭ ‬بهدف‭ ‬إبراز‭ ‬تحدي‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬اتجاهات‭ ‬وأنماط‭ ‬مهنية‭ ‬جديدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الفهم‭ ‬التقليدي‭ ‬للأدوار‭ ‬الجنسية‭ ‬الذي‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬يقيد‭ ‬اختياراتهن‭ ‬الوظيفية،‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الذكورية‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬التقليدي،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تشخيص‭ ‬دقيق‭ ‬وموضوعي‭ ‬لواقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬وكشف‭ ‬تحديات‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفية‭ ‬ومختلف‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬وسبل‭ ‬تجاوزها،‭ ‬مع‭ ‬إبراز‭ ‬مستقبل‭ ‬الحرفيات‭ ‬وأهمية‭ ‬إشراكهن‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬والمشاريع‭ ‬الخاصة‭ ‬بقطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬وقدرتهن‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭.‬

الإطـــــار‭ ‬الـــمـفـــاهــيـمـي‭ ‬للــدراســة

تعتبر‭ ‬عملية‭ ‬تحديد‭ ‬المصطلحات‭ ‬والمفاهيم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الخطوات‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬مضمون‭ ‬الدراسة‭ ‬وبنائها‭ ‬الفكري‭ ‬والمنهجي،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬أهم‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬التي‭ ‬ينبني‭ ‬عليها‭ ‬موضوعنا،‭ ‬وتحديدها‭ ‬تحديدا‭ ‬إجرائيا‭ ‬دقيقا‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬فهم‭ ‬مختلف‭ ‬أهداف‭ ‬وأبعاد‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭.‬

تماشيا‭ ‬مع‭ ‬الطرح‭ ‬الإشكالي‭ ‬السابق،‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬مفهومين‭ ‬رئيسيين‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬البحث،‭ ‬وهما‭ ‬كالآتي‭:‬

  ‬مفهوم‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭: ‬إن‭ ‬ضعف‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬بهذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬يؤكد‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬لازلنا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬لإبراز‭ ‬خصوصياته‭ ‬وأهميته‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬ودراسة‭ ‬مختلف‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاختلافات‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

لذلك،‭ ‬اعتمدنا‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬داخل‭ ‬بحثنا‭ ‬كأداة‭ ‬تحليلية،‭ ‬لفهم‭ ‬أدوار‭ ‬وإمكانيات‭ ‬وحقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين،‭ ‬وأيضا‭ ‬لكشف‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بينهما‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬ومدى‭ ‬إدماج‭ ‬النوع‭ ‬في‭ ‬الأوراش‭ ‬والمخططات‭ ‬والمشاريع‭ ‬الخاصة‭ ‬بمجال‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية؛

  ‬مـفهوم‭ ‬العـمل‭ ‬الحـرفي‭: ‬تحديد‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬داخل‭ ‬البحث‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تصور‭ ‬واضح‭ ‬وموضوعي‭ ‬حول‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬والوقوف‭ ‬عند‭ ‬مختلف‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬انقسمت‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬اعتبره‭ ‬أصل‭ ‬بؤس‭ ‬الإنسان‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬اعتبره‭ ‬خاصية‭ ‬اجتماعية‭ ‬وشرط‭ ‬أولي‭ ‬للوجود‭ ‬الإنساني‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬مكننا‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬إجرائي‭ ‬للعمل‭ ‬الحرفي‭ ‬الذي‭ ‬لاحظنا‭ ‬أنه‭ ‬يعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬على‭ ‬الأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬المتوارثة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬عند‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬يسعين‭ ‬لإثبات‭ ‬عدم‭ ‬صحة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬والتصورات‭ ‬النمطية‭ ‬ضدهن،‭ ‬وممارسة‭ ‬عملهن‭ ‬الحرفي‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الأفكار‭ ‬المسبقة‭ ‬المتحيزة‭ ‬ضد‭ ‬النساء‭ ‬حول‭ ‬عجزهن‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭.‬

مفهوم‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي

يحيل‭ ‬مفهوم‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬االتصنيف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وترتيبه‭ ‬للمذكر‭ ‬والمؤنثب1،‭ ‬باعتباره‭ ‬معطى‭ ‬ثقافيا‭ ‬الغرض‭ ‬منه‭ ‬تجاوز‭ ‬مختلف‭ ‬التصورات‭ ‬والتمثلات‭ ‬النمطية‭ ‬التقليدية‭ ‬حول‭ ‬الجنسين،‭ ‬وتجاوز‭ ‬الاختلافات‭ ‬البيولوجية‭ ‬التي‭ ‬حددتها‭ ‬الطبيعة‭.‬

وقد‭ ‬جاء‭ ‬تعريف‭ ‬صندوق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬للمرأة‭ (‬UNIFEM‭) ‬للنوع‭ ‬الاجتماعي‭ (‬الجندر‭) ‬كما‭ ‬يلي‭: ‬ايشير‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬إلى‭ ‬الأدوات‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬يحددها‭ ‬المجتمع‭ ‬للمرأة‭ ‬والرجل‭. ‬ويعني‭ (‬الجندر‭)‬،‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬ينظر‭ ‬لها‭ ‬المجتمع‭ ‬إلينا‭ ‬كنساء‭ ‬ورجال،‭ ‬والأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬يتوقعه‭ ‬في‭ ‬تفكيرنا‭/‬تصرفاتنا‭ ‬ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬تنظيم‭ ‬المجتمع،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬الاختلافات‭ ‬البيولوجية‭ (‬الجنسية‭) ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأةب2‭.‬

انطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التعريف،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬النوع‭ ‬لا‭ ‬يتحدد‭ ‬بالجنس‭ ‬وإنما‭ ‬بثقافة‭ ‬المجتمع،‭ ‬بحيث‭ ‬تبنى‭ ‬هوية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬انطلاقا‭ ‬مما‭ ‬يتعارف‭ ‬عليه‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬وأعراف‭ ‬وتمثلات‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬لآخر‭ ‬ومن‭ ‬ثقافة‭ ‬لأخرى‭. ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الأنتروبولوجية3،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬علاقات‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وهويته‭ ‬ومختلف‭ ‬القوالب‭ ‬النمطية‭ ‬التقليدية‭ ‬لخصائص‭ ‬وسمات‭ ‬الأنوثة‭ ‬والذكورة،‭ ‬ليست‭ ‬كونية‭ ‬أو‭ ‬فطرية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بالأساس‭ ‬نتاج‭ ‬للتنشئة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وللتكيف‭ ‬الثقافي‭ ‬مع‭ ‬أعراف‭ ‬وعادات‭ ‬المجتمع4‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬أكد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأكاديميين‭ ‬والأكاديميات‭ ‬والمفكرات‭ ‬النسويات،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬استخدام‭ ‬مفهوم‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كأداة‭ ‬تحليلية‭ ‬وتطبيقية‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬مختلف‭ ‬القضايا،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بقضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬المتوارثة‭ ‬والتصورات‭ ‬التقليدية‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتقسيم‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحرير‭ ‬عقول‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬القوالب‭ ‬النمطية‭ ‬السلبية‭ ‬وإعادة‭ ‬تحريرها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬صياغة‭ ‬سياسات‭ ‬جديدة،‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬أهمية‭ ‬تعزيز‭ ‬مبادئ‭ ‬وقيم‭ ‬المساواة‭ ‬النوعية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل،‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬مفاهيم‭ ‬جديدة‭ ‬ومتوازنة‭ ‬حول‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمرأة‭ ‬والرجل‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬تزايد‭ ‬الاهتمام‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬بدور‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تراث‭ ‬وخصوصيات‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية،‭ ‬وأصبح‭ ‬الاهتمام‭ ‬بدورهن‭ ‬وإشراكهن‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المشاريع‭ ‬والسياسات‭ ‬العمومية‭ ‬مطلبا‭ ‬ضروريا‭ ‬يقضي‭ ‬بإدراج‭ ‬بعد‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الإصلاح‭ ‬الشامل‭ ‬لميزانية‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الاهتمام‭ ‬الخاص‭ ‬بمسائل‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يرسخ‭ ‬حالات‭ ‬اللامساواة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬والرجال،‭ ‬وأن‭ ‬يساهم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬حالات‭ ‬التفاوت‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬المنحى،‭ ‬قامت‭ ‬وزارة‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتضامني‭ ‬بالمغرب،‭ ‬بإعداد‭ ‬برامج‭ ‬ومشاريع‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬والإنصاف‭ ‬بين‭ ‬الحرفيين‭ ‬والحرفيات‭ (‬إنشاء‭ ‬تعاونيات‭ ‬نسوية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭/ ‬التكوين‭ ‬لفائدة‭ ‬النساء‭/ ‬خلق‭ ‬دار‭ ‬الصانعة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تثمين‭ ‬حضور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬ومنحها‭ ‬فضاء‭ ‬ملائما‭ ‬للإنتاج‭ ‬والعرض‭ ‬والتسويق‭ ‬والتكوين،‭...)‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تخصيصها‭ ‬ميزانية‭ ‬للنوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قصد‭ ‬تكريس‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭ ‬للإنفاق‭ ‬العمومي‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وعلى‭ ‬منطق‭ ‬النتائج‭ ‬والنجاعة‭ ‬والمسائلة‭.‬

لكن،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المجهودات‭ ‬المبذولة،‭ ‬تبقى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬مطروحة‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬إدماج‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬كمقاربة‭ ‬أساسية‭ ‬للنهوض‭ ‬بأوضاع‭ ‬الحرفيات‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية،‭ ‬أهمها‭:‬

  ‬ما‭ ‬مدى‭ ‬استفادة‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬البرامج‭ ‬والأوراش‭ ‬والسياسات‭ ‬الحكومية‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية؟

  ‬ما‭ ‬هي‭ ‬المكانة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمرأة‭ ‬الحرفية‭ ‬داخل‭ ‬أوراش‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتحديث؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬درجة‭ ‬حضورها،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التخطيط‭ ‬والبرمجة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التطبيق‭ ‬وتنفيذ‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية؟

  ‬وأخيرا،‭ ‬كيف‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين؟‭ ‬وإلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬تم‭ ‬بلوغ‭ ‬درجات‭ ‬الإنصاف‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية؟

 

مفهوم‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي

يعتبر‭ ‬مفهوم‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬من‭ ‬المفاهيم،‭ ‬التي‭ ‬لقيت‭ ‬اهتماما‭ ‬عميقا‭ ‬وعريقا‭ ‬داخل‭ ‬الفلسفات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬القديمة،‭ ‬وعرفت‭ ‬جدالا‭ ‬حادا‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الحقول‭ ‬المعرفية‭ ‬والمرجعيات‭ ‬النظرية‭ ‬والفكرية‭. ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬اعتبر‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬آلية‭ ‬من‭ ‬آليات‭ ‬تحقيق‭ ‬ماهية‭ ‬الإنسان‭ ‬وتأسيس‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬اعتبره‭ ‬آخرون‭ ‬فاعلية‭ ‬محتقرة‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬العبيد‭. ‬كما‭ ‬انقسمت‭ ‬التصورات‭ ‬حول‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬للمرأة،‭ ‬بين‭ ‬مؤيد‭ ‬يؤكد‭ ‬حقها‭ ‬وحريتها‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬ميولاتها‭ ‬المهنية‭ ‬ويرفض‭ ‬تقسيم‭ ‬المهن‭ ‬إلى‭ ‬رجالية‭ ‬وأخرى‭ ‬نسائية،‭ ‬ومعارض‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬امتهان‭ ‬المرأة‭ ‬لحرف‭ ‬كانت‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الرجال،‭ ‬خرقا‭ ‬للتقاليد‭ ‬والأعراف‭ ‬المتوارثة،‭ ‬والتي‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬التفكير‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬عمل‭ ‬المرأة‭ ‬بالبيت‭ ‬ورعاية‭ ‬الأسرة‭ ‬والأطفال‭.‬

لأجل‭ ‬ذلك،‭ ‬حاولنا‭ ‬البحث‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬ماهية‭ ‬العمل،‭ ‬باعتباره‭ ‬مطلبا‭ ‬فكريا‭ ‬متشعبا،‭ ‬ومجالا‭ ‬لاختلاف‭ ‬الاجتهادات‭ ‬في‭ ‬تعريفه،‭ ‬لنخلص‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬تعريف‭ ‬إجرائي‭ ‬للعمل‭ ‬الحرفي،‭ ‬مع‭ ‬إبراز‭ ‬أهم‭ ‬خصوصياته‭ ‬وتصورات‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين‭ ‬حول‭ ‬عمل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬حرفية‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجل‭.‬

مفهوم‭ ‬العمل،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬اللغوية،‭ ‬من‭ ‬اعمل‭-‬عملا‭ ‬والجمع‭ ‬أعمال،‭ ‬يقصد‭ ‬به‭ ‬المهنة‭ ‬والفعل،‭ ‬والعامل‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مهنة‭ ‬أو‭ ‬صنعةب5،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الاصطلاح،‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬اشرط‭ ‬أولي‭ ‬للوجود‭ ‬الإنساني،‭ ‬وبفضله‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬وحقق‭ ‬وجودهب6‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬المنحى،‭ ‬أعطى‭ ‬اابن‭ ‬خلدونب‭ ‬لمقولة‭ ‬العمل‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬في‭ ‬مقدمته‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬العمل،‭ ‬باعتباره‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬لازمة‭ ‬للعمران‭ ‬البشري،‭ ‬واستنادا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬االإنسان‭ ‬لا‭ ‬بد‭  ‬له‭ ‬من‭ ‬القوت‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحصل‭ ‬إلا‭ ‬بالتعاون‭ ‬الجمعيب7‭.‬

هذه‭ ‬النظرة‭ ‬الإيجابية‭ ‬حول‭ ‬ماهية‭ ‬العمل،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬العهود‭ ‬القديمة،‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬الإغريق‭ ‬والرومان،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬للعمل‭ ‬بوصفه‭ ‬استعبادا‭ ‬للإنسان‭ ‬وأصل‭ ‬بؤسه،‭ ‬وعقاب‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬الآلهة‭ ‬مسلط‭ ‬على‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭.‬

إلا‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬قيام‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬والعلمية‭ ‬والتقنية،‭ ‬وما‭ ‬أحدثته‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬عاشتها‭ ‬المجتمعات‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬تم‭ ‬تجاوز‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭ ‬التحقيرية‭ ‬للعمل‭ ‬اليدوي‭ ‬وذلك‭ ‬التقدير‭ ‬السلبي‭ ‬الذي‭ ‬طبع‭ ‬ماهيته‭.‬فقد‭ ‬اعتبر‭ ‬اهيجلب‭ ‬Hegel،‭ ‬العمل،‭ ‬نشاطا‭ ‬اجتماعيا‭ ‬ينجزه‭ ‬الناس‭ ‬بعضهم‭ ‬لصالح‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التلبية‭ ‬المتبادلة‭ ‬لحاجياتهم،‭ ‬ولحمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬واستمرارها‭. ‬بمعنى،‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬العمل‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬خاصيته‭ ‬الجمعية،‭ ‬فالفرد‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬وحده‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬دائمة‭ ‬مع‭ ‬الآخرين8‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬فإن‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي،‭ ‬كشكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬العمل،‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬مهمته‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أفضل‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬جمعية‭ ‬يسودها‭ ‬التضامن‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين،‭ ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬خصوصياته‭ ‬أنه‭ ‬يعتمد‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬سير‭ ‬العمليات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬على‭ ‬الأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬المتوارثة‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬التعليمات‭ ‬والقوانين‭ ‬الرسمية‭ ‬القابلة‭ ‬للتغيير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬اروجي‭ ‬لوطورنوبRoger‭ ‬le‭ ‬Tourneau‭ ‬بقوله‭: ‬ايرتكز‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬على‭ ‬عرف‭ ‬غير‭ ‬مكتوب،‭ ‬ولعله‭ ‬عرف‭ ‬أشد‭ ‬قوة‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يعرفه‭ ‬الجميع‭ ‬ويقبله‭ ‬بدون‭ ‬نقاشب9‭.‬

فالعمل‭ ‬الحرفي،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬اكتسب‭ ‬قوانينه‭ ‬وأعرافه‭ ‬ومختلف‭ ‬القيم‭ ‬الموجهة‭ ‬للسلوكيات‭ ‬الحرفية،‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الحرفية‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬التاريخ،‭ ‬وهي‭ ‬ثقافة‭ ‬تستمد‭ ‬شرعيتها‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الذكورية‭ (‬كما‭ ‬أبان‭ ‬تحليل‭ ‬بعض‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحرفيين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الخاصية‭ ‬الجمعية‭ ‬للعمل‭ ‬الحرفي‭ ‬هي‭ ‬أمر‭ ‬ضروري‭ ‬لنجاعة‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إشراك‭ ‬للنساء،‭ ‬لأن‭ ‬عملهن،‭ ‬في‭ ‬اعتقاد‭ ‬بعض‭ ‬الحرفيين،‭ ‬مرتبط‭ ‬بالبيت‭ ‬وتربية‭ ‬الأبناء،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬النساء‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬النمطية،‭ ‬وإيجاد‭ ‬مكان‭ ‬لهن‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬بأنها‭ ‬ذكورية‭.‬

 

الإطـــــار‭ ‬الـمـنـهـجـي‭ ‬للـدراســة

اعتمدنا‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬على‭ ‬المقاربة‭ ‬السوسيو‭- ‬أنتروبولوجية‭ ‬المستحضرة‭ ‬للبعد‭ ‬التحليلي‭ ‬لسوسيولوجيا‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭. ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مميزات‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬أنها‭ ‬تؤلف‭ ‬بين‭ ‬اتجاهين‭ ‬مهمين‭ ‬هما‭: ‬السوسيولوجيا‭ ‬والأنتروبولوجيا‭.‬

لقد‭ ‬مكننا‭ ‬التحليل‭ ‬الأنتروبولوجي،‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬ذاكرة‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬من‭ ‬الحرفيين‭ ‬والحرفيات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬وتسجيل‭ ‬تاريخهم‭ ‬المهني‭ ‬داخل‭ ‬الحرف‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬المادة‭ ‬الإثنوغرافية‭ ‬والمعطيات‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬ساعدتنا‭ ‬في‭ ‬التحليل،‭ ‬ومقاربة‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الواقع‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬فادنا‭ ‬التحليل‭ ‬السوسيولوجي،‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬واعتماد‭ ‬بعض‭ ‬الوثائق‭ ‬والاحصاءات‭ ‬الرسمية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف،‭ ‬بالدراسة‭ ‬والتحليل،‭ ‬عند‭ ‬مختلف‭ ‬التحولات‭ ‬السانكرونية‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬قطاع‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬بقصد‭ ‬فهم‭ ‬انعكاساتها‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭. ‬

 

تقنيات‭ ‬وأدوات‭ ‬الدراسة‭ ‬الميدانية

1‭) ‬دراســـةالـحــالــة‭:‬

اعتماد‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬مكننا‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الظاهرة‭ ‬المدروسة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعطيات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمدنا‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬الحرفية‭ ‬على‭ ‬انفراد‭ ‬ذكورا‭ ‬وإناثا،‭ ‬مما‭ ‬مكننا‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬مختلف‭ ‬الخبرات‭ ‬الداخلية‭ ‬للحرفيين‭ ‬والحرفيات‭ ‬وطريقة‭ ‬سلوكهم‭ ‬وتنشئتهم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وباقي‭ ‬خبراتهم‭ ‬السابقة‭ ‬وحتى‭ ‬تاريخهم‭ ‬التربوي‭ ‬والتعليمي‭ ‬والصحي‭ ‬والأسري‭ ‬المحيط‭ ‬بهم‭.‬

2‭ ) ‬الملاحظة‭ ‬المباشرة‭:‬

اعتمدنا‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬الميداني،‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأدوات‭ ‬أهمية‭ ‬للإحاطة‭ ‬بالحقائق‭ ‬وتجميع‭ ‬المعطيات،‭ ‬حيث‭ ‬مكنتنا‭ ‬من‭ ‬ملاحظة‭ ‬سلوك‭ ‬الحرفيين‭ ‬والحرفيات‭ ‬أثناء‭ ‬العمل،‭ ‬وكذلك‭ ‬ملاحظة‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتقسيم‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬التنظيم‭ ‬الحرفي‭ ‬التقليدي،‭ ‬ومختلف‭ ‬عمليات‭ ‬ومراحل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتصنيع‭ ‬وما‭ ‬يرافقها‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬تستدعي‭ ‬الكشف‭ ‬والبحث‭ ‬لفهمها‭ ‬وتفسيرها‭ ‬والوقوف‭ ‬عند‭ ‬مختلف‭ ‬أشكالها‭.‬

3‭) ‬المقابلة‭ ‬نصف‭ ‬موجهة‭:‬

اعتماد‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬دراستنا‭ ‬الميدانية،‭ ‬مكننا‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬المتعلقة‭ ‬بموضوع‭ ‬الدراسة‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬معرفتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النزول‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬ظروفهم‭ ‬المختلفة؛‭ ‬وهي‭ ‬نصف‭ ‬موجهة‭ ‬لأن‭ ‬نظام‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬لا‭ ‬يتبع‭ ‬المسار‭ ‬المسبق‭ ‬الذي‭ ‬أعددناه‭ ‬في‭ ‬دليل‭ ‬المقابلة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تترك‭ ‬حرية‭ ‬للمستجوب‭(‬ة‭) ‬في‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬المفتوحة‭ ‬بكل‭ ‬تلقائية‭. ‬وقد‭ ‬تضمن‭ ‬دليل‭ ‬المقابلة‭ ‬بيانات‭ ‬عامة‭ ‬ارقم‭ ‬المقابلة‭/ ‬تاريخ‭ ‬ومكان‭ ‬إجراء‭ ‬المقابلة‭...‬ب،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬أساسية‭ ‬حول‭ ‬المبحوث‭(‬ة‭) ‬ونوع‭ ‬الحرفة‭ ‬المدروسة‭ ‬اسن‭ ‬وجنس‭ ‬الحرفي‭(‬ة‭)/ ‬الأقدمية‭ ‬في‭ ‬العمل‭/ ‬مرتبة‭ ‬الحرفي‭(‬ة‭)...‬ب‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أسئلة‭ ‬المقابلة‭ ‬ركزت‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬الأبعاد‭ ‬النوعية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬قصد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬ومعطيات‭ ‬تفيد‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية‭.‬

أما‭ ‬بخصوص‭ ‬العينة‭ ‬التي‭ ‬شملتها‭ ‬هذه‭ ‬المقابلات،‭ ‬فقد‭ ‬تكونت‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬حرفية‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المدينة‭ ‬العتيقة‭ ‬لمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬تمثلت‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬حرفة‭ ‬النحاس‭ ‬والنسيج‭ ‬والخزف،‭ ‬وقد‭ ‬قمنا‭ ‬بإنجاز‭ ‬أغلب‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬الأحياء‭ ‬التي‭ ‬تنشط‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬الحرف،‭ ‬وهي‭: ‬احي‭ ‬الصفارين،‭ ‬حي‭ ‬بين‭ ‬المدن،‭ ‬حي‭ ‬سيدي‭ ‬مغيت،‭ ‬سيدي‭ ‬العواد،‭ ‬الخراشفيين،‭ ‬حي‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬بعين‭ ‬النقبيب‭.‬

4‭) ‬تقنية‭ ‬تحليل‭ ‬المضمون‭:‬

هي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التقنيات‭ ‬استعمالا‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬المقابلات،‭ ‬تجسدت‭ ‬غايتها‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الخطاب‭ ‬الشفوي‭ ‬للمستجوبين‭ ‬والمستجوبات،‭ ‬وتفسير‭ ‬محتوى‭ ‬الإجابات،‭ ‬بغاية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬معطيات‭ ‬تفيد‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬وتقدم‭ ‬إضافة‭ ‬علمية‭ ‬لهذا‭ ‬البحث‭.‬

 

نــتـائــج‭ ‬الــدراســة‭ ‬الــمـيــدانــيــة

1‭) ‬أسباب‭ ‬ولوج‭ ‬النساء‭ ‬لمهن‭ ‬حرفية‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجال‭:‬

كشفت‭ ‬الدراسة‭ ‬الميدانية،‭ ‬عن‭ ‬تعدد‭ ‬الأسباب‭ ‬والدوافع‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬امتهان‭ ‬بعض‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬تقليديا‭ ‬بأنها‭ ‬ذكورية‭. ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬أغلبية‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬أجرينا‭ ‬معهن‭ ‬مقابلات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عاملا‭ ‬الفقر‭ ‬والبطالة،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬دفعتهن‭ ‬إلى‭ ‬اقتحام‭ ‬هذه‭ ‬المهن،‭ ‬خصوصا‭ ‬وأنهن‭ ‬يعانين‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬متدنية‭ ‬من‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي،‭ ‬وفي‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات‭ ‬نجدهن‭ ‬غير‭ ‬متمدرسات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنهن‭ ‬لم‭ ‬يمارسن‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬

في‭ ‬حين،‭ ‬تؤكد‭ ‬نتائج‭ ‬بعض‭ ‬المقابلات،‭ ‬أنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الحرفيات‭ ‬اللواتي‭ ‬أشرن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العوز‭ ‬المالي‭ ‬والظروف‭ ‬الاجتماعية‭ ‬القاهرة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬عملهن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية،‭ ‬هناك‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭ ‬مرتبطة‭ ‬برغبة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬في‭ ‬التميز‭ ‬مهنيا‭ ‬وإبراز‭ ‬قدراتهن‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بكفاءة،‭ ‬وفرض‭ ‬ذواتهن‭ ‬داخل‭ ‬الوسط‭ ‬الحرفي‭ ‬الذكوري‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬المنحى،‭ ‬كشفت‭ ‬لنا‭ ‬السيدة‭ (‬لطيفة‭.‬ك‭)‬10‭ ‬عن‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬اختيارها‭ ‬للعمل‭ ‬داخل‭ ‬حرفة‭ ‬النحاس،‭ ‬والتي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بدروس‭ ‬أستاذتها‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬تكوينات‭ ‬محو‭ ‬الأمية‭ ‬وعلى‭ ‬بعض‭ ‬اللقاءات‭ ‬والدروس‭ ‬التحسيسية‭ ‬حول‭ ‬قضية‭ ‬رد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لمكانة‭ ‬المرأة‭ ‬ودورها‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬وتجاوز‭ ‬التصورات‭ ‬النمطية‭ ‬والتقليدية‭ ‬حول‭ ‬أدوار‭ ‬النساء‭ ‬وعملهن‭. ‬تقول‭ (‬لطيفة‭) ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬القد‭ ‬أحسست‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أحضر‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬دروس‭ ‬محو‭ ‬الأمية،‭ ‬بمكانتي‭ ‬كامرأة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬وقدرتي‭ ‬على‭ ‬العطاء،‭ ‬وأني‭ ‬لست‭ ‬أقل‭ ‬شأنا‭ ‬من‭ ‬الرجل‭. ‬لذلك،‭ ‬قررت‭ ‬الخروج‭ ‬للعمل‭ ‬أنا‭ ‬ومجموعة‭ ‬من‭ ‬الصديقات،‭ ‬واقتحام‭ ‬عالم‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬حرف‭ ‬متعددة‭ ‬كالنحاس‭ ‬والخزف‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬حرف‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬الرجالب11‭.‬

انطلاقا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشهادات‭ ‬الأخرى،‭ ‬تبين‭ ‬لنا‭ ‬رغبة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬تحدي‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬التمييزية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬مسارهن‭ ‬واختيارهن‭ ‬المهني،‭ ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬المجتمع‭ ‬الذكوري‭ ‬وإثبات‭ ‬ذاتهن‭ ‬مهنيا‭ ‬واجتماعيا،‭ ‬ومنافسة‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحرف‭ ‬المصنفة‭ ‬ذكوريا‭.‬

لكن،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬بضرورة‭ ‬تحدي‭ ‬التصورات‭ ‬والتمثلات‭ ‬الذكورية‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الحرفيات،‭ ‬فهو‭ ‬يبقى‭ ‬بنسب‭ ‬قليلة‭ ‬جدا‭ ‬ولم‭ ‬تتحدث‭ ‬عنه‭ ‬أغلبية‭ ‬المستجوبات‭ ‬في‭ ‬حديثنا‭ ‬معهن،‭ ‬حيث‭ ‬أبان‭ ‬تحليل‭ ‬المعطيات‭ ‬الميدانية‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬لم‭ ‬يشرن‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬تحدي‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها،‭ ‬أو‭ ‬تحدي‭ ‬التصورات‭ ‬الدونية‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ (‬كما‭ ‬أشارت‭ ‬السيدة‭ ‬الطيفة‭.‬كب‭ ‬من‭ ‬قبل‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬أشرن‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬هو‭ ‬الدافع‭ ‬الأساسي‭ ‬بالمرأة‭ ‬لمزاولة‭ ‬أي‭ ‬مهنة،‭ ‬لإعالة‭ ‬أسرتها‭ ‬في‭ ‬ضل‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬العيش‭ ‬وغلاء‭ ‬الأسعار‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬الحرفية‭ ‬بقطاع‭ ‬الخزف‭ ‬االسعدية‭.‬مب‭ ‬بقولها‭: ‬اغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬وانقطاع‭ ‬زوجي‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬دفعا‭ ‬بي‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬داخل‭ ‬قطاع‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭. ‬ولم‭ ‬أبالي‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الرجال‭ ‬أو‭ ‬النساء،‭ ‬لأن‭ ‬هدفي‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مهنة‭ ‬وراتب‭ ‬مالي‭ ‬لإعالة‭ ‬أسرتي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مهددة‭ ‬بالفقر‭ ‬والتشردب12‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬الأسباب‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬ولوج‭ ‬النساء‭ ‬لتلك‭ ‬الحرف‭ ‬المسيطر‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الرجال،‭ ‬تلك‭ ‬التحولات‭ ‬السوسيو‭-‬اقتصادية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬عصرنة‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬بحيث‭ ‬بدأ‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬وأدوات‭ ‬إنتاج‭ ‬عصرية‭ ‬وتقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬آلات‭ ‬ومواد‭ ‬كيماوية،‭ ‬وتم‭ ‬التخلي‭ ‬داخل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحرف‭ ‬عن‭ ‬أدوات‭ ‬الإنتاج‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتطلب‭ ‬مجهودا‭ ‬عضليا‭ ‬كبيرا،‭ ‬وبذلك‭ ‬أصبح‭ ‬سهلا‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬واستخدامها‭ ‬في‭ ‬التصنيع‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الرجل‭ ‬أو‭ ‬المرأة؛‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عبرت‭ ‬عنه‭ ‬افاطمة‭.‬يب‭ ‬بقولها‭: ‬االتكنولوجيا‭ ‬واستعمال‭ ‬الحاسوب‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬نماذج‭ ‬للرسومات‭ ‬وتصاميم‭ ‬للنقش‭ ‬الخاصة‭ ‬بمنتجاتنا‭ ‬الحرفية،‭ ‬أتاح‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬حرفة‭ ‬النحاس‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬مشاركة‭ ‬للمرأة،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬النقش‭ ‬والرسم‭ ‬على‭ ‬الأواني‭ ‬النحاسية‭ ‬كانا‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬مرتبطان‭ ‬بمجهود‭ ‬عضلي‭ ‬قوي‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬عليه‭ ‬المرأةب13‭.‬

وبفعل‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬السوسيو‭ - ‬اقتصادية‭ ‬وديناميكيات‭ ‬العولمة،‭ ‬غزت‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬الرأسمالية‭ ‬كالحرية‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ومبادئ‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الربح‭ ‬بأيسر‭ ‬السبل‭ ‬وفي‭ ‬أقل‭ ‬وقت‭ ‬وجهد،‭ ‬وباعتماد‭ ‬تقنيات‭ ‬وآلات‭ ‬حديثة‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬الجهد‭ ‬العضلي‭ ‬الكبير،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬بعض‭ ‬أرباب‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬يفضلون‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬عمل‭ ‬المرأة‭ ‬عوض‭ ‬الرجل،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬مطالبهن‭ ‬القليلة‭ ‬مقابل‭ ‬كثرة‭ ‬مهامهن‭ ‬وإخلاصهن‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

‭ ‬يقول‭ ‬السيد‭ ‬امحمد‭.‬دب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬اإن‭ ‬المنافسة‭ ‬الشديدة‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬قلة‭ ‬الموارد‭ ‬المالية،‭ ‬دفعتني‭ ‬في‭ ‬حرفة‭ ‬النحاس‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬يقمن‭ ‬بأدوارهن‭ ‬على‭ ‬أحسن‭ ‬وجه‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬نقش‭ ‬المنتجات‭ ‬الحرفية‭ ‬وتلميعها‭ ‬وتنظيفها‭ ‬وابتكار‭ ‬بعض‭ ‬الأشكال‭ ‬والرسومات‭ ‬التي‭ ‬تلقى‭ ‬استحسانا‭ ‬لدى‭ ‬الزبناء،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬رغبتهن‭ ‬في‭ ‬التميز‭ ‬والإخلاص‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬بدون‭ ‬مطالب‭ ‬كثيرة‭ ‬خاصة‭ ‬المالية‭ ‬منها،‭ ‬شجعني‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أتنازل‭ ‬عن‭ ‬موقفي‭ ‬الرافض‭ ‬لتوظيف‭ ‬النساء‭ ‬بسبب‭ ‬عجزهن‭ ‬عن‭ ‬تنمية‭ ‬هذه‭ ‬الحرفةب14‭.‬

بناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬وعلى‭ ‬باقي‭ ‬المعطيات‭ ‬الميدانية،‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الدوافع‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬اقتحام‭ ‬المرأة‭ ‬مهنا‭ ‬حرفية‭ ‬تعرف‭ ‬احتكارا‭ ‬للرجال،‭ ‬الدافع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬نتيجة‭ ‬لنمط‭ ‬العيش‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬تحولا‭ ‬سريعا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬غلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬والأسعار،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مختلف‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي‭ ‬وعوامل‭ ‬الفقر‭ ‬والهجرة‭ ‬من‭ ‬القرية‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬وارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬المطلقات‭ ‬والعازبات‭ ‬الباحثات‭ ‬عن‭ ‬مصدر‭ ‬للرزق‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬التحولات‭ ‬السوسيو‭ - ‬اقتصادية‭ ‬وديناميكيات‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬فضاء‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬وغيرها،‭ ‬ساهمت‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬في‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي،‭ ‬وتغيير‭ ‬نمط‭ ‬حياتها‭ ‬اليومي‭ ‬واقتحامها‭ ‬حرفا‭ ‬توصف‭ ‬بالمنطق‭ ‬التقليدي‭ ‬بأنها‭ ‬ذكورية‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬إذا‭ ‬اعتبرنا‭ ‬أن‭ ‬امتهان‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬لحرف‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجال‭ ‬معطى‭ ‬ذي‭ ‬طبيعة‭ ‬اقتصادية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬ذي‭ ‬طبيعة‭ ‬سوسيو‭- ‬أنتروبولوجية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتطور‭ ‬تقسيم‭ ‬العمل‭ ‬والأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬ومرتبط‭ ‬كذلك‭ ‬بوعي‭ ‬المرأة‭ ‬بذاتها‭ ‬وقدرتها‭ -‬المعطلة‭- ‬على‭ ‬منافسة‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المجالات؛‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الاعتبارات،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬نظرة‭ ‬المجتمع‭ ‬والرجل‭ ‬وحتى‭ ‬نظرة‭ ‬المرأة‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬عملها‭ ‬الحرفي،‭ ‬أصبحت‭ ‬مقبولة‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وتجاوزت‭ ‬التصورات‭ ‬النمطية‭ ‬التقليدية؟‭ ‬أم‭ ‬لازالت‭ ‬المرأة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬والتمييز‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الحرف،‭ ‬ومن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬مساواتها‭ ‬مع‭ ‬الرجل‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية؟

2‭) ‬تحديات‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفية‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭: ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬العقبات‭ ‬الاجتماعية‭-‬الثقافية‭:‬

لاتزال‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬تتعثر‭ ‬خطواتهن‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬المهني‭ ‬للحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬اقتحام‭ ‬المرأة‭ ‬عالم‭ ‬الحرف،‭ ‬خصوصا‭ ‬بعض‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشهد‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬احتكارا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الرجل‭ ‬فقط‭.‬

وقد‭ ‬تبين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية،‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬تتمثل‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬العقبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العقبات‭ ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬الحرفية‭ ‬االباتول‭.‬تب15،‭ ‬تلك‭ ‬المعاكسات‭ ‬والتعليقات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الحرفيين‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬عمل‭ ‬النساء‭ ‬الحرفي،‭ ‬غير‭ ‬ملائم‭ ‬للمرأة‭ ‬ويعتبر‭ ‬تحديا‭ ‬للعادات‭ ‬والمعتقدات‭ ‬المتوارثة‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭.‬

‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬السياق،‭ ‬يقول‭ ‬انورالدين‭.‬بب‭: ‬االمرأة‭ ‬كائن‭ ‬ضعيف‭ ‬وعاطفي‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬ظروف‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬القاسية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬باقتحامها‭ ‬لهذه‭ ‬الحرف،‭ ‬تغلق‭ ‬باب‭ ‬العمل‭ ‬والرزق‭ ‬أمام‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬باعتبارهم‭ ‬أولى‭ ‬بهذه‭ ‬المهن‭ ‬لمسؤولياتهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تجاه‭ ‬أسرهم‭ ‬ونسائهم‭ ‬وأولادهمب16‭.‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬وغيرها،‭ ‬تكرس‭ ‬تلك‭ ‬المعتقدات‭ ‬المنسوجة‭ ‬حول‭ ‬عمل‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المنظومة‭ ‬الأبوية‭ ‬وعقلية‭ ‬الهيمنة‭ ‬الذكورية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحرفيات‭ ‬المستجوبات،‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬مسارهن‭ ‬المهني‭ ‬داخل‭ ‬الحرفة‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬المعتقدات‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬الداعمة‭ ‬للتمييز‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬النوع،‭ ‬والتي‭ ‬تعلي‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الرجل‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬عكس‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬حصر‭ ‬أدوارها‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬أعباء‭ ‬البيت‭ ‬والرعاية،‭ ‬تساهم‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬النموذج‭ ‬الذكوري‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬ليمتد‭ ‬نحو‭ ‬تشكيل‭ ‬تصورات‭ ‬سلبية‭ ‬حول‭ ‬عمل‭ ‬المرأة‭ ‬داخل‭ ‬الحرف‭ ‬المصنفة‭ ‬ذكوريا،‭ ‬كما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬الأفكار‭ ‬المسبقة‭ ‬المتحيزة‭ ‬ضد‭ ‬النساء‭ ‬حول‭ ‬عجزهن‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتهن‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬الايديولوجيات‭ ‬الشوفينية‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬التي‭ ‬تجردهن‭ ‬من‭ ‬قيمهن،‭ ‬كقيمة‭ ‬الشرف‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬المنحى،‭ ‬تقول‭ ‬امليكة‭.‬خب‭: ‬اأعاني‭ ‬من‭ ‬تعليقات‭ ‬الأهل‭ ‬والناس‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬عملي‭ ‬داخل‭ ‬حرفة‭ ‬النحاس‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرجل‭. ‬فكثيرا‭ ‬ما‭ ‬أسمع‭ ‬أنني‭ ‬بدون‭ ‬شرف‭ ‬ولست‭ ‬محترمة،‭ ‬بسبب‭ ‬اختياري‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬التي‭ ‬يحتكرها‭ ‬الرجال‭. ‬هذا‭ ‬المس‭ ‬في‭ ‬شرفي‭ ‬وقيمتي‭ ‬سبب‭ ‬لي‭ ‬ضغطا‭ ‬نفسيا‭ ‬داخل‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭ ‬وحتى‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬قررت‭ ‬ترك‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الدوافع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وقلة‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬وبدأت‭ ‬أحاول‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الشائعات‭ ‬والتعليقات‭ ‬ومواصلة‭ ‬العمل‭ ‬لضمان‭ ‬العيش‭ ‬الكريمب17‭.‬

تبين‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة،‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬الشرف‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بجنسانية‭ ‬المرأة،‭ ‬لازالت‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الأدوار‭ ‬النمطية‭ ‬للمرأة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬وتربط‭ ‬خروج‭ ‬المرأة‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬تعتبر‭ ‬رجالية‭ ‬بثقافة‭ ‬االعيب‭ ‬والعارب‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬المرأة‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية‭ ‬حيث‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مجبرة‭ ‬على‭ ‬تحدي‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬لها‭ ‬مسبقا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التقليدي‭.‬

من‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬النساء‭ ‬أيضا‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية،‭ ‬ذلك‭ ‬التقسيم‭ ‬غير‭ ‬العادل‭ ‬للأدوار‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬ثقافة‭ ‬ذكورية،‭ ‬والذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إخضاع‭ ‬بعض‭ ‬الحرفيات‭ ‬لقبول‭ ‬أدوار‭ ‬ثانوية‭ ‬داخل‭ ‬التنظيم‭ ‬الحرفي‭. ‬

فمن‭ ‬خلال‭ ‬الملاحظة‭ ‬المباشرة،‭ ‬تبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الحرفيات‭ ‬اقتصرت‭ ‬مشاركتهن‭ ‬في‭ ‬أدوار‭ ‬تتطلب‭ ‬مستوى‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬المهارة‭ ‬والتنوع‭ ‬قياسا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمارسه‭ ‬الرجل‭ ‬الحرفي‭. ‬حيث‭ ‬لاحظنا‭ ‬أن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬يقمن‭ ‬ببعض‭ ‬الأدوار‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬يقمن‭ ‬بها‭ ‬داخل‭ ‬المنزل،‭ ‬كتنظيف‭ ‬المنتجات‭ ‬الحرفية‭ ‬وتلميعها‭ ‬وترتيب‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭ ‬وإعداد‭ ‬الشاي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفعنا‭ ‬لاستجواب‭ ‬السيدة‭ ‬اأمينة‭.‬كب‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬عملها‭ ‬داخل‭ ‬الحرفة،‭ ‬خصوصا‭ ‬وأننا‭ ‬وجدناها‭ ‬منهمكة‭ ‬في‭ ‬ترتيب‭ ‬المنتجات‭ ‬الحرفية‭ ‬وإعداد‭ ‬وجبة‭ ‬الغذاء‭ ‬لباقي‭ ‬الحرفيين،‭ ‬فأجابت‭ ‬قائلة‭: ‬احرفة‭ ‬النحاس‭ ‬حرفة‭ ‬ذكورية‭ ‬تتطلب‭ ‬مجهودا‭ ‬عضليا‭ ‬قويا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أقوم‭ ‬به،‭ ‬أنا‭ ‬فقط‭ ‬أقوم‭ ‬ببعض‭ ‬الأعمال‭ ‬البسيطة‭ ‬كالتنظيف‭ ‬والتلميع‭ ‬وإعداد‭ ‬الوجبات‭ ‬لباقي‭ ‬الحرفيين‭ ‬ومساعدتهم‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬يطلبون‭ ‬مساعدتيب18‭.‬

هذه‭ ‬الشهادة،‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية،‭ ‬استسلام‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬للأدوار‭ ‬التقليدية‭ ‬ومشاركتهن‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬الهيمنة‭ ‬الذكورية‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬واعية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قبولهن‭ ‬بتلك‭ ‬الأدوار‭ ‬الثانوية‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬تبريراتها‭ ‬داخل‭ ‬ثقافة‭ ‬تقليدية‭ ‬تحرم‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬التميز‭ ‬واعتلاء‭ ‬الأدوار‭ ‬الرئيسية‭.‬

وفي‭ ‬الأخير،‭ ‬أشارت‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬أجريت‭ ‬معهن‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجههن،‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬صعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬عملهن‭ ‬داخل‭ ‬الحرفة‭ ‬وبين‭ ‬مسؤولياتهن‭ ‬المنزلية‭. ‬وقد‭ ‬تبين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحليل‭ ‬مضمون‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية،‭ ‬أن‭ ‬النساء‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬عملهن‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬مصنفة‭ ‬تقليديا‭ ‬بأنها‭ ‬للرجال،‭ ‬فبعضهن‭ ‬لم‭ ‬يرفض‭ ‬القيم‭ ‬والأدوار‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتربية‭ ‬الأبناء‭ ‬وتحمل‭ ‬أعباء‭ ‬البيت‭ ‬ورعاية‭ ‬الأسرة،‭ ‬حيث‭ ‬اعتبرت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحرفيات‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬مسؤوليات‭ ‬المرأة‭ ‬فقط‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬شكل‭ ‬ضغطا‭ ‬قويا‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإيمان‭ ‬بضرورة‭ ‬الالتزام‭ ‬بهذه‭ ‬التوقعات‭ ‬التقليدية‭ ‬والتقسيم‭ ‬غير‭ ‬العادل‭ ‬لأدوار‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬والذي‭ ‬يؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬التطور‭ ‬المهني‭ ‬للنساء‭ ‬ويكرس‭ ‬مبدأ‭ ‬التمييز‭ ‬وعدم‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭. ‬فعدم‭ ‬المساواة‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬فقط‭ ‬أمام‭ ‬الاختيارات‭ ‬المهنية‭ ‬للمرأة‭ ‬الحرفية،‭ ‬وإنما‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬بقائها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية‭ ‬وعلى‭ ‬إنجازاتها‭ ‬وطموحاتها‭ ‬المستقبلية‭.‬

فما‭ ‬هو‭ ‬مستقبل‭ ‬المرأة‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬مهن‭ ‬حرفية‭ ‬توصف‭ ‬تقليديا‭ ‬بأنها‭ ‬ذكورية؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬سبل‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬القوالب‭ ‬النمطية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬والعقبات‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬تميزهن؟

3‭) ‬مستقبل‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفية‭ ‬وسبل‭ ‬تجاوز‭ ‬القوالب‭ ‬النمطية‭:‬

من‭ ‬خلال‭ ‬تحليل‭ ‬المعطيات‭ ‬الميدانية،‭ ‬تبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس،‭ ‬لازال‭ ‬متعثرا‭ ‬ومحكوما‭ ‬بقوالب‭ ‬وتصورات‭ ‬نمطية‭ ‬تقليدية‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تحرر‭ ‬المرأة‭ ‬وتميزها‭ ‬مهنيا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬وحتى‭ ‬اقتصاديا‭ ‬داخل‭ ‬مختلف‭ ‬الحرف‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬سبل‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬التصورات‭ ‬التقليدية،‭ ‬وضمان‭ ‬مستقبل‭ ‬عادل‭ ‬وديمقراطي‭ ‬للنساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬وللرجال‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬حاولنا‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬الدراسة‭ ‬الميدانية‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تساهم‭ ‬مناقشتها‭ ‬وتفعيلها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفية‭ ‬وتحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الحرفيين‭ ‬والحرفيات،‭ ‬وفي‭ ‬رسم‭ ‬مستقبل‭ ‬خال‭ ‬من‭ ‬التمثلات‭ ‬والتصورات‭ ‬التقليدية‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬للمرأة‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬نذكر‭:‬

4‭) ‬تحدي‭ ‬الأدوار‭ ‬التقليدية‭ ‬واقتحام‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجال‭:‬

إن‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬امتهان‭ ‬المرأة‭ ‬للمهن‭ ‬الحرفية‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجل،‭ ‬وإثبات‭ ‬وجودها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بكفاءة،‭ ‬يعتبر‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية،‭ ‬اتضح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬رغبة‭ ‬شديدة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأدوار‭ ‬والمهام‭ ‬التقليدية‭ ‬والبسيطة‭ ‬التي‭ ‬توكل‭ ‬إليهن‭ ‬أثناء‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬بحجة‭ ‬ضعف‭ ‬أجسادهن‭. ‬وقد‭ ‬انقسمت‭ ‬عينة‭ ‬الدراسة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬أية‭ ‬مبررات‭ ‬تكرس‭ ‬الاختلاف‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تقسيم‭ ‬وتوزيع‭ ‬الأدوار‭ ‬الحرفية،‭ ‬وأبدون‭ ‬رغبتهن‭ ‬الشديدة‭ ‬وقدراتهن‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬نفس‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬الرجال؛‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أكدت‭ ‬باقي‭ ‬الحرفيات،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الاختلافات‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء،‭ ‬وأن‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬يشتغلن‭ ‬وسطها‭ ‬هي‭ ‬حرف‭ ‬ذكورية‭ ‬بامتياز،‭ ‬وأنهن‭ ‬عمدن‭ ‬إلى‭ ‬اقتحامها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬كسب‭ ‬الرزق‭ ‬فقط‭ ‬وليس‭ ‬لمنافسة‭ ‬الرجل‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬مضمون‭ ‬بعض‭ ‬المقابلات‭ ‬التي‭ ‬أجريناها‭ ‬مع‭ ‬عينة‭ ‬من‭ ‬الحرفيين،‭ ‬فقد‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬الحرفي‭ ‬لازال‭ ‬يتبع‭ (‬بوعي‭ ‬أو‭ ‬بدون‭ ‬وعي‭) ‬تلك‭ ‬الأنماط‭ ‬السلوكية‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬اجتماعيا‭ ‬والتي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬دونية‭ ‬وتبعية‭ ‬المرأة،‭ ‬مما‭ ‬صعب‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬المرجوة‭ ‬للنساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقتنع‭ ‬الرجل‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬له‭ ‬كما‭ ‬للمرأة‭ ‬أيضا،‭ ‬وأنه‭ ‬يعاني‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الأدوار‭ ‬والمهام‭ ‬التي‭ ‬سطرها‭ ‬له‭ ‬المجتمع‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬العوامل‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬قيدت‭ ‬حريته‭ ‬وحرية‭ ‬المرأة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬أدوارهم‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وداخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭.‬

على‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬والمواقف‭ ‬المتناقضة،‭ ‬تتبين‭ ‬ضرورة‭ ‬وعي‭ ‬كلا‭ ‬الجنسين‭ ‬بأهمية‭ ‬تجاوز‭ ‬بعض‭ ‬الأنماط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تحسيس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الحرفيات‭ ‬والحرفيين‭ ‬بضرورة‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬الذكورية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التمييز‭ ‬واللامساواة،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬بث‭ ‬ثقافة‭ ‬المساواة‭ ‬والتقسيم‭ ‬العادل‭ ‬للأدوار‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭.‬

5‭) ‬وعي‭ ‬الحرفيات‭ ‬بذواتهن‭ ‬وبدورهن‭ ‬الفعال‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬قطاع‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭:‬

من‭ ‬خلال‭ ‬الملاحظة‭ ‬المباشرة‭ ‬ونتائج‭ ‬دراسة‭ ‬الحالة‭ ‬لبعض‭ ‬الحرفيات،‭ ‬تبين‭ ‬لنا‭ ‬أنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬المكتسبات‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفية،‭ ‬فهي‭ ‬لازالت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬وعي‭ ‬متطور‭ ‬بذاتها‭ ‬ودورها‭ ‬الفعال‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرجل،‭ ‬وانعدام‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬شكل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬تدعيم‭ ‬التمييز‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬النوع‭ ‬والعمل،‭ ‬وعلى‭ ‬تناقله‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬بطرق‭ ‬مغلوطة‭ ‬ومفاهيم‭ ‬خاطئة‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬كقضية‭ ‬نبيلة‭ ‬ومشروعة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬قطاع‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نسبة‭ ‬الأمية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحرفيات‭ ‬أو‭ ‬الحرفيين،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬الوعي‭ ‬الخاطئ‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬وحول‭ ‬الآخر‭. ‬بالتالي،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬ببعض‭ ‬المبادرات‭ ‬المستعجلة،‭ ‬أهمها‭ ‬تكثيف‭ ‬دروس‭ ‬محو‭ ‬الأمية‭ ‬والدورات‭ ‬التكوينية‭ ‬والتحسيسية‭ ‬حول‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنمية‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬الفعالة‭ ‬والضرورية‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬الحرف،‭ ‬وضرورة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬التمييز‭ ‬ضد‭ ‬الجنسين‭ ‬والتعاون‭ ‬على‭ ‬تكريس‭ ‬مبدأ‭ ‬المساواة‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تجاوز‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬والتصورات‭ ‬النمطية‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬تبعية‭ ‬المرأة‭ ‬للرجل‭ ‬وتحاصر‭ ‬طموحاتها‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬الميدانية،‭ ‬لا‭ ‬يسعنا‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬نؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬تنظيمات‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬بمدينة‭ ‬فاس‭ ‬تحتاج،‭ ‬لكي‭ ‬تحقق‭ ‬مكاسبها‭ ‬المنصفة‭ ‬والمشروعة،‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬العقليات‭ ‬والسلوكيات‭ ‬والتصورات‭ ‬والمواقف‭ ‬السلبية‭ ‬والتقليدية‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬وإلى‭ ‬تفكيك‭ ‬عميق‭ ‬لمختلف‭ ‬التمايزات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السائدة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭.‬

 

خــلاصـــة‭ ‬عــامـــة

كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬قضية‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية‭ ‬التقليدية،‭ ‬ودراستها‭ ‬كنقطة‭ ‬تحليلية‭ ‬سوسيوأنثروبولوجية،‭ ‬كما‭ ‬حاولت‭ ‬رصد‭ ‬مختلف‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬حجر‭ ‬عثرة‭ ‬أمام‭ ‬تمكين‭ ‬النساء‭ ‬الحرفيات‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬إبراز‭ ‬قدراتهن‭  -‬المعطلة‭- ‬ودورهن‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬بالمغرب‭ ‬وتحقيق‭ ‬استقلاليتهن‭.‬

وقد‭ ‬خلصت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ولوج‭ ‬النساء‭ ‬لمهن‭ ‬حرفية‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجال‭ ‬كان‭ ‬ولايزال‭ ‬وراءه‭ ‬دائما‭ ‬ثلاث‭ ‬عوامل‭ ‬أساسية‭: ‬العامل‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬العامل‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية،‭ ‬تمثل‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬الفقر‭ ‬وقلة‭ ‬فرص‭ ‬الشغل‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬بالنساء‭ ‬إلى‭ ‬اقتحام‭ ‬فضاء‭ ‬هذه‭ ‬الحرف؛‭ ‬والعامل‭ ‬الثاني‭ ‬ثقافي،‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬رغبة‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬التصورات‭ ‬النمطية‭ ‬والتقليدية‭ ‬حول‭ ‬أدوار‭ ‬المرأة‭ ‬وعملها،‭ ‬وأيضا‭ ‬إبراز‭ ‬قدراتها‭ -‬المعطلة‭- ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بجدية‭ ‬وكفاءة؛‭ ‬والعامل‭ ‬الثالث‭ ‬والأخير‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتحولات‭ ‬السوسيو‭-‬اقتصادية‭ ‬وديناميكيات‭ ‬العولمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬دخول‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬وأدوات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬في‭ ‬التصنيع‭ ‬والإنتاج،‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬المشاركة‭ ‬النسائية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬منعدمة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحرف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تتطلب‭ ‬مراحل‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬مجهودا‭ ‬جسديا‭ ‬كبيرا‭.‬

كما‭ ‬أشارت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬تعليقات‭ ‬الأهل‭ ‬والحرفيين‭ ‬وتصوراتهم‭ ‬حول‭ ‬عمل‭ ‬المرأة‭ ‬الحرفي،‭ ‬والتي‭ ‬شكلت‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬باقي‭ ‬الصعوبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬النساء‭ ‬اللاتي‭ ‬أجرينا‭ ‬معهن‭ ‬المقابلات‭ ‬الميدانية‭ ‬داخل‭ ‬العمل،‭ ‬والتي‭ ‬تمثلت‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬المعتقدات‭ ‬والتقاليد‭ ‬الداعمة‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وأيضا‭ ‬صعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬الحرفي‭ ‬والعمل‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭. ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬شكل‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬والعوائق‭ ‬أمام‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تميزهن‭ ‬المهني‭ ‬وإبراز‭ ‬مشاركتهن‭ ‬الفعالة‭ ‬داخل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحرفية‭ ‬التقليدية‭.‬

وقد‭ ‬ختمت‭ ‬الدراسة‭ ‬بطرح‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬تعميق‭ ‬البحث‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬بغرض‭ ‬تجاوز‭ ‬التصورات‭ ‬النمطية‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬مسيرة‭ ‬تحرر‭ ‬المرأة‭ ‬وتحقيق‭ ‬المساواة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار،‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬مبدأ‭ ‬التقسيم‭ ‬العادل‭ ‬للعمل‭ ‬الحرفي‭ ‬بين‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭. ‬تمثلت‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي،‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬تحدي‭ ‬الأدوار‭ ‬التقليدية‭ ‬وزيادة‭ ‬عدد‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬امتهان‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الرجال‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والتأكيد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬وعي‭ ‬الحرفيات‭ ‬بذواتهن‭ ‬وبدورهن‭ ‬الفعال‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬قطاع‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬دراسة‭ ‬واقع‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬داخل‭ ‬المهن‭ ‬الحرفية‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الرجال،‭ ‬برؤية‭ ‬متعمقة‭ ‬وشمولية،‭ ‬تتطلب‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والبحوث‭ ‬قصد‭ ‬النهوض‭ ‬بالمرأة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬النمط‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬مكانها‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬ينبني‭ ‬على‭ ‬العدل‭ ‬والإنصاف‭ ‬والمساواة‭.‬