اللغة العدد
«حفظ التراث الثقافي غير المادي» ومآلات نصوص الحكايات الشعبية
«حفظ التراث الثقافي غير المادي» ومآلات نصوص الحكايات الشعبية
العدد 45 - ندوة الثقافة الشعبية

أ‭.  ‬سيد‭ ‬أحمد‭ ‬رضا‭. ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬البحرين

 

قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تداولهُ‭ ‬في‭ ‬الندوة‭ ‬المعنونة‭ ‬بـاحفظ‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬الماديب،‭ ‬نودُ‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اجامعة‭ ‬البحرينب،‭ ‬وبالتعاون‭ ‬مع‭ ‬االثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬للدراسات‭ ‬والبحوث‭ ‬والنشرب،‭ ‬وبدعم‭ ‬وتنسيق‭ ‬لوجتسي‭ ‬من‭ ‬االمنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭ (‬IOV‭)‬ب،‭ ‬أعلنوا‭ ‬في‭ ‬حفلٍ‭ ‬مهيب‭ ‬شهدتهُ‭ ‬الجامعة،‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬المجمع‭ ‬الحكائي‭ ‬االحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬البحرينية‭ ‬ألف‭ ‬حكاية‭ ‬وحكايةب،‭ ‬الذي‭ ‬يعدُ‭ ‬منجزاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬تحقق‭ ‬بجهود‭ ‬مائة‭ ‬طالب‭ ‬وطالبة،‭ ‬حيثُ‭ ‬تم‭ ‬جمع‭ ‬وتدوين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬البحرينية‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬المسح‭ ‬الميداني‭ ‬لمدن‭ ‬وقرى‭ ‬المملكة،‭ ‬بإشراف‭ ‬ومتابعة‭ ‬وإرشاد‭ ‬الدكتورة‭ ‬ضياء‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الكعبي،‭ ‬أستاذة‭ ‬السرديات‭ ‬بقسم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬بجامعة‭ ‬البحرين‭.‬

ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬المنجز،‭ ‬سيعيد‭ ‬طرح‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرؤى‭ ‬والأفكار‭ ‬والحقائق‭ ‬البحثية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بجمع‭ ‬وتدوين‭ ‬ونشر‭ ‬النص‭ ‬الحكائي‭ ‬الشعبي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعانا‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الثمينة‭ ‬من‭ ‬الآراء‭. ‬ففي‭ ‬ندوة‭ ‬عقدتها‭ ‬امجلة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬بمملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬وحضرها‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬والمختصين‭ ‬بمختلف‭ ‬مجالات‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية،‭ ‬والأنثروبولوجيا،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬احفظ‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬الماديب،‭ ‬منتصف‭ (‬مارس‭ ‬2016‭)‬،‭ ‬تمت‭ ‬مناقشة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العناوين‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬بهذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬مآلاتُ‭ ‬جمع‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬والطرق‭ ‬المناسبة‭ ‬لحفظ‭ ‬هذا‭ ‬الإرث،‭ ‬وإبرازهِ‭ ‬لمختلف‭ ‬القراء‭ ‬والباحثين‭.‬

وشارك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الندوة،‭ ‬التي‭ ‬عقدت‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬امجلة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬خليفة،‭ ‬رئيس‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭ (‬IOV‭)‬،‭ ‬والدكتور‭ ‬محمد‭ ‬النويري،‭ ‬رئيس‭ ‬الهيئة‭ ‬العلمية‭ ‬بـ‭ ‬االثقافة‭ ‬الشعبية،‭ ‬للدراسات‭ ‬والبحوث‭ ‬والنشرب،‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬علي‭ ‬مرسي،‭ ‬أستاذ‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬والفولكلور‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة،‭ ‬ومستشار‭ ‬التراث‭ ‬المعنوي‭ ‬بمعهد‭ ‬الشارقة‭ ‬للتراث،‭ ‬بالإضافة‭ ‬للدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬يتيم،‭ ‬الباحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بمركز‭ ‬دراسات‭ ‬البحرين‭ ‬والمحاضر‭ ‬لعلم‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬والتاريخ‭ ‬بجامعة‭ ‬البحرين،‭ ‬والأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬مسامح،‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬والثقافة‭ ‬الشعبية‭.‬

وفي‭ ‬مستهل‭ ‬الندوة،‭ ‬بين‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬خليفة‭ ‬بأن‭ ‬جهوداً‭ ‬بذلت‭ ‬لجمع‭ ‬مختلف‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬وقد‭ ‬أثمرت‭ ‬هذه‭ ‬الجهود،‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬طلبة‭ ‬اجامعة‭ ‬البحرينب،‭ ‬الذين‭ ‬جمعوا‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬وقرى‭ ‬البحرين،‭ ‬أثمرت‭ ‬جمعاً‭ ‬ضخماً،‭ ‬مضيفاً‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬تمتازُ‭ ‬بكونها‭ ‬جمعا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أطياف‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ (‬المحرق‭)‬،‭ ‬حيثُ‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬كانت‭ ‬البداية‭ ‬عام‭ (‬1983‭)‬،‭ ‬متابعاً‭ ‬اارسل‭ (‬مركز‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭) ‬الدكتورة‭ ‬بروين‭ ‬نوري‭ ‬عارف‭ ‬إلى‭ ‬البحرين،‭ ‬للبدء‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬التراث،‭ ‬ممثلة‭ ‬بالشيخة‭ ‬نيلة‭ ‬بنت‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬التي‭ ‬كلفت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السيدات‭ ‬أن‭ ‬يقمن‭ ‬بالجمع،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬بعضهن‭ ‬لم‭ ‬يواصلن‭ ‬هذه‭ ‬المهمة،‭ ‬فيما‭ ‬واصلت‭ ‬أخريات،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بادرت‭ ‬الدكتورة‭ ‬ضياء‭ ‬الكعبي‭ ‬بمشروعها،‭ ‬حيثُ‭ ‬كلفت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬طلبتها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬بجمع‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬البحرينية،‭ ‬لينتج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬شكلت،‭ ‬في‭ ‬مجموعها،‭ ‬خمس‭ ‬مجلدات‭ ‬ضخمة‭.‬

وقد‭ ‬أكد‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري،‭ ‬أن‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بمملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬جمع‭ ‬كمٍ‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬أضحى‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬امجلة‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬مبيناً‭ ‬أن‭ ‬توافر‭ ‬هذه‭ ‬المادة،‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬والقضايا‭ ‬الفكريه،‭ ‬أهمها‭ ‬اكيف‭ ‬يتم‭ ‬تحرير‭ ‬ما‭ ‬جمع‭ ‬مشافهةً؟‭ ‬وهل‭ ‬يصح‭ ‬الإبقاء‭ ‬عليه‭ ‬بلغته‭ ‬المحكية‭ ‬أم‭ ‬تعمدُ‭ ‬جهة‭ ‬مسؤولة‭ ‬إلى‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬بأن‭ ‬المادة‭ ‬موجهة‭ ‬لمختلف‭ ‬فئات‭ ‬وشرائح‭ ‬القراء،‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬وخارجها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خيارات‭ ‬الترجمة‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أخرى؟‭.‬

وتساءل‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬اهل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نُنقح‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬من‭ ‬الشوائب،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تُسيء‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬وإلى‭ ‬الآخر؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬اعتمادها‭ ‬لفعل‭ ‬ذلك؟‭ ‬وإذا‭ ‬تقرر‭ ‬ترك‭ ‬الحكايات‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬الهوامش‭ ‬التي‭ ‬يتوجب‭ ‬علينا‭ ‬اضافتها‭ ‬للتوضيح،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نواجهها‭ ‬جراء‭ ‬ذلك؟ب،‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬كانت‭ ‬فاتحة‭ ‬الندوة‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬إشكاليات‭ ‬الجمع‭ ‬والحفظ‭ ‬والتدوين،‭ ‬على‭ ‬مالها‭ ‬من‭ ‬أهمية،‭ ‬لتطرح‭ ‬إشكالية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬طمأنينة‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي،‭ ‬وكيف‭ ‬تكتب‭ ‬نصوصهُ‭ ‬وتصاغ‭ ‬وتنشر‭.‬

 

الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬ومآل‭ ‬النص

يبين‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬بأناّ‭ ‬إزاء‭ ‬نص‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬شكل‭ ‬ومضمون،‭ ‬اوالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬والمضمون‭ ‬علاقة‭ ‬متماسكة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الفصل‭ ‬بينها،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬بينهما‭ ‬كالفصل‭ ‬بين‭ ‬وجه‭ ‬الورقة‭ ‬النقدية‭ ‬وقفاها،‭ ‬بيد‭ ‬أنهُ‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المنهجية،‭ ‬نحنُ‭ ‬نفصلُ‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬والمضمونب‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يتوقف‭ ‬عندهُ‭ ‬الدكتور‭ ‬يتيم،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬ضرورة‭ ‬معرفة‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬نشر‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬إذ‭ ‬يتساءل‭ ‬اما‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬نشرها،‭ ‬اهو‭ ‬هدفٌ‭ ‬تربوي؟ب،‭ ‬مضيفاً‭ ‬اإذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬تربوياً‭ ‬فحدث‭ ‬ولا‭ ‬حرج،‭ ‬نظراً‭ ‬لكون‭ ‬الموروث‭ ‬الحكائي،‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬النابية،‭ ‬والإشارات‭ ‬غير‭ ‬المقبولة‭ ‬الكثير،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعض‭ ‬الإشارات‭ ‬الجنسية‭ ‬غير‭ ‬المناسبة،‭ ‬التي‭ ‬يتعففُ‭ ‬بعض‭ ‬الرواة‭ ‬عن‭ ‬ذكرها،‭ ‬فيما‭ ‬يذكرها‭ ‬آخرونب،‭ ‬مبيناً‭ ‬أن‭ ‬تحديد‭ ‬الهدف‭ ‬سيحدد‭ ‬بدوره‭ ‬طبيعة‭ ‬المادة‭ ‬المتاحة‭ ‬لجمهور‭ ‬القراء‭.‬

وجواباً‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬نشر‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬يوضحُ‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬بأنها‭ ‬مقدمةً‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬المطلق،‭ ‬انحنُ‭ ‬أمام‭ ‬ثروة‭ ‬حقيقية‭ ‬أبدعتها‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يقتصرُ‭ ‬تقديمها‭ ‬على‭ ‬المتلقي‭ ‬البحريني‭ ‬فحسب،‭ ‬ولهذا‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬بأية‭ ‬لغة‭ ‬تطبع‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات،‭ ‬وهل‭ ‬علينا‭ ‬تهذيب‭ ‬نصوصها؟‭.‬

انحنُ‭ ‬إزاء‭ ‬مادة‭ ‬ثرية،‭ ‬تُحملنا‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنيةب،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يؤكده‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬مسامح،‭ ‬مضيفاً‭ ‬اإن‭ ‬أية‭ ‬جهة‭ ‬وطنية‭ ‬تواجه‭ ‬مسؤوليات‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المادة‭ ‬المجموعة،‭ ‬وكيف‭ ‬تجعلها‭ ‬ممكنة‭ ‬للتداول،‭ ‬وإزاء‭ ‬ذلك‭ ‬تتمثل‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬طباعة‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬لتكون‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬القارئ،‭ ‬وليس‭ ‬الإشكال‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يجوز‭ ‬نشره،‭ ‬وإنما‭ ‬حق‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬الإطلاع‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬والبحث‭ ‬فيهاب‭. ‬ويبين‭ ‬مسامح‭ ‬اإن‭ ‬التجارب‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العالم‭ ‬تتمثلُ‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬هيئة‭ ‬وطنية‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬حفظ‭ ‬التراث،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬مادتهُ‭ ‬عرضة‭ ‬للتلاعب‭ ‬والتسييس،‭ ‬فالحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬هي‭ ‬حكايات‭ ‬مروية‭ ‬بمختلف‭ ‬اللهجات،‭ ‬وفيها‭ ‬بالطبع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬غير‭ ‬المقبولة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أبيات‭ ‬الشعر،‭ ‬والحكم،‭ ‬بيد‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬الهويات‭ ‬المتقاتلة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬فالفلاحون‭ ‬يتنابزون‭ ‬مع‭ ‬الرعاة،‭ ‬والرعاة‭ ‬مع‭ ‬الصيادين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬صراع‭ ‬المذاهب،‭ ‬والأديان،‭ ‬الذي‭ ‬تضمهُ‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات،‭ ‬لهذا‭ ‬نحنُ‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬لا‭ ‬نحسد‭ ‬عليه،‭ ‬نظراً‭ ‬لكوننا‭ ‬أمام‭ ‬معضلتين،‭ ‬أما‭ ‬النشر،‭ ‬أو‭ ‬التعتيم،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬فرضنا‭ ‬نشر‭ ‬بعض‭ ‬الحكايات‭ ‬المنقحة،‭ ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬المسؤولية‭ ‬ملقاة‭ ‬على‭ ‬عاتقنا‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬تراث‭.‬

لهذا‭ ‬يقترحُ‭ ‬مسامح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬شكلان‭ ‬من‭ ‬الحفظ،‭ ‬االأول‭ ‬حفظ‭ ‬المادة‭ ‬المجموعة‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬وإتاحتها‭ ‬بإذن‭ ‬مسبق‭ ‬للباحثين؛‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الباحثين‭ ‬الإطلاع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬ودراسته،‭ ‬وما‭ ‬ينشرهُ‭ ‬الباحث‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬يتحملُ‭ ‬مسؤوليته،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لنشر‭ ‬مادة‭ ‬منقحة،‭ ‬لإتاحتها‭ ‬للمتلقي‭ ‬العام،‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬يسيء‭ ‬إلى‭ ‬أيٍ‭ ‬من‭ ‬المكونات‭ ‬المجتمعية‭.‬

وتعقيباً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تناولهُ‭ ‬الأساتذة‭ ‬والباحثون،‭ ‬قال‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬بأنهُ‭ ‬ايتوجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نلتفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬هو‭ ‬الهم‭ ‬بالثقافة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وبدراسة‭ ‬عناصرها،‭ ‬فواحدةً‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬المجموعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المشهورة‭ ‬باسم‭ (‬حكايات‭ ‬الأخوين‭ ‬غريم‭) ‬التي‭ ‬ترجمت‭ ‬لمختلف‭ ‬اللغات‭ ‬الحية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ (‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬حظي‭ ‬بأهمية‭ ‬عالمية،‭ ‬وهذان‭ ‬الكتابان‭ ‬تمت‭ ‬قراءتهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانيةب‭. ‬ويتابع‭ ‬اعلينا،‭ ‬كذلك،‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬تجربة‭ ‬الكاتب‭ ‬والشاعر‭ ‬الدنماركي‭ (‬هانس‭ ‬كريستيان‭ ‬أندرسن‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬وقف‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬ودرسها،‭ ‬وهي‭ ‬حكايات‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬إنسانية،‭ ‬يشترك‭ ‬فيها‭ ‬الناس‭ ‬جميعاً،‭ ‬مع‭ ‬فروقات‭ ‬الخصائص‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تصبغُ‭ ‬بها‭ ‬الحكايات‭ ‬حسب‭ ‬البلدان‭ ‬والمناطق،‭ ‬فحكاية‭ (‬فتاة‭ ‬الرماد‭)‬،‭ ‬في‭ (‬سندريلا‭) ‬ستجدها‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬كما‭ ‬ستجدها‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬باسم‭(‬ست‭ ‬الحسن‭ ‬والجمال‭) ‬أو‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ (‬فسيجرة‭)‬،‭ ‬ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬الأسماء‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العناصر‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭. ‬فهناك‭ ‬عناصر‭ ‬مشتركة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانية‭.‬

ويبين‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي‭ ‬ذلك‭ ‬ليؤكد‭ ‬بأن‭ ‬الحكايات‭ ‬الشفهية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬المكتوبة‭ ‬اإن‭ ‬طاقة‭ ‬الأذن‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬طاقة‭ ‬العينب،‭ ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬مختلف‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬جمعها‭ ‬الأخوان‭ (‬غريم‭)‬،‭ ‬و‭(‬أندرسن‭)‬،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬جمعها‭ ‬آخرون،‭ ‬فكل‭ ‬باحث‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬ودونها‭ ‬بطريقته،‭ ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬االأذن‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تتقبل‭ ‬أشياء‭ ‬ليست‭ ‬مقبولة‭ ‬لدى‭ ‬العين‭ ‬حين‭ ‬تقرأها،‭ ‬فعندما‭ ‬تستمع‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬يروى‭ ‬شفاهةً‭ ‬فهناك‭ ‬استمرارية،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬توقف‭ ‬الراوي‭ ‬لتقول‭ ‬لهُ‭ ‬انتظر‭ ‬ماذا‭ ‬تقول؟‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تحول‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬مكتوب،‭ ‬فأنت‭ ‬تقرأها‭ ‬بنفسك،‭ ‬وتستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬اللفظ‭ ‬أو‭ ‬ذاكب،‭ ‬كما‭ ‬يبين‭ ‬مرسي،‭ ‬الذي‭ ‬يضيف‭ ‬اأن‭ ‬الأذن‭ ‬تستوعب‭ ‬التكرار،‭ ‬فيما‭ ‬يشكلُ‭ ‬ذلك‭ ‬مللاً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬النص‭ ‬المدون،‭ ‬لهذا‭ ‬تختلف‭ ‬قوانين‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬المشافهة،‭ ‬ما‭ ‬يتوجب‭ ‬أن‭ ‬نبين‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مستويات‭ ‬عند‭ ‬تدوين‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية؛‭ ‬هناك‭ ‬القارئ‭ ‬العام،‭ ‬والقارئ‭ ‬المختص‭. ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬النص‭ ‬موجهاً‭ ‬للقارئ‭ ‬الأول،‭ ‬فإنهُ‭ ‬لا‭ ‬يهمهُ‭ ‬صحة‭ ‬ودقة‭ ‬النقل،‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬مضمون‭ ‬الحكايات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين،‭ ‬فأحد‭ ‬أهداف‭ ‬وخصائص‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬الهدف‭ ‬التربوي،‭ ‬حيثُ‭ ‬القيم،‭ ‬والعادات،‭ ‬والتقاليد،‭ ‬والرؤية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ولهذا‭ ‬فالحكايات‭ ‬تقوم‭ ‬بمهمة‭ ‬تعليمية‭ ‬وتسلوية‭ ‬دون‭ ‬قسرٍ‭ ‬أو‭ ‬جبر،‭ ‬وهي‭ ‬تسد‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬فرضها‭ ‬على‭ ‬التلاميذ‭ ‬جبراً،‭ ‬لأن‭ ‬المجتمع‭ ‬يريد‭ ‬من‭ ‬أولاده‭ ‬أن‭ ‬يتعلموا‭ ‬فهو‭ ‬يجبرهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتعلموا‭. ‬ففي‭ ‬التعليم‭ ‬النظامي‭ ‬ليست‭ ‬هناك‭ ‬خيارات‭ ‬ديمقراطية،‭ ‬بعكس‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية،‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬جبراً‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬سماعها،‭ ‬بل‭ ‬الطفل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬سينجذبُ‭ ‬إليها‭ ‬تلقائياًب،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يعتقد‭ ‬مرسي‭ ‬بأن‭ ‬تدوين‭ ‬ونشر‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬بالشكل‭ ‬المنطوق،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬بأن‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيس‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬هو‭ ‬هدفٌ‭ ‬تربوي‭ ‬وأخلاقي،‭ ‬ويتوجب‭ ‬أثناء‭ ‬نشر‭ ‬الحكايات‭ ‬مراعاة‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬مؤكداً‭ ‬اإن‭ (‬حكايات‭ ‬الأخوين‭ ‬غريم‭) ‬هذبت‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬نظراً‭ ‬لكون‭ ‬الهدف‭ ‬لغوياً،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هدفاً‭ ‬فولكلورياً،‭ ‬إذ‭ ‬بوصفهم‭ ‬علماء‭ ‬لغة،‭ ‬أرادوا‭ ‬إعداد‭ ‬قاموس‭ ‬للغة‭ ‬الألمانية،‭ ‬وقد‭ ‬جمعوا‭ ‬الحكايات‭ ‬لإحصاء‭ ‬الكلمات‭ ‬على‭ ‬اختلافها‭ ‬في‭ ‬اللهجات‭ ‬الألمانية‭ ‬المختلفة‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬وافق‭ ‬عليه‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي،‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬بأن‭ ‬امركز‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربيةب‭ ‬قام‭ ‬بتحويل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬اللهجة‭ ‬المحكية‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى،‭ ‬ثم‭ ‬ترجم‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬مبيناً‭ ‬اإن‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬تشتغلُ‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تربوي،‭ ‬فحتى‭ ‬الصور‭ ‬البشعة‭ ‬والإجرامية‭ ‬في‭ ‬الحكايات،‭ ‬تعالجُ‭ ‬بشكلٍ‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬المجتمعية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬غير‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬الأزمنة‭ ‬الأخرى‭.‬

هنا‭ ‬يتوقف‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬ليؤكد‭ ‬اأن‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تروى‭ ‬بها‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تصنفها‭ (‬اليونسكو‭) ‬ضمن‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬الماديب،‭ ‬موضحاً‭ ‬بأن‭ ‬اللغة‭ ‬تمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التراث،‭ ‬ولهذا‭ ‬اعندما‭ ‬نجمع‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بلهجاتها‭ ‬المنطوقة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يمثل‭ ‬تراثاً‭ ‬ينبغي‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيهب،‭ ‬ويشير‭ ‬النويري‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي‭ ‬عن‭ (‬الأخوين‭ ‬غريم‭)‬،‭ ‬مبيناً‭ ‬اهناك‭ ‬اتجاه‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬اللغوية‭ ‬ينسب‭ ‬إلى‭ ‬هذين‭ ‬الأخوين‭ ‬يتعلق‭ ‬باللسانيات‭ ‬التاريخية‭ ‬والمقارنة،‭ ‬وأول‭ ‬من‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬اللغة‭ ‬باعتبار‭ ‬اللغة‭ ‬علما،‭ ‬هذان‭ ‬الأخوان،‭ ‬خاصة‭ ‬منهما‭ ‬جاكوب‭ ‬قريم‭ ‬حيثُ‭ ‬بين‭  ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬نصوص‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬الألمانية‭ ‬القديمة،‭ ‬تطور‭ ‬الأصوات‭ ‬عبر‭ ‬القرون،‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬واستخلاصها‭ ‬بطريقة‭ ‬علمية‭ . ‬وتوصل‭ ‬إلى‭ ‬مابات‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬اللسانيات‭ ‬الدياكرونية‭ ‬بـاقانون‭ ‬قريمب‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الذي‭ ‬وجه‭ ‬لهذا‭ ‬المنحى‭ ‬في‭ ‬الدراسة،‭ ‬فإنهُ‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لمعطى‭ ‬نهائي،‭ ‬فالنظريات‭ ‬تتقارع‭ ‬وتتصارع،‭ ‬ويقوم‭ ‬بعضها‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬بعض،‭ ‬بيد‭ ‬أنهُ‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تروى‭ ‬بها‭ ‬الحكايات،‭ ‬فنحنُ‭ ‬امام‭ ‬معطيين‭: ‬أولاً‭: ‬ثروة‭ ‬لغوية‭ ‬وحكائية‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬عبث‭ ‬العابثين،‭ ‬وهذا‭ ‬يحيلنا‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬علينا‭ ‬حفظ‭ ‬المجموع‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬واتاحتهُ‭ ‬للباحثين‭ ‬المتخصصين‭ ‬بمختلف‭ ‬الوسائل،‭ ‬فالباحث‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬الحكايات‭ ‬كما‭ ‬جاءت‭ ‬لغاية‭ ‬معينة‭: ‬اجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬لغوية،‭ ‬أو‭ ‬غاية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمتخيل‭ ‬الجماعي،‭ ‬أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القارئ‭ ‬العادي،‭ ‬الذي‭ ‬تتوجهُ‭ ‬لهُ‭ ‬المطبوعات‭ ‬عادةً،‭ ‬فيتوجب‭ ‬الخروج‭ ‬بالحكايات‭ ‬من‭ ‬بيئتها‭ ‬الضيقة‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬والخروج‭ ‬بها‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عبر‭ ‬لغة‭ ‬مهذبةً‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تنفي‭ ‬اللهجات،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المعطى‭ ‬الثاني‭: ‬طباعة‭ ‬الحكايات‭ ‬بلغة‭ ‬عربية‭ ‬مفهومة،‭ ‬مع‭ ‬انفتاح‭ ‬معقول‭ ‬على‭ ‬اللهجات‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يستغلقُ‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬فهمه،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬المطبوع‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬ذاتهُ‭ ‬المجموع،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بلغة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬ما‭ ‬يمكنُ‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬لمختلف‭ ‬القراء،‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الثقافاتب‭. ‬ويوضحُ‭ ‬النويري‭ ‬اإذا‭ ‬قرأ‭ ‬القارئ‭ ‬البحريني‭ ‬اليوم‭ ‬نصاً‭ ‬بلهجة‭ ‬بحرينية‭ ‬قديمة،‭ ‬قد‭ ‬تستغلقُ‭ ‬عليه‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البلدان،‭ ‬فاللهجات‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬حكمتها‭ ‬تطورات‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬ربما‭ ‬يستعصي‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬اليوم‭ ‬فهم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬كلماتهاب،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬يؤيد‭ ‬النويري‭ ‬ما‭ ‬طرحهُ‭ ‬الأستاذ‭ ‬مسامح،‭ ‬بأن‭ ‬تحفظ‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بشكلين،‭ ‬أصلي،‭ ‬ومنقح‭.‬

وقد‭ ‬أيد‭ ‬الدكتور‭ ‬يتيم‭ ‬ذلك،‭ ‬مبيناً‭ ‬اهناك‭ ‬تجارب‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬العربي،‭ ‬كما‭ ‬لدى‭ ‬الجاحظ،‭ ‬الذي‭ ‬حقق‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬عبر‭ ‬إضافة‭ ‬الشروح‭ ‬إلى‭ ‬هوامشها،‭ ‬وهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬مناسب‭ ‬للحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬فبذلك‭ ‬نحنُ‭ ‬لا‭ ‬نتدخل‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬وإنما‭ ‬نضفي‭ ‬عليه‭ ‬شرحاً‭ ‬مفهوماً‭ ‬للقارئ،‭ ‬فيما‭ ‬تبقى‭ ‬المادة‭ ‬الأصل‭ ‬متاحة‭ ‬لوصول‭ ‬الباحثين‭.‬

أما‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬فقد‭ ‬أثار‭ ‬جانباً‭ ‬مهماً،‭ ‬وهو‭ ‬افتقار‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬للمعاجم‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬اللهجات‭ ‬المحكية،‭ ‬مبيناً‭ ‬اإنه‭ ‬لمن‭ ‬المؤسف‭ ‬افتقار‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لهكذا‭ ‬معاجم،‭ ‬توضحُ‭ ‬عدم‭ ‬انفصال‭ ‬الفصحى‭ ‬عن‭ ‬اللهجات‭ ‬المحكية‭ ‬كما‭ ‬يتصور‭ ‬البعض،‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬المستخدمة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬فصيحة،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭ ‬كذلكب،‭ ‬وتابع‭ ‬اإن‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬راوٍ‭ ‬لآخر،‭ ‬فتلك‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬ألفاظ‭ ‬نابية‭ ‬عند‭ ‬راوٍ،‭ ‬قد‭ ‬تجدها‭ ‬عند‭ ‬آخر‭ ‬بألفاظ‭ ‬أكثر‭ ‬تهذباً،‭ ‬لهذا‭ ‬فالحكايات‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬راويها،‭ ‬وزمن‭ ‬روايتها،‭ ‬وهذا‭ ‬عائدٌ‭ ‬لكون‭ ‬اللغة‭ ‬كائن‭ ‬حي،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تحتوي‭ ‬فيه‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬عالم‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬الثقافية‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والتاريخ،‭ ‬فإنها‭ ‬كذلك‭ ‬تهمُ‭ ‬القارئ‭ ‬العادي،‭ ‬وهذا‭ ‬القارئ‭ ‬بحاجة‭ ‬للغة‭ ‬سهلة،‭ ‬بيد‭ ‬أنهُ‭ ‬ليس‭ ‬شرطاً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اللغة‭ ‬الفصحى،‭ ‬نظراً‭ ‬لكون‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬حولت‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬فصحى،‭ ‬فقدت‭ ‬معناها‭ ‬الشعبي،‭ ‬الذي‭ ‬يحملُ‭ ‬طرفةً‭ ‬أو‭ ‬مقصداً‭ ‬ماب،‭ ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬يوافقُ‭ ‬مرسي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬الحكايات‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬عربية‭ ‬فصيحة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬مفهوم،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفظ‭ ‬ببعض‭ ‬الكلمات،‭ ‬كما‭ ‬اقترح‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري،‭ ‬وكما‭ ‬أوضح‭ ‬الدكتور‭ ‬يتيم،‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اللغة‭ ‬لغة‭ ‬وسيطة‭ ‬اتتيح‭ ‬للقارئ‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬الحكايات‭ ‬أينما‭ ‬كان،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المفردات‭ ‬واللهجات‭ ‬المحلية،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يفسد‭ ‬الحكايات‭ ‬خصوصيتها‭.‬

إمكانات‭ ‬وصول‭ ‬الباحثين

إن‭ ‬حفظ‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬كما‭ ‬جمعت،‭ ‬ضرورة‭ ‬كما‭ ‬يتفق‭ ‬المتناقشون،‭ ‬وذلك‭ ‬ليتسنى‭ ‬للباحثين‭ ‬الوصول‭ ‬لها،‭ ‬ودراستها،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬الدكتور‭ ‬يتيم،‭ ‬إن‭ ‬الأمانة‭ ‬العلمية‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬تتاح‭ ‬للباحث‭ ‬كافة‭ ‬المعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بجمع‭ ‬الحكاية،‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬جمعها،‭ ‬واسم‭ ‬الراوي،‭ ‬وعمرهُ،‭ ‬ومنطقتهُ،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬البيانات،‭ ‬التي‭ ‬أكد‭ ‬الأستاذ‭ ‬علي‭ ‬بأنها‭ ‬متوافرة،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬االحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬المجموعة‭ ‬طبق‭ ‬عليها‭ ‬شروط‭ ‬الجمع‭ ‬الميداني‭ ‬بشكلٍ‭ ‬دقيق،‭ ‬حيثُ‭ ‬سجل‭ ‬اسم‭ ‬الراوي،‭ ‬وعمرهُ‭ ‬وأين‭ ‬يقطن،‭ ‬ومكان‭ ‬ميلاده‭.. ‬إلخ،‭ ‬لهذا‭ ‬سيكون‭ ‬أمام‭ ‬الباحث‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬المتشابهة‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬ولهجات‭ ‬مختلفة،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يقرر‭ ‬أيهما‭ ‬يختار‭ ‬وأيهما‭ ‬الأصوب‭!‬‭.‬

فيما‭ ‬تحفظ‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬أي‭ ‬الحكايات‭ ‬أصوب،‭ ‬مبيناً‭ ‬اأن‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬المأثور‭ ‬الشعبي،‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬المأثور‭ ‬غير‭ ‬الشعبي،‭ ‬فالأخير‭ ‬يرتبطُ‭ ‬بالمخطوطات،‭ ‬والتوصل‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬يقال‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬النص‭ ‬المعتمد،‭ ‬أما‭ ‬المأثور‭ ‬الشعبي‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬نصوصه،‭ ‬هو‭ ‬نص‭ ‬أساسي‭ ‬وعظيم،‭ ‬لهذا‭ ‬فإنهُ‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬نصُ‭ ‬أساسي‭ ‬لتفضيل‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬تلك،‭ ‬فكل‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬أساسية،‭ ‬أما‭ ‬اختلافها‭ ‬فهو‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬الباحث،‭ ‬فيما‭ ‬يعنى‭ ‬القارئ‭ ‬العادي‭ ‬بشكل‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬بداية‭ ‬ونهاية،‭ ‬ولها‭ ‬شكل‭ ‬وهدف،‭ ‬مع‭ ‬إداركه‭ ‬بأن‭ ‬كل‭ ‬الرواة،‭ ‬سيحافظون‭ ‬على‭ ‬الهيكل‭ ‬الجوهري‭ ‬للحكايةب،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مرسي،‭ ‬يذهبُ‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬ليس‭ ‬التعليم‭ ‬وحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬اهدفها‭ ‬الإمتاع،‭ ‬واستثارة‭ ‬الخيال،‭ ‬وغيرها‭ ‬مما‭ ‬يهم‭ ‬القارئ‭.‬

 

مضمون‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية

في‭ ‬سياق‭ ‬مناقشة‭ ‬مضمون‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬أكد‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬معني‭ ‬بالمنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬بها‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬مُثُلها‭ ‬ومبادئها‭ ‬وتصوراتها‭ ‬لطبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬حيثُ‭ ‬يمرر‭ ‬هذا‭ ‬المضمون‭ ‬من‭ ‬السابقين‭ ‬إلى‭ ‬اللاحقين‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬اللغة،‭ ‬وأهم‭ ‬تجلياتها‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬خالدة‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬فيها‭ ‬تغير‭ ‬الزمن؛‭ ‬كالصدق،‭ ‬والأمانة،‭ ‬والشهامة،‭ ‬والخير‭ ‬والجمال‭ ‬والعدل،‭ ‬والحب‭.. ‬إلخ،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أمور‭ ‬متغيرة‭ ‬بتغير‭ ‬الزمن‭ ‬كعلاقة‭ ‬الأفراد‭ ‬بعضهم‭ ‬ببعض،‭ ‬ونظرة‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬الآخر،‭ ‬الذي‭ ‬يعتريها‭ ‬التطور،‭ ‬ويبين‭ ‬النويري‭ ‬اعندما‭ ‬نتأمل‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية،‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬الغث‭ ‬والسمين،‭ ‬فمثلاً‭ ‬هناك‭ ‬حملُ‭ ‬ثقافي‭ ‬متعلقٌ‭ ‬بالنظرة‭ ‬الدونية‭ ‬إلى‭ ‬المرأة،‭ ‬والنظرة‭ ‬إلى‭ ‬الآخر‭ ‬بوصفهِ‭ ‬كافراً،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النظرة‭ ‬الدونية‭ ‬إلى‭ ‬اليهودي،‭ ‬فالحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬جميل،‭ ‬فيها‭ ‬كذلك‭ ‬الشيء‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬غير‭ ‬المقبولة‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬اليوم،‭ ‬كالألفاظ‭ ‬النابية،‭ ‬والسلوكيات‭ ‬المنحرفة،‭ ‬وغيرهاب،‭ ‬لهذا‭ ‬يلحُ‭ ‬النويري‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬دراسة‭ ‬المضمون،‭ ‬وتنقيحه،‭ ‬بيد‭ ‬أنهُ‭ ‬يتساءل‭ ‬اماهي‭ ‬المعايير‭ ‬والمقايييس‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نستند‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬التنقيح‭ ‬والتشذيب،‭ ‬بحيث‭ ‬تتلاءم‭ ‬نصوص‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬مع‭ ‬المثل‭ ‬العصرية،‭ ‬التي‭ ‬أضحينا‭ ‬نتشاركُ‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬غيرنا؟‭.‬

وتعقيباً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل،‭ ‬يتحفظُ‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬التنقيح‭ ‬والتشذيب،‭ ‬مبيناً‭ ‬اهناك‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والمسائل‭ ‬العامة‭ ‬الأخرى،‭ ‬فخلال‭ ‬تجربتي‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬أوقفني‭ ‬عددٌ‭ ‬من‭ ‬الأساتذة‭ ‬الكبار،‭ ‬أثناء‭ ‬مناقشتي‭ ‬لرسالة‭ ‬الماجستير،‭ ‬لأني‭ ‬قمتُ‭ ‬بتنقيح‭ ‬الأغاني‭ ‬الشعبية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬نصوص‭ ‬مهذبة،‭ ‬وما‭ ‬أزال‭ ‬أتذكر‭ ‬حديث‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة،‭ ‬حين‭ ‬قالت‭: (‬على‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬قمت‭ ‬بالتصرف‭ ‬بالنص‭ ‬الشعبي؟‭)‬،‭ ‬فبينتُ‭ ‬لها‭ ‬بأن‭ ‬النص‭ ‬الشعبي‭ ‬لا‭ ‬يصلحُ‭ ‬لأن‭ ‬يقال‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬فيه،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬يحتويه‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬وألفاظ‭ ‬نابية،‭ ‬فعقبت‭: (‬إن‭ ‬النص‭ ‬الذي‭ ‬خجلت‭ ‬من‭ ‬ذكره،‭ ‬هو‭ ‬النص‭ ‬الشعبي،‭ ‬وما‭ ‬قمت‭ ‬بتعديلهُ‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬نصُ‭ ‬معدل‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬نحته‭)‬،‭ ‬وأضافت‭: (‬ليس‭ ‬في‭ ‬العلم‭ ‬تابوهات،‭ ‬ولا‭ ‬يصحُ‭ ‬في‭ ‬الرسائل‭ ‬العلمية‭ ‬أن‭ ‬تتصرفُ‭ ‬كما‭ ‬تشاء،‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬مخجل‭ ‬أو‭ ‬هذا‭ ‬نابي،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬حراً‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬فيما‭ ‬ستنشرهُ‭ ‬للعامة،‭ ‬بيد‭ ‬أنك‭ ‬لست‭ ‬حراً‭ ‬فيما‭ ‬يتعلقُ‭ ‬بالدراسات‭ ‬العلمية‭ ‬المحكمة‭)‬‭.‬

من‭ ‬جانبه‭ ‬بين‭ ‬الدكتور‭ ‬يتيم،‭ ‬بأن‭ ‬اهناك‭ ‬فلسفة‭ ‬للنشر،‭ ‬تترتبُ‭ ‬عليها‭ ‬مسؤوليات‭ ‬أخلاقية‭ ‬وأكاديمية،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬النشر‭ ‬الموجه‭ ‬للعامة‭ ‬يختلفُ‭ ‬عن‭ ‬النشر‭ ‬العلمي،‭ ‬لهذا‭ ‬ستجدُ‭ ‬نسخاً‭ ‬مختلفة‭ ‬لمؤلفات‭ (‬شكسبير‭) ‬أو‭ (‬ديكنز‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬ستجد‭ ‬نسخاً‭ ‬موجهة‭ ‬للكبار‭ ‬وأخرى‭ ‬للصغار‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ (‬هاري‭ ‬بوتر‭) ‬مثلاً،‭ ‬وهذا‭ ‬مفقود‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬للأسف،‭ ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬معرفة‭ ‬المستهدف،‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬فلسفة‭ ‬النشرب‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يتفق‭ ‬معهُ‭ ‬الأستاذ‭ ‬مسامح،‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬تأكيدهُ‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬النصوص‭ ‬الأصلية‭ ‬محفوظة،‭ ‬ومتاحة‭ ‬للباحثين،‭ ‬وذلك‭ ‬لتتبع‭ ‬تطور‭ ‬واختلاف‭ ‬اللهجات‭ ‬والقصص‭ ‬من‭ ‬زمان‭ ‬لآخر‭. ‬وقد‭ ‬عبر‭ ‬النويري‭ ‬عن‭ ‬مساندته‭ ‬لهذا‭ ‬الرأي‭ . ‬مبينا‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬نصوص‭ ‬متاحة‭ ‬للجمهور‭ ‬العريض‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬والأطفال‭ ‬وأخرى‭ ‬متاحة‭ ‬للباحثين‭. ‬الباحث‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬كما‭ ‬جاءه‭. ‬أما‭ ‬الحكاية‭ ‬التي‭ ‬يقرأها‭ ‬الأب‭ ‬أو‭ ‬الأم‭ ‬للطفل‭ ‬قبل‭ ‬نومه‭ ‬لا‭ ‬يحسن‭ ‬أن‭ ‬تحتوي‭ ‬ما‭ ‬يشوش‭ ‬تربيته‭ ‬كالنظرة‭ ‬الدونية‭ ‬للمرأة‭ ‬أو‭ ‬التحقير‭ ‬من‭ ‬الآخر‭ ‬بسبب‭ ‬لونه‭ ‬أو‭ ‬ديانته‭ .‬

وقد‭ ‬عاد‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي‭ ‬ليبين‭ ‬أن‭ ‬االحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬تختلفُ‭ ‬باختلاف‭ ‬المستمع،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬مرتبطٌ‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬بفلسفة‭ ‬النشر،‭ ‬إذ‭ ‬تجدُ‭ ‬الراوي،‭ ‬يستبدلُ‭ ‬بعض‭ ‬الألفاظ،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث،‭ ‬حين‭ ‬يروي‭ ‬الحكاية‭ ‬إلى‭ ‬أطفال،‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬سيقولهُ‭ ‬لو‭ ‬أنهُ‭ ‬رواها‭ ‬للكبار،‭ ‬فالحكاية‭ ‬ليست‭ ‬قالبا‭ ‬جامدا،‭ ‬بل‭ ‬شكل‭ ‬متحرك‭ ‬حسب‭ ‬الفئة‭ ‬المستهدفة،‭ ‬فالراوي‭ ‬يدركُ‭ ‬بحساسية‭ ‬طبيعة‭ ‬السياق‭ ‬الحكائي‭ ‬ومن‭ ‬يحكي‭ ‬لهم،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬الناشر‭ ‬لهذه‭ ‬الحكايات،‭ ‬لا‭ ‬يمتلكٌ‭ ‬سياقاً،‭ ‬كالسياق‭ ‬الذي‭ ‬يراهُ‭ ‬ويتلمسهُ‭ ‬الراوي‭ ‬أثناء‭ ‬حكاية‭ ‬الحكايةب،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬شدد‭ ‬عليه‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري،‭ ‬إذ‭ ‬أكد‭ ‬بأن‭ ‬امقام‭ ‬الحكي‭ ‬غير‭ ‬مقام‭ ‬الكتابة،‭ ‬نظراً‭ ‬لكون‭ ‬الراوي‭ ‬في‭ ‬مقام‭ ‬الحكي‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬يروي‭ ‬لهُ‭ ‬الحكاية،‭ ‬ويزنُ‭ ‬كلامهُ‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬ذلك‭ ‬بالتعديل‭ ‬والتهذيب‭.‬

ويتفقُ‭ ‬الأستاذ‭ ‬مسامح‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬مبيناً‭ ‬انحنُ‭ ‬إذاً‭ ‬أمام‭ ‬إشكاليات‭ ‬واستراتيجيات‭ ‬النشر‭ ‬والكتابة،‭ ‬والمطلوب‭ ‬منا‭ ‬كجامعي‭ ‬حكايات‭ ‬شعبية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نلتزم‭ ‬المعايير‭ ‬العلمية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والاشتراطية،‭ ‬لجمع‭ ‬وحفظ‭ ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي،‭ ‬وهذا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬خاضعٌ‭ ‬لعنصر‭ ‬الزمن،‭ ‬فهذه‭ ‬المعايير‭ ‬والاخلاقيات‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬لآخر،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬لآخر،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مقتصرُ‭ ‬على‭ ‬النشر‭ ‬العام،‭ ‬فيما‭ ‬الحفظ‭ ‬والتوثيق،‭ ‬يتوجب‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬بشكلهِ‭ ‬الأصل،‭ ‬حيثُ‭ ‬يطمئن‭ ‬الباحث‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬وثائق‭ ‬تحفظُ‭ ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله،‭ ‬ويمكنُ‭ ‬الرجوع‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭.‬

وأكد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬بأن‭ ‬أحداً‭ ‬لا‭ ‬يمكنهُ‭ ‬تغيير‭ (‬الموتيفات‭) ‬الشعبية،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الشكل،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬مسار‭ ‬الحكاية،‭ ‬مضيفاً‭ ‬اإن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬لجامع‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬أن‭ ‬يغيرهُ‭ ‬هو‭ ‬بعض‭ ‬الجوانب‭ ‬الهامشية،‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بالعناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬المشتركة‭ ‬للحكايات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تتعرضُ‭ ‬لهُ‭ ‬الحكاية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تداولها‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬والأزمنة،‭ ‬وتأكيداً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يروي‭ ‬مرسي‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لهُ‭ ‬أثناء‭ ‬تدريسه‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬إذ‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬تلامذته‭ ‬أن‭ ‬يكتبوا‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬كما‭ ‬يرويها‭ ‬هو،‭ ‬فبدأ‭ ‬بروايتها،‭ ‬وتسلم‭ ‬منهم‭ ‬تدويناتها‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬ليكتشف‭ ‬بأن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬حولوا‭ (‬الشاطر‭ ‬حسن‭) ‬من‭ ‬درويش‭ ‬هائم‭ ‬على‭ ‬وجهه،‭ ‬إلى‭ ‬راعي،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬دقق‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬المدونين‭ ‬وجدها‭ ‬لطلبة‭ ‬من‭ ‬وسط‭ ‬أفريقيا،‭ ‬فسألهم‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬تحويلهم‭ (‬الشاطر‭ ‬حسن‭) ‬من‭ ‬درويش‭ ‬إلى‭ ‬راعي،‭ ‬حيثُ‭ ‬بينوا‭ ‬بأنهم‭ ‬أعادوا‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬منبعهم‭ ‬الثقافي،‭ ‬بيد‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يفقدوا‭ ‬الحكاية‭ ‬جوهرها‭.‬

من‭ ‬جانبه‭ ‬شدد‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬على‭ ‬جوهرية‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬تدوين‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬مبيناً‭ ‬اإن‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬لنشر‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬وإمكانية‭ ‬تهذيبها،‭ ‬قضية‭ ‬جوهرية‭ ‬تتعلقُ‭ ‬بثمرة‭ ‬النص،‭ ‬ومآله،‭ ‬فالسؤال‭: ‬هل‭ ‬سيكون‭ ‬لهذا‭ ‬النص‭ ‬صداهُ‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشباب‭ ‬المحلي؟‭ ‬وهل‭ ‬سيكون‭ ‬لهذا‭ ‬النص‭ ‬صيرورة؟‭ ‬وهل‭ ‬سيكتسح‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭ ‬أم‭ ‬سيبقى‭ ‬نصاً‭ ‬باهتاً‭ ‬وكئيباً؟ب‭ ‬لهذا‭ ‬يرى‭ ‬النويري‭ ‬اوجوب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬مؤهل‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬النص،‭ ‬ليقوم‭ ‬بالاشتغال‭ ‬عليه‭.‬

وتعقيباً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬طرحهُ‭ ‬النويري،‭ ‬لفت‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬كلمة‭ ‬اتهذيبب‭ ‬للنص‭ ‬لا‭ ‬يجوز،‭ ‬نظراً‭ ‬لكون‭ ‬أحداً‭ ‬ليس‭ ‬مخولاً‭ ‬بتهذيب‭ ‬النص‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬لهُ‭ ‬الشيوع‭ ‬منذُ‭ ‬أزمنة،‭ ‬إنما‭ ‬ايفضلُ‭ ‬اختيار‭ ‬النص‭ ‬الأكثر‭ ‬أخلاقية،‭ ‬والإبقاء‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬النصوص،‭ ‬كيفما‭ ‬كانت،‭ ‬محفوظة‭ ‬للرجوع‭ ‬إليها‭ ‬كما‭ ‬اقترح‭ ‬سابقاً‭.‬

فيما‭ ‬أكد‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬الأدب‭ ‬وهو‭ ‬الإرتقاء‭ ‬بذائقة‭ ‬المتلقي،‭ ‬مبيناً‭ ‬االحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي،‭ ‬وعليه‭ ‬يتوجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬الالتقاء‭ ‬بعقل‭ ‬المتلقي،‭ ‬وتأخذهُ‭ ‬إلى‭ ‬آفق‭ ‬أكثر‭ ‬رحابة‭ ‬من‭ ‬الأفق‭ ‬الذي‭ ‬ينزل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬العامة،‭ ‬ويتقوقع‭ ‬فيه،‭ ‬لهذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬النص‭ ‬الحكائي‭ ‬بوصفه‭ ‬نصاً‭ ‬إبداعياً‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يرتقي‭ ‬بذائقة‭ ‬المتلقي‭ ‬ككل‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فإن‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬بذلك،‭ ‬ولم‭ ‬ينم‭ ‬المخيلة،‭ ‬ويعزز‭ ‬القيم‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬قارئه،‭ ‬فلا‭ ‬خير‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النصب،‭ ‬وتابع‭ ‬النويري‭ ‬اأنا‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النص‭ ‬المنشور‭ ‬للعامة،‭ ‬نصاً‭ ‬مشذباً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حوامل‭ ‬النص‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬المثل‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحالي،‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يجرنا‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬إليه‭ ‬بكل‭ ‬سيئاته،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نجر‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬فضاءاتنا‭ ‬المعاصرة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أدعو‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬نصوص‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالباحثين‭ ‬الرشد‭.‬

وهنا‭ ‬لفت‭ ‬الأستاذ‭ ‬مسامح،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القيام‭ ‬بذلك،‭ ‬لن‭ ‬يوقف‭ ‬النص‭ ‬الشعبي‭ ‬المتداول،‭ ‬اإننا‭ ‬بفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نوقف‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬استمراريتهم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الحكايات‭ ‬بكل‭ ‬غثها‭ ‬وسمينها،‭ ‬وكما‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬لدى‭ ‬الناس‭ ‬سابقاً،‭ ‬سيستمرُ‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬إنتاجها‭ ‬الآن‭ ‬ومستقبلاً،‭ ‬لهذا‭ ‬ما‭ ‬نزال‭ ‬نشهدُ‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬المنصات،‭ ‬محاولات‭ ‬لاجتثاث‭ ‬الآخر؛‭ ‬الآخر‭ ‬الديني،‭ ‬والطائفي،‭ ‬والثقافي،‭ ‬والإثني‭.. ‬إلخ،‭ ‬فالنص‭ ‬رهين‭ ‬الحالة‭ ‬الثقافية‭ ‬العامة،‭ ‬إذ‭ ‬عندما‭ ‬تتحققُ‭ ‬إشاعة‭ ‬القيم‭ ‬النبيلة،‭ ‬سيرتقي‭ ‬النص‭ ‬بارتقاء‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم‭.‬

إلى‭ ‬ذلك‭ ‬لفت‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري،‭ ‬أن‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬تنشر‭ ‬لمختلف‭ ‬اللغات‭ ‬والثقافات‭ ‬العالمية،‭ ‬يتوجب‭ ‬أن‭ ‬يراعى‭ ‬فيها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العناصر،‭ ‬أهمها‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬امراعاة‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الشعوب،‭ ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬اختيار‭ ‬تلك‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تجعلُ‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬الثقافات‭ ‬الأخرى‭ ‬بأبعادها‭ ‬الإنسانية‭ ‬الشاملة‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬االقيم‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬مختلف‭ ‬ثقافات‭ ‬العالم،‭ ‬كقيم‭ ‬الحق،‭ ‬والعدل‭.. ‬إلخب،‭ ‬مبيناً‭ ‬اإن‭ ‬ما‭ ‬يختلف‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬هي‭ ‬الصورة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬العلياب،‭ ‬وعليه‭ ‬يرى‭ ‬مرسي‭ ‬بأن‭ ‬مراعاة‭ ‬الاختلافات‭ ‬الثقافية،‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الجدير‭ ‬بالتحفظ‭ ‬عليه،‭ ‬نظراً‭ ‬لكون‭ ‬الباحث‭ ‬سيبحث‭ ‬عن‭ ‬المشتركات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الحكايات‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وسيستطيع‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬المشتركة،‭ ‬وتلك‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تخصُ‭ ‬شعب‭ ‬عن‭ ‬آخر‭. ‬لهذا‭ ‬يدعو‭ ‬مرسي‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬اأن‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬الحكايات‭ ‬هو‭ ‬إيصالها‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الحالية‭ ‬والقادمة‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الدكتور‭ ‬النويري‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ادراسة‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬مهمة،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬الأبعاد‭ ‬الجمالية،‭ ‬والمثل‭ ‬العليا‭ ‬التي‭ ‬تجسدها،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لدراسة‭ ‬الرموز‭ ‬والعناصر‭ ‬التي‭ ‬تحتويها،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬للقارئ‭ ‬بأنها‭ ‬عناصر‭ ‬بسيطة،‭ ‬بيد‭ ‬أنها‭ ‬ذات‭ ‬دلالات‭ ‬ورموز‭ ‬تربوية،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬حللناها‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬أنثروبولوجية،‭ ‬فالباحث‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬الدراسة،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استنباط‭ ‬هذه‭ ‬الدلالات،‭ ‬واستثمار‭ ‬مختلف‭ ‬نصوص‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبيةب،‭ ‬مبيناً‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬قام‭ ‬أحد‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬المعروفين‭ ( ‬بوحديبة‭ ) ‬بتحليل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬التونسية‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬استنتج‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬بسيطة،‭ ‬ومجرد‭ ‬حكايات‭ ‬تسلوية‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الدلالات،‭ ‬تحملُ‭ ‬حملاً‭ ‬ثقافياً‭ ‬وتربوياً‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬العمق‭ ‬والأهمية،‭ ‬لهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬النويري‭ ‬اإن‭ ‬أهمية‭ ‬دراسة‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬ضرورة‭ ‬من‭ ‬ضرورات‭ ‬كشف‭ ‬المدلولات،‭ ‬وتبيان‭ ‬العمق‭ ‬الثقافي‭.‬

وقد‭ ‬أيدهُ‭ ‬الدكتور‭ ‬مرسي،‭ ‬الذي‭ ‬أضاف‭ ‬اإن‭ ‬ذلك‭ ‬يجرنا‭ ‬لضرورة‭ ‬أن‭ ‬تنشر‭ ‬الحكايات‭ ‬بمقدمة‭ ‬ترشد‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬مفاتيح‭ ‬النص،‭ ‬يقوم‭ ‬بكتابتها‭ ‬مختص،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يرشد‭ ‬القارئ‭ ‬العربي‭ ‬بذات‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬سيرشد‭ ‬فيها‭ ‬القارئ‭ ‬البحريني‭ ‬لحكاياته‭ ‬الشعبية،‭ ‬لهذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تقدمُ‭ ‬كافة‭ ‬النصوص‭ ‬بمفاتيح‭ ‬إرشاديةب،‭ ‬مبيناً‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تترجم‭ ‬كافة‭ ‬المفردات‭ ‬من‭ ‬المحكي‭ ‬إلى‭ ‬الفصيح،‭ ‬افالقارئ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يجتهد‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬استكشاف‭ ‬المعنى،‭ ‬وما‭ ‬وراءهُ‭ ‬من‭ ‬دلالات‭.‬