فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم

(البوييرا).. إفرادةٌ كالجناح

العدد 46 - لوحة الغلاف
(البوييرا).. إفرادةٌ كالجناح
مملكة البحرين

في الحديث عن (أمريكا اللاتينية)، أو كما يصفها الأديب الأوروغواياني إدواردو غاليانو بـ «الإقليم ذو الشرايين المفتوحة»، لابد من التوقف أمام جلال هذه القارة بكل ما لها من تراثٍ حضاري وثقافي مُزج ذات يوم بالألم والحسرات... بيد أن تلك الشرايين المفتوحة، تداخلت بعضها في البعض الآخر، لتخلق مزيجاً حضارياً استثنائياً على مختلف الأصعدة.

على غلافنا الخلفي لهذا العدد، نستعرضُ فتاةً ترقصُ رقصةً فولكلورية، وهي ترتدي البوييرا (pollera)، الزي التقليدي الذي ترتديه النسوة في جمهورية بنما، وعدد من دول أمريكا اللاتينية. وتشير كلمة (بوييرا) الإسبانية، للتنورة الكبيرة المكونة من قطعةً واحدة، وهذا الزي، كما هو مذكور في «الموسوعة الحرة»، يستخدمُ في الاحتفالات التقليدية والفولكلورية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ويصنعُ من مواد مختلفة، بيد أنهُ يطعم بأجمل الزخارف المطرزة، وهو «شكل من أشكال اللباس الاستعماري الإسباني الذي تم تطبيقه في وقت ما بين القرنين 16 و17 على السكان الأصليين في جبال الأنديز»، ومنذُ ذلك الحين أخذ طابعاً شعبياً، وصار زياً تقليدياً لدى عدد من هذه الشعوب، خاصة البنميون.

وبالرغم من كون تاريخ العالم الجديد حافلٌ بالإنتهاك، فهو كذلك حافلٌ بالموسيقى والرقص، فمنذُ وصول المستعمر الأوروبي إلى هذا العالم، حدثت الكثير من التغيرات الجذرية التي أدت لمخرجات جديدة على الصعيد السوسيولوجي، واللغوي، والديني، بل وحتى الاثنولوجي، بالإضافة للتمازج الثقافي والحضاري -الاختياري أو الإجباري- بين الإسبان، بوصفهم غزاة الجزء الأكبر من أمريكا، وبين ثقافات الشعوب المختلفة التي كانت تقطنُ على امتداد خارطة أمريكا الوسطى والجنوبية.

هذه التغيرات الجذرية امتدت للثقافات الشعبية السائدة في تلك البلدان، فنجد البنميون يمتازون بتراثهم الموسيقي وفنونهم الأدائية الحركية، التي تشكلُ في جوهرها مزيجاً متعدد الثقافات، بيد أن الصبغة الإسبانية تفرضُ حضورها، كما فعلت على الصعيد اللغوي، ومن أبرز رقصاتهم الفولكلورية، رقصة التامبوريتو (Tamborito) التي ترقص مزاوجةً بين النساء والرجال، حيثُ ترتدي النساء زي (البوييرا)، المطواع لحركة الجسد الإنسيابية، والذي يتشكل كطائر يفرد جناحيه، متباهياً بجمال ريشه، وأهلية جيناته، فيما يرتدي الرجال الزي التقليدي المكون من بنطال أسود، وقميص أبيض، ويعتمرون القبعة التقليدية المصنوعة من القش، والتي تسمى سومبريرو بينتاو (Sombrero Pintao).

وتعدُ هذه الرقصة والموسيقى المصاحبة لها، نموذجاً لهذا التمازج الثقافي، فهي توليفة من الأداء الجسدي الخليط بين الإسباني والأفريقي والأمريكي اللاتيني، أما إيقاعاتها فتتم باستخدام أنواع محددة من الطبول، كما تستخدم العديد من الآلات الموسيقية فيها، كالغيتار الإسباني، والهاون العربي.

أعداد المجلة