اللغة العدد
الزيتونة شجرة الحياة: دراسة تحليلية لحضورها الرمزي والوظيفي في عادات الموت والعدّة بجزيرة جربة
الزيتونة شجرة الحياة: دراسة تحليلية لحضورها الرمزي والوظيفي في عادات الموت والعدّة بجزيرة جربة
العدد 47 - عادات وتقاليد

 

أ‭. ‬عماد‭ ‬بن‭ ‬صالح‭ ‬-‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس

 

إنّ‭ ‬الموت‭ ‬باعتباره‭ ‬انتقالا‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬النسبي‭ ‬إلى‭ ‬الزمن‭ ‬المطلق‭ ‬قد‭ ‬عرفته‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتعايشت‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬زمان‭ ‬ومكان،‭ ‬فلا‭ ‬وجود‭ ‬لأمّة‭ ‬لم‭ ‬يطرق‭ ‬بابها‭ ‬ولم‭ ‬تكتو‭ ‬بنار‭ ‬فراق‭ ‬الأحبّة‭. ‬فهو‭ ‬يخلّف‭ ‬حزنا‭ ‬عميقا‭ ‬ولوعة‭ ‬كبرى‭ ‬ويكشف‭ ‬عن‭ ‬حيرة‭ ‬الإنسان‭ ‬وعجزه‭ ‬أمام‭ ‬القدر‭. ‬فتلك‭ ‬هي‭ ‬اطبيعة‭ ‬الحياة،‭ ‬خلق،‭ ‬فولادة‭ ‬وشباب،‭ ‬فكهولة‭ ‬وشيخوخة‭ ‬فموتب1‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬تستوجب‭ ‬الموت‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬فرحة‭ ‬بالميلاد،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬حتما‭ ‬حزن‭ ‬بالفناء‭. ‬على‭ ‬اختلافها‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬فقد‭ ‬عرفت‭ ‬كلّ‭ ‬الثقافات‭ ‬أشكالا‭ ‬متعدّدة‭ ‬وطقوسا‭ ‬متنوّعة‭ ‬وممارسات‭ ‬مختلفة‭ ‬تجمع‭ ‬على‭ ‬ضعفها‭ ‬وتقرّ‭ ‬بعجزها‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المصير‭ ‬المحتوم‭ (‬صورة‭ ‬عدد‭ ‬1‭). ‬وقد‭ ‬عبّرت‭ ‬كلّ‭ ‬الثقافات‭ ‬عن‭ ‬حرقتها‭ ‬ولوعتها‭ ‬قولا‭ ‬وفعلا‭ ‬وممارسة‭ ‬ممّا‭ ‬شكّل‭ ‬مادّة‭ ‬ثريّة‭ ‬للبحث‭ ‬تناولتها‭ ‬مختلف‭ ‬الاختصاصات‭ ‬بالدراسة‭ ‬والتمحيص2‭. ‬فأخضعتها‭ ‬إلى‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭ ‬لتحليل‭ ‬مضامينها‭ ‬وفق‭ ‬مقاربات‭ ‬متعدّدة،‭ ‬فبيّنت‭ ‬كيفيّة‭ ‬تعامل‭ ‬مختلف‭ ‬المجتمعات‭ ‬والطوائف‭ ‬مع‭ ‬الموت‭ ‬والموتى‭. ‬غير‭ ‬أنّه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الموت‭ ‬هو‭ ‬بداية‭ ‬النهاية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للشخص‭ ‬المتوفّى،‭ ‬فإنّه‭ ‬نقطة‭ ‬بداية‭ ‬لسلسلة‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬والممارسات‭ ‬لدى‭ ‬عائلة‭ ‬المتوفّى‭ ‬وخاصّة‭ ‬لدى‭ ‬الأرملة‭.‬

تتميّز‭ ‬عادات‭ ‬وطقوس‭ ‬الموت‭ ‬بهيمنة‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬جلّ‭ ‬فتراتها‭ ‬ومراسمها‭. ‬فمنذ‭ ‬سكرات‭ ‬الموت‭ ‬ولحظاتها‭ ‬الأولى،‭ ‬تلعب‭ ‬المرأة‭ ‬دورا‭ ‬مهمّا‭ ‬في‭ ‬الإعلان‭ ‬على‭ ‬الفاجعة‭ ‬سلوكا‭ ‬وفعلا‭ ‬وقولا‭. ‬فتعمل‭ ‬على‭ ‬إظهار‭ ‬حزنها‭ ‬المطبق‭ ‬بشتّى‭ ‬الوسائل،‭ ‬كالحرص‭ ‬على‭ ‬ارتداء‭ ‬ثياب‭ ‬سوداء‭ ‬داكنة‭ ‬طيلة‭ ‬المأتم‭ ‬والجنوح‭ ‬إلى‭ ‬الصياح‭ ‬والعويل‭ ‬والندب3‭. ‬وبقدر‭ ‬بسط‭ ‬نفوذها‭ ‬على‭ ‬المأتم‭ ‬داخل‭ ‬المنزل،‭ ‬بقدر‭ ‬إقصائها‭ ‬عن‭ ‬موكب‭ ‬الجنازة‭ ‬لاحقا‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الأعراف‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬تأبى‭ ‬مرافقة‭ ‬النساء‭ ‬لموكب‭ ‬الجنازة‭ ‬وتنكر‭ ‬عليهنّ‭ ‬التحوّل‭ ‬إلى‭ ‬المقبرة‭ ‬ومتابعة‭ ‬مراسم‭ ‬الدفن‭ ‬عن‭ ‬قرب‭. ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬المنع‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬تعاليم‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬الّذي‭ ‬أكّد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬ملازمتهنّ‭ ‬منزل‭ ‬المتوفّى‭. ‬فبعد‭ ‬إلقاء‭ ‬النظرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لوداع‭ ‬المتوفّى،‭ ‬تلزمهنّ‭ ‬الضوابط‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬بملازمة‭ ‬المكان‭ ‬فلا‭ ‬يتخطّين‭ ‬عتبة‭ ‬المنزل‭ ‬ولا‭ ‬يبارحن‭ ‬المقام‭. ‬فما‭ ‬إن‭ ‬يحمل‭ ‬النعش‭ ‬على‭ ‬الأكتاف‭ ‬للتوجّه‭ ‬إلى‭ ‬المقبرة،‭ ‬حتى‭ ‬تتنافسن‭ ‬في‭ ‬الصياح‭ ‬والندب‭ ‬واللّطم‭. ‬يظلّ‭ ‬صدى‭ ‬صياحهنّ‭ ‬المولول‭ ‬وعويلهنّ‭ ‬المفزع‭ ‬يتابع‭ ‬سير‭ ‬الجنازة‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬رمق،‭ ‬فيكسّر‭ ‬صمت‭ ‬الرجال‭ ‬ويضفي‭ ‬قتامة‭ ‬خاصّة‭ ‬على‭ ‬المشهد‭.‬‭ ‬

لقد‭ ‬اجتهد‭ ‬الفقهاء‭ ‬لتفسير‭ ‬دواعي‭ ‬هذا‭ ‬الحرمان،‭ ‬فأرجعوا‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬الاختلاط‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬العامّة،‭ ‬خاصّة‭ ‬أثناء‭ ‬المناسبات‭ ‬الحزينة‭ ‬حيث‭ ‬العيون‭ ‬الدامعة‭ ‬والقلوب‭ ‬الملتاعة‭. ‬بينما‭ ‬أدّعى‭ ‬فريق‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬أنّ‭ ‬مردّ‭ ‬هذا‭ ‬المنع‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬انضباط‭ ‬النساء‭ ‬قلّة‭ ‬صبرهنّ‭ ‬وردودهنّ‭ ‬الانفعاليّة‭ ‬وانسياقهنّ‭ ‬وراء‭ ‬العواطف‭ ‬الجيّاشة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬ارباك‭ ‬موكب‭ ‬الجنازة‭ ‬وتعطيل‭ ‬مراسم‭ ‬الدفن،‭ ‬والحال‭ ‬أنّ‭ ‬إكرام‭ ‬الميّت‭ ‬يقتضي‭ ‬الإسراع‭ ‬في‭ ‬دفنه‭. ‬على‭ ‬أهمّيته،‭ ‬إلّا‭ ‬أنّنا‭ ‬لا‭ ‬نشاطر‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬الأخير،‭ ‬فنرى‭ ‬أنّ‭ ‬التأويل‭ ‬الأوّل‭ ‬أقوى‭ ‬حجّة‭ ‬وأكثر‭ ‬إقناعا‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الاقصاء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بغريب‭ ‬ولا‭ ‬بجديد،‭ ‬فلا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إلّا‭ ‬تتمّة‭ ‬لبقيّة‭ ‬الممنوعات‭ ‬المسلّطة‭ ‬على‭ ‬المرأة‭. ‬فباعتبار‭ ‬أنّ‭ ‬المقبرة‭ ‬فضاء‭ ‬عامّ،‭ ‬ورد‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬متناغما‭ ‬مع‭ ‬إقصائها‭ ‬منه‭ ‬ومنسجما‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬التشريع‭ ‬الّذي‭ ‬يدعو‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬ملازمة‭ ‬بيتها‭ ‬وينكر‭ ‬عليها‭ ‬اقتحام‭ ‬معترك‭ ‬الحياة‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدّم،‭ ‬نعتبر‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬دخل‭ ‬للعواطف‭ ‬ولا‭ ‬للأحزان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنع‭. ‬لأنّ‭ ‬الإنسان‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذكرا‭ ‬أم‭ ‬أنثى‭ ‬يتألّم‭ ‬لمجرّد‭ ‬فقدان‭ ‬حيوان‭ ‬أليف،‭ ‬فما‭ ‬بالنا‭ ‬لمّا‭ ‬يصاب‭ ‬في‭ ‬إنسان‭ ‬قريب‭ ‬وعزيز‭ ‬على‭ ‬قلبه‭! 

رغم‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الإقصاء‭ ‬الجائر‭ ‬قد‭ ‬حرمها‭ ‬من‭ ‬مرافقة‭ ‬أعزّاء‭ ‬أقرب‭ ‬النّاس‭ ‬إليها‭ ‬إلى‭ ‬مثواهم‭ ‬الأخير،‭ ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬تستعيد‭ ‬المرأة‭ ‬بسط‭ ‬نفوذها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬مجريات‭ ‬الأحداث‭ ‬خلال‭ ‬المأتم‭. ‬فنجدها‭ ‬قد‭ ‬أحكمت‭ ‬قبضتها‭ ‬مجدّدا‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬طقوس‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬والدفن،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬االفرقب‭ ‬وهو‭ ‬يصادف‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬للوفاة‭ ‬ونفس‭ ‬يوم‭ ‬انطلاق‭ ‬عدّة‭ ‬الأرملة‭. ‬رغم‭ ‬ديمومتها‭ ‬فإنّ‭ ‬دورة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬جربة،‭ ‬تأبى‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬تحطّ‭ ‬الرّحال‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬زيتونة‭ ‬وارفة‭ ‬أغصانها‭ ‬تعانق‭ ‬السماء‭ ‬في‭ ‬زرقتها‭ ‬حيث‭ ‬تسافر‭ ‬الرّوح‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أتت‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬خالقها‭. ‬للزيتونة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الحياة‭ ‬فصل‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬بالموت‭. ‬وهذا‭ ‬الفصل‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬بدوره‭ ‬عن‭ ‬دورة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الجزيرة،‭ ‬فهي‭ ‬مناسبة‭ ‬اجتماعيّة‭ ‬لها‭ ‬عادات‭ ‬وطقوس‭ ‬شديدة‭ ‬الارتباط‭ ‬بالزيتونة‭. ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬الموت‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬بعضها‭ ‬مشترك‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬محليّ‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬أهل‭ ‬المتوفّى‭ ‬في‭ ‬جربة‭ ‬يتملّكهم‭ ‬حزن‭ ‬مطبق‭ ‬فيعرضون‭ ‬عن‭ ‬إعداد‭ ‬الطعام‭ ‬لمدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬يمتنعون‭ ‬خلالها‭ ‬عن‭ ‬إشعال‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬المتوفّى‭ ‬اعتقادا‭ ‬منهم‭ ‬بأنها‭ ‬تلحق‭ ‬به‭ ‬الأذى‭ ‬في‭ ‬قبره4‭. ‬فيتكفّل‭ ‬الأقارب‭ ‬والجيران‭ ‬بإطعامهم‭ ‬طيلة‭ ‬هذه‭ ‬المدّة،‭ ‬وهذا‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التكافل‭ ‬والتضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬جزيريّ‭ ‬تحكمه‭ ‬الأعراف‭ ‬الأصيلة‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬مظاهر‭ ‬الحزن‭ ‬عند‭ ‬الوفاة؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬فيها؟‭ ‬كيف‭ ‬يتجلّى‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬ولماذا؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موقع‭ ‬أرملة‭ ‬المتوفّى‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬هذا؟‭ ‬كيف‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬حزنها؟‭ ‬ماهي‭ ‬طبيعة‭ ‬التزاماتها‭ ‬الاجتماعيّة؟‭ ‬هل‭ ‬هي‭ ‬دائمة‭ ‬أم‭ ‬ظرفيّة؟‭ ‬ماهي‭ ‬الأبعاد‭ ‬الدلاليّة‭ ‬للطقوس‭ ‬المصاحبة‭ ‬لذلك؟‭ ‬ما‭ ‬سرّ‭ ‬الماء‭ ‬وشجرة‭ ‬الزيتون‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الحزن؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أبعادهما‭ ‬الدلاليّة؟

من‭ ‬المشترك‭ ‬أنّه‭ ‬عندما‭ ‬يموت‭ ‬الزوج‭ ‬تمرّ‭ ‬الأرملة‭ ‬وجوبا‭ ‬بمرحلة‭ ‬العدّة‭ ‬والّتي‭ ‬عرّفها‭ ‬الفقهاء‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬افترة‭ ‬تربّص‭ ‬إلزاميّة‭ ‬واجبة‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬امرأة‭ ‬فقدت‭ ‬زوجها‭ ‬بوفاة‭ ‬أو‭ ‬بطلاق،‭ ‬تكون‭ ‬بعد‭ ‬انقضائها‭ ‬المرأة‭ ‬حرّة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتزوّج‭ ‬من‭ ‬جديدب5‭. ‬وقد‭ ‬حدّد‭ ‬الشرع‭ ‬عدّة‭ ‬الأرملة‭ ‬بأربعة‭ ‬أشهر‭ ‬وعشرة‭ ‬أيام‭ ‬استنادا‭ ‬على‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬اوالّذين‭ ‬يتوفّين‭ ‬منكم‭ ‬ويذرون‭ ‬أزواجا‭ ‬يتربّصن‭ ‬بأنفسهنّ‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬وعشراب‭ ‬6‭. ‬يتّفق‭ ‬الفقهاء‭ ‬أنّ‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬احترام‭ ‬روح‭ ‬الزوج‭ ‬المتوفّى‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ولبيان‭ ‬براءة‭ ‬الرّحم‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى7،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الإسلام‭ ‬قد‭ ‬حرص‭ ‬كلّ‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬اختلاط‭ ‬الأنساب‭. ‬وتتميز‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬بتراكم‭ ‬العادات‭ ‬والطقوس‭ ‬وتعدّد‭ ‬المسؤوليّات‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬الأرملة‭ ‬والّتي‭ ‬سنتولّى‭ ‬دراستها‭ ‬واقتفاء‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬عبر‭ ‬تتبّع‭ ‬مرحلتيها‭ ‬الأساسيّتين‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬جربة،‭ ‬هما‭ ‬تباعا‭ ‬مرحلة‭ ‬دخول‭ ‬الأرملة‭ ‬في‭ ‬العدّة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬خروجها‭ ‬منها‭ ‬وعودتها‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭.‬

 

مرحلة‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬العدّة

في‭ ‬ظلّ‭ ‬حزن‭ ‬عميق‭ ‬يسود‭ ‬عائلة‭ ‬الزوج‭ ‬المتوفّى،‭ ‬تدخل‭ ‬الأرملة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬العدّة‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث‭ ‬أي‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬الفرق‭. ‬لئن‭ ‬تميّز‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬بتجدّد‭ ‬نسق‭ ‬الحياة‭ ‬لدى‭ ‬بقيّة‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬دعوة‭ ‬العائلة‭ ‬والأقارب‭ ‬على‭ ‬مأدبة‭ ‬عشاء‭ ‬تلي‭ ‬االختمةب‭ ‬ترحّما‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬المتوفّى،‭ ‬فإنّه‭ ‬يرهق‭ ‬كاهل‭ ‬الأرملة‭ ‬بأعباء‭ ‬ثقيلة‭ ‬من‭ ‬الواجبات‭ ‬الدينيّة‭ ‬والالتزامات‭ ‬الاجتماعيّة‭. ‬فمع‭ ‬غروب‭ ‬شمس‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬تدخل‭ ‬الأرملة‭ ‬رسميّا‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬العدّة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬محليّا‭ ‬اسم‭ ‬اربطان‭ ‬العدّةب‭. ‬تتّسم‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الحسّاسة‭ ‬بتراكم‭ ‬الطقوس‭ ‬الدقيقة‭ ‬الّتي‭ ‬تسودها‭ ‬القتامة‭ ‬ويغلب‭ ‬عليها‭ ‬التشاؤم‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬اعتقادات‭ ‬قديمة‭ ‬موحية‭ ‬بالشرّ‭ ‬وبالخطر‭ ‬المحدق8،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان‭ ‬بالموت9‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الأرملة‭ ‬تغمض‭ ‬عينيها‭ ‬وتلفّها‭ ‬بعصابة‭ ‬من‭ ‬القماش‭ ‬الأبيض‭ ‬كامل‭ ‬الليل‭ (‬صورة‭ ‬عدد‭ ‬7‭) ‬ولا‭ ‬تنزعها‭ ‬إلّا‭ ‬صباحا‭. ‬وتتواصل‭ ‬هذه‭ ‬العادة‭ ‬تقليديّا‭ ‬كامل‭ ‬فترة‭ ‬العدّة،‭ ‬بينما‭ ‬تمّ‭ ‬اختصارها‭ ‬حديثا‭ ‬في‭ ‬العشرة‭ ‬أيّام‭ ‬الأولى‭ ‬والعشرة‭ ‬أيّام‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬تقليصها‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيّام‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭.‬

بعد‭ ‬قضاء‭ ‬ليلة‭ ‬كاملة‭ ‬معصوبة‭ ‬العينين،‭ ‬تنتظر‭ ‬الأرملة‭ ‬بزوغ‭ ‬الشمس‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬لكي‭ ‬تنزع‭ ‬عصابتها‭ ‬وتلتحق‭ ‬بعالم‭ ‬الأحياء‭. ‬ويتّسم‭ ‬نزع‭ ‬العصابة‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭ ‬بتقليد‭ ‬عميق‭ ‬المعاني،‭ ‬فما‭ ‬إن‭ ‬تستيقظ‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬حتّى‭ ‬تبادر‭ ‬بفكّ‭ ‬العصابة‭ ‬ونزعها‭ ‬ثمّ‭ ‬فتح‭ ‬عينيها‭ ‬في‭ ‬إناء‭ ‬ماء‭. ‬وهو‭ ‬تقليد‭ ‬مشترك‭ ‬وجدناه‭ ‬في‭ ‬كافّة‭ ‬جهات‭ ‬الجزيرة،‭ ‬ربّما‭ ‬يعني‭ ‬التخلّص‭ ‬من‭ ‬النحس‭ ‬والشرّ‭ ‬الّذي‭ ‬علق‭ ‬بها‭ ‬أثناء‭ ‬رحلتها‭ ‬اللّيليّة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأموات‭. ‬فالماء‭ ‬وحده‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬السلبية‭ ‬للأرملة‭. ‬ثمّ‭ ‬تغادر‭ ‬غرفتها‭ ‬بصمت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحدّق‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭. ‬وحالما‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬فناء‭ ‬االحوشب،‭ ‬ترفع‭ ‬رأسها‭ ‬للسماء‭ ‬لتحدّق‭ ‬مليّا‭ ‬في‭ ‬الشمس‭ ‬البازغة‭ ‬وكأنّها‭ ‬تستلهم‭ ‬الصبر‭ ‬والسلوان‭ ‬من‭ ‬نورها‭ ‬ودفئها‭. ‬وعليه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نستخلص‭ ‬أنّ‭ ‬اربطان‭ ‬العدّةب‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬في‭ ‬محلّه‭ ‬لعمليّة‭ ‬ملموسة،‭ ‬وهي‭ ‬ربط‭ ‬العينين‭ ‬بعصابة‭ ‬قصد‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬اللّيل‭ ‬مع‭ ‬واجب‭ ‬الانتباه‭ ‬والحيطة‭ ‬خلال‭ ‬كامل‭ ‬النهار‭. ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬عمليّة‭ ‬حجب‭ ‬العينين‭ ‬بعصابة‭ ‬بيضاء‭ ‬تدلّ‭ ‬على‭ ‬الاعتكاف‭ ‬والعزلة‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الدنيوي،‭ ‬خاصّة‭ ‬وأنّه‭ ‬يسود‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أنّ‭ ‬الأرملة‭ ‬تلتحق‭ ‬بزوجها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأموات‭ ‬كلّ‭ ‬ليلة‭. ‬فتؤنس‭ ‬وحدته‭ ‬وترافقه‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬الصعبة‭ ‬إلى‭ ‬مستقرّه‭ ‬الأخير‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فعلى‭ ‬الأرملة‭ ‬تحمّل‭ ‬مسؤوليّة‭ ‬ثقيلة‭ ‬وذلك‭ ‬بالقيام‭ ‬بمهام‭ ‬شاقّة‭ ‬وواجبات‭ ‬مضنية‭ ‬طيلة‭ ‬فترة‭ ‬العدّة‭. ‬تتمثّل‭ ‬خاصّة‭ ‬في‭ ‬ملازمة‭ ‬بيتها‭ ‬والتفرّغ‭ ‬قصد‭ ‬الانعزال‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬والاعتكاف‭ ‬ليلا‭ ‬بمخدعها‭ ‬ليقع‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭. ‬وبعد‭ ‬كلّ‭ ‬ليلة‭ ‬تقضّيها‭ ‬الأرملة‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬الأموات،‭ ‬تعود‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭. ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬اليوميّة‭ ‬بين‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭ ‬وعالم‭ ‬الأموات‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬الأرملة‭ ‬وتضاعف‭ ‬من‭ ‬أزمتها‭ ‬الوجوديّة‭ ‬ممّا‭ ‬يعرّضها‭ ‬إلى‭ ‬أعمق‭ ‬حالات‭ ‬الاكتئاب‭ ‬النفسي10‭. ‬وتقترن‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬بنور‭ ‬الشمس‭ ‬الوهّاج‭ ‬وأشعّتها‭ ‬الدافئة‭ ‬فتأخذ‭ ‬صبغة‭ ‬الولادة‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬تتأكّد‭ ‬فكرة‭ ‬الولادة‭ ‬والانبعاث‭ ‬بتراكم‭ ‬الرموز‭ ‬الموحية،‭ ‬فالماء‭ ‬كما‭ ‬نعلم‭ ‬رمز‭ ‬الحياة‭ ‬والتجدّد11‭ ‬والبيضة‭ ‬رمز‭ ‬الخصوبة‭ ‬والولادة‭. ‬أمّا‭ ‬الشمس‭ ‬الّتي‭ ‬تشرق‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭ ‬لتنير‭ ‬الكون‭ ‬وتبعث‭ ‬الحرارة‭ ‬بتوهّجها‭ ‬فتدبّ‭ ‬الحياة‭ ‬طيلة‭ ‬يوم‭ ‬كامل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الغروب‭ ‬وتختفي‭ ‬مجدّدا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأموات‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬مسيرتها‭ ‬وذلك‭ ‬هو‭ ‬مسلكها،‭ ‬فهي‭ ‬رمز‭ ‬للنّور‭ ‬الوضّاء‭ ‬ومنبع‭ ‬الدفء‭ ‬والحياة‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬دورتها‭ ‬اليوميّة‭ ‬تمثّل‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تناوب‭ ‬اللّيل‭ ‬والنهار،‭ ‬ترمز‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬ديمومتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثنائيّة‭ ‬الحياة‭ ‬فالموت‭ ‬ثمّ‭ ‬البعث‭ ‬من‭ ‬جديد12‭.‬

تعيش‭ ‬الأرملة‭ ‬طيلة‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الثنائيّة‭ ‬الخطيرة‭ ‬الّتي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طيّاتها‭ ‬الشرّ‭ ‬الكثير‭ ‬للآخرين‭. ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬اليوميّة‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬العالمين‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المخاطر،‭ ‬فتجعل‭ ‬الأرملة‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الحرج‭ ‬وحالة‭ ‬من‭ ‬التذبذب‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬شبيهة‭ ‬بما‭ ‬يعرفها‭ ‬زوجها‭ ‬المتوفّى‭ ‬في‭ ‬قبره‭. ‬لذلك‭ ‬يسود‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬كافّة‭ ‬أرجاء‭ ‬الجزيرة‭ ‬أنّ‭ ‬الأرملة‭ ‬مصدر‭ ‬شرور‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تفاديها،‭ ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تغضّ‭ ‬البصر‭ ‬وتتجنب‭ ‬الآخرين‭ ‬قدر‭ ‬الامكان‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تتحمّل‭ ‬الأرملة‭ ‬عدّة‭ ‬أعباء‭ ‬اجتماعيّة‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬المبيت‭ ‬خارج‭ ‬منزلها‭ ‬وإلزامها‭ ‬بالتزهّد‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬بالإعراض‭ ‬عن‭ ‬كافّة‭ ‬مظاهر‭ ‬الزينة‭ ‬كالعطر‭ ‬والمصوغ‭ ‬واللّباس‭ ‬الفاخر‭ ‬كما‭ ‬تدعى‭ ‬للتنسّك‭ ‬بتعمّد‭ ‬اختيار‭ ‬الملابس‭ ‬الرثّة‭ ‬ذات‭ ‬الألوان‭ ‬الداكنة‭. ‬وككلّ‭ ‬فترة‭ ‬انتقال‭ ‬له‭ ‬نهاية‭ ‬كما‭ ‬له‭ ‬بداية،‭ ‬لذلك‭ ‬انتبهت‭ ‬الجدّات‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬فترة‭ ‬العدّة‭ ‬بإقرار‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الاجراءات‭ ‬لكي‭ ‬تمرّ‭ ‬بسلام‭ ‬على‭ ‬الأرملة‭ ‬وعلى‭ ‬بقيّة‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬كما‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

مرحلة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬العدّة

يتواصل‭ ‬نسق‭ ‬الحياة‭ ‬ببطء‭ ‬لدى‭ ‬الأرملة‭ ‬طيلة‭ ‬فترة‭ ‬العدّة،‭ ‬فتمرّ‭ ‬الأيّام‭ ‬رتيبة‭ ‬كئيبة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالأحزان‭ ‬والأوجاع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يحلّ‭ ‬الأجل‭ ‬الشرعي‭ ‬لانتهاء‭ ‬العدّة‭ ‬فتتغيّر‭ ‬معه‭ ‬الأمور‭ ‬نسبيّا‭. ‬قبيل‭ ‬انتهاء‭ ‬العدّة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬اصطلح‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬محليّا‭ ‬ارميان‭ ‬العدّةب،‭ ‬تذعن‭ ‬الأرملة‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬المتعاقبة‭ ‬والّتي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طيّاتها‭ ‬بعثا‭ ‬جديدا‭ ‬وبشائر‭ ‬نور‭ ‬وأمل‭ ‬لاستعادة‭ ‬الحياة‭ ‬بعين‭ ‬دامعة‭. ‬وتتميّز‭ ‬هذه‭ ‬المراسم‭ ‬بثرائها‭ ‬وسرعة‭ ‬أحداثها‭ ‬المتتالية‭ ‬تبعا‭ ‬لقصر‭ ‬مدّتها‭ ‬الزمنيّة‭. ‬فرغم‭ ‬كونها‭ ‬لا‭ ‬تدوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬يوم‭ ‬وليلة،‭ ‬إلّا‭ ‬أنّ‭ ‬جلّ‭ ‬أحداثها‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬كلّها‭ ‬مشحونة‭ ‬بالمعاني‭ ‬والرموز‭ ‬متكاملة‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬وفي‭ ‬انسجام‭ ‬كلي‭ ‬مع‭ ‬الحدث‭ ‬الجلل‭. ‬

ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬مجموع‭ ‬المعطيات‭ ‬الّتي‭ ‬جادت‭ ‬بها‭ ‬علينا‭ ‬المقابلات‭ ‬الّتي‭ ‬أجريناها‭ ‬مؤخّرا‭ ‬أثناء‭ ‬العمل‭ ‬الميداني‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬جربة‭ ‬تفيد‭ ‬أنّ‭ ‬مراسم‭ ‬انتهاء‭ ‬العدّة‭ ‬تنقسم‭ ‬تقليديّا‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭. ‬فمنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خاصّ‭ ‬بالطهارة‭ ‬والنقاء‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خاصّ‭ ‬بالقوت‭ ‬والغذاء‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خاصّ‭ ‬بخلع‭ ‬العصابة‭ ‬واستعادة‭ ‬النظر‭ ‬بصورة‭ ‬نهائيّة‭. ‬على‭ ‬اختلافها‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬فكلّ‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬والعادات‭ ‬المتوارثة‭ ‬عن‭ ‬الأجداد‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬الحياة‭ ‬وتنبئ‭ ‬بولادة‭ ‬جديدة‭ ‬وخلق‭ ‬وانبعاث‭. ‬لعلّ‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬والطقوس‭ ‬هو‭ ‬ثراء‭ ‬حقلها‭ ‬الرمزي‭ ‬ودلالاتها‭ ‬الخصبة‭ ‬وآفاقها‭ ‬الواعدة‭.‬

1‭) ‬مراسم‭ ‬الطهارة‭:‬

في‭ ‬مجتمع‭ ‬جزيريّ‭ ‬مهوس‭ ‬بقواعد‭ ‬النظافة،‭ ‬كما‭ ‬تقتضيه‭ ‬مبادئ‭ ‬المذهب‭ ‬الإباضي،‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬نهاية‭ ‬العدّة‭ ‬بمراسم‭ ‬الطهارة‭. ‬فتعمد‭ ‬الأرملة‭ ‬إلى‭ ‬الاغتسال‭ ‬للطهارة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬التوقيت‭ ‬الّذي‭ ‬توفّي‭ ‬فيه‭ ‬زوجها‭. ‬ثمّ‭ ‬تلبس‭ ‬لباسا‭ ‬جديدا‭ ‬ناصع‭ ‬البياض،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬العصابة‭ ‬على‭ ‬عينيها‭ ‬للمرّة‭ ‬قبل‭ ‬الأخيرة‭. ‬إثر‭ ‬ذلك‭ ‬تقبع‭ ‬كالعادة‭ ‬في‭ ‬ركنها‭ ‬بانتظار‭ ‬قدوم‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭. ‬وممّا‭ ‬يجدر‭ ‬التذكير‭ ‬به،‭ ‬أنّ‭ ‬الأرملة‭ ‬تستعين‭ ‬يومها‭ ‬بإحدى‭ ‬الأرامل‭ ‬الّتي‭ ‬عاشت‭ ‬التجربة‭ ‬سابقا‭. ‬فلا‭ ‬تبخل‭ ‬عليها‭ ‬بالنصح‭ ‬والإرشاد،‭ ‬وتكون‭ ‬لها‭ ‬خير‭ ‬سند‭ ‬لتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬المحنة‭. ‬وفي‭ ‬حركة‭ ‬رشيقة‭ ‬حبلى‭ ‬بالمعاني،‭ ‬تتولّى‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬دهن‭ ‬شعر‭ ‬الأرملة‭ ‬بزيت‭ ‬الزيتون‭ ‬وتسريحه‭ ‬وتخضيب‭ ‬يديها‭ ‬بالحنّاء‭ ‬ولفّهما‭ ‬بعناية‭ ‬في‭ ‬خرقة‭ ‬بيضاء13‭.‬

2‭) ‬مراسم‭ ‬الغذاء‭:‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬تغتسل‭ ‬تحرص‭ ‬الأرملة‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬كلّ‭ ‬لوازم‭ ‬طهي‭ ‬الغذاء‭. ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬الغسل‭ ‬والتطهّر‭ ‬وقبل‭ ‬الانصراف‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬الحنّاء‭ ‬تتولّى‭ ‬الأرملة‭ ‬طبخ‭ ‬العشاء‭ ‬لجميع‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭. ‬وقد‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الطبق‭ ‬المعدّ‭ ‬هو‭ ‬امحمّصة‭ ‬حارّة‭ ‬بالعصبان‭ ‬والبيض‭ ‬المسلوقب،‭ ‬وللتذكير‭ ‬فهي‭ ‬نفس‭ ‬الأكلة‭ ‬المقدّمة‭ ‬للضيوف‭ ‬عشيّة‭ ‬االخمارب‭ ‬إثر‭ ‬إتمام‭ ‬الجلوة‭ ‬ودخلة‭ ‬العريس14‭. ‬وما‭ ‬إنّ‭ ‬يحلّ‭ ‬غروب‭ ‬شمس‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬حتّى‭ ‬يحلّ‭ ‬ركب‭ ‬عائلة‭ ‬الزوج‭ ‬الفقيد‭. ‬في‭ ‬صمت‭ ‬رهيب‭ ‬وفي‭ ‬أجواء‭ ‬تسودها‭ ‬الجديّة،‭ ‬يتقدّم‭ ‬الرجال‭ ‬تباعا‭ ‬إلى‭ ‬الأرملة‭ ‬بصحن‭ ‬فارغ‭. ‬فتتولّى‭ ‬ملأه‭ ‬بالغذاء‭ ‬مع‭ ‬اعصبانة‭ ‬وبيضة‭ ‬مسلوقةب‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬ستار‭ ‬قائلة‭ ‬لكلّ‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭: ‬اعليك‭ ‬الأمان‭ ‬وخاتم‭ ‬سليمانب‭. ‬وهي‭ ‬جملة‭ ‬تتكرّر‭ ‬مع‭ ‬كلّ‭ ‬متقدّم‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬وكلّ‭ ‬زائر‭ ‬من‭ ‬الذكور،‭ ‬للدّلالة‭ ‬على‭ ‬انتهاء‭ ‬الشرّ‭ ‬بانقضاء‭ ‬العدّة‭ ‬بسلام‭.‬

لعلّ‭ ‬في‭ ‬استلهام‭ ‬قصّة‭ ‬سيّدنا‭ ‬سليمان‭ ‬وخاتمه‭ ‬الّذي‭ ‬وهبه‭ ‬له‭ ‬الله‭ ‬وأعطاه‭ ‬المقدرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬الحيوانات‭ ‬والتحكّم‭ ‬في‭ ‬العواصف‭ ‬والرياح‭ ‬وقيادة‭ ‬الجنّ‭ ‬والشياطين،‭  ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عبرة‭. ‬فرغم‭ ‬خسران‭ ‬الملك‭ ‬إثر‭ ‬ضياع‭ ‬الخاتم،‭ ‬فقد‭ ‬حافظ‭ ‬سيّدنا‭ ‬سليمان‭ ‬على‭ ‬صبره‭ ‬وظلّ‭ ‬يهدي‭ ‬قومه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استعاد‭ ‬خاتمه‭ ‬من‭ ‬جوف‭ ‬سمكة15‭. ‬لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الاحالة‭ ‬على‭ ‬السجلّ‭ ‬الديني‭ ‬ولاسيما‭ ‬التراث‭ ‬اليهودي‭ ‬تثير‭ ‬التساؤلات‭ ‬عن‭ ‬سرّ‭ ‬هذا‭ ‬التوجّه‭. ‬نعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬الإجابة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الخصوصيّة‭ ‬الحضاريّة‭ ‬لجزيرة‭ ‬جربة،‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬وانبساط‭ ‬تضاريسها‭ ‬قد‭ ‬جعلاها‭ ‬قبلة‭ ‬للوافدين‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬حدب‭ ‬وصوب‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬الفترات‭ ‬التاريخيّة‭. ‬ونذكّر‭ ‬أنّ‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الوافدين‭ ‬عليها‭ ‬الجالية‭ ‬اليهوديّة‭ ‬إثر‭ ‬تهديم‭ ‬هيكل‭ ‬سليمان‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وتشتّتهم‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد16‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬واليهود‭ ‬يعيشون‭ ‬بأمان‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬جربة‭ ‬وفي‭ ‬انسجام‭ ‬تامّ‭ ‬مع‭ ‬أهلها‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدّم‭ ‬فلا‭ ‬غرابة‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬يتأثّر‭ ‬هذا‭ ‬بذاك،‭ ‬فتلك‭ ‬هي‭ ‬مسيرة‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬العصور17‭.‬

3‭)‬مراسم‭ ‬خلع‭ ‬العصابة‭ ‬واستعادة‭ ‬الإبصار‭:‬

عكس‭ ‬مراسم‭ ‬الطهارة‭ ‬والغذاء،‭ ‬فإنّ‭ ‬مراسم‭ ‬نزع‭ ‬العصابة‭ ‬تكون‭ ‬فجر‭ ‬اليوم‭ ‬الموالي‭. ‬وبها‭ ‬توضع‭ ‬نقطة‭ ‬نهاية‭ ‬لفترة‭ ‬طالما‭ ‬أرّقت‭ ‬الأرامل‭ ‬وحطّت‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬معنويّاتهنّ‭. ‬ويعبّر‭ ‬عنها‭ ‬محليّا‭ ‬بلفظ‭ ‬ارميان‭ ‬العدّةب،‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬بليغة‭ ‬وجدّ‭ ‬معبّرة‭ ‬توحي‭ ‬بالتخلّص‭ ‬من‭ ‬الحمل‭ ‬الثقيل‭ ‬بعد‭ ‬معاناة‭ ‬استمرّت‭ ‬لأربعة‭ ‬أشهر‭ ‬وعشرة‭ ‬أيّام‭. ‬قبل‭ ‬فجر‭ ‬اليوم‭ ‬الموالي‭ ‬تستيقظ‭ ‬الأرملة‭ ‬باكرا‭ ‬بينما‭ ‬الكلّ‭ ‬نيام،‭ ‬وتقودها‭ ‬مساعدتها‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬معصّبة‭ ‬العينين‭ ‬إلى‭ ‬شجرة‭ ‬زيتون‭ ‬معمّرة‭ ‬تمّ‭ ‬اختيارها‭ ‬بعناية‭ ‬فائقة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬كبار‭ ‬العائلة‭. ‬فتجلس‭ ‬الأرملة‭ ‬تحتها‭ ‬وهي‭ ‬لاتزال‭ ‬معصّبة‭ ‬العينين‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬اللّحظة‭ ‬الحاسمة‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يلوح‭ ‬قرص‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬الأفق،‭ ‬حتّى‭ ‬تبادر‭ ‬المساعدة‭ ‬إلى‭ ‬فكّ‭ ‬العصابة‭ ‬ونزعها‭ ‬عن‭ ‬وجه‭ ‬الأرملة‭ ‬للمرّة‭ ‬الأخيرة‭. ‬ثمّ‭ ‬تأذن‭ ‬لها‭ ‬بفتح‭ ‬عينيها‭ ‬والتأمّل‭ ‬جيّدا‭ ‬في‭ ‬نور‭ ‬الشمس‭ ‬البازغة‭ ‬تدريجيّا‭. ‬إثر‭ ‬ذلك‭ ‬تناولها‭ ‬ابريق‭ ‬ماء‭ ‬فاتر18،‭ ‬وتساعدها‭ ‬على‭ ‬غسل‭ ‬وجهها‭ ‬وأطرافها‭ ‬وهما‭ ‬تبسملان‭ ‬ثلاثة‭ ‬مرّات‭ ‬وتترحّمان‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬الزوج‭ ‬المتوفّى‭.‬

وفي‭ ‬حركة‭ ‬رمزيّة‭ ‬حبلى‭ ‬بالمعاني،‭ ‬تقوم‭ ‬الأرملة‭ ‬الشابّة‭ ‬بكسر‭ ‬ابريق‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬جذع‭ ‬الزيتونة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬رامت‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬ولعمري‭ ‬فإنّ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تعبيرا‭ ‬ضمنيّا‭ ‬صريحا‭ ‬عن‭ ‬إرادتها‭ ‬الحرّة‭ ‬قطع‭ ‬علاقتها‭ ‬بعالم‭ ‬الأموات‭ ‬الّذي‭ ‬طالما‭ ‬أرّق‭ ‬ليلها‭ ‬وهزّ‭ ‬مضجعها‭. ‬إنّه‭ ‬توق‭ ‬إلى‭ ‬الحريّة‭ ‬وإلى‭ ‬الحياة‭ ‬الّتي‭ ‬طالما‭ ‬حرمت‭ ‬منها‭ ‬وتكبّدت‭ ‬أحزانها‭ ‬ومآسيها‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬تستجمع‭ ‬قواها‭ ‬لتعبّر‭ ‬بكلّ‭ ‬جرأة‭ ‬عن‭ ‬نيّتها‭ ‬في‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬رتابة‭ ‬وقتامة‭ ‬وحزن‭. ‬وما‭ ‬زوجها‭ ‬المتوفّى‭ ‬الّذي‭ ‬استقرّ‭ ‬في‭ ‬قبره‭ ‬بصفة‭ ‬نهائيّة‭ ‬إلّا‭ ‬جزء‭ ‬منه،‭ ‬لذلك‭ ‬فهي‭ ‬قد‭ ‬حسمت‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬بقرارها‭ ‬طيّ‭ ‬هذه‭ ‬الصفحة‭ ‬الحالكة‭ ‬السواد‭. ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬جريء،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعكس‭ ‬إلّا‭ ‬رباطة‭ ‬جأش‭ ‬وقوّة‭ ‬شخصيّة19‭.‬

ثمّ‭ ‬تقفل‭ ‬الأرملة‭ ‬عائدة‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭ ‬مسرعة‭ ‬بخطاها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنبس‭ ‬بكلمة‭ ‬وأن‭ ‬تلتفت‭ ‬أبدا‭. ‬وهكذا‭ ‬تترك‭ ‬وراءها‭ ‬أحزانها‭ ‬وتتخلّص‭ ‬من‭ ‬عصابة‭ ‬عينيها‭ ‬البيضاء‭ ‬وغطاء‭ ‬رأسها،‭ ‬يسمّى‭ ‬محليّا‭ ‬اشملولب،‭ ‬على‭ ‬جذع‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون‭ ‬المبتلّ‭. ‬فينسكب‭ ‬الماء‭ ‬الزلال‭ ‬على‭ ‬الجذع‭ ‬الضخم‭ ‬وتسيل‭ ‬قطراته‭ ‬العذبة‭ ‬لتسقي‭ ‬عروقا‭ ‬ظمأى‭ ‬طالما‭ ‬أنهكها‭ ‬الجفاف‭ ‬وأخذ‭ ‬منها‭ ‬العطش‭. ‬فتستفيق‭ ‬من‭ ‬سباتها‭ ‬العميق‭ ‬وتسري‭ ‬فيها‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدّم،‭ ‬نلاحظ‭ ‬جليّا‭ ‬أنّ‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون‭ ‬ترمز‭ ‬إلى‭ ‬انتهاء‭ ‬الحزن‭ ‬وعودة‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعيّة‭ ‬والخصوبة‭. ‬فبانتهاء‭ ‬عدّتها،‭ ‬تكون‭ ‬الأرملة‭ ‬قد‭ ‬أوفت‭ ‬بكلّ‭ ‬التزاماتها‭ ‬تجاه‭ ‬زوجها‭ ‬المتوفّى‭. ‬وبالتالي‭ ‬يمكنها‭ ‬شرعا‭ ‬وقانونا‭ ‬أن‭ ‬تستأنف‭ ‬حياتها‭ ‬بالزّواج‭ ‬مجدّدا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ثبتت‭ ‬براءة‭ ‬الرحم‭.‬

لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬أشجار‭ ‬الزياتين‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬الفضاء‭ ‬الجغرافي‭ ‬لجزيرة‭ ‬جربة20‭ ‬تساهم‭ ‬بقدر‭ ‬وافر‭ ‬في‭ ‬نحت‭ ‬الشخصيّة‭ ‬الأساسيّة‭ ‬لأهلها‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬بالشجرة‭ ‬العاديّة‭ ‬الّتي‭ ‬نكتفي‭ ‬باستعمال‭ ‬ثمارها‭ ‬وزيتها‭ ‬في‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬والتجميل‭ ‬فحسب‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬للزيتونة‭ ‬قيمة‭ ‬اعتبارية‭ ‬كبرى‭ ‬عند‭ ‬كافّة‭ ‬أهل‭ ‬الجزيرة‭. ‬فعلاقتهم‭ ‬بها‭ ‬تتجاوز‭ ‬الجانب‭ ‬البراغماتي‭ ‬وتنفذ‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬روحيّة‭ ‬ورمزيّة‭ ‬أعمق‭. ‬فهي‭ ‬وبشكلها‭ ‬المستدير21‭ ‬وبخضرتها22‭ ‬الدّائمة23‭ ‬تمثّل‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬ديمومتها‭. ‬ذلك‭ ‬أنّها‭ ‬تلازم‭ ‬الإنسان‭ ‬الجربي‭ ‬وتتبعه‭ ‬في‭ ‬كامل‭ ‬دورة‭ ‬الحياة‭ ‬ومحطّاتها‭ ‬الكبرى‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬الولادة‭ ‬فالختان‭ ‬فالزواج‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الموت24‭. ‬كما‭ ‬ترمز‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون‭ ‬في‭ ‬عادات‭ ‬الموت‭ ‬والعدّة‭ ‬إلى‭ ‬تغيّر‭ ‬الوضعيّة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬للمرأة،‭ ‬من‭ ‬فتاة‭ ‬عزباء‭ ‬إلى‭ ‬امرأة‭ ‬متزوجة‭. ‬ومن‭ ‬أرملة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عصمة‭ ‬رجل،‭ ‬إلى‭ ‬امرأة‭ ‬كسائر‭ ‬النساء‭ ‬يمكنها‭ ‬إبرام‭ ‬عقد‭ ‬زواج‭ ‬جديد‭ ‬فتعود‭ ‬بذلك‭ ‬للنكاح‭ ‬والخصوبة‭ ‬والإنجاب25‭ .‬

بعد‭ ‬الدراسة‭ ‬العميقة‭ ‬والتحليل‭ ‬المستفيض،‭ ‬نتبيّن‭ ‬إذن‭ ‬غيابا‭ ‬كليّا‭ ‬للنوّاحات26‭ ‬أو‭ ‬الموظفّات‭ ‬الموتب27على‭ ‬حدّ‭ ‬تعبير‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬كرّو،‭ ‬وذلك‭ ‬بفضل‭ ‬صرامة‭ ‬المذهب‭ ‬الإباضي‭ ‬المتغلغل‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬عادات‭ ‬وطقوس‭ ‬الموت‭ ‬بجزيرة‭ ‬جربة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬قطيعة‭ ‬تامّة‭ ‬مع‭ ‬الحياة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬مفارقة‭ ‬مع‭ ‬شجرة‭ ‬الزيتون‭ ‬الرمز‭ ‬الخالد‭ ‬للحياة‭. ‬فهي‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬طقوس‭ ‬مشحونة‭ ‬بالرموز‭ ‬ومثقلة‭ ‬بالدلالات،‭ ‬تفيض‭ ‬بمختلف‭ ‬معاني‭ ‬الحياة‭ ‬وبقيمها‭ ‬السامية‭. ‬ولا‭ ‬أدلّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬ديمومة‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تستقرّ‭ ‬بصفة‭ ‬كليّة‭ ‬إلّا‭ ‬بانقضاء‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الانتقاليّة‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الأرملة‭. ‬فبانتهاء‭ ‬مراسم‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬العدّة،‭ ‬تطوي‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬آخر‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الصفحات‭ ‬القاتمة‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬وتنتهي‭ ‬بذلك‭ ‬الشرور‭ ‬وتزول‭ ‬مظاهر‭ ‬التطيّر‭ ‬وأوجه‭ ‬الشؤم‭ ‬والنحس28‭.‬‭ ‬

فبعد‭ ‬أداء‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لعالم‭ ‬الأموات‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬ليلة‭ ‬من‭ ‬العدّة،‭ ‬تحرص‭ ‬الأرملة‭ ‬على‭ ‬طهارتها‭ ‬فتغتسل‭ ‬في‭ ‬بيتها‭ ‬ثمّ‭ ‬ترتدي‭ ‬لباسا‭ ‬جديدا‭ ‬أبيض‭ ‬تمهيدا‭ ‬لرجوعها‭ ‬النهائي‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء‭. ‬وهو‭ ‬تقليد‭ ‬قديم‭ ‬مطابق‭ ‬لما‭ ‬جرى‭ ‬للزوج‭ ‬المتوفّى‭ ‬وهو‭ ‬مسجّى‭ ‬في‭ ‬بيته‭. ‬فهو‭ ‬الآخر‭ ‬قد‭ ‬غسّل‭ ‬وعطّر‭ ‬وكفّن‭ ‬بقماش‭ ‬أبيض‭ ‬قبيل‭ ‬تشييع‭ ‬الجنازة‭ ‬وإتمام‭ ‬مراسم‭ ‬الدفن‭. ‬وهكذا‭ ‬تتراكم‭ ‬المؤشّرات‭ ‬والدلائل‭ ‬لتؤكّد‭ ‬سلامة‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‭. ‬فلا‭ ‬نعتقد‭ ‬البتّة‭ ‬أنّ‭ ‬تطابق‭ ‬زمن‭ ‬اغتسال‭ ‬الأرملة‭ ‬مع‭ ‬زمن‭ ‬وفاة‭ ‬الزوج‭ ‬وصعود‭ ‬روحه‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬قد‭ ‬كان‭ ‬محض‭ ‬صدفة‭. ‬إنّما‭ ‬هو‭ ‬اختيار‭ ‬واع‭ ‬ومتعمّد‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬والحصافة‭. ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬يعكس‭ ‬وعي‭ ‬الأجداد‭ ‬بثقل‭ ‬الحمل‭ ‬على‭ ‬الأرملة‭ ‬ومعاناتها‭ ‬طيلة‭ ‬فترة‭ ‬العدّة‭. ‬لذا‭ ‬أرادوا‭ ‬رفع‭ ‬الضيم‭ ‬عنها‭ ‬وإنصافها‭ ‬بانتشالها‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الأموات‭ ‬وإقحامها‭ ‬مجدّدا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأحياء،‭ ‬خاصّة‭ ‬وهي‭ ‬واهبة‭ ‬الحياة‭.‬

كما‭ ‬أنّ‭ ‬مواظبة‭ ‬الأرملة‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬عصابة‭ ‬بيضاء‭ ‬على‭ ‬عينيها‭ ‬طيلة‭ ‬ليالي‭ ‬العدّة‭ ‬واغتسالها‭ ‬وارتدائها‭ ‬لثياب‭ ‬جديدة‭ ‬ناصعة‭ ‬البياض‭ ‬يوم‭ ‬انقضاء‭ ‬عدّتها‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬رمزيّة‭ ‬الديمومة‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬تواتر‭ ‬اللّون‭ ‬الأبيض‭ ‬وتكراره‭ ‬في‭ ‬العصابة‭ ‬والثياب‭ ‬الجديدة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أبدا‭ ‬مجرّد‭ ‬مصادفة‭. ‬لأنّ‭ ‬الأبيض‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬يعني‭ ‬النّور،‭ ‬وهو‭ ‬اللّون‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬طقوس‭ ‬العبور‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قصده‭ ‬تماما‭ ‬مؤرّخ‭ ‬الديانات‭ ‬الروماني‭ ‬اإلياد‭ ‬مرسياب‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬اإنّ‭ ‬اللّون‭ ‬الأبيض‭ ‬هو‭ ‬لون‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬أي‭ ‬مرحلة‭ ‬مقاومة‭ ‬الموت‭. ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬اللّون‭ ‬الّذي‭ ‬يتخذّه‭ ‬الكائن‭ ‬القاصد‭ ‬لوجهة‭ ‬ما،‭ ‬وحين‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬وجهته‭ ‬يبادر‭ ‬بتغييرهب29‭. ‬وما‭ ‬ارتداء‭ ‬الأرملة‭ ‬لثياب‭ ‬بيضاء‭ ‬ناصعة‭ ‬إلّا‭ ‬امتدادا‭ ‬لهذا‭ ‬الإرث‭ ‬الحضاري‭ ‬وهذه‭ ‬القيم‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬عديد‭ ‬الشعوب‭. ‬وكذلك‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬لاستعمال‭ ‬الحنّاء‭ ‬في‭ ‬أهمّ‭ ‬المراحل‭ ‬الانتقاليّة‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬كالولادة‭ ‬والختان‭ ‬والزواج‭ ‬فالموت‭.‬

نتّفق‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬كلّ‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬الدراسات‭ ‬السابقة،‭ ‬وندعم‭ ‬ما‭ ‬ذهبت‭ ‬إليه‭ ‬الباحثة‭ ‬القديرة‭ ‬عزيزة‭ ‬بن‭ ‬تنفوس‭ ‬حين‭ ‬قالت‭ ‬اأنّ‭ ‬الحنّاء‭ ‬هي‭ ‬التحوّل‭ ‬بالمعنى‭ ‬الصحيح،‭ ‬لأنّ‭ ‬اللّون‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬إلّا‭ ‬من‭ ‬الغد‭. ‬فالميّت‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬لون‭ ‬الحنّة‭ ‬في‭ ‬قبره‭ ‬ليتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭. ‬والأرملة‭ ‬سوف‭ ‬تنظر‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬حنّتها‭ ‬لكي‭ ‬تعود‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الأحياءب30‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الأرملة‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬الرحم،‭ ‬فتستدعي‭ ‬عائلة‭ ‬الزوج‭ ‬المتوفّى‭ ‬يوم‭ ‬انتهاء‭ ‬العدّة‭ ‬لتكرم‭ ‬وفادتهم‭ ‬بالطعام‭ ‬والشراب‭. ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬يوم‭ ‬الفرق،‭ ‬أي‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬الّذي‭ ‬انطلق‭ ‬فيه‭ ‬احتساب‭ ‬أجل‭ ‬العدّة‭! ‬ثمّ‭ ‬أنّ‭ ‬طبق‭ ‬الغذاء‭ ‬المقدّم‭ ‬للضيوف‭ ‬امحمصة‭ ‬بالعصبان‭ ‬والبيض‭ ‬المسلوقب،‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الّذي‭ ‬يقع‭ ‬إعداده‭ ‬يوم‭ ‬الزفاف‭ ‬قبيل‭ ‬الدخول‭ ‬واستهلاك‭ ‬الزواج‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬نفسه‭ ‬المقدّم‭ ‬للزائرين‭ ‬والمهنّئين‭ ‬بالولادة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬السابع‭!‬

الخاتمة

لئن‭ ‬تميّزت‭ ‬منظومة‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالموت‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬جربة‭ ‬بتعدّدها‭ ‬وتكاملها‭ ‬وثرائها‭ ‬الرمزي‭ ‬والوظيفي،‭ ‬فإنّها‭ ‬دون‭ ‬شكّ‭ ‬تتجاوز‭ ‬تعاليم‭ ‬الدين‭ ‬الاسلامي‭. ‬فهي‭ ‬أقدم‭ ‬منه‭ ‬بكثير،‭ ‬وتستمدّ‭ ‬جذورها‭ ‬العميقة‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬واعتقادات‭ ‬وثنيّة‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬سائدا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬تواصل‭ ‬الأرواح‭ ‬وتناسخها‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬أخرى‭ ‬تلي‭ ‬الموت،‭ ‬حيث‭ ‬يسافر‭ ‬إليها‭ ‬المتوفّى‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬عسيرة‭ ‬ليستقرّ‭ ‬بها‭ ‬نهائيّا31‭. ‬ولعلّ‭ ‬أهمّ‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬هو‭ ‬طابعها‭ ‬الأزلي‭. ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬امتدادها‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬معلوم‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬فترة‭ ‬الحزن‭ ‬لدى‭ ‬الأرامل‭ ‬أبديّة‭ ‬في‭ ‬القديم‭. ‬بل‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬الديانات‭ ‬قد‭ ‬اتّصفت‭ ‬بالمغالاة‭ ‬والقسوة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حتّى‭ ‬أنّها‭ ‬كانت‭ ‬تحكم‭ ‬على‭ ‬زوجات‭ ‬الرجل‭ ‬المتوفّى‭ ‬بالموت‭. ‬فيقع‭ ‬دفنهنّ‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اليوم‭ ‬وبنفس‭ ‬الضريح‭ ‬وكأنّهنّ‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزّأ‭ ‬من‭ ‬الأثاث‭ ‬الجنائزي32‭!‬

وقد‭ ‬سادت‭ ‬هذه‭ ‬الاعتقادات‭ ‬طويلا‭ ‬مدمّرة‭ ‬حياة‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬النساء،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬وشرّع‭ ‬تعاليم‭ ‬جديدة‭ ‬اجتثّت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬البالية‭ ‬والمجحفة‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬المرأة‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلغاؤه‭ ‬الحزن‭ ‬الأزلي‭ ‬وتحديده‭ ‬مدّة‭ ‬العدّة‭ ‬بأربعة‭ ‬أشهر‭ ‬وعشرة‭ ‬أيّام‭.‬‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬تعاليمه‭ ‬السمحة‭ ‬بعدا‭ ‬ثوريّا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحديده‭ ‬لفترة‭ ‬الحزن‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الزمن‭. ‬ففقدت‭ ‬بذلك‭ ‬صبغتها‭ ‬المطلقة‭ ‬وأضحت‭ ‬نسبيّة‭ ‬محدودة‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬وفي‭ ‬الأشخاص‭. ‬وبذلك‭ ‬يكون‭ ‬الدين‭ ‬الاسلامي‭ ‬قد‭ ‬أنقذ‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬الموت‭ ‬ومن‭ ‬عتمة‭ ‬القبور‭ ‬وقتامة‭ ‬حزن‭ ‬أبديّ‭ ‬جائر‭. ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬الاسلام‭ ‬بوضع‭ ‬حدّ‭ ‬لهذه‭ ‬الفظائع‭ ‬المرتكبة‭ ‬في‭ ‬حقّ‭ ‬المرأة،‭ ‬بل‭ ‬كرّمها‭ ‬ورفع‭ ‬من‭ ‬شأنها‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬مدينة‭ ‬للرّجل‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬توابعه‭ ‬ترحل‭ ‬برحيله‭. ‬إنّما‭ ‬اكتسبت‭ ‬إنسانيّتها‭ ‬وكرامتها،‭ ‬حتّى‭ ‬أنّ‭ ‬الرسولﷺ‭ ‬قد‭ ‬أوصى‭ ‬خيرا‭ ‬بالنساء‭ ‬في‭ ‬خطبة‭ ‬الوداع‭ ‬حيث‭ ‬قال‭: ‬ااستوصُوا‭ ‬بالنساءِ‭ ‬خيراً،‭ ‬فإنهن‭ ‬عندَكم‭ ‬عَوانٌب33‭.‬

رغم‭ ‬تناقضها‭ ‬الصارخ‭ ‬مع‭ ‬تعاليم‭ ‬الاسلام،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬القديمة‭ ‬قد‭ ‬تحدّت‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬فتواصل‭ ‬حضورها‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭. ‬ذلك‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تندثر‭ ‬تماما،‭ ‬إنّما‭ ‬تأقلمت‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬امتدادها‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬واستقطابها‭ ‬لمريدين‭ ‬حافظوا‭ ‬عليها‭ ‬وتوارثوها‭ ‬لأجيال‭ ‬متعاقبة‭. ‬إلّا‭ ‬أنّ‭ ‬المواظبة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أبدا‭ ‬إدراك‭ ‬كنهها‭ ‬ومحافظتها‭ ‬على‭ ‬معانيها‭ ‬الأصليّة‭. ‬فقد‭ ‬فقدت‭ ‬روحها‭ ‬وجوهرها‭ ‬واتّخذت‭ ‬أنماطا‭ ‬أخرى،‭ ‬فبدت‭ ‬فيها‭ ‬بشكل‭ ‬باهت‭ ‬لرواسب‭ ‬واعتقادات‭ ‬قديمة‭. ‬بل‭ ‬أنّنا‭ ‬اكتشفنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المقابلات‭ ‬الّتي‭ ‬أجريناها‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬الميداني‭ ‬أنّ‭ ‬اتّباعها‭ ‬قد‭ ‬غدا‭ ‬آليّا‭ ‬دون‭ ‬فهم‭ ‬معانيها‭ ‬ولا‭ ‬أصولها34‭. ‬وهي‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬تقهقر‭ ‬ولا‭ ‬نستغرب‭ ‬اندثارها‭ ‬مستقبلا‭ ‬نتيجة‭ ‬التحوّلات‭ ‬الحضاريّة‭ ‬العميقة‭ ‬الّتي‭ ‬تعرفها‭ ‬الجزيرة‭. ‬فعلى‭ ‬غرار‭ ‬عديد‭ ‬العادات‭ ‬القديمة‭ ‬الأخرى‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬طقوس‭ ‬العدّة‭ ‬لن‭ ‬تصمد‭ ‬كثيرا‭ ‬أمام‭ ‬غول‭ ‬العولمة،‭ ‬وستؤول‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬النسيان‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعانا‭ ‬إلى‭ ‬دراستها‭ ‬وتوثيقها‭ ‬بغية‭ ‬فهم‭ ‬محتواها‭ ‬ومعانيها‭ ‬ونقل‭ ‬أثرها‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬اللّاحقة‭. ‬