اللغة العدد
الموروث الشعبي ودوره في تجذير هويّة الطفل العربي
الموروث الشعبي ودوره في تجذير هويّة الطفل العربي
العدد 48 - آفاق

أ‭.‬د‭. ‬ناجي‭ ‬التباب‭ ‬ذ‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬تونس

 

تؤكّد‭ ‬مادة‭: ‬طذ‭ ‬فذ‭ ‬ل‭ ‬في‭ ‬لسان‭ ‬العرب‭ ‬لابن‭ ‬منظور‭ ‬على‭ ‬معانٍ‭ ‬تجتمع‭ ‬في‭ ‬الإحالة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ناعم‭ ‬وليّن‭ ‬ورَخْص،‭ ‬وعلى‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬صغير‭. ‬والصَبيُّ‭ ‬يُدْعى‭ ‬طِفْلاً‭ ‬حين‭ ‬ينزل‭ ‬من‭ ‬بطن‭ ‬أمّه‭ ‬وذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يحتلم‭ ‬فيمرّ‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬البلوغ‭ ‬والنضج‭. ‬ومرحلة‭ ‬الطفولة‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُقَسَّم‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬مراحل‭ ‬تبرز‭ ‬تدرّج‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬النعومة‭ ‬المطلقة‭ ‬والبراءة‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬حال‭ ‬أخرى‭ ‬يبدأ‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬اكتساب‭ ‬الخبرات‭ ‬واستيعاب‭ ‬أصول‭ ‬التربية‭ ‬والتعلّم‭ ‬من‭ ‬الكبار‭ ‬المحيطين‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬والمدرسة‭ ‬والشارع‭. ‬وهذه‭ ‬المراحل‭ ‬هي‭:‬

الطفولة‭ ‬المبكرة‭ (‬من‭ ‬3‭ ‬إلى‭ ‬5‭ ‬سنوات‭).‬

الطفولة‭ ‬المتوسطة‭ (‬من‭ ‬6‭ ‬إلى‭ ‬8‭ ‬سنوات‭).‬

الطفولة‭ ‬المتأخّرة‭ (‬من‭ ‬9‭ ‬إلى‭ ‬12‭ ‬سنة‭).‬

ولمّا‭ ‬كان‭ ‬الطفل‭ ‬وما‭ ‬يزال‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬أرضا‭ ‬بكرًا‭ ‬قابلة‭ ‬للتأثّر‭ ‬السريع‭ ‬بما‭ ‬يطرأ‭ ‬عليها‭ ‬فإنّ‭ ‬مسألة‭ ‬الهويّة،‭ ‬وخاصّة‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الراهن،‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثّل‭ ‬أولويّة‭ ‬قصوى،‭ ‬ومسألة‭ ‬لا‭ ‬يُستهان‭ ‬بها،‭ ‬وخاصّة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬ستُوكل‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والمدى‭ ‬البعيد‭ ‬تمثيل‭ ‬بلاده‭ ‬العربية‭ ‬وخاصّة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الانتماء‭ ‬التي‭ ‬تتحدّد‭ ‬بمقومات‭ ‬الهويّة‭ ‬الحضارية‭ ‬والثقافية‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬خصوصيات‭.‬

في‭ ‬الماضي،‭ ‬كانت‭ ‬الظواهر‭ ‬وأحداث‭ ‬الحياة‭ ‬تسير‭ ‬ببطء‭ ‬شديد،‭ ‬وكانت‭ ‬الشعوب‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بينها‭ ‬من‭ ‬تواصل‭ ‬واحتكاك‭ ‬ومُثاقفة‭ ‬تحتفظ‭ ‬لنفسها‭ ‬بهويات‭ ‬شبه‭ ‬ثابتة‭ ‬ومستقرّة‭. ‬أمّا‭ ‬اليوم‭ ‬فإنّ‭ ‬اعجلةب‭ ‬التطور‭ ‬الحضاري‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬أصبحت‭ ‬تدور‭ ‬بسرعة‭ ‬جنونية‭ ‬تقطع‭ ‬الأنفاس‭ ‬وتهدّد‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬لحظة‭ ‬بهدم‭ ‬الهويّات‭ ‬القومية‭ ‬وقطع‭ ‬دابرها‭. ‬فالكبار‭ ‬المؤتمنون‭ ‬على‭ ‬مصير‭ ‬الصغار‭ ‬أصبحوا‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬قدر‭ ‬تاريخي‭ ‬محتوم،‭ ‬ولكنّ‭ ‬هذه‭ ‬العولمة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬إيجابيات‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬وجه‭ ‬لها‭ ‬اقبيحب،‭ ‬وعن‭ ‬سلبيات‭ ‬عديدة‭ ‬لعلّ‭ ‬أبرزها‭ ‬السعي‭ ‬الدؤوب‭ ‬إلى‭ ‬التنميط‭ ‬الأُحادي‭ ‬للمجتمعات‭ ‬والشروع‭ ‬في‭ ‬طمس‭ ‬معالم‭ ‬الهويّات‭ ‬القومية‭ ‬والوطنية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬سنحاول‭ ‬أن‭ ‬نتبيّن‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بإمكان‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬إحدى‭ ‬صمّامات‭ ‬الأمان‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهويّة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬سيحمل‭ ‬مشعلها‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المشعلُ‭ ‬سيبقى‭ ‬متوقّدا‭ ‬أم‭ ‬أنّه‭ ‬سيأفل‭ ‬بفعل‭ ‬ارياح‭ ‬الزمنب‭! ‬

نريد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬أن‭ ‬نبرهن‭ ‬ببعض‭ ‬الأمثلة‭ ‬المختارة‭ ‬أنّ‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الهويّة‭ ‬ومركز‭ ‬دائرة‭ ‬الانتماء،‭ ‬وأنّه‭ ‬خزّان‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬غثٍّ‭ ‬أو‭ ‬سمين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نُعيد‭ ‬قراءته‭ ‬لتثمين‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬محتوياته‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬مخصوصة‭ ‬ومعارف‭ ‬وعلم‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تجذير‭ ‬هويّة‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عرّت‭ ‬أغلب‭ ‬جذورها‭ ‬رياحُ‭ ‬العولمة‭ ‬التي‭ ‬تزداد‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬عنفا‭ ‬وقساوة‭.‬

ربّما‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬إثنان‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موروث‭ ‬شعبي‭ ‬هو‭ ‬إرث‭ ‬مثالي‭ ‬أو‭ ‬نقيّ‭ ‬تماما‭. ‬وعليه،‭ ‬يتعيّن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتحاشى‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬تقديس‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬أو‭ ‬العكس‭ ‬التعالي‭ ‬على‭ ‬الموروث‭ ‬باسم‭ ‬الحداثة‭ ‬التي‭ ‬خدّرت‭ ‬بعض‭ ‬العقول‭ ‬وأبهرتها،‭ ‬وخاصّة‭ ‬عندما‭ ‬يفزع‭ ‬مريدوها‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قديم‭ ‬تليد‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬نحن‭ ‬سنفزع‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬لاستلهام‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬هويّة‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تتصدّع،‭ ‬ولكن‭ ‬بدون‭ ‬أن‭ ‬ننكر‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بـاالماكينةب‭ ‬المعطلة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشغيل،‭ ‬وبدون‭ ‬أن‭ ‬ننكر‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموروث‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬روح‭ ‬الهويّة‭ ‬قد‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬منتوج‭ ‬امُناسَباتِيب‭ ‬وحتّى‭ ‬سياحي‭ ‬يسعى‭ ‬معظم‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬تسويقه‭ ‬لجمع‭ ‬بعض‭ ‬المال‭! ‬وهو‭ ‬مآل‭ ‬ساذج‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الانتهازية‭ ‬والتعامل‭ ‬السطحي‭ ‬مع‭ ‬موضوع‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬وجود‭ ‬الشعوب‭ ‬قاطبة،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬وهو‭ ‬موضوع‭ ‬الهويّة‭. ‬إنّه‭ ‬بالفعل‭ ‬إشكال‭ ‬حادّ‭ ‬يتجسّد‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭: ‬هل‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكاله‭ ‬ومضامينه‭ ‬أمر‭ ‬ضروري‭ ‬وإيجابي‭ ‬لتجذير‭ ‬الهويّة‭ ‬الوطنيّة‭ ‬والقومية‭ ‬أم‭ ‬أنّه‭ ‬سبب‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬التأخّر‭ ‬الحضاري‭ ‬عندما‭ ‬نحرص‭ ‬على‭ ‬التمسّك‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬إحيائه‭ ‬وردّ‭ ‬الروح‭ ‬إليه؟‭ ‬

في‭ ‬قراءة‭ ‬أولى‭ ‬ينظر‭ ‬البعضُ‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الموروثات‭ ‬والمأثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬نِظرة‭ ‬دونية‭ ‬تبخيسية‭ ‬لأنّها‭ ‬حسب‭ ‬تقديرهم‭ ‬علامة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬التخلّف‭ ‬عندما‭ ‬نُصرّ‭ ‬على‭ ‬التمسك‭ ‬بها،‭ ‬فتلك‭ ‬القراءة‭ ‬اتنظر‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مظهرا‭ ‬لعلل‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الأمّة‭ ‬وفي‭ ‬نسيج‭ ‬الحياة‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬القومية،‭ ‬وإلى‭ ‬محاولات‭ ‬تصويرها‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬قرين‭ ‬للتخلّف‭ ‬الحضاري،‭ ‬وأنّها‭ ‬نقيض‭ ‬للمعرفة‭ ‬الرشيدةب1‭.‬

وبالفعل،‭ ‬فإنّ‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬كانوا‭ ‬وما‭ ‬يزالون‭ ‬يُلقون‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬فيدّعون‭ ‬أنّه‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬أبقت‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬متخلّفة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬دون‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬بلغته‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭! ‬والحلّ‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬استنساخ‭ ‬مظاهر‭ ‬الحياة‭ ‬الغربية،‭ ‬وخاصّة‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬زخمها‭ ‬المادي‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬المترتبة‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬متناسين‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬سيؤدّي‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬طمس‭ ‬الهويّة‭ ‬الثّقافية‭ ‬نهائيا‭.‬

إنّه‭ ‬بدون‭ ‬ريب‭ ‬موقف‭ ‬ينبني‭ ‬على‭ ‬خطأ‭ ‬منهجي‭ ‬فادح‭. ‬والوجه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬التراث‭ ‬والمأثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬رداء‭ ‬يمكن‭ ‬التخلّص‭ ‬منه‭ ‬بسهولة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬نريد،‭ ‬فهم‭ ‬تناسوا‭ ‬عمدًا‭ ‬أو‭ ‬بحسن‭ ‬نيّة‭ ‬أنّ‭ ‬تلك‭ ‬المأثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬مكوّن‭ ‬رئيس‭ ‬من‭ ‬مكوّنات‭ ‬هويّة‭ ‬الشخصية‭ ‬الحضارية‭ ‬والثقافية‭. ‬والدليل‭ ‬أنّها‭ ‬ستنبعث‭ ‬وتطفو‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬غصبا‭ ‬عن‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬القول‭ ‬والسلوك‭ ‬ورؤية‭ ‬الكون‭ ‬والعالم‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬عمدنا‭ ‬إلى‭ ‬إخفائها‭ ‬والتنكّر‭ ‬لها‭ ‬بدعوى‭ ‬مجاراة‭ ‬حال‭ ‬الوقت‭ ‬وما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الحياة‭ ‬المتحضرة‭ ‬والعصرية‭ ‬من‭ ‬نفض‭ ‬لغبار‭ ‬الماضي‭.‬

صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬تهتمّ‭ ‬بالتراث‭ ‬بدعوى‭ ‬إحيائه،‭ ‬ولكنّ‭ ‬ذلك‭ ‬لمْ‭ ‬يتجاوز‭ ‬ظاهر‭ ‬الخِطاب،‭ ‬لأنّ‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬ليس‭ ‬موجّها‭ ‬للتراث‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهويّة،‭ ‬هكذا‭ ‬بشكل‭ ‬مبدئي‭ ‬مجرّد،‭ ‬وإنّما‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خدمة‭ ‬اقتصاد‭ ‬السياحة‭ ‬وتنمية‭ ‬العائدات‭ ‬المالية‭. ‬هذا‭ ‬ينطبق‭ ‬مثلا‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬المغرب،‭ ‬وأمّا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬فإنّ‭ ‬اكتشاف‭ ‬النفط‭ ‬أحدث‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬نُقلة‭ ‬سريعة‭ ‬وهائلة‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬العيش،‭ ‬وفي‭ ‬تغيّر‭ ‬آليات‭ ‬الإنتاج‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الوافدين‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬حدب‭ ‬وصوب،‭ ‬والنتيجة‭ ‬أنّ‭ ‬ذلك‭ ‬المجتمع‭ ‬اكتسب‭ ‬وجها‭ ‬آخر‭ ‬مغايرا‭. ‬وعليه‭ ‬كيف‭ ‬تستطيع‭ ‬الموروثات‭ ‬الشعبية‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬لنفسها‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخضمّ‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالحياة‭ ‬البدوية‭ ‬أو‭ ‬القروية‭ ‬وببساطة‭ ‬العيش‭ ‬عموما؟‭ ‬

هل‭ ‬صارت‭ ‬تلك‭ ‬الموروثات‭ ‬جزءا‭ ‬امتحفياب‭ ‬من‭ ‬الماضي؟‭ ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬مادّة‭ ‬للعرض‭ ‬الفُرجوي‭ ‬فحسب؟‭ ‬إنّها‭ ‬أسئلة‭ ‬حارقة‭ ‬أصبح‭ ‬يطرحها‭ ‬البعض‭ ‬ممّن‭ ‬أفاقتهم‭ ‬اصحوة‭ ‬الهويّةب‭ ‬بفعل‭ ‬زلزال‭ ‬العولمة‭ ‬فانبرى‭ ‬لفيف‭ ‬منهم‭ ‬يحنّ‭ ‬إلى‭ ‬عبق‭ ‬الماضي‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬عفوية‭ ‬وبساطة،‭ ‬ولفيف‭ ‬آخر‭ ‬يقول‭ ‬إنّ‭ ‬الحضارة‭ ‬المادية‭ ‬ليست‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬فأخذ‭ ‬ينبّه‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬إنكار‭ ‬التراث‭ ‬والتعالي‭ ‬عليه‭ ‬لأنّ‭ ‬ذلك‭ ‬سيؤدّي‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬أجيال‭ ‬قادمة‭ ‬لا‭ ‬هويّة‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬أجيال‭ ‬آلية‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬حسّ‭ ‬إنساني‭ (‬Génération‭ ‬automate‭). ‬ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الجذور‭ (‬La‭ ‬nostalgie‭)‬،‭ ‬وأنّ‭ ‬هذه‭ ‬الإرادة‭ ‬المتصاعدة‭ ‬لإحياء‭ ‬الموروثات‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقلّ‭ ‬الوعي‭ ‬بها‭ ‬تنطلق‭ ‬جميعُها‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬الحسّ‭ ‬القومي‭ ‬والأطفال‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬البال‭ ‬لأنّهم‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬سيصبحون‭ ‬كبار‭ ‬المستقبل‭. ‬فـامجتمع‭ ‬بدون‭ ‬تراث‭ ‬هو‭ ‬مجتمع‭ ‬لقيط،‭ ‬يعني‭ ‬يُنظَرُ‭ ‬له‭ ‬بشَكّ‭ ‬وبدون‭ ‬احترام‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانيةب2‭. ‬

فالقضيّة‭ ‬حينئذ‭ ‬هي‭ ‬قضية‭ ‬انتماء‭ ‬لجماعة‭ ‬مَّا،‭ ‬أي‭ ‬لهويّة‭ ‬معيّنة،‭ ‬والموروثات‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬تحيل‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬العالم‭ ‬الفردي،‭ ‬وتنصّ‭ ‬بجميع‭ ‬أشكالها‭ ‬المادية‭ ‬واللامادية‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬رؤيات‭ ‬خاصّة‭ ‬للكون‭ ‬والوجود‭. ‬وإذا‭ ‬ذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬قلنا‭ ‬إن‭ ‬الهويّة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتصرّف‭ ‬إلى‭ ‬هويات‭ ‬جزئية‭ ‬محليّة‭ ‬حتّى‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الوطن‭ ‬الواحد‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ممتدّا‭ ‬جغرافيا،‭ ‬وإذن‭ ‬فهناك‭ ‬ألوان‭ ‬من‭ ‬الهويات‭ ‬يمكن‭ ‬إجمالُها‭ ‬فيما‭ ‬يلي‭: ‬

هويّة‭ ‬البيئة‭ ‬الحضرية‭ ‬والمدن‭ ‬القديمة‭ ‬التاريخية‭. ‬

هويّة‭ ‬البيئة‭ ‬القروية‭ ‬الزراعية‭. ‬

هويّة‭ ‬البيئة‭ ‬البدوية‭ ‬الصحراوية‭. ‬

هويّة‭ ‬بيئة‭ ‬الواجهة‭ ‬البحرية‭. ‬

ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬أنّ‭ ‬طفل‭ ‬بيئة‭ ‬مَّا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بالضرورة‭ ‬ابن‭ ‬بيئة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإذا‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬واحدة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬فإنّه‭ ‬سيجد‭ ‬بعض‭ ‬الصعوبات‭ ‬لا‭ ‬محالة‭ ‬في‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬مقتضيات‭ ‬الفضاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يحلّ‭ ‬به‭. ‬وهذا‭ ‬ظاهر‭ ‬جليّ‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭ ‬لطفل‭ ‬الريف‭ ‬أو‭ ‬البادية‭ ‬أو‭ ‬القرية‭ ‬عندما‭ ‬ينزح‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬المدينة‭ ‬أو‭ ‬يهاجر‭ ‬معهم‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭ ‬أجنبي‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬سنجمل‭ ‬القول‭ ‬أوّلا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬والمعتقدات‭ ‬والمأثورات‭ ‬القولية‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تأصيل‭ ‬هويّة‭ ‬الطفل‭ ‬العربي،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نُفصّله‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مظاهر‭ ‬أخرى‭ ‬نعتبرها‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الركائز‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬هويّة‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬خصوصيـات‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬ينتمـي‭ ‬إليه‭.‬

هدهدة‭ ‬الطفل‭ ‬وتنويمه‭:‬

في‭ ‬مختلف‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬نقف‭ ‬في‭ ‬الموروث‭ ‬القولي‭ ‬العاميّ‭ ‬على‭ ‬كلمات‭ ‬موزونة‭ ‬مغنّاة‭ ‬تستخدمُها‭ ‬الجدّات‭ ‬والأمّهات‭ ‬بالخصوص‭ ‬للمساعدة‭ ‬على‭ ‬جلب‭ ‬النوم‭ ‬للرضيع‭ ‬أو‭ ‬للطفل‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬مبكرة‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬وهي‭ ‬خطابات‭ ‬شفاهية‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬جمالية‭ ‬الإيقاع‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وجمالية‭ ‬الصورة‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬استعارات‭ ‬غنيّة‭ ‬بالدلالات‭ ‬والإيحاءات،‭ ‬قد‭ ‬تُساعد‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬بين‭ ‬مكوّنات‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬حميمية‭. ‬فالأمّ‭ ‬عند‭ ‬التنويم‭ ‬والهدهدة‭ ‬قد‭ ‬تقول‭: ‬اارقد‭ ‬يا‭ ‬وليدي،‭ ‬يا‭ ‬أعزّ‭ ‬الناس،‭ ‬أمّك‭ ‬فُضّه‭ ‬وبوك‭ ‬نحاس‭!‬ب‭ ‬أو‭ ‬تقول‭: ‬انَنِّي،‭ ‬نَنِّي،‭ ‬جاك‭ ‬النّوم‭ ‬أمّك‭ ‬قمرة‭ ‬وبُوك‭ ‬نْجوم‭!‬ب3‭.‬

إنّ‭ ‬أغاني‭ ‬التنويم‭ ‬بكلماتها‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬بسيطة،‭ ‬وبإيقاعها‭ ‬وصورها‭ ‬لها‭ ‬دون‭ ‬شكّ‭ ‬أثر‭ ‬لا‭ ‬يُستهان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬شخصية‭ ‬الطفل‭ ‬وضمان‭ ‬توازنه‭ ‬النفسي،‭ ‬إنّها‭ ‬اتتميز‭ ... ‬بألحانها‭ ‬الرتيبة‭ ‬المتكررة‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬الاسترخاء‭ ‬والنومب4‭. ‬ومن‭ ‬التقاليد‭ ‬ذات‭ ‬المغزى‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مثلا‭ ‬هو‭ ‬منع‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬بكاء‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬تشنج‭ ‬لما‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أضرار‭ ‬قد‭ ‬تمسّ‭ ‬حالته‭ ‬النفسية‭ ‬وصحته‭ ‬العصبية‭ ‬وحتّى‭ ‬البدنية‭. ‬فالاسترخاء‭ ‬ضروري‭ ‬للطفل‭ ‬لضمان‭ ‬صحّته‭ ‬وعافيته،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬نجد‭ ‬أنّ‭ ‬كلمات‭ ‬الأغاني‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سجلات‭ ‬لغوية‭ ‬مرققة‭ ‬للقلوب‭ ‬منها‭ ‬السجل‭ ‬اللغوي‭ ‬الديني،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعاطفة‭ ‬الحبّ‭ ‬والشكوى‭ ‬من‭ ‬الغياب‭ ‬والرجاء‭ ‬في‭ ‬اللقاء‭ ‬فإذا‭ ‬ارَقَّصَتْب‭ ‬الأمّ‭ ‬رضيعها‭ ‬أو‭ ‬طفلها‭ ‬الصغير‭ ‬خصّته‭ ‬بكلمات‭ ‬مفعمة‭ ‬بالمرح‭ ‬والفرح‭ ‬تشعر‭ ‬السامع‭ ‬بالطمأنينة‭ ‬والأمان،‭ ‬ولا‭ ‬ريب‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬التوازن‭ ‬للطفل‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬النواحي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تمتين‭ ‬العلاقات‭ ‬العاطفية‭ ‬وحسّ‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬العائلة‭. ‬

 

الأحاجي‭ ‬والألغاز

هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الموروث‭ ‬القولي‭ ‬يختص‭ ‬بتسميات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬ففي‭ ‬تونس‭ ‬مثلا‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬إسم‭ ‬الخَبْو‭ ‬أو‭ ‬الطُلِّيعة‭ ‬أو‭ ‬السِمَّايَهْ،‭ ‬وفي‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭: ‬المْحاجْيَاتْ‭ ‬والغْطاوِي‭ ‬والحَزُّورات‭. ‬وتعتمد‭ ‬الأحجية‭ ‬عمومًا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬تشكيل‭ ‬بنية‭ ‬خِطابها‭ ‬البلاغي‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬تشفير‭ (‬Codage‭) ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬آليات‭ ‬لتفكيكه‭ (‬Décodage‭). ‬وفضلا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬فإنّها‭ ‬كانت‭ ‬تُعدُّ‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الفُرجة‭ ‬الذهنية‭ ‬القديمة،‭ ‬والوجهُ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الأُحجية‭ ‬تقترح‭ ‬صورًا‭ ‬ذهنية‭ ‬غريبة‭ ‬تروق‭ ‬للسامع‭ ‬حين‭ ‬يُحاول‭ ‬أن‭ ‬يتمثّلها‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الحسّي‭. ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يحصل‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬الطفل‭ ‬كان‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬التعبيري‭ ‬الوجيز‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬التصوير‭ ‬الطريف‭ ‬والممازحة‭ ‬في‭ ‬أطر‭ ‬عائلية‭ ‬موسعة‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬المكان‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬رحبا‭ ‬والزمان‭ ‬هو‭ ‬أيضا‭ ‬رَحْب‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معيش‭ ‬لا‭ ‬مقيس،‭ ‬أي‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬وسائل‭ ‬تكنولوجية‭ ‬تلهي‭ ‬وتشغل‭ ‬وتشعر‭ ‬الفرد‭ ‬بضيق‭ ‬الوقت‭ ‬وضيق‭ ‬المكان‭ ‬واانقراضب‭ ‬الإنسان‭. ‬وسنقتصر‭ ‬على‭ ‬أحجية‭ ‬مستطرفة‭ ‬تقول‭: ‬اعْلَى‭ ‬راجِلْ‭ ‬مِرْكانْتِي‭ (‬ثري‭) ‬وأولادُو‭ ‬فُلاّسْ‭ (‬مفلسون‭)‬،‭ ‬هو‭ ‬يعطي‭ ‬لأولادُو،‭ ‬وولادُو‭ ‬يعطِيو‭ ‬للنّاس‭!‬ب‭ (‬والحل‭ ‬هو‭ ‬إبريق‭ ‬الشاي‭ ‬أو‭ ‬االبَرّادب‭ ‬كما‭ ‬يُسمّى‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الرجل‭ ‬ذ‭ ‬الأب‭ ‬الثريّ،‭ ‬والكؤوس‭ ‬الصغيرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأولاد‭). ‬وقد‭ ‬يملأ‭ ‬فضاء‭ ‬السمر‭ ‬الليلي‭ ‬أيضا‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بـاالتعجيزب،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬أقوال‭ ‬مركبة‭ ‬معروفة،‭ ‬حروف‭ ‬كلماتها‭ ‬متقاربة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المخارج،‭ ‬يؤدى‭ ‬تكرارُها‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬التلعثم‭ ‬والخلط‭ ‬فيضحك‭ ‬الأطفال‭ ‬ويدخلون‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬المسرّة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬توطّد‭ ‬عُرَى‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بينهم5‭.‬

إنّ‭ ‬الغاية‭ ‬واحدة‭ ‬ممّا‭ ‬سبق،‭ ‬وهي‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬القدرات‭ ‬الذهنية‭ ‬للطفل‭ ‬وتسليته‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬الأحاجي‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬طريفة‭ ‬مضحكة‭ ‬أحيانا‭. ‬فالطفل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يتعلّم‭ ‬ويُمتحَنُ‭ ‬ويشغّل‭ ‬طاقاته‭ ‬الذهنية‭ ‬وهو‭ ‬يضحك‭. ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬فإنّ‭ ‬اللغز‭ ‬كان‭ ‬يمثّل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الوسائل‭ ‬التربوية‭ ‬التعليمية‭ ‬ضمن‭ ‬الموروث‭ ‬القولي،‭ ‬وعليه‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬الباحثين‭ ‬ايمكن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هاته‭ ‬الألغاز‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الأصالة‭... ‬حتى‭ ‬تُفيد‭ ‬الجيل‭ ‬القادم،‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬الإرث،‭ ‬إرث‭ ‬أجداده،‭ ‬فبحياته‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬يحيا‭ ‬المجتمع‭ ‬وبموته‭ ‬يموت‭ ‬المجتمعب6‭.‬

المثــل‭ ‬

هو‭ ‬شكل‭ ‬تعبيري‭ ‬وجيز‭ ‬تصويري‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأحيان،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الاستعارة‭ ‬التمثيلية‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬المكونات‭ ‬الرئيسية‭ ‬للموروث‭. ‬ولكن‭ ‬يعسر‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬طفلا‭ ‬صغيرا‭ ‬يتمثل‭ ‬بمثلٍ‭ ‬أو‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬كلامه،‭ ‬فإذا‭ ‬حصل‭ ‬ذلك‭ ‬قدّر‭ ‬الناس‭ ‬أنّ‭ ‬عقله‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬سنّه‭ ‬البيولوجي،‭ ‬والسبب‭ ‬واضح‭ ‬وهو‭ ‬أنّ‭ ‬المثل‭ ‬يُعتبر‭ ‬من‭ ‬أقوال‭ ‬الكبار‭ ‬الناضجين‭ ‬المحنكين‭ ‬الذين‭ ‬علّمتهم‭ ‬تجاربُ‭ ‬الحياة‭ ‬الكثيرَ‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬طبيعتُها‭. ‬فالطفل‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬الحكمة‭ ‬والمثل‭ ‬يصدران‭ ‬عن‭ ‬الكبار‭ ‬فيجد‭ ‬فيها‭ ‬ثقلا‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬ودسامة‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬يعسر‭ ‬هضمُها‭ ‬بسهولة‭ ‬بالقياس‭ ‬إلى‭ ‬سنّه،‭ ‬ولكنّه‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬يخزّنها‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬فتبقى‭ ‬ثاوية‭ ‬فيها‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬استعمالها‭ ‬عندما‭ ‬يبلغ‭ ‬مرحلة‭ ‬النضج‭ ‬ليفيد‭ ‬بها‭ ‬أطفاله‭ ‬أو‭ ‬أحفاده،‭ ‬وهكذا‭ ‬تستمرّ‭ ‬الحلقات‭ ‬مترابطة‭ ‬مؤشرًا‭ ‬قويّا‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬حياة‭ ‬الهويّة‭ ‬الثقافية‭ ‬لما‭ ‬للمثل‭ ‬من‭ ‬خلفيات‭ ‬يَعْسُر‭ ‬مَحْوُها‭.‬

 

الملابس‭ ‬التقليدية

يَحْسُنُ‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬هذا‭ ‬النعت‭ ‬االتقليديةب‭ ‬غير‭ ‬مناسب،‭ ‬وعليه‭ ‬ربّما‭ ‬يُستحسنُ‭ ‬أن‭ ‬نستبدل‭ ‬المركّب‭ ‬بملابس‭ ‬الهويّة،‭ ‬إنْ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكبار‭ ‬وإنْ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصغار‭. ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬مقتضيات‭ ‬العصر‭ ‬الحاضر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬متطلبات‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الملابس‭ ‬مناسبة‭ ‬آنذاك‭ ‬لأنماط‭ ‬العيش‭ ‬السائدة‭ ‬فإنّ‭ ‬خوفا‭ ‬مَّا‭ ‬يصل‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬الفزع‭ ‬بدأ‭ ‬يُداخل‭ ‬النفوس‭ ‬من‭ ‬الفقدان‭ ‬النهائي‭ ‬لهذا‭ ‬المقوم‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬الهويّة،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تكفلت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬والهيئات‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬بـاأرشفةب‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬المتاحف‭ ‬عبر‭ ‬نماذج‭ ‬ممثلة،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬صور‭ ‬فوتوغرافية‭ ‬بعضها‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬التصوير‭ ‬الفوتوغرافي‭. ‬وبهذا‭ ‬حصلت‭ ‬النقلة‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬حاملي‭ ‬التراث،‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الوساطة‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭. ‬وتجلّي‭ ‬الفرقُ‭ ‬بين‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬اللباس‭ ‬كممارسة‭ ‬فعلية‭ ‬والهويّة‭ ‬كحالة‭ ‬استحضار‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تقمّص‭ ‬للماضي‭.‬

يتجلى‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاحتفال‭ ‬بما‭ ‬يُسمّى‭ ‬اشهر‭ ‬التراثب‭ ‬أو‭ ‬ايوم‭ ‬اللباس‭ ‬التقليديب‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المناسبات‭ ‬يتمّ‭ ‬ذعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬إلباس‭ ‬الأطفال‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬اللباس‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬احتفالية‭. ‬وفي‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭ ‬يتمّ‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الملابس‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬كالأعراس‭ ‬وحفلات‭ ‬الختان‭ ‬وبعض‭ ‬الاحتفاليات‭ ‬الكبرى‭ ‬ذات‭ ‬الصبغة‭ ‬الفُرجوية‭. ‬ثمّ‭ ‬وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬المألوفة‭ ‬تُعاد‭ ‬تلك‭ ‬الملابس‭ ‬إلى‭ ‬الرفوف‭ ‬باعتبار‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مناسبة‭ ‬للحياة‭ ‬المعاصرة‭ ‬من‭ ‬النواحي‭ ‬العملية7‭.‬

 

عادة‭ ‬الاستسقاء‭:‬

هذا‭ ‬الطقس‭ ‬الموغل‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬يرتبط‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬الزراعية‭ ‬الرعوية،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تفزع‭ ‬من‭ ‬طول‭ ‬جفاف‭ ‬ينذر‭ ‬بالخطر‭ ‬وفناء‭ ‬الخلق‭ ‬من‭ ‬بشر‭ ‬وحيوان‭ ‬وشجر‭. ‬فتلجأ‭ ‬جماعيا‭ ‬كبارا‭ ‬وصغارا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الطقس‭ ‬وتفزع‭ ‬للسّماء‭ ‬متضرّعة،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬وِفْقَ‭ ‬رؤية‭ ‬الناس‭ ‬القلبية‭ ‬الشعورية‭ ‬للوجود‭ ‬آنذاك‭ ‬أقرب‭ ‬منهم‭ ‬ومن‭ ‬الأرض‭ ‬ممّا‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬الآن‭! ‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬الطفل‭ ‬يرى‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬فيدرك‭ ‬ما‭ ‬للماء‭ ‬من‭ ‬أهميّة‭ ‬قصوى‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬فيستبشر‭ ‬تلقائيا‭ ‬كما‭ ‬يستبشر‭ ‬الكبارُ‭ ‬بنزول‭ ‬المطر‭ ‬بعد‭ ‬انحباس‭ ‬طويل،‭ ‬ويجد‭ ‬في‭ ‬الرائحة‭ ‬الخاصّة‭ ‬التي‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬اليابسة‭ ‬الكالحة‭ ‬وهي‭ ‬تستقبل‭ ‬القطرات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬اغيث‭ ‬السماءب‭ ‬ما‭ ‬يُضاهي‭ ‬رائحة‭ ‬أرقَى‭ ‬العطور،‭ ‬ويتأكد‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬القيمة‭ ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬الأمهات‭ ‬والجدات‭ ‬يقمن‭ ‬بإعداد‭ ‬الثريد‭ ‬الساخن‭ ‬احتفالا‭ ‬بنزول‭ ‬الغيث‭. ‬هل‭ ‬بإمكان‭ ‬الذاكرة‭ ‬أن‭ ‬تنسى‭ ‬تلك‭ ‬النصيحة‭ ‬الشهيرة‭ ‬الموجّهة‭ ‬للبنات‭ ‬على‭ ‬أبواب‭ ‬الزواج‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭ ‬وخاصّة‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الأمّ‭ ‬اولْيَكُنْ‭ ‬أطيبَ‭ ‬طيبك‭ ‬الماءُ،‭ ‬وليكن‭ ‬ريحُك‭ ‬ريح‭ ‬أرض‭ (‬شَنٍّ‭) ‬غِبَّ‭ ‬مطرٍب8‭.‬

كان‭ ‬الأطفال‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬تأثيث‭ ‬طقوس‭ ‬الاستسقاء،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الطقوس‭ ‬الموغلة‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬عند‭ ‬شعوب‭ ‬عديدة،‭ ‬وفي‭ ‬لحظات‭ ‬احتفالية‭ ‬تقرب‭ ‬إلى‭ ‬الأجواء‭ ‬االكرنفاليةب‭ ‬يقوم‭ ‬الجميع‭ ‬بدور‭ ‬الممثلين‭ ‬ويخرجون‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬الروتينية،‭ ‬ويصيرُ‭ ‬الطفلُ‭ ‬البريء‭ ‬عنوان‭ ‬بركة‭ ‬فيكون‭ ‬أحقّ‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬بعطف‭ ‬السماء‭ ‬التي‭ ‬تحنو‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬المهدّد‭ ‬بالعطش‭ ‬القاتل‭ ‬كما‭ ‬تحنو‭ ‬على‭ ‬البهاليل‭ ‬وأهل‭ ‬االنّيات‭ ‬الصافيةب،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬يُظنّ‭ ‬بهم‭ ‬جنون،‭ ‬وهكذا‭ ‬الم‭ ‬يكن‭ ‬لهذا‭ ‬الطقس‭ ‬أن‭ ‬يُنتج‭ ‬غايته‭ ‬بدون‭ ‬صوت‭ ‬الجنون‭ ‬الذي‭ ‬يرتفع‭ ‬متوسلا‭ ‬داعيا‭ ‬ليعيد‭ ‬العطف‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬السماء‭ ‬الغاضبة‭ ‬في‭ ‬نظرتها‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬المبتئسةب9‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬الأطفال‭ ‬يُدفعون‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬موكب‭ ‬الاستسقاء‭ ‬لعلّ‭ ‬السماء‭ ‬ترقّ‭ ‬لهؤلاء‭ ‬العطاشى‭ ‬الأبرياء،‭ ‬أوهم‭ ‬حسب‭ ‬اعتقاد‭ ‬الكبار‭ ‬الفئة‭ ‬الأنسب‭ ‬والأطهر‭ ‬لإقامة‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬ومحاورته‭ ‬بكلام‭ ‬خاصّ،‭ ‬أو‭ ‬يُخاطِبون‭ ‬النساء‭ (‬رمز‭ ‬الخصوبة‭) ‬فيقولون‭: ‬

أمّك‭ ‬طنقو‭ ‬يَا‭ ‬نْسَا طَلْبِتْ‭ ‬رَبّي‭ ‬على‭ ‬الشّتَا

أمّك‭ ‬طنقو‭ ‬بِسْخَيِّبْها طلبِتْ‭ ‬ربّـــي‭ ‬لا‭ ‬يخَيِّبْهَا10

وفي‭ ‬روايات‭ ‬أخرى‭ ‬تختلف‭ ‬حسب‭ ‬البيئات‭ ‬المحلية‭: ‬

يَـا‭ ‬مْطَـرْ‭ ‬يـا‭ ‬خَـالْـتِي‭ ‬صُـبْ‭ ‬علـى‭ ‬قُطّايْتِـي‭ ‬

قُطّايِتِي‭ ‬مبلولة‭ (‬مدهونة‭) ‬بزيت‭ ‬الزيتونَهْ

أو‭: ‬

أمّك‭ ‬طنقو‭ ‬يا‭ ‬نْسا‭ ‬ صُبّوا‭ ‬عليها‭ ‬شويّه‭ ‬ماء‭ ‬

أو‭ ‬قولهم‭: ‬

أمّك‭ ‬طنڤو‭ ‬تْحِلْ‭ ‬في‭ ‬شْعِيراتْها‭ ‬

رَبّـــي‭ ‬يْبِـــلْ‭ ‬خْـرِيصــاتْهــا

ويثبتُ‭ ‬االرزقيب‭ ‬منظومة‭ ‬أخرى‭ ‬يغنّيها‭ ‬الأطفالُ‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الاستمطار‭ ‬فيقول‭ ‬اومن‭ ‬ألاعيب‭ ‬الصبيان‭ ‬الّتي‭ ‬يتغنّون‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬رنّاتِ‭ ‬الكفِّ‭ ‬أنّهم‭ ‬إذا‭ ‬رَأَوْاالغرانيق‭ ‬طائرة‭ ‬في‭ ‬الجَوِّ‭ ‬يتفاءلون‭ ‬منها‭ ‬بقُرْبِ‭ ‬نزول‭ ‬المطر‭ ‬فيقولون‭ ‬على‭ ‬نغمةٍ‭ ‬واحدةٍ‭ ‬خفيفة‭:‬

يا‭ ‬غْرانق‭ ‬لِبْحَرْ‭ ‬اِمتينْ‭ ‬تْصُبْ‭ ‬لِمْطَرْ‭ ‬

يا‭ ‬غْرانِقْ‭ ‬يا‭ ‬طيّاره‭                     ‬بَشْرُونا‭ ‬بِالبشارَهْ

راهُو‭ ‬الوَطَنْ‭ ‬يِبْسِتْ‭ ‬أَشْجارَهْ‭ ‬

مابْقَى‭ ‬حتّى‭ ‬شَيْ‭ ‬أخْضَرْ11‭ ‬

هل‭ ‬كان‭ ‬طقس‭ ‬الاستسقاء‭ ‬مجرّد‭ ‬عادة‭ ‬بدوية‭ ‬ريفيّة‭ ‬بحتة‭ ‬عندما‭ ‬يعزّ‭ ‬الماء‭ ‬ويجد‭ ‬الناس‭ ‬ضنكا‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬القليل‭ ‬منه‭ ‬إذا‭ ‬شحّت‭ ‬السماء؟،‭ ‬هل‭ ‬أنّه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لهذا‭ ‬الطقس‭ ‬معنى‭ ‬يُذكر‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الحواضر‭ ‬والمدن‭ ‬العصرية‭ ‬حيث‭ ‬تمتدّ‭ ‬قنوات‭ ‬توزيع‭ ‬المياه‭ ‬وتمتلئ‭ ‬المتاجر‭ ‬بقوارير‭ ‬الماء‭ ‬المعدني‭ ‬أو‭ ‬المصفّى؟‭ ‬هل‭ ‬الأمر‭ ‬يتوقّف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ،‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬الاستسقاء‭ ‬برمزيته‭ ‬حمّال‭ ‬لرسائل‭ ‬خالدة‭ ‬يتعيّن‭ ‬على‭ ‬الناشئة‭ ‬الجديدة‭ ‬أن‭ ‬تعيها؟‭ ‬

صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬الاستسقاء‭ ‬أصبح‭ ‬عملا‭ ‬افولكلورياب‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬معنى‭ ‬وخاصّة‭ ‬لدى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تدرك‭ ‬ما‭ ‬للماء‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬بفعل‭ ‬حالة‭ ‬الرخاء‭ ‬والنماء‭ ‬التي‭ ‬أفسدت‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أصلحت‭. ‬فالأطفال‭ ‬اليوم‭ ‬ربّما‭ ‬لا‭ ‬يَعُون‭ ‬أنّ‭ ‬الاستسقاء‭ ‬يتضمّن‭ ‬رسالة‭ ‬خفيّة‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للتشكيك‭ ‬في‭ ‬جدّية‭ ‬مضمونها‭ ‬تنصّ‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬الذي‭ ‬سيشكل‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬معضلة‭ ‬كبرى‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬وخاصّة‭ ‬العربية‭ ‬منها‭ ‬بفعل‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬المناخ‭ ‬من‭ ‬تقلّبات،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬نضوب‭ ‬المصادر‭ ‬المائيّة‭ ‬الحالية‭ ‬ومشاكل‭ ‬التلوّث‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬المصيرية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬أصلا‭.‬

‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬االنِّعمةب‭ ‬

للتوقّي‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬النقمة‭ ‬‭! ‬

المراد‭ ‬بــاالنِّعمةب‭ ‬ههنا‭ ‬الخبز‭ (‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬طحين‭ ‬القمح‭) ‬والكسرة‭ (‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬طحين‭ ‬الشعير‭)‬،‭ ‬أيام‭ ‬كانت‭ ‬االنّعمةب‭ ‬عزيزة‭ ‬المنال،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬لم‭ ‬تتأخر‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬الدعوة‭ ‬تصريحا‭ ‬أو‭ ‬تلميحا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الترميز‭ ‬والخطاب‭ ‬الاستعاري‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬واحترامها،‭ ‬والرسالة‭ ‬موجهة‭ ‬بدرجة‭ ‬أولى‭ ‬للأطفال‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التنشئة‭. ‬والشائع‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬عامّة‭ ‬الناس‭ ‬أنّهم‭ ‬وهم‭ ‬يخاطبون‭ ‬الأطفال‭ ‬يعمدون‭ ‬إلى‭ ‬تصغيرها‭ ‬تحبّبا،‭ ‬وإضافتها‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬عندما‭ ‬يقولون‭ ‬لهم‭: ‬تلك‭ ‬انْعِيمَةْ‭ ‬رَبِّيب‭ ‬فلتحافظوا‭ ‬عليها‭.‬

الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬في‭ ‬تبليغ‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬باستخدام‭ ‬رمزيات‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬رمزية‭ ‬القمر،‭ ‬افالقمر‭ ... ‬أقمار‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬أولى‭ ‬مجرّدة‭ ‬جرم‭ ‬سماوي‭ ‬تابع‭ ‬لكوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬وفي‭ ‬منزلة‭ ‬ثانية‭ ‬إمرأة‭ ‬جميلة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬استعارية‭ (‬والعديد‭ ‬من‭ ‬النسوة‭ ‬يحملن‭ ‬إسم‭ ‬قمر‭ ‬أو‭ ‬قمرة‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬منزلة‭ ‬ثالثة‭ ‬قمر‭ ‬خرافي‭ ‬يتجسّد‭ ‬على‭ ‬صفحته‭ ‬الفضية‭ ‬وجهُ‭ ‬زنجية‭ ‬علقها‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬أشفارها‭ ‬لما‭ ‬اقترفت‭ ‬من‭ ‬إثم‭ ‬حين‭ ‬استهانت‭ ‬بقيمة‭ ‬الخبزب12‭.‬

فالظاهرة‭ ‬حينئذ‭ ‬تتعلق‭ ‬بتمثل‭ ‬خرافي‭ ‬صنعه‭ ‬الكبار‭ ‬لتأديب‭ ‬الصغار‭ ‬وتربيتهم‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬احترام‭ ‬الخبز‭. ‬فالأمهات‭ ‬والجدّات‭ ‬كُنّ‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬وجدن‭ ‬قطعة‭ ‬خبز‭ ‬أو‭ ‬كسرة‭ ‬مرميّة‭ ‬على‭ ‬التراب‭ ‬يلتقطنها‭ ‬ويضعنها‭ ‬على‭ ‬الجبين‭ ‬وربّما‭ ‬يقبّلنها،‭ ‬ثمّ‭ ‬يضعنها‭ ‬على‭ ‬مكان‭ ‬عال‭ (‬حائط‭ ‬مثلا‭) ‬ليأكل‭ ‬منها‭ ‬الطير‭ ‬أو‭ ‬سائر‭ ‬الهوام‭. ‬وفي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬ايحرصُ‭ ‬الفلاّحُ‭ ‬على‭ ‬ألاّ‭ ‬يدوس‭ ‬أيّة‭ ‬قطعة‭ ‬خبز‭ ‬مهما‭ ‬صغرت‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬وجد‭ ‬الفلاّح‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الخبز‭ ‬قد‭ ‬سقط‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فإنّه‭ ‬يتناوله‭ ‬بكلّ‭ ‬خشوع‭ ‬واحترام‭ ‬ويُقبّله‭ ‬ويضعه‭ ‬على‭ ‬جبينه‭ ‬ثمّ‭ ‬يُودِعه‭ ‬جانبا‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يتعرّض‭ ‬لأن‭ ‬يُداس‭ ‬بالأقدامب13‭. ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬وسمعهم‭ ‬مع‭ ‬التذكير‭ ‬الدائم‭ ‬بمصير‭ ‬تلك‭ ‬الزنجية‭ ‬المعلقة‭ ‬من‭ ‬جفونها‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬القمر‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬القراءة‭ ‬الميثولوجية‭ ‬الشعبية‭ ‬للكون‭ ‬افالكونُ‭ ‬في‭ ‬بُعده‭ ‬الميثولوجي‭ ‬يُحدثُ‭ ‬الإنسان‭ ‬بأنّه‭ ‬كون‭ ‬حيّ‭ ‬ومتحرك‭ ‬وغنيّ‭ ‬بالمعانيب14‭. ‬

إنّ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬رسالة‭ ‬ثمينة‭ ‬للأطفال‭ ‬محصّلها‭ ‬عدم‭ ‬الاغترار‭ ‬بأيّام‭ ‬اليُسر،‭ ‬لأنّه‭ ‬حسب‭ ‬قانون‭ ‬الحياة‭ ‬قد‭ ‬تعقبها‭ ‬أيّام‭ ‬عُسر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬فيها‭ ‬تصير‭ ‬قطعة‭ ‬الخبز‭ ‬مطلبا‭ ‬عزيز‭ ‬المنال‭ ‬أثناء‭ ‬المجاعات‭ ‬المهلكة‭ ‬والحروب،‭ ‬وليس‭ ‬الخبز‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬الماء‭. ‬ولكن‭ ‬بتلاشي‭ ‬هذه‭ ‬المكابح‭ ‬التراثية‭ ‬الحمّالة‭ ‬لأنبل‭ ‬الرسائل‭ ‬صار‭ ‬الخبز‭ ‬اليوم‭ ‬بفعل‭ ‬حالة‭ ‬الرخاء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬يُداسُ‭ ‬بالأقدام‭ ‬وتمتلئ‭ ‬به‭ ‬المزابل،‭ ‬وصار‭ ‬ذلك‭ ‬القول‭ ‬الشائع‭ ‬ايأكلون‭ ‬الغلّة‭ ‬ويسبّون‭ ‬المِلّةب‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬التي‭ ‬تنزل‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬الكفر‭.‬

وحتّى‭ ‬في‭ ‬السير‭ ‬الشعبية‭ ‬كالسيرة‭ ‬الهلالية‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬أقوال‭ ‬ومنظومات‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الجازية‭ ‬الهلالية‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬تربية‭ ‬الأطفال‭ ‬لأيّام‭ ‬الرّخاء‭ ‬والشدّة،‭ ‬فما‭ ‬يُنسب‭ ‬للجازية‭ ‬االمُخَبَّلة‭ ‬في‭ ‬شْعُورْهاب‭ ‬واالمْخَبِّلة‭ ‬بِكْلامْهَاب‭ ‬البليغ‭ ‬كثير،‭ ‬بعضه‭ ‬يتّصل‭ ‬بمناهج‭ ‬تربية‭ ‬الأطفال‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تمدح‭ ‬قيم‭ ‬الشدّة‭ ‬والفحولة‭ ‬حسب‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬البدوية‭ ‬الأصيلة،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬قولُها‭: ‬

لا‭ ‬خِيــــرْ‭ ‬في‭ ‬الطفــل‭ ‬إذا‭ ‬نْشَـــا‭ ‬

وكـانْ‭ ‬رَقــادْ‭ ‬كْثيـــرْ‭ ‬هْمــايْدَهْ‭ ‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬جَـــابْ‭ ‬الشرق‭ ‬والغَــربْ‭ ‬

وقَطِّـــعْ‭ ‬بيــــن‭ ‬الثنـايــا‭ ‬مْــزاوْدَهْ‭ ‬

إمّـــا‭ ‬يمـوتْ‭ ‬يِرْتـــاحْ‭ ‬مِ‭ ‬العْنَـــا‭ ‬

وإلاّ‭ ‬يْـرُوح‭ ‬كِـالصَّقْر‭ ‬يِحْمي‭ ‬حْمايْدَهْ

رَبُّـوا‭ ‬أولادكـم‭ ‬للشِـدّه‭ ‬والرّْخَـا‭ ‬

يْلاقُـوا‭ ‬في‭ ‬حْيـاتِهم‭ ‬كُـلْ‭ ‬فَايـدَه15‭ ‬

وحتّى‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬فإنّ‭ ‬الشاعر‭ ‬الشعبي‭ ‬يأمر‭ ‬بتوخّي‭ ‬بعض‭ ‬الشدّة‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬النشء‭ ‬ضمانا‭ ‬لسلامة‭ ‬مستقبلهم‭ ‬عندما‭ ‬يقول‭: ‬

اضْرُب‭ ‬وِلدك‭ ‬بالعصا‭ ‬يَرْجَعْلِــكْ

اضـربْ‭ ‬ولـد‭ ‬النــاس‭ ‬مـا‭ ‬تَلْقـاهْ16

فما‭ ‬تقدّم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬مجرّد‭ ‬نبذ‭ ‬ممّا‭ ‬هو‭ ‬مُخَزَّنٌ‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬الشعبي،‭ ‬قد‭ ‬يقدّر‭ ‬البعض‭ ‬أنّها‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬سوى‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬البعيد،‭ ‬أو‭ ‬أنّها‭ ‬مجرّد‭ ‬ذكريات‭ ‬مصيرها‭ ‬الانقراض،‭ ‬وعليه‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬السبيل‭ ‬في‭ ‬راهــــــن‭ ‬العصر‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬كونهـــــا‭ ‬مجـــــرّد‭ ‬نصوص‭ ‬يرثهــــا‭ ‬السلف‭ ‬عن‭ ‬الخلـــــف،‭ ‬وذلك‭ ‬بتفعيـــــل‭ ‬ما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬حتّى‭ ‬تكتسب‭ ‬الهويّة‭ ‬المسداة‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬صفة‭ ‬السيرورة‭ ‬والمرونة‭ ‬فتستطيع‭ ‬تلك‭ ‬الموروثات‭ ‬أن‭ ‬تَرْفُدَ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬مستحدث‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬قديم‭ ‬تليد‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬التناغم‭ ‬والتكامل‭ ‬بينهما؟‭ ‬

فإذا‭ ‬قدّرنا‭ ‬أنّ‭ ‬الهوية‭ ‬قيمة‭ ‬اعتبارية‭ ‬مرنة،‭ ‬وأنّها‭ ‬ليست‭ ‬إطلاقا‭ ‬اقطعة‭ ‬أثريةب‭ ‬مخزّنة‭ ‬في‭ ‬المتاحف‭ ‬جاز‭ ‬لنا‭ ‬ونحن‭ ‬نمرّر‭ ‬تلك‭ ‬المعتقدات‭ ‬إلى‭ ‬الأطفال‭ ‬بطرق‭ ‬مستحدثة‭ ‬يمليها‭ ‬حال‭ ‬الوقت‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬الهويّة‭ ‬من‭ ‬الثوابت،‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعني‭ ‬جمودًا‭ ‬وتكلّسًا،‭ ‬وذلك‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬سيولتها‭ ‬انسجاما‭ ‬مع‭ ‬سيولة‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬يتغيّر‭ ‬بتغيّر‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭.‬

 

‭ ‬الهُويّة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭:‬

الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬المقترحة‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬ظاهرُها‭ ‬إمتاع‭ ‬وباطنُها‭ ‬انتفاع‭. ‬والحكمة‭ ‬إذا‭ ‬قُدِّمت‭ ‬للطفل‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وصريح‭ ‬فإنّها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ثقيلة‭ ‬عليه،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬تُمرّر‭ ‬بطرق‭ ‬ذكيّة‭ ‬ويتلطف‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬إيصالها‭ ‬حتّى‭ ‬يتمكّن‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬استيعابها‭. ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬الأطفال‭ ‬يمثلون‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مكوّنات‭ ‬الجمهور‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬سماع‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبيّة،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتضاءل‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬بفعل‭ ‬ظهور‭ ‬وسائل‭ ‬ترفيهيّة‭ ‬عديدة‭ ‬وتغيّر‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭. ‬والسرّ‭ ‬في‭ ‬التعلّق‭ ‬بالحكاية‭ ‬عند‭ ‬الأطفال‭ ‬يتّصل‭ ‬بغريزة‭ ‬حبّ‭ ‬الاطلاع‭ ‬والفضول‭ ‬وعشق‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬بطولي‭ ‬أو‭ ‬خارق‭ ‬للعادة‭ ‬والمألوف‭.‬

ينهض‭ ‬راوي‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬صلته‭ ‬بالأطفال‭ ‬بدورين‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬متكلم‭ ‬وممثّل‭. ‬والطفلُ‭ ‬يستهويه‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الراوي‭ ‬يُوضّح‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مُبهم‭ ‬ويشخّص‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خيالي،‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬يدمج‭ ‬التعبير‭ ‬الجسدي‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬اللساني‭. ‬كل‭ ‬راوٍ‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬ما‭ ‬بها‭ ‬يتميّز‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الرواة‭. ‬فهو‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يروي‭ ‬اتكاذيبب‭ ‬مستعذبة‭ ‬ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يقيّد‭ ‬عليه‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الجسرُ‭ ‬الواصلُ‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬المستمعين‭ ‬هو‭ ‬المشافهة‭. ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يُغالط‭ ‬فلا‭ ‬يُحاسب‭. ‬إنّه‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬أميين‭ ‬والطفل‭ ‬هو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أولئك‭. ‬كما‭ ‬أنّه‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يسرد‭ ‬الحكاية‭ ‬مُنجَّمَةً‭ ‬فيقسمها‭ ‬إلى‭ ‬حلقات‭ ‬يوزعها‭ ‬على‭ ‬ليالٍ‭ ‬عديدة17‭. ‬

وبما‭ ‬أنّ‭ ‬النهارَ‭ ‬ضياءٌ‭ ‬يكشف‭ ‬جميع‭ ‬الموجودات‭ ‬ويشتّت‭ ‬حاسّة‭ ‬الإبصار،‭ ‬وبما‭ ‬أنّه‭ ‬فضاء‭ ‬للعمل‭ ‬لابدّ‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬أن‭ ‬يضعف‭ ‬طاقة‭ ‬التركيز‭ ‬الذهني،‭ ‬فإنّ‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يبدو‭ ‬الفضاء‭ ‬الزمني‭ ‬الأنسب‭ ‬للقصّ‭. ‬إنّه‭ ‬مثل‭ ‬الغرفة‭ ‬الكبيرة‭ ‬المظلمة‭ ‬التي‭ ‬تستبطنُ‭ ‬سحرا‭ ‬خاصّا‭ ‬مشبعا‭ ‬بالغموض‭ ‬فتتحفز‭ ‬جميع‭ ‬الحواس‭ ‬من‭ ‬سمع‭ ‬وبصر‭ ‬لمتابعة‭ ‬أطوار‭ ‬الحكاية‭ ‬الخرافية،‭ ‬فيشاهد‭ ‬الذهنُ‭ ‬ما‭ ‬يُشبه‭ ‬الشريط‭ ‬السينمائي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نافذة‭ ‬الرواية‭. ‬وبما‭ ‬أنّ‭ ‬الطفل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المنظومة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬فإنّه‭ ‬ينتظر‭ ‬دائما‭ ‬القصّ‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬الظلام‭ ‬والإضاءة‭ ‬الضعيفة‭. ‬وجديرٌ‭ ‬بالتذكير‭ ‬ذلك‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬القصّ‭ ‬نهارا‭ ‬عند‭ ‬معظم‭ ‬الشعوب‭ ‬اتقاء‭ ‬لمكروه‭ ‬مَّا‭ ‬قد‭ ‬يحصل‭ ‬للقاصّ‭ ‬نهارًا‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬تنصّ‭ ‬عليه‭ ‬الكثيرُ‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬السائدة‭. ‬

هل‭ ‬كانت‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬روتينيّة‭ ‬امملّةب‭ ‬حتّى‭ ‬نفهم‭ ‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬الأطفال‭ ‬يستمعون‭ ‬إلى‭ ‬الحكايات‭ ‬بكلّ‭ ‬شغف،‭ ‬ويُلحّون‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الاستماع‭ ‬إليها‭ ‬مرارًا‭ ‬وتكرارًا؟‭. ‬ألم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬سبيلا‭ ‬من‭ ‬سبل‭ ‬الانعتاق‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬الروتين‭ ‬اليومي؟‭. ‬أليس‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬مستهلّ‭ ‬حياته‭ ‬كتلةً‭ ‬من‭ ‬الأحلام،‭ ‬وعليه‭ ‬كان‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬عجيب‭ ‬وغريب‭ ‬ما‭ ‬يلبّي‭ ‬له‭ ‬تلك‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الحلم‭ ‬بأشياء‭ ‬تبدو‭ ‬مستحيلة‭ ‬التحقيق؟،‭ ‬وحتّى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عصرنا‭ ‬الراهن‭ ‬أليس‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬في‭ ‬أشرطة‭ ‬الصور‭ ‬المتحرّكة‭ ‬نماذج‭ ‬جديدة‭ ‬مستحدثة‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الخيالية‭ ‬والخرافات‭ ‬العجيبة‭ ‬يحكيها‭ ‬جهاز‭ ‬التلفزيون‭ ‬الذي‭ ‬افتكّ‭ ‬دور‭ ‬الجدّ‭ ‬أو‭ ‬الجدّة؟

يستمع‭ ‬الأطفال‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬فيظنّ‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬أنّها‭ ‬محليّة‭ ‬وأنّها‭ ‬محدّد‭ ‬من‭ ‬محدّدات‭ ‬الهويّة،‭ ‬ولكنّهم‭ ‬سُرعان‭ ‬ما‭ ‬يكتشفون‭ ‬بالبحث‭ ‬والمقارنة‭ ‬أنّها‭ ‬حكايات‭ ‬ذات‭ ‬صيت‭ ‬عالمي،‭ ‬وأنّ‭ ‬أطفالا‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أصقاع‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬استمعوا‭ ‬إليها‭ ‬أيضا،‭ ‬وإذن‭ ‬فإنّ‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬بثنائية‭ ‬الهويّة‭ ‬المحلية‭ ‬القُطرية‭ ‬والهويّة‭ ‬الكونية‭ ‬مسألة‭ ‬شائكة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جنس‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭. ‬فالباحثون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬اكتشفوا‭ ‬أنّها‭ ‬تُوحّد‭ ‬ولا‭ ‬تُشتّت،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬ااهتمام‭ (‬الأخوين‭ ‬جريم‭) ‬بالمظاهر‭ ‬العالمية‭ ‬للحكايات‭ ‬الشعبية‭... ‬وعندئذ‭ ‬ثار‭ ‬السؤال‭ ‬الكبير‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬والذي‭ ‬بلغ‭ ‬بعضُها‭ ‬حدّ‭ ‬التطابقب18‭. ‬

إنّ‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الضخامة،‭ ‬ومن‭ ‬سماته‭ ‬الارتحال‭ ‬المستمرّ،‭ ‬إنّه‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالحدود‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تأشيرات‭ ‬عبور،‭ ‬ولا‭ ‬خوف‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬الهويّة‭ ‬المحليّة‭ ‬أو‭ ‬القُطرية‭ ‬لأنّ‭ ‬معظم‭ ‬مضامين‭ ‬هذا‭ ‬التراث‭ ‬ذات‭ ‬صبغة‭ ‬إنسانية‭ ‬خالصة،‭ ‬وكأنّها‭ ‬لم‭ ‬تُوضع‭ ‬إلاّ‭ ‬لتربّي‭ ‬وتهذّب‭ ‬وتعلّم‭ ‬الناشئة،‭ ‬فالحكاية‭ ‬الواحدة‭ ‬عندما‭ ‬تفد‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬مَّا‭ ‬تكتسب‭ ‬تلقائيا‭ ‬صَبْغَ‭ ‬بيئته‭ ‬الثقافية‭ ‬ونظام‭ ‬قيمه‭ ‬فيحدث‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬التحويرات‭ ‬الجزئية‭ ‬والطفيفة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬طمس‭ ‬كيانها‭ ‬الجوهري‭.‬

وربّما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬أذهان‭ ‬البعض‭ ‬أنّ‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬قد‭ ‬وَلَّى‭ ‬زمانُها،‭ ‬وأنّ‭ ‬التمسك‭ ‬بها‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬خارج‭ ‬التاريخ،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يُقال‭ ‬عادة‭ ‬اخارج‭ ‬الموضوع‭ ‬والنصب،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يَحتجون‭ ‬بأنّ‭ ‬المزاج‭ ‬يختلف‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬وبأنّ‭ ‬أطفال‭ ‬اليوم‭ ‬ليسوا‭ ‬أطفال‭ ‬الماضي،‭ ‬وبأنّ‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الحيوان‭ ‬والغيلان‭ ‬في‭ ‬الحكايات‭ ‬محض‭ ‬عبث‭ ‬ومضيعة‭ ‬للوقت‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬تلاشي‭ ‬البيئات‭ ‬الحاضنة‭ ‬لمثل‭ ‬تلك‭ ‬االخرافاتب،‭ ‬وأنّ‭ ‬الزمن‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬زمن‭ ‬الوحوش‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬تُقَدُّ‭ ‬من‭ ‬الحديد‭ ‬والفولاذ‭. ‬

فهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يتهمون‭ ‬المتمسكين‭ ‬بالحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بالمحافظة‭ ‬والتزمّت‭ ‬وجمود‭ ‬الفكر،‭ ‬ويدعون‭ ‬إلى‭ ‬تطويع‭ ‬المادة‭ ‬الحكائية‭ ‬التراثية‭ ‬وتأهيلها‭ ‬بما‭ ‬يستجيب‭ ‬لأحوال‭ ‬الوقت‭ ‬وإلى‭ ‬الانتقاء‭ ‬وإدخال‭ ‬تغييرات‭ ‬على‭ ‬الحكايات‭ ‬مراعاة‭ ‬للأذواق‭ ‬الجديدة‭ ‬ولما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بـبالأجيال‭ ‬الصاعدةب‭ ‬نسوا‭ ‬شيئا‭ ‬مهمّا‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬تُؤخذ‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬برمّتها‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬خيال‭ ‬مفرط‭ ‬وبتخريفب‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬البعض،‭ ‬لأنّ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يبرّر‭ ‬قيمتها‭ ‬ونجاعتها‭ ‬في‭ ‬تحفيز‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬عالما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬حالما‭.‬

والدليل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرقى‭ ‬إليه‭ ‬الشكّ‭ ‬هو‭ ‬أنّ‭ ‬معظم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬المستحدث‭ ‬التكنولوجي‭ ‬اليوم‭ ‬مستلهم‭ ‬ومستوحى‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭. ‬فالطفل‭ ‬محتاج‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬العريكة‭ ‬الليّنة‭ ‬إلى‭ ‬شحذ‭ ‬الخيال،‭ ‬وعليه‭ ‬ألم‭ ‬تكن‭ ‬معظم‭ ‬المخترعات‭ ‬اليوم‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬محض‭ ‬خيال‭ ‬فيما‭ ‬يُقال‭ ‬داخل‭ ‬الحكايات؟‭ ‬ألم‭ ‬يقل‭ ‬اعلي‭ ‬باباب‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬اافتح‭ ‬يا‭ ‬سمسمب‭ ‬فإذا‭ ‬بجدار‭ ‬الكهف‭ ‬ينفتح‭ ‬تبعا‭ ‬لتلك‭ ‬العبارة‭ ‬السحرية‭ ‬فأصبحنا‭ ‬اليوم‭ ‬نقدر‭ ‬بفعل‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬جهازا‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬نغلقه‭ ‬بإصدار‭ ‬كلمات؟‭. ‬أليس‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬محتويات‭ ‬بعض‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬عوالم‭ ‬أخرى‭ ‬بعيدة‭ ‬وسحرية،‭ ‬وبالتوازي‭ ‬صارت‭ ‬همّة‭ ‬علماء‭ ‬الفضاء‭ ‬اليوم‭ ‬منصرفة‭ ‬إلى‭ ‬اكتشاف‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الكواكب‭ ‬والنجوم‭ ‬والمجرّات‭ ‬البعيدة‭ ‬بإرسال‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسابر‭ ‬يريدون‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقتها‭ ‬وما‭ ‬تُخفيه؟‭. ‬ألا‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحكايات‭ ‬كيف‭ ‬أنّ‭ ‬المسافر‭ ‬أو‭ ‬الطائر‭ ‬أو‭ ‬الكائن‭ ‬العجيب‭ ‬يقطع‭ ‬أطول‭ ‬المسافات‭ ‬في‭ ‬لمح‭ ‬البصر‭ ‬فتقبل‭ ‬النفسُ‭ ‬الحالمةُ‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬حقيقة‭ ‬ملموسة‭ ‬اليوم‭ ‬بالوسائط‭ ‬العلمية؟‭. ‬أليست‭ ‬الحكاية‭ ‬الخرافية‭ ‬الشعبية‭ ‬مسبارًا‭ ‬لغويا؟‭ ‬أليس‭ ‬العالِمُ‭ ‬اطفلا‭ ‬كبيراب‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬طفلا‭ ‬يتسلّح‭ ‬بالحلم‭ ‬فأصبح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬درب‭ ‬المعرفة‭ ‬يتسلّح‭ ‬بالعلم؟‭! ‬

ليس‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬إسماع‭ ‬الطفل‭ ‬الخرافة‭ ‬هو‭ ‬تبنّي‭ ‬ما‭ ‬يجيء‭ ‬فيها،‭ ‬وإنّما‭ ‬القصد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتمثّل‭ ‬ما‭ ‬تستبطن‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬ومعرفية‭ ‬ووجدانية‭ ‬خفيّة‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬يسمو‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬بخياله‭ ‬ويرفده‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الخصال‭ ‬الإنسانية‭ ‬السامية‭. ‬ومن‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬للطفل‭ ‬فرص‭ ‬اكتشاف‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬بنفسه‭ ‬وهو‭ ‬يتدرج‭ ‬في‭ ‬مسلك‭ ‬النضج‭ ‬الفكري‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬سأل‭ ‬واستفسر‭ ‬كان‭ ‬حريّا‭ ‬بالكبار‭ ‬ألاّ‭ ‬يبخلوا‭ ‬عليه‭ ‬بالإجابة‭.‬

وثمّة‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬ربّما‭ ‬يُثير‭ ‬بعضا‭ ‬من‭ ‬الاحتراز‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتّصل‭ ‬بثقافة‭ ‬العنف‭. ‬ففي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬نماذجها‭ ‬نجد‭ ‬دمًا‭ ‬يُسال‭ ‬وحرصًا‭ ‬على‭ ‬الانتقام‭ ‬والأخذ‭ ‬بالثأر،‭ ‬ولكنّ‭ ‬البلسم‭ ‬الشافي‭ ‬الشفيع‭ ‬فيها‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬متقبّل‭ ‬حسّاس‭ ‬مثل‭ ‬الطفل‭ ‬يبقى‭ ‬كامنا‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬معظم‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتصار‭ ‬الخير‭ ‬وتصدع‭ ‬الظلم‭ ‬وانهياره،‭ ‬وهي‭ ‬نهايات‭ ‬تُريح‭ ‬الطفل‭ ‬وتُشعرُه‭ ‬بالرّضى19‭.‬

وثمّة‭ ‬مشكل‭ ‬آخر‭ ‬شكّل‭ ‬مصدر‭ ‬جدل‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحكاية‭ ‬الموجهة‭ ‬للطفل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬يقدّم‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي‭ ‬صنفان‭: ‬صنف‭ ‬محلّي‭ ‬موروث‭ ‬وصنف‭ ‬ثانٍ‭ ‬مترجم‭ ‬أو‭ ‬منقول‭ ‬عن‭ ‬لغات‭ ‬وثقافات‭ ‬أخرى،‭ ‬وأنّ‭ ‬الصنفين‭ ‬معًا‭ ‬يبقيان‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الكبار،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّة‭ ‬فهما‭ ‬يعبّران‭ ‬عن‭ ‬رؤيتهم‭ ‬للحياة،‭ ‬والمترتب‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكبار‭ ‬يحمّلون‭ ‬الأطفال‭ ‬بما‭ ‬يدبّجون‭ ‬من‭ ‬حكايات‭ ‬هموما‭ ‬هي‭ ‬أكبر‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬عادة‭ ‬مناسبة‭ ‬لهم،‭ ‬وعليه‭ ‬فإنّ‭ ‬البعض‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تحاشي‭ ‬الأساليب‭ ‬االببغائيةب‭ ‬وإملاء‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬والتحفيظ‭ ‬الساذج،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬فهم‭ ‬يدعون‭ ‬إلى‭ ‬تشجيعهم‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والجرأة‭.‬

ولا‭ ‬يخفي‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬احترازه‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الخرافات‭ ‬والأساطير‭ ‬المرويّة‭ ‬للأطفال‭ ‬لأنّها‭ ‬في‭ ‬تقديرهم‭ ‬قد‭ ‬تقدم‭ ‬لهم‭ ‬تفسيرات‭ ‬مغلوطة‭ ‬لبعض‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرُها‭ ‬علميا‭ ‬بشكل‭ ‬سليم،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يقول‭ ‬أحدهم‭ ‬اإنّها‭ ‬مضيعة‭ ‬للوقت‭ ‬ومفسدة‭ ‬للفكر،‭ ‬إنْ‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬جريمة‭ ‬في‭ ‬حقِّ‭ ‬أطفال‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يأخذ‭ ‬بأيديهم‭ ‬ليلجُوا‭ ‬بثبات‭ ‬عصْرًا‭ ‬اكتشفت‭ ‬فيه‭ ‬أسرار‭ ‬غريبة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الأحياء‭ ‬مثلاب20‭.‬

ويذهب‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬الأدب‭ ‬الموجه‭ ‬للطفل‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فيقترح‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬الجنّ‭ ‬والغيلان‭ ‬والعفاريت‭ ‬في‭ ‬الحكايات،‭ ‬ولتبرير‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يعتبر‭ ‬أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬التيّار‭ ‬أنّ‭ ‬الأطفال‭ ‬اليوم‭ ‬محتاجون‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬الخرافي‭ ‬المُخيف،‭ ‬وقد‭ ‬تناسى‭ ‬هؤلاء‭ ‬أنّ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬إن‭ ‬هي‭ ‬وجدت‭ ‬طريقا‭ ‬إلى‭ ‬الإنجاز‭ ‬الفعلي‭ ‬ستؤدي‭ ‬حتما‭ ‬إلى‭ ‬وأد‭ ‬الخيال‭ ‬بمعناه‭ ‬الشامل،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬طفولته‭ ‬المبكرة‭ ‬في‭ ‬أشدّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إليه‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬شدّ‭ ‬الانتباه‭ ‬والإمتاع‭ ‬والتسلية،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬لاحقا‭ ‬للحقائق‭ ‬العلمية‭ ‬والتفاسير‭ ‬الصحيحة‭ ‬التي‭ ‬يوفرها‭ ‬له‭ ‬التعليم‭ ‬والتمدرس‭ ‬وهو‭ ‬يترقى‭ ‬في‭ ‬مدارج‭ ‬العرفان‭ ‬والنضج‭ ‬العلمي21‭.‬

يحيل‭ ‬الطفلُ‭ ‬على‭ ‬البدء‭ ‬وبالبدائيةب‭ ‬التي‭ ‬تحتفل‭ ‬بالخيال‭ ‬فـاعقلية‭ ‬الطفل‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬عقلية‭ ‬الإنسان‭ ‬البدائي‭ ‬تَسْخَرُ‭ ‬من‭ ‬المنطــــق‭ ‬والعقلب22‭. ‬هو‭ ‬ميّال‭ ‬للعواطــــف،‭ ‬فالحكاية‭ ‬قد‭ ‬تجعل‭ ‬الطفــــــل‭ ‬يحزن‭ ‬أو‭ ‬يفــــــرح‭ ‬أو‭ ‬يقشعرّ‭ ‬بدنُه‭ ‬أو‭ ‬يبكي‭ ‬أو‭ ‬يضحك‭. ‬وهذا‭ ‬يحصل‭ ‬حديثا‭ ‬عند‭ ‬الأطفال‭ ‬المتابعين‭ ‬للصور‭ ‬المتحركة‭. ‬ولا‭ ‬ضير‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ايُترك‭ ‬للأطفال‭ ‬المستمعين‭ ‬المجال‭ ‬فسيحا‭ ‬ليذهب‭ ‬بهم‭ ‬الخيالُ‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬تقمص‭ ‬شخصية‭ ‬البطل‭ ‬ولو‭ ‬لبُرهة‭ ‬قصيرةب23‭ ‬افأيّ‭ ‬طفل‭ ‬لا‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬تقمص‭ ‬شخصية‭ ‬التاجر‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬يتزوّج‭ ‬بعد‭ ‬تقلبات‭ ‬ومغامرات‭ ‬عدّة‭ ‬ابنة‭ ‬السلطان؟‭... ‬هنا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الحكاية‭ ‬الخرافية‭ ‬تؤدّي‭ ‬وظيفة‭ ‬تعويضية‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬كبت‭ ‬الطفل‭... ‬وهو‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيتهب24‭.‬

إنّ‭ ‬الطفل‭ ‬يُولد‭ ‬مرّتين‭: ‬في‭ ‬المرّة‭ ‬الأولى‭ ‬يولَدُ‭ ‬بيولوجيا‭ ‬وصياحه‭ ‬وحرارة‭ ‬جسده‭ ‬هما‭ ‬الضامنان‭ ‬لدخوله‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬وفي‭ ‬المرّة‭ ‬الثانية‭ ‬يُولد‭ ‬اجتماعيا‭ ‬عندما‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬المأثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬ومنها‭ ‬الحكايات‭. ‬فالكبار‭ ‬يروون‭ ‬تلك‭ ‬المأثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬بأنواعها‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬ساعات‭ ‬اليوم‭ ‬والصّغار‭ ‬يُصغون‭ ‬إليها‭ ‬ويتقبلونها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬فيُسهم‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬جذور‭ ‬هويتهم‭ ‬وانتمائهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المخصوص‭. ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬مشروطة‭ ‬بنشأة‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬عائلي‭ ‬موسّع‭ ‬ومترابط،‭ ‬فيه‭ ‬الجدّ‭ ‬والجدّة‭ ‬والأب‭ ‬والأمّ‭ ‬والعم‭ ‬والعمّة‭ ‬والخال‭ ‬والخالة‭ ‬فيأخذ‭ ‬الصغير‭ ‬عن‭ ‬الكبير‭. ‬وهذا‭ ‬الصغير‭ ‬سيصبح‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬مَّا‭ ‬كبيرا‭ ‬يأخذ‭ ‬عنه‭ ‬صغير‭ ‬لاحق،‭ ‬وهكذا‭ ‬لا‭ ‬تنقطع‭ ‬السلسلة‭ ‬ولا‭ ‬تنفرط‭ ‬الحلقات‭ ‬لأنّ‭ ‬المثل‭ ‬العامي‭ ‬يقــــــول‭ ‬االلّي‭ ‬حْضَرْ‭ ‬على‭ ‬بُوه‭ ‬سمع‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬جَدُّوب25‭. ‬

وفي‭ ‬ألفاظ‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬وبعض‭ ‬تعابيرها‭ ‬ما‭ ‬يؤكّد‭ ‬أنّها‭ ‬مُشبعة‭ ‬بالأنفاس‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭. ‬وكأنّها‭ ‬بذلك‭ ‬تذكّر‭ ‬الطفل‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬بأنّه‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬دين‭ ‬الإسلام‭. ‬فتشكلات‭ ‬الخِطاب‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الحكاية‭ ‬ومتنها‭ ‬وخاتمتها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُشبه‭ ‬التعويذة‭ ‬التلفظية‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬الراوي‭ ‬والحاضرين‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬شرّ‭ ‬ومكروه،‭ ‬كما‭ ‬أنّها‭ ‬توحي‭ ‬بالبركة‭ ‬والخصب‭ ‬والرخاء‭ ‬وخاصّة‭ ‬عندما‭ ‬تشارف‭ ‬الحكاية‭ ‬نهايتها‭. ‬وعليه‭ ‬افالحكاية‭ ‬الخرافية‭ ‬خِطاب‭ ‬شفوي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬باثّ‭ ‬ومُتلقٍّ،‭ ‬ويُؤسس‭ ‬عند‭ ‬الجماعة‭ ‬المعنيّة‭ ‬تفكيرا‭ ‬ذاتيا،‭ ‬ويجسّد‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تُنظِّمُ‭ ‬علاقات‭ ‬أفرادها‭ ‬بعضهم‭ ‬ببعضهم‭ ‬الآخر،‭ ‬ويعبّر‭ ‬عن‭ ‬مشاعرهم‭ ‬ووجدانهم‭...‬ب26‭. ‬

وشأنها‭ ‬شأن‭ ‬بقيّة‭ ‬أشكال‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬فإنّ‭ ‬الحكاية‭ ‬تمثل‭ ‬بدورها‭ ‬سلطة‭ ‬الأسلاف‭ ‬على‭ ‬الأخلاف‭ ‬فيكون‭ ‬لزاما‭ ‬على‭ ‬الطفل‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬يذعن‭ ‬لتلك‭ ‬المشيئة27‭. ‬وحَريّ‭ ‬بالراوي‭ ‬أن‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬متلائما‭ ‬مع‭ ‬التقاليد‭ ‬السائدة‭ ‬والنظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العام‭. ‬وله‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬يُغيّر‭ ‬بعض‭ ‬الشكليات‭ ‬فيها‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬تمثل‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬القريب‭ ‬فيُسمّى‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬بأسماء‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الأماكن‭ ‬بتسميات‭ ‬يعرفُها‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬يسمع‭ ‬بها‭. ‬فكل‭ ‬ذلك‭ ‬يساعده‭ ‬على‭ ‬تمثلها‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭.‬

فالحكاية‭ ‬سبيل‭ ‬من‭ ‬سُبل‭ ‬تمتين‭ ‬علاقة‭ ‬الطفل‭ ‬بمؤسسات‭ ‬مجتمعه‭ ‬في‭ ‬تشكلها‭ ‬الديني‭ ‬والعائلي،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تمتن‭ ‬صله‭ ‬الرحم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬السهرات‭ ‬العائلية‭ ‬الجماعية‭. ‬وقد‭ ‬ذهب‭ ‬معظم‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬زوال،‭ ‬فنحن‭ ‬أصبحنا‭ ‬انرى‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬الخرافية‭ ‬شهادة‭ ‬صادقة‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬اندثرت‭ ‬اليوم‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الاندثارب28‭.‬

ولكن‭ ‬إذا‭ ‬حصل‭ ‬تفكك‭ ‬عائلي‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي‭ ‬جذري‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬فإنّ‭ ‬الأمر‭ ‬سينتهي‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانبتات‭ ‬تتفاوت‭ ‬درجاتُه‭. ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أصبحت‭ ‬أمرًا‭ ‬واقعا‭ ‬وخاصّة‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تحوّلات‭ ‬اجتماعية‭ ‬جذرية‭ ‬تحت‭ ‬مسمّى‭ ‬االتمدّنب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬التأثر‭ ‬المباشر‭ ‬والسطحي‭ ‬بالآخر‭ ‬البعيد‭ ‬وتفكك‭ ‬العائلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬وتشظيها‭. ‬وقد‭ ‬وصل‭ ‬الأمرُ‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬وُلدوا‭ ‬ببلاد‭ ‬المهجر‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الركيزة‭ ‬الأولى‭ ‬للهويّة‭ ‬وهي‭ ‬اللغة‭ ‬الأم‭ (‬العربية‭)‬،‭ ‬لغة‭ ‬الأجداد‭ ‬والآباء‭ ‬ففقدوا‭ ‬بفقدانها‭ ‬بقيّة‭ ‬ما‭ ‬يؤثث‭ ‬للهويّة‭ ‬من‭ ‬تعابير‭ ‬ومأثورات‭ ‬شعبية‭ ‬وهي‭ ‬الحمّالةُ‭ ‬لهموم‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬فارقها‭ ‬آباؤهم‭ ‬وهم‭ ‬يبحثون‭ ‬بالهجرة‭ ‬عن‭ ‬القمة‭ ‬العيشب‭ ‬كما‭ ‬يُقال‭ ‬دائما‭.‬

إنّ‭ ‬أطفال‭ ‬الجيل‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬بالخصوص‭ ‬إمّا‭ ‬أنّهم‭ ‬يجهلون‭ ‬العربية‭ ‬تماما‭ ‬أو‭ ‬أنّهم‭ ‬يستعملون‭ ‬لغة‭ ‬فيها‭ ‬الكثيرُ‭ ‬من‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬اللغات‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الهويّة‭ ‬إلاّ‭ ‬االلاّهويــــــةب،‭ ‬والدليل‭ ‬القاطـع‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يُكتب‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬االأنترناتب‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬تعاليق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬إرساليات‭ ‬على‭ ‬الهواتف‭ ‬الجوّالة‭. ‬وحتّى‭ ‬لا‭ ‬نكون‭ ‬من‭ ‬االبكائين‭ ‬على‭ ‬الأطلالب‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تناقض‭ ‬مع‭ ‬التناول‭ ‬العلمي‭ ‬والموضوعي‭ ‬للظواهر،‭ ‬يحسنُ‭ ‬أن‭ ‬نذكّر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التوصيف‭ ‬بِما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬فحسب‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬متصالحا‭ ‬مع‭ ‬جذوره‭ ‬التراثية‭ ‬والثقافة‭ ‬القومية،‭ ‬وخاصّة‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬معظم‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬نخوة‭ ‬العروبة‭ ‬ونشوة‭ ‬الاستقلال29‭. ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬الفترات‭ ‬كان‭ ‬الطفل‭ ‬العربي‭ ‬يُقبل‭ ‬على‭ ‬المطالعة‭ ‬بنهم‭ ‬شديد،‭ ‬وكانت‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬آنذاك‭ ‬استثمارا‭ ‬مُربحا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المعارف‭ ‬بأنواعها،‭ ‬وكانت‭ ‬أثمن‭ ‬جائزة‭ ‬تُوهب‭ ‬للطفل‭ ‬المتفوّق‭ ‬تتمثّل‭ ‬في‭ ‬حُزمة‭ ‬من‭ ‬الكتب‭.‬

ففي‭ ‬تلك‭ ‬الفترات‭ ‬ذات‭ ‬الصبغة‭ ‬الاحتفالية،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لِما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬استرجاع‭ ‬الشعوب‭ ‬لاستقلالها‭ ‬كان‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬يُوحي‭ ‬بتجذّر‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬بيئاتهم‭ ‬المحليّة‭ ‬والقُطرية‭ ‬إن‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬السلوك‭ ‬اليومي‭ ‬وإن‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬استخدام‭ ‬التعابير‭. ‬واليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬شهد‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬متعاقبة‭ ‬وسريعة،‭ ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬العربُ‭ ‬يتكلمون‭ ‬بمثل‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬يتكلمون‭ ‬به‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭ ‬قليلة؟‭ ‬إنّ‭ ‬اللغة‭ ‬بألفاظها‭ ‬وتعابيرها‭ ‬الخاصّة‭ ‬تحيا‭ ‬بحياة‭ ‬الناطقين‭ ‬بها،‭ ‬فإذا‭ ‬غيّب‭ ‬الموتُ‭ ‬جيلا‭ ‬من‭ ‬الناطقين‭ ‬باللغة‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬مَّا‭ ‬غيّبَ‭ ‬معهم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يدور‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬تعابير‭ ‬سيّارة‭ ‬موروثة‭. ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬اليوم‭ ‬صاروا‭ ‬يجهلون‭ ‬تلك‭ ‬التعابير‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬معاني‭ ‬الألفاظ‭ ‬والسبب‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬أبرزها‭ ‬تقلّص‭ ‬الحوار‭ ‬العائلي‭ ‬بفعل‭ ‬الانشغال‭ ‬بالوسائل‭ ‬الاتصالية‭ ‬والترفيهية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬غيّبت‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬االصوت‭ ‬الحيّب‭ ‬لتحلّ‭ ‬محلّه‭ ‬أصوات‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬إلكترونية‭ ‬تُصَدِّرُ‭ ‬إلى‭ ‬الأطفال‭ ‬لغات‭ ‬ولهجات‭ ‬مختلفة‭ ‬وقيما‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

هذا‭ ‬كلّه‭ ‬يجرّ‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬التالية‭: ‬هل‭ ‬أنّ‭ ‬طفل‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬طفل‭ ‬الأمس؟،‭ ‬وهل‭ ‬أنّ‭ ‬طفل‭ ‬الأمس‭ ‬كان‭ ‬ساذجا‭ ‬وعفويا‭ ‬وبريئا؟،‭ ‬وهل‭ ‬أنّ‭ ‬طفل‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬براءته‭ ‬وعفويته‭ ‬قبل‭ ‬الأوان‭ ‬بفعل‭ ‬المستحدثات‭ ‬والوسائل‭ ‬الاتصالية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬حطمت‭ ‬عُرى‭ ‬التواصل‭ ‬التقليدية‭ ‬الإنسانية‭ ‬ذات‭ ‬الصبغة‭ ‬الحميمية؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بون‭ ‬شاسع‭ ‬أو‭ ‬شرخ‭ ‬هائل‭ ‬أصبح‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬اطفل‭ ‬الجدّاتب‭ ‬وبطفل‭ ‬الأنترناتب؟‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬الطفل‭ ‬اآبقاب‭ ‬عندما‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬حضن‭ ‬الجدّة‭ ‬والجدّ‭ ‬والأب‭ ‬والمعلّم‭ ‬ليرتمي‭ ‬في‭ ‬اأحضانب‭ ‬محلاّت‭ ‬الأنترنات‭ ‬العمومية‭ (‬Publinet‭)‬؟‭ ‬أيّ‭ ‬رقابة‭ ‬على‭ ‬هويّة‭ ‬الطفل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسلّطها‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬نتحكّم‭ ‬فيها‭ ‬والطفل‭ ‬يُحاور‭ ‬بمفرده‭ ‬وبشكل‭ ‬انزوائي‭ ‬جهازا‭ ‬قُدَّ‭ ‬بمقاييس‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بأن‭ ‬يُغرق‭ ‬مستخدمه‭ ‬بمعلومات‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬حدب‭ ‬وصوب‭ ‬فتغرق‭ ‬معها‭ ‬هويّته‭ ‬وهي‭ ‬تصرخ‭ ‬ولكن‭ ‬مَا‭ ‬من‭ ‬مجيب؟30

‭ ‬الهويّة‭ ‬من‭ ‬الممارسة‭ ‬اليومية

إلى‭ ‬الممارسة‭ ‬المسرحية‭ ‬

إنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬نظرية،‭ ‬ولا‭ ‬هي‭ ‬مادّة‭ ‬تُلقّن‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬للأطفال‭. ‬إنّما‭ ‬هي‭ ‬ممارسة‭ ‬وحالات‭ ‬نعيشها‭ ‬يوميا‭. ‬والذي‭ ‬يحصل‭ ‬اليوم‭ ‬أنّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مقوّماتها‭ ‬بدأ‭ ‬يتلاشى‭ ‬نظرا‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الأطر‭ ‬والمنظومات‭ ‬المناسبة‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يجسّد‭ ‬هذه‭ ‬الهويّة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬يجد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬والإكراهات‭. ‬وربّما‭ ‬يكمن‭ ‬المنقذ‭ ‬في‭ ‬الوسائل‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬أصبح‭ ‬بإمكانها،‭ ‬وبدقّة‭ ‬عالية‭ ‬أن‭ ‬تُخزّنَ‭ ‬ممارسات‭ ‬الهويّة‭ ‬بالصورة‭ ‬والصوت‭.‬

كانت‭ ‬الهويّة‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية،‭ ‬واليوم‭ ‬أصبحت‭ ‬عملا‭ ‬تمثيليا‭ ‬أو‭ ‬مسرحيا‭. ‬ففي‭ ‬المدارس‭ ‬أو‭ ‬دور‭ ‬الثقافة‭ ‬والمسرح‭ ‬يتمّ‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬ففي‭ ‬تونس‭ ‬مثلا،‭ ‬وبمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬الوطني‭ ‬للّباس‭ ‬التقليدي‭ ‬يتخلّى‭ ‬الأطفال‭ ‬مؤقّتا‭ ‬ذأي‭ ‬لبضع‭ ‬ساعات‭- ‬عن‭ ‬الملابس‭ ‬الحديثة‭ ‬الغربية‭ ‬فيرتدون‭ ‬نماذج‭ ‬مصغّرة‭ ‬من‭ ‬ملابس‭ ‬أجدادهم‭ ‬وجدّاتهم‭ ‬مثل‭ ‬االجبّة‭ ‬والكدرون‭ ‬والرداء‭ ‬والحرام‭ ‬والفرملة‭ ‬والشملة‭ ‬والكوفية‭ ‬وتريكو‭ ‬فضيلةب‭ ‬ويضعون‭ ‬في‭ ‬سيقانهم‭ ‬االبلغة‭ ‬والقبقابب،‭ ‬وعلى‭ ‬رؤوسهم‭ ‬الشاشية‭ ‬الحمراء،‭ ‬أو‭ ‬يستعملون‭ ‬وسائل‭ ‬إنتاجية‭ ‬تقليدية‭ ‬مثل‭ ‬الرحى‭ ‬الحجرية‭ ‬والمغزل‭ ‬والصوف‭ ‬و«القرداشب‭ ‬واالطابونةب‭ ‬لإعداد‭ ‬الخبز‭ ‬التقليدي‭ ‬إلخ‭... ‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬المسرحية‭ ‬المشهدية‭ ‬صارت‭ ‬الهويّة‭ ‬ممتعة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬الاحتفالية‭ ‬الفُرجوية،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬بالإمكان‭ ‬تخزين‭ ‬كمّ‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬التسجيلات‭ ‬النادرة‭ ‬للتقاليد‭ ‬والنصوص‭ ‬المرويّة‭ ‬أو‭ ‬المغنّاة،‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لكلّ‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يُضاهي‭ ‬متعة‭ ‬عيش‭ ‬حالة‭ ‬الهويّة‭ ‬والتلبّس‭ ‬بها؟‭. ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬سنكتفي‭ ‬بمثال‭ ‬دقيق‭ ‬يخصّ‭ ‬الأطفال‭ ‬وهي‭ ‬لعبة‭ ‬االعفاريتب‭ (‬الثعابين‭ ‬الطائرة‭). ‬فاليوم‭ ‬صرنا‭ ‬نرى‭ ‬أطفالا‭ ‬يُطيّرون‭ ‬في‭ ‬الجوّ‭ ‬عفاريت‭ ‬بلاستيكية‭ ‬ملوّنة‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬صيني‭ ‬أو‭ ‬آسيوي‭ ‬عموما‭ ‬يشتريها‭ ‬لهم‭ ‬آباؤهم‭ ‬من‭ ‬محلاّت‭ ‬بيع‭ ‬الألعاب،‭ ‬وهذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحصل‭ ‬أبدا‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬زمنية‭ ‬قليلة،‭ ‬ولا‭ ‬كان‭ ‬للآباء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬دخل،‭ ‬ولا‭ ‬هم‭ ‬كانوا‭ ‬يدفعون‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬مالاً‭ ‬إرضاء‭ ‬لأطفالهم‭. ‬فقبل‭ ‬عقود‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬حالة‭ ‬يعيشها‭ ‬الطفل‭ ‬بمفرده‭ ‬وهو‭ ‬يلعب‭ ‬بما‭ ‬توفره‭ ‬له‭ ‬بيئته‭ ‬من‭ ‬تراب‭ ‬وحجر‭ ‬وشجر،‭ ‬فيصنع‭ ‬مع‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬اعفاريتب‭ ‬يتنافسون‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬أشكالها‭ ‬وأحجامها‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الطيران‭ ‬عاليا‭ ‬وبقائها‭ ‬لأطول‭ ‬مدّة‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬وهي‭ ‬طائرة‭ ‬تتحدى‭ ‬الرياح‭ ‬التي‭ ‬تهبّ‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرّة‭ ‬من‭ ‬اتجاه‭.‬

وأمّا‭ ‬مكوّنات‭ ‬هذه‭ ‬العفاريت‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تُشترى‭ ‬ولا‭ ‬تُباع،‭ ‬وإنّما‭ ‬هي‭ ‬أشياء‭ ‬توفرها‭ ‬البيئة‭: ‬أوراق‭ ‬تُقصّ‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والكرّاسات‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭ ‬أو‭ ‬أوراق‭ ‬مجلاّت‭ ‬وصحف‭ ‬قديمة‭ ‬يهبُها‭ ‬االحمّاصب‭ (‬بائع‭ ‬الفواكه‭ ‬الجافّة‭) ‬لمن‭ ‬يريد‭. ‬وأمّا‭ ‬ما‭ ‬يشدّ‭ ‬حلقات‭ ‬الورق‭ ‬فهي‭ ‬أشواك‭ (‬في‭ ‬شكل‭ ‬إبر‭) ‬التين‭ ‬الشوكي‭ ‬المنتشر‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مكان‭ (‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬ظلف‭ ‬الطوابي‭)‬،‭ ‬وأمّا‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬يُربط‭ ‬به‭ ‬العفريت‭ ‬ليطير‭ ‬عاليا‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬الخيوط‭ ‬المستعملة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬شِباك‭ ‬الصيد‭ (‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬البيئة‭ ‬بحرية‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خيط‭ ‬الجِدَّادْ‭ (‬خيط‭ ‬تستعمله‭ ‬النّساء‭ ‬في‭ ‬غزل‭ ‬الصوف‭) ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬البيئة‭ ‬ريفية‭ ‬قروية‭.‬

كانت‭ ‬عفاريت‭ ‬الصغار‭ ‬الورقية‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬قليلة‭ ‬تملأ‭ ‬سماء‭ ‬القُرى‭ ‬والأرياف‭ ‬معلما‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬الهويّة‭. ‬وإنّ‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لعبرة،‭ ‬فتلك‭ ‬الألعاب‭ ‬حلم‭ ‬يَسبق‭ ‬العلم‭. ‬والدليل‭ ‬أنّ‭ ‬مصنّعي‭ ‬الطائرات‭ ‬اليوم‭ ‬أصبحوا‭ ‬يتنافسون‭ ‬في‭ ‬ابتداع‭ ‬أشكال‭ ‬غريبة‭ ‬ومرعبة‭ ‬لها،‭ ‬وفي‭ ‬اختيار‭ ‬تسميات‭ ‬مخيفة‭ ‬لها،‭ ‬وفي‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬بلوغ‭ ‬أقصى‭ ‬مسافة‭ ‬من‭ ‬العلوّ‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬وفي‭ ‬بقائها‭ ‬أطول‭ ‬مدّة‭ ‬زمنية‭ ‬وهي‭ ‬تحلّق‭ ‬في‭ ‬الأجواء‭. ‬ألم‭ ‬يكن‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يشغل‭ ‬الصّغار‭ ‬وهم‭ ‬يلعبون‭ ‬بالعفاريت‭ ‬فأصبح‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬مشغلا‭ ‬علميا‭ ‬جديا‭ ‬للكبار؟‭. ‬والطريف‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أنّ‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يطيّرون‭ ‬العفاريت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬أصبحوا‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المهندسين‭ ‬الذين‭ ‬استوعبتهم‭ ‬كبرى‭ ‬شركات‭ ‬صنع‭ ‬الطائرات‭ ‬للإسهام‭ ‬في‭ ‬تصميمها‭ ‬وصُنعها‭ ‬والطيران‭ ‬بها‭. ‬وهكذا‭ ‬تمّت‭ ‬النقلةُ‭ ‬من‭ ‬طفل‭ ‬الهويّة‭ ‬الحالمة‭ ‬إلى‭ ‬كبير‭ ‬الهويّة‭ ‬العالمة‭. ‬

 

حوصلـة‭ ‬وتتويـج

في‭ ‬هذا‭ ‬الظرف،‭ ‬ومراعاة‭ ‬الأحوال‭ ‬الوقتب‭ ‬ذوالعبارة‭ ‬طالما‭ ‬ترددت‭ ‬عند‭ ‬المفكرين‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬انشغلوا‭ ‬بمسألة‭ ‬الحداثة‭ ‬والتحديث‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭- ‬صار‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهويّـــــــــة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعني‭ ‬الانغلاق‭ ‬على‭ ‬الذات،‭ ‬لأنّ‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬الانغلاق‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬لابدّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصيرها‭ ‬الاندثار،‭ ‬وأبسط‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬يتكلم‭ ‬اليوم‭ ‬بلغة‭ ‬واحدة‭ ‬قد‭ ‬يُصبح‭ ‬معدودا‭ ‬من‭ ‬الأمّيين‭. ‬والعكس‭ ‬صحيح‭ ‬أيضا،‭ ‬فالشعوب‭ ‬التي‭ ‬تُلقى‭ ‬بنفسها‭ ‬في‭ ‬تيّار‭ ‬العولمة‭ ‬الجارف‭ ‬وتتخلّى‭ ‬عن‭ ‬مكابح‭ ‬الهويّة‭ ‬فإنّها‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬أثرا‭ ‬بعد‭ ‬عين‭.‬

إنّ‭ ‬تطور‭ ‬البنيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أمر‭ ‬حتمي‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيه،‭ ‬وهذا‭ ‬التطور‭ ‬يؤدّي‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬العيش‭ ‬وإلى‭ ‬خلخلة‭ ‬تمسّ‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية،‭ ‬والمشكل‭ ‬المتجدّد‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬سيصبحون‭ ‬في‭ ‬مدّة‭ ‬وجيزة‭ ‬شبابا‭ ‬لابدّ‭ ‬أن‭ ‬يتطلعوا‭ ‬إلى‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬منظورهم‭ ‬وأن‭ ‬يتوقوا‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهم‭ ‬زمانهم‭ ‬الخاص‭. ‬ولكنّ‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬من‭ ‬يوفّره‭ ‬لهم؟‭ ‬هل‭ ‬يوفره‭ ‬الآخرُ‭ ‬البعيد‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬قريبا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬فيكون‭ ‬مقتضى‭ ‬الحال‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬بمن‭ ‬له‭ ‬أولاد‭ ‬فيتركهم‭ ‬على‭ ‬ذمّة‭ ‬الغير‭ ‬فيربّونهم‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يريدون،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬شبّوا‭ ‬واشتدّ‭ ‬عودُهم‭ ‬وجد‭ ‬الوالد‭ ‬الأصلي‭ ‬أنّهم‭ ‬أصبحوا‭ ‬غرباء‭ ‬عنه؟‭ ‬أم‭ ‬أنّ‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬ذكما‭ ‬يقدّر‭ ‬البعض‭- ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬عناوين‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬بمقاربات‭ ‬واعية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬إنسانية‭ ‬ومضامين‭ ‬معرفية‭ ‬مفيدة‭ ‬لتطور‭ ‬العلوم‭ ‬والمعارف‭ ‬الحديثة؟‭ ‬

إنّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تتردد‭ ‬بشكل‭ ‬صريح‭ ‬في‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تنقية‭ ‬الموروثات‭ ‬من‭ ‬الشوائب،‭ ‬وتهذيبها‭! ‬فهل‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الأجيال‭ ‬السابقة‭ ‬تقبلت‭ ‬بالموروث‭ ‬مادّة‭ ‬مغلوطة‭ ‬أو‭ ‬مسمومة‭ ‬عادت‭ ‬عليها‭ ‬بالوبال؟‭ ‬إنّ‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يُبرّر‭ ‬عادة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬بالدعوة‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬اما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوطّد‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بانتسابه‭ ‬إلى‭ ‬حضارة‭ ‬عربية‭ ‬إسلامية‭ ‬معتبرةب31‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬صرنا‭ ‬اليوم‭ ‬نُسمّيه‭ ‬بـاالموروثب‭ ‬حاضرا‭ ‬بقوّة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬العملية،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬ممارسة‭ ‬فعلية‭ ‬رغم‭ ‬تغييبه‭ ‬العفوي‭ ‬أو‭ ‬المتعمّد‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬مدوّن‭ ‬من‭ ‬النصوص‭. ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الفكر‭ ‬المتعالي‭ ‬لم‭ ‬يفلح‭ ‬طيلة‭ ‬قرون‭ ‬في‭ ‬طمس‭ ‬أو‭ ‬تهميش‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتصل‭ ‬بالثقافة‭ ‬الشعبية‭. ‬ولكنّ‭ ‬الأطفال‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬ورثوا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬التمدرس‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬صورا‭ ‬مشوّهة‭ ‬وحتى‭ ‬مغلوطة‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬رغم‭ ‬أنّهم‭ ‬يعيشون‭ ‬بعض‭ ‬فصولها‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬والشارع‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬برزت‭ ‬بعض‭ ‬الدعوات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬الهويّة‭ ‬تقترح‭ ‬إدخال‭ ‬ما‭ ‬يتّصل‭ ‬بالموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬مقرّرات‭ ‬برامج‭ ‬التدريس،‭ ‬والحال‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬العامّة‭ ‬هي‭ ‬المجال‭ ‬الطبيعي‭ ‬الذي‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬تلك‭ ‬الموروثات‭ ‬المعبّرة‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬كثيرة‭ ‬منها‭ ‬عن‭ ‬الهويّة‭. ‬

إنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬االمعاصرةب‭ ‬تعني‭ ‬في‭ ‬تقديرنا‭ ‬أن‭ ‬تُحافظ‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬مكتسبات‭ ‬تراثية‭ ‬وأن‭ ‬تطلع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لدى‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يُفسد‭ ‬ذاك‭. ‬والدليل‭ ‬أنّ‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬يُوحي‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬بالخصوصية‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬القُطرية‭ ‬الضيّقة‭ ‬وبالانغلاق،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬نرصد‭ ‬الظواهر‭ ‬الثقافية‭ ‬ونسبر‭ ‬النصوص‭ ‬ونقارن‭ ‬بين‭ ‬مرويات‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬نجد‭ ‬أنّها‭ ‬تتقاطع‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الجوهرية‭ ‬وما‭ ‬عدا‭ ‬ذلك‭ ‬فأصباغ‭ ‬وألوان‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭ ‬تختصّ‭ ‬بها‭ ‬ثقافة‭ ‬كلّ‭ ‬شعب‭. ‬

وممّا‭ ‬يؤكّد‭ ‬أنّ‭ ‬الموروثات‭ ‬ثقافة‭ ‬منفتحة‭ ‬لا‭ ‬منغلقة،‭ ‬وأنّ‭ ‬الهويّة‭ ‬طائر‭ ‬يطير‭ ‬بجناحين‭ ‬أحدهما‭ ‬محلّي‭ ‬والآخر‭ ‬كوني،‭ ‬وأنّها‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬أن‭ ‬تتخلّى‭ ‬عن‭ ‬الأبعاد‭ ‬الإنسانية‭ ‬أنّ‭ ‬معظم‭ ‬أطفال‭ ‬العالم‭ ‬وخاصّة‭ ‬المتعلمين‭ ‬منهم‭ ‬يعرفون‭ ‬حكايات‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة،‭ ‬ويعرفون‭ ‬قصّة‭ ‬اسندرلاّب‭ ‬وغيرها‭ ‬والفضل‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬جهود‭ ‬الرواة‭ ‬أوّلا‭ ‬ثمّ‭ ‬جهود‭ ‬النشر‭ ‬لاحقا‭.‬

إنّ‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ذاته‭ ‬ولا‭ ‬امن‭ ‬هوب‭ ‬إلاّ‭ ‬إذا‭ ‬تعرّف‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬المختلف،‭ ‬وذلك‭ ‬بمساعدة‭ ‬الكبار‭ ‬لأنّه‭ ‬بحكم‭ ‬محصوله‭ ‬المعرفي‭ ‬المحدود‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬بسهولة‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬الفوارق‭ ‬الثقافية‭. ‬ومن‭ ‬الملاحظ‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬الناس‭ ‬التزاما‭ ‬بالتقاليد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات‭ ‬هم‭ ‬المهاجرون‭. ‬فهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬أبناؤهم‭ ‬هوياتهم‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬نراهم‭ ‬عند‭ ‬يعودون‭ ‬لقضاء‭ ‬إجازاتهم‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭ ‬الأصلية‭ ‬يطلبون‭ ‬من‭ ‬أهاليهم‭ ‬أن‭ ‬يكلموا‭ ‬أبناءهم‭ ‬بلغتهم‭ ‬الأمّ،‭ ‬أي‭ ‬العربية،‭ ‬وأن‭ ‬يعرّفوهم‭ ‬بالتقاليد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جزئياتها،‭ ‬ومعنى‭ ‬كلّ‭ ‬ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نتبنّى‭ ‬تماما‭ ‬مَا‭ ‬لثقافته‭ ‬من‭ ‬مضامين،‭ ‬إلاّ‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬واحدة‭ ‬وذلك‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬المضامين‭ ‬ذات‭ ‬صبغة‭ ‬إنسانية‭ ‬عامّة‭ ‬كونية‭ ‬تهمّ‭ ‬جميع‭ ‬أصناف‭ ‬البشر‭ ‬فتكون‭ ‬عامل‭ ‬توحيد‭ ‬لا‭ ‬عامل‭ ‬تفرقة‭.‬

إنّ‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬بحثنا‭ ‬فيه‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بـاالثقافة‭ ‬الخاصّةب‭ ‬أو‭ ‬اثقافـة‭ ‬الهويّةب،‭ ‬ولكن‭ ‬بـدون‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬قصدنـا‭ ‬أنّها‭ ‬اثقافـة‭ ‬معزولةب‭ ‬أو‭ ‬اثقافـة‭ ‬عزلةب‭. ‬فالموروثات‭ ‬بشقّيهـا‭ ‬المادي‭ ‬واللاّمادي‭ (‬القولي‭) ‬كانـت‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬مستعملة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الجمهور‭ ‬الموسّع‭ (‬La‭ ‬masse‭ ‬populaire‭)‬،‭ ‬وكانت‭ ‬لصيقة‭ ‬بهموم‭ ‬الناس‭ ‬ونشاطاتهم‭ ‬المختلفة‭. ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬صوت‭ ‬جماعي‭ ‬أو‭ ‬رأسمال‭ ‬رمزي‭ (‬Les‭ ‬biens‭ ‬symboliques‭)‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنّها‭ ‬سلع‭ ‬ثقافية‭ ‬بها‭ ‬كانت‭ ‬تُدافع‭ ‬المجتمعات‭ ‬عن‭ ‬كيانها‭ ‬وتحصّن‭ ‬نفسها‭. ‬والسؤال‭ ‬المطروح‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بإمكان‭ ‬تلك‭ ‬الموروثات‭ ‬أن‭ ‬تحصّن‭ ‬الذات‭ ‬الثقافية‭ ‬للشعوب‭ ‬العربية‭ ‬حتّى‭ ‬تضمن‭ ‬حصانة‭ ‬أبنائها‭ ‬ومناعتهم‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬وتقلّبات‭ ‬متتالية؟‭ ‬ألسنا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬الأطفال‭ ‬يجدون‭ ‬البعيد‭ ‬قريبا‭ ‬والقريبَ‭ ‬بعيدًا؟‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬تُؤشر‭ ‬لحدوث‭ ‬أمر‭ ‬جلل‭ ‬يتعلّق‭ ‬بهويّاتهم‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ندرك‭ ‬حقيقته‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬أخرى‭.‬