اللغة العدد
«المحفل» على خطى الأجداد عادات ومعتقدات- شحنة من الرموز والدلالات
«المحفل» على خطى الأجداد عادات ومعتقدات- شحنة من الرموز والدلالات
العدد 48 - عادات وتقاليد

د‭. ‬الزازية‭ ‬برقوقي‭ - ‬كاتبة‭ ‬من‭ ‬تونس

 

يلعب‭ ‬الموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬دورا‭ ‬فعالا‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬الواقع‭ ‬الثقافي‭ ‬للمجتمعات‭ ‬التقليديّة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مختلف‭ ‬التّعابير‭ ‬الفنيّة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬فتأت‭ ‬تعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬أفكار‭ ‬ورؤى‭ ‬وشواغل‭ ‬أصحابها‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الزمن‭. ‬وتعد‭ ‬المناسبات‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬الشعبيّة‭ ‬ميدانا‭ ‬ثريا‭ ‬وحاضنة‭ ‬أساسيّة‭ ‬للمخزون‭ ‬الثقافي‭ ‬الجماعي،‭ ‬اذ‭ ‬يلتقي‭ ‬فيها‭ ‬الديني‭ ‬بالدنيوي‭ ‬والواقعي‭ ‬بالخيالي‭ ‬فتحضر‭ ‬المعتقدات‭ ‬مع‭ ‬المعارف‭ ‬وتمتزج‭ ‬العادات‭ ‬بالتقاليد،‭ ‬ويتفاعل‭ ‬ذلك‭ ‬الكل‭ ‬وفق‭ ‬ضوابط‭ ‬ونظم‭ ‬معيّنة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ممارسة‭ ‬احتفاليّة‭ ‬طقوسيّة‭ ‬جماعيّة‭ ‬لها‭ ‬تمثلاتها‭ ‬ورموزها‭ ‬الدلاليّة‭. ‬ومما‭ ‬لاشك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬المناسبات‭ ‬ساهمت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭  ‬تشكيل‭ ‬و‭ ‬بلورة‭ ‬الآثار‭ ‬الثقافيّة‭ ‬واستمرارها‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬جعلها‭ ‬وجهة‭ ‬عديد‭ ‬الباحثين‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬تخصصاتهم‭ ‬وتفرعاتها‭ ‬الثقافيّة‭ ‬والتاريخيّة‭ ‬والاجتماعيّة‭ ‬والاثنوموسيقولوجيّة‭ ‬والسيميولوجيّة‭ ‬وغيرها،‭ ‬للبحث‭ ‬واستجلاء‭ ‬حقائق‭ ‬الحراك‭ ‬الإبداعي‭ ‬الفكري‭ ‬والنشاط‭ ‬المادي‭ ‬الإنساني‭ ‬للمجتمعات‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬البحث‭ ‬داخل‭ ‬المخزون‭ ‬الثقافي‭ ‬لمجتمعاتنا‭ ‬والمتعلقة‭ ‬بالمناسبات‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬الشعبيّة‭ ‬ورموزها‭ ‬الدلاليّة‭ ‬يندرج‭ ‬عملنا‭ ‬هذا‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬المحفل،‭ ‬وسنحاول‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تعريف‭ ‬وتحليل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬واستنطاق‭ ‬عديد‭ ‬جوانبها‭ ‬لمزيد‭ ‬الفهم‭ ‬والإدراك‭ ‬وتقديم‭ ‬المعلومة‭ ‬الممكنة‭ ‬حولها‭ ‬للقارئ‭ ‬عموما‭.‬

 

المحفل‭ ‬

االمحفل‭ ‬من‭ ‬الحفلب‭ ‬وحَفَلَ‭ ‬القَوم‭ ‬يَحْفِلُونَ‭ ‬حَفْلاً‭ ‬واحتفلوا‭: ‬اجتمعوا‭ ‬واحتشدوا‭ ‬وعنده‭ ‬حفل‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬أي‭ ‬جمع،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬مصدر‭. ‬والحفل‭: ‬الجمع‭ ‬والمَحْفَل‭: ‬المجلس‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬مجلس‭ ‬أيضا‭. ‬ومَحْفَل‭ ‬القوم‭ ‬ومحْتَفَلُهم‭: ‬مجتمعهمب1‭. ‬وفي‭ ‬المجتمع‭ ‬البدوي‭ ‬لا‭ ‬يبتعد‭ ‬مفهوم‭ ‬مصطلح‭ ‬المحفل‭ ‬عن‭ ‬معاني‭ ‬هذا‭ ‬التّحليل‭ ‬اللّغوي‭ ‬اوالمحفل‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬اللّغوية‭ ‬الصّرفية‭ ‬صيغة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬المصدر‭ ‬الميمي‭ ‬واسم‭ ‬المكان‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬بصفته‭ ‬حادثا‭ ‬معلوما‭ ‬كما‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الظّرف‭ ‬باعتباره‭ ‬إطارا‭ ‬معيّنا‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬حيزه‭ ‬ذلك‭ ‬الحدثب2‭.‬

والمحفل‭ ‬اصطلاحا‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬نساء‭ ‬متجمّلات،‭ ‬بأبهى‭ ‬ما‭ ‬لديهن‭ ‬من‭ ‬اللّباس‭ ‬والحلي،‭ ‬تتجمعن‭ ‬بالمناسبات‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬كالعرس‭ ‬والختان‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬موكب‭ ‬يترجّل‭ ‬باتّجاه‭ ‬بيت‭ ‬الاحتفال،‭ ‬ويكون‭ ‬ذلك‭ ‬بطريقة‭ ‬متوارثة‭ ‬ومعلومة‭ ‬لدى‭ ‬أهل‭ ‬البوادي،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬النّسوة‭ ‬على‭ ‬رؤوسهن‭ ‬لحافا‭ ‬أحمر‭ ‬اللون‭ ‬كبير‭ ‬الحجم،‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الزّى‭ ‬البدوي‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬بالحولي‭ ‬أو‭ ‬الحرام،‭ ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬بأن‭ ‬يمسك‭ ‬الرّداء‭ ‬أو‭ ‬اللحاف‭ ‬من‭ ‬أطرافه‭ ‬الأربعة‭ ‬بطريقة‭ ‬مشدودة،‭ ‬أين‭ ‬تتمكن‭ ‬النّسوة‭ ‬من‭ ‬السّير‭ ‬تحته‭ ‬مردّدات‭ ‬أغاني‭ ‬المحفل،‭ ‬التي‭ ‬تستجلب‭ ‬مواضيعها‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية‭ ‬والاجتماعيّة‭ ‬ومن‭ ‬المـنـاسـبـة‭ ‬الاحـتـفـاليّـة‭ ‬ذاتها‭. ‬وتنقسـم‭ ‬نسـاء‭ ‬المحـفـل‭ ‬إلى‭ ‬مجموعتين،‭ ‬تسمّى‭ ‬الأولى‭ ‬مجموعة‭ ‬االـجـرّادةب‭ ‬والـثّـانـية‭ ‬االـشّـدادةب،‭ ‬وذلـك‭ ‬حـسـب‭ ‬تـقـالــيـد‭ ‬ومتطلبات‭ ‬أداء‭ ‬الأغاني‭. ‬

محفل‭ ‬العرس

يظهر‭ ‬المحفل‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬ومواقيت‭ ‬احتفاليّة‭ ‬معيّنة،‭ ‬وهي‭ ‬مضبوطة‭ ‬حسب‭ ‬العادات‭ ‬والتّقاليد‭ ‬المتوارثة‭ ‬لمجتمع‭ ‬البحث3‭. ‬ففي‭ ‬احتفالات‭ ‬العرس‭ ‬مثلا‭ ‬يتشكّل‭ ‬المحفل‭ ‬في‭ ‬مناسبتين‭ ‬فقط،‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬مراسم‭ ‬الزّواج،‭ ‬فيكون‭ ‬المحفل‭ ‬الأول‭ ‬يوم‭ ‬االملاكب‭ ‬أي‭ ‬يوم‭ ‬عقد‭ ‬القران‭ ‬وقراءة‭ ‬الفاتحة،‭ ‬ويتشكّل‭ ‬المحفل‭ ‬الثّاني‭ ‬يوم‭ ‬االجحفةب4‭ ‬أي‭ ‬يوم‭ ‬العرس‭ ‬وعند‭ ‬أخذ‭ ‬العروس‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬زوجها‭.‬

تسير‭ ‬المجتمعات‭ ‬القبليّة‭ ‬عامة‭ ‬ومجتمع‭ ‬بحثنا‭ ‬خاصّة‭ ‬وفق‭ ‬أعراف‭ ‬ونظم‭ ‬اجتماعيّة‭ ‬متوارثة‭ ‬ومتّفق‭ ‬عليها،‭ ‬حيث‭ ‬يسعى‭ ‬الجميع‭ ‬للسّير‭ ‬وفقها،‭ ‬وتطبيق‭ ‬ما‭ ‬تداول‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد،‭ ‬والالتزام‭ ‬بضوابطها‭ ‬وبأدق‭ ‬تفاصيل‭ ‬طقوسها‭ ‬وشعائرها،‭ ‬ذات‭ ‬الرموز‭ ‬الدلاليّة‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الخاصّة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭. ‬افالعيش‭ ‬بالرموز‭ ‬وتوظيفها‭ ‬فعالية‭ ‬إنسانية‭ ‬بكلّ‭ ‬امتياز،‭ ‬بها‭ ‬يعيش‭ ‬الإنسان‭ ‬ويؤثث‭ ‬وجوده‭ ‬ويبني‭ ‬عالمه‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭ ‬ويرسي‭ ‬نظام‭ ‬الأشياء‭ ‬والعلاقات‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬الناس‭. ‬ودلالة‭ ‬الأشياء‭ ‬والعلاقات‭ ‬لا‭ ‬تدرك‭ ‬إلاّتمن‭ ‬خلال‭ ‬استعمالاتها‭ ‬وممّا‭ ‬تتضمّنه‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬وممّا‭ ‬تتخذه‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬في‭ ‬متخيّلهم‭ ‬الجمعيب5‭.‬

‭ ‬تلتقي‭ ‬في‭ ‬المحفل‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬المشكّلة‭ ‬لهذه‭ ‬الظّاهرة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬النّساء‭ ‬اللاّتي‭ ‬تتقن‭ ‬الغناء‭ ‬والزّغردة،‭ ‬ومختارات‭ ‬من‭ ‬أغاني‭ ‬المحفل‭ ‬والتي‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬ذات‭ ‬علاقة‭ ‬بالإطار‭ ‬والمناسبة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حضور‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬والدلالات‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬المخيال‭ ‬الجمعي‭ ‬وترتبط‭ ‬أساسا‭ ‬بأدوات‭ ‬التخاطب‭ ‬المتعلقة‭ ‬باللفظ‭ ‬والحركة‭ ‬والشكل‭ ‬واللون،‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬بدورها‭ ‬شحنات‭ ‬معنويّة‭ ‬لها‭ ‬قدرة‭ ‬تأثيرية‭ ‬على‭ ‬ممارسيها،‭ ‬اذ‭ ‬تثير‭ ‬لديهم‭ ‬صورا‭ ‬وأفكارا‭ ‬ذهنيّة‭ ‬يتجاوبون‭ ‬ويتفاعلون‭ ‬معها‭ ‬ويجدون‭ ‬لها‭ ‬مقاصد‭ ‬ومفاهيم‭ ‬مضبوطة،‭ ‬هذا‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بالظّاهرة‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬ذات‭ ‬منحى‭ ‬احتفالي‭ ‬طقوسي‭ ‬عقائدي‭ ‬ينخرط‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬ممارستها‭ ‬بشكل‭ ‬انسيابي‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الشعور‭ ‬بالرضا‭ ‬الجمعي،‭ ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المناسبات‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الفرد‭ ‬و‭ ‬الفردانيّة،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يقول‭ ‬دوركايم‭ ‬ايتشكّل‭ ‬لدى‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حضورهم‭ ‬الجماعي‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬الجمعي‭ ‬الجيّاش‭ ‬لا‭ ‬يدركونه‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬حالتهم‭ ‬الفردية6ب‭. ‬

 

‭ ‬محفل‭ ‬االملاكب

يعد‭ ‬االملاكب‭ ‬وبمختلف‭ ‬مسمّياته‭ ‬العربية،‭ ‬اليوم‭ ‬المشهود‭ ‬لإعلان‭ ‬وإشهار‭ ‬الخطبة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬عامة‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬شمال‭ ‬إفريقيا‭ ‬والمغرب‭ ‬العربي‭ ‬خصيصا‭. ‬وقد‭ ‬تختلف‭ ‬أو‭ ‬تتماثل‭ ‬طقوس‭ ‬وممارسات‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تلتقي‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬حول‭ ‬الاحتفال‭ ‬وتبادل‭ ‬الهدايا‭ ‬بأشكال‭ ‬متعددة‭ ‬وفق‭ ‬مسارات‭ ‬علائقيّة‭ ‬مختلفة‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الملاك‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬التونسيّة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬االدزةب‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬طفيف‭ ‬في‭ ‬مواقيت‭ ‬التنقل‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬متداول‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬حيث‭ ‬اتسير‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬والدة‭ ‬العروس،‭ ‬قبيل‭ ‬صلاة‭ ‬العشاء،‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬الفوانيس‭ ‬يحملن‭ (‬الدزّة‭)‬،‭ ‬تتقدمهن‭ ‬الخاطبة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬صرة‭ ‬كبيرة‭ ‬تضم‭ ‬الملابس‭ ‬والهدايا‭ ‬بشكل‭ ‬بارز‭ ‬لافت،‭ ‬ويطفن‭ ‬بين‭ ‬البيوت‭ ‬باتجاه‭ ‬بيت‭ ‬العروس،‭ ‬وهن‭ ‬يزغردن،‭ ‬ويرددن‭ ‬الصلوات‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬وآلهب7‭.‬

كما‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬الملاك‭ ‬تسمية‭ ‬الملچة‭ ‬أي‭ ‬االملكةب‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الخليج‭ ‬كافة،‭ ‬وهو‭ ‬أيضا‭ ‬التسلومة،‭ ‬أو‭ ‬االتسليمةب‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬وكما‭ ‬تشير‭ ‬الكلمة‭ ‬فهي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مراسم‭ ‬تسليم‭ ‬المهر،‭ ‬وما‭ ‬يتبعه‭ ‬من‭ ‬الهدايا،‭ ‬مرفقة‭ ‬بسلة‭ ‬تضم‭ ‬احتياجات‭ ‬العروس‭ ‬من‭ ‬المصوغات،‭ ‬والملابس‭ ‬وغيرها،‭  ‬تحملها‭ ‬النساء‭ ‬سائرات‭ ‬نحو‭ ‬بيت‭ ‬العروس‭ ‬تحت‭ ‬أصوات‭ ‬دق‭ ‬الدفوف‭ ‬والغناء‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬ونظرا‭ ‬إلى‭ ‬التقارب‭ ‬الجغرافي‭ ‬والتمازج‭ ‬الثقافي‭ ‬بينها،‭ ‬تحافظ‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬تسمية‭ ‬االملاكب،‭ ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬الذكر‭ ‬المجتمع‭ ‬التّلمساني‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬الجزائر،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابه‭ ‬العادات‭ ‬وتلتقي‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات،‭ ‬ففي‭ ‬يوم‭ ‬الملاك‭ ‬وكما‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬يحمل‭ ‬أهل‭ ‬الخطيب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الخطيبة‭ ‬هدايا‭ ‬كثيرة‭ ‬أهمها‭ ‬ا‭ ‬الطيفورب‭ ‬وهو‭ ‬الطبق‭ ‬الذي‭ ‬يُملأ‭ ‬بالحنّاء‭ ‬لتخضّب‭ ‬بها‭ ‬العروس‭. ‬كما‭ ‬يضعون‭ ‬وسط‭ ‬الطّيفور‭ ‬السُكّر‭ ‬لاعتقادهم‭ ‬بأنه‭ ‬رمز‭ ‬للحلاوة‭ ‬والسّكينة‭ ‬والمودّة‭. ‬ويحمل‭ ‬أيضا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الملابس‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭: ‬االقفطانب‭ ‬وهو‭ ‬جزء‭ ‬هامّ‭ ‬من‭ ‬المهر،‭ ‬وبلوزة‭ ‬المنسوج‭ ‬واالحايكب‭ ‬واالصبّاطب‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬مساحيق‭ ‬التّجميل‭ ‬والعطور‭ ‬والصّابون‭ ‬ثم‭ ‬يؤتى‭ ‬كذلك‭ ‬بأطباق‭ ‬تملأ‭ ‬بأنواع‭ ‬من‭ ‬الحلويات‭ ‬التّقليدية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الشّموع‭ ‬والحليب‭. ‬وقد‭ ‬جرت‭ ‬التقاليد‭ ‬في‭ ‬تلمسان‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الإملاك‭ ‬أن‭ ‬يشرب‭ ‬الخطيب‭ ‬خطيبته‭ ‬كأسًا‭ ‬من‭ ‬الحليب،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬تقدّم‭ ‬له‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬نفس‭ ‬الكأس‭ ‬ليشرب‭ ‬هو‭ ‬منه‭ ‬أيضًا8‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬بحثنا‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬التونسية‭ ‬يقام‭ ‬محفل‭ ‬الملاك‭ ‬يوم‭ ‬عقد‭ ‬القران‭ ‬وقراءة‭ ‬الفاتحة‭ ‬وهو‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬فيه‭ ‬العريس‭ ‬رمزيا‭ ‬واعتباريّا‭ ‬عروسه،‭ ‬فيحمل‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬أهله‭ (‬المحفل‭)‬،‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬اللوازم‭ ‬للحياة‭ ‬الجديدة‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬هدايا‭ ‬وعلى‭ ‬شاكلة‭ ‬مخصوصة،‭ ‬تسمّى‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬بحثنا‭ ‬االعلاڤةب،‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬القفّة‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬بقيّة‭ ‬الأدباش،‭ ‬وتحتوي‭ ‬على‭ ‬كم‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬قراطيس‭ ‬البخور‭ ‬والعطور‭ ‬وأدوات‭ ‬الزّينة‭ ‬والحلوى‭ ‬وغيرها‭.‬

تصنع‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬من‭ ‬سعف‭ ‬النّخيل‭ ‬وكلّما‭ ‬كانت‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬ذات‭ ‬حجم‭ ‬أكبر،‭ ‬إلا‭ ‬ودلّت‭ ‬على‭ ‬ترف‭ ‬أهل‭ ‬العريس‭ ‬وكرمهم‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وعلى‭ ‬مكانة‭ ‬وقيمة‭ ‬العروس‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭. ‬ترصّف‭ ‬مكوّنات‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬بطريقة‭ ‬معيّنة،‭ ‬حتّى‭ ‬تكون‭ ‬العناصر‭ ‬ذات‭ ‬الرموز‭ ‬الدلاليّة‭ ‬الخيّرة‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬العروس‭ ‬أثناء‭ ‬فتح‭ ‬االعلاڤةب،‭ ‬لذلك‭ ‬توكل‭ ‬هذه‭ ‬المهمّة‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬العجائز‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدّراية‭ ‬بهذه‭ ‬الأمور،‭ ‬ثم‭ ‬تخاط‭  ‬فتحة‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬وتشكّ‭ ‬المخيط‭ ‬التي‭ ‬أخيطت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الأيمن‭ ‬منها،‭ ‬وتلفّ‭ ‬بكاملها‭ ‬في‭ ‬لحاف‭ ‬أحمر‭ ‬اللّون،‭ ‬لما‭ ‬لهذا‭ ‬اللّون‭ ‬من‭ ‬مدلولات‭ ‬رمزيّة‭ ‬ذات‭ ‬معاني‭ ‬ومفاهيم‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬

إنّ‭ ‬منطقة‭ ‬بحثنا‭ ‬تتبرّك‭ ‬باللّون‭ ‬الأحمر‭ ‬وترى‭ ‬أنه‭ ‬رمز‭ ‬الخصب‭ ‬والخير‭ ‬والبركة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نجده‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬االحنّاءب‭ ‬التي‭ ‬تصبغ‭ ‬بها‭ ‬صاحبة‭ ‬الاحتفال‭ ‬يديها‭ ‬ورجليها‭ ‬وكذلك‭ ‬الطّفل‭ ‬المختون،‭ ‬أما‭ ‬الرّجل‭ ‬فيصبغ‭ ‬خنصر‭ ‬يده‭ ‬اليسرى‭ ‬وكلّها‭ ‬حركات‭ ‬وأفعال‭ ‬لها‭ ‬مفاهيم‭ ‬خاصة‭ ‬بهذه‭ ‬المجموعة‭. ‬فالحناء‭ ‬أو‭ ‬اللون‭ ‬الأحمر،‭ ‬منذ‭ ‬القديم‭ ‬لها‭ ‬دلالات‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربيّة‭ ‬عامّة‭ ‬ومجتمع‭ ‬بحثنا‭ ‬خاصّة،‭ ‬فقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬أيضا‭ ‬بالقرابين‭ ‬وبالذّبائح،‭ ‬والتي‭ ‬تعرف‭ ‬باسم‭ ‬االحمورةب،‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬الاحتفال‭ ‬إلاّ‭ ‬بالذّبح‭ ‬وسيلان‭ ‬الدّم،‭ ‬لما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬يجسّدها‭ ‬هذا‭ ‬الطّقس‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬أهداف‭ ‬وغايات‭ ‬جماعيّة‭. ‬افإنّ‭ ‬المجتمعات‭ ‬سواء‭ ‬الحديثة‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬المسمّاة‭ ‬بلا‭ ‬كتابة،‭ ‬تنتج‭ ‬دوما‭ ‬متخيلات‭ ‬اdes imaginairesب‭ ‬لتعيش‭ ‬بها‭ ‬وتبني‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬رموزها‭ ‬وصورها‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬وعن‭ ‬الأشياء‭ ‬والعالم،‭ ‬وبواسطتها‭ ‬تحدد‭ ‬أنظمة‭ ‬عيشها‭ ‬الجماعي‭ ‬ومعاييرها‭ ‬الخاصّةب9‭.‬

تأخذ‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬وكل‭ ‬لوازم‭ ‬العروس‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬العريس‭ ‬وترفع‭ ‬فوق‭ ‬رؤوس‭ ‬النّسوة،‭ ‬وتسرن‭ ‬بتؤدة‭ ‬في‭ ‬مقدّمة‭ ‬المحفل‭ ‬الذي‭ ‬يتكفّل‭ ‬بالغناء‭ ‬والزّغردة‭ ‬فيرددن‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬مثل‭ ‬اشَــاِردْ10‭ ‬لَرْيَــامْ‭ ‬ِزينـَـةب،‭ ‬والتي‭ ‬تقول‭ ‬أبياتها‭:‬

نـَـجَــعْ11‭ ‬أُبَـيِّكْ‭ ‬وينَــهْ

يـَا‭ ‬شَـاِردْ‭ ‬لـَرْيـَــامْ‭ ‬ِزينَـة

يَـا‭ ‬زِيـنَة‭ ‬يَـا‭ ‬بـْنَـيّـتْ‭ ‬عَـمِّـي

مـَا‭ ‬صَابِك‭ ‬ْعِلْكَة‭ ‬فِي‭ ‬فُمِّي

رَايْ12‭ ‬بِـيــنْ‭ ‬أَنْـيَـابِي‭ ‬دِيمَه

يـَا‭ ‬شَــاِردْ‭ ‬لـَرْيـَـامْ‭ ‬ِزيـنَـة

‭... ‬نَجَـعْ‭ ‬أُبَيِّـكْ‭ ‬ويـنَهْ‭ ...‬

يَا‭ ‬زِيـنَة‭ ‬حُمر‭ ‬الشَّوَاِربْ13

رَايْ‭ ‬صِيفَةْ‭ ‬لَرْياَلْ14‭ ‬هَارِبْ

كِي‭ ‬شَافُو‭ ‬الصّيَادْ‭ ‬زَاِربْ15‭ ‬

كِي‭ ‬شَافُو‭ ‬رَڤّـّـِدْ‭ ‬عـِينـَهْ

يـَـا‭ ‬شَـاِردْ‭ ‬لـَرْيـَــامْ‭ ‬زينَـة

‭... ‬نَجَـعْ‭ ‬أُبَيِّـكْ‭ ‬ويـنَهْ‭ ...‬

واْلمَحْفِلْ‭ ‬جَا‭ ‬مِنْ‭ ‬الْمَكْنَاسِي16

جـاَبَاتَـهْ‭ ‬عـْرَبْ‭ ‬اللِّبَـاسِي

رَاي‭ ‬مَـشْـيَة‭ ‬وتْذَهْلِيلَة

عـَلَى‭ ‬شَـاِردْ‭ ‬لَرْيَــامْ‭ ‬ِزينَة

‭... ‬نَجَـعْ‭ ‬أُبَيِّـكْ‭ ‬ويـنَهْ‭ ...‬

الْمَحْفِـلْ‭ ‬جَا‭ ‬مِنْ‭ ‬الْمِزُّونَة17

جــاَبَـاتَهْ‭ ‬سُـودْ‭ ‬عْـيُـونَـهْ

رَاْي‭ ‬مَـشْــيَـة‭ ‬وتْـذهْلِيلَة

يـَا‭ ‬شَـاِردْ‭ ‬لـَرْيـَــامْ‭ ‬زينَـة

‭... ‬نَجَـعْ‭ ‬أُبَيِّـكْ‭ ‬ويـنَهْ‭ ...‬

الْمَحْفِـلْ‭ ‬جَا‭ ‬مِنْ‭ ‬ڤَمُّـودَة18

جَابـاَتَهْ‭ ‬زُهْـرَة‭ ‬ومَسْعُـودَة

رَايْ‭ ‬مَـشْيَـة‭ ‬وتْـذهْـلِيلَة

يـَا‭ ‬شَـاِردْ‭ ‬لـَرْيـَــامْ‭ ‬ِزينَـة

‭... ‬نَجَـعْ‭ ‬أُبَيِّـكْ‭ ‬ويـنَهْ‭ ...‬

الْمَحْفِـلْ‭ ‬جَا‭ ‬مِنْ‭ ‬الظّوَاهِـرْ

جَـابَاتَـهْ‭ ‬عْـرَبْ‭ ‬الجَّوَاهِـرْ

رَايْ‭ ‬مَـشْـيَـة‭ ‬وتْـذهْـلِيلَة

يـَا‭ ‬شَـاِردْ‭ ‬لـَرْيـَــامْ‭ ‬زينَــة

‭... ‬نَجَـعْ‭ ‬أُبَيِّـكْ‭ ‬ويـنَهْ‭ ...‬

ومما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬تشبيه‭ ‬المرأة‭ ‬بالغزال‭ ‬الشّارد‭ ‬وهي‭ ‬صورة‭ ‬تعبيريّة‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬الطّبيعي‭ ‬والبيئي‭ ‬لمجتمع‭ ‬البوادي،‭ ‬الذي‭ ‬يستلهم‭ ‬منه‭ ‬أصحابه‭ ‬إبداعاتهم‭ ‬الشّعريّة‭ ‬والغنائيّة،‭ ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬الصّور‭  ‬تتكرّر‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬تركيبة‭ ‬الأغنية‭ ‬الغزليّة‭ ‬وفي‭ ‬القاموس‭ ‬اللّغوي‭ ‬البدوي‭ ‬عامّة‭. ‬

وكما‭ ‬هو‭ ‬ملاحظ‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬هذا‭ ‬المثال‭ ‬فقد‭ ‬تراوحت‭ ‬اجراريدهب‭ ‬بين‭ ‬التّغزّل‭ ‬بذات‭ ‬الحبيبة‭ (‬زينة‭ ‬حمر‭ ‬الشّوارب‭) ‬وبشكلها‭ ‬الذي‭ ‬مثّله‭ ‬بالغزال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعديد‭ ‬أسمائه‭ ‬لريال‭ ‬لريام،‭ (‬راي‭ ‬صفة‭ ‬لريل‭ ‬هارب‭) ‬وكذلك‭ ‬بالمكانة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬للحبيبة‭ ‬والتي‭ ‬تحددها‭ ‬كثرة‭ ‬المحافل‭ ‬القادمة‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأماكن‭. ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬تردّد‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬النّماذج‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬ذات‭ ‬المواضيع‭ ‬الغزليّة‭ ‬و‭ ‬المعاني‭ ‬والتّعابير‭ ‬الوصفيّة‭ ‬للمرأة‭ ‬والفارس‭ ‬والفرس‭ ‬والهودج‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الاحتفال‭. ‬

وفي‭ ‬اتّجاه‭ ‬بيت‭ ‬العروس‭ ‬تعنى‭ ‬النّساء‭ ‬وخاصّة‭ ‬المقرّبات‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الاحتفال‭ ‬بمراقبة‭ ‬المحفل،‭ ‬وهن‭ ‬النّساء‭ ‬اللاّتي‭ ‬تسرن‭ ‬تحت‭ ‬الرّداء‭ ‬الأحمر،‭ ‬حيث‭ ‬يحرصن‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتكوّن‭ ‬ذلك‭ ‬الموكب‭ ‬من‭ ‬صفوة‭ ‬نساء‭ ‬االعرشب،‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬الهامّة‭ ‬واللاّتي‭ ‬لهن‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬حياتهن‭ ‬العائليّة‭ ‬والزوجيّة،‭ ‬فممارسة‭ ‬الطقوس‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة‭ ‬تستوجب‭ ‬تحديد‭ ‬المهام‭ ‬و‭ ‬ضبط‭ ‬الأدوار‭ ‬كما‭ ‬يجب‭. ‬وربما‭ ‬نلتقي‭ ‬هنا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬اكلود‭ ‬ريفيارب‭ ‬بالقول‭ ‬اإنّ‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬يضطلع‭ ‬بها‭ ‬المنخرطون‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬الزواج،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬تلك‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬الأفراد‭ ‬بوصفها‭ ‬نماذج‭ ‬ممسرحة‭ (‬théâtralisés‭)‬ب،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوار‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬دائما‭ ‬إحدى‭ ‬المقرّبات‭ ‬تحوم‭ ‬حول‭ ‬المحفل‭ ‬وتبعد‭ ‬بطريقة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى،‭ ‬كل‭ ‬امرأة‭ ‬أرملة‭ ‬أو‭ ‬مطلّقة‭ ‬أو‭ ‬عاقر‭ ‬عن‭ ‬الرّداء‭ ‬الأحمر،‭ ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الخوف‭ ‬والاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬اللّعنة‭ ‬والشؤم‭ ‬الذي‭ ‬أصاب‭ ‬إحداهن‭ ‬قد‭ ‬يتسرّب‭ ‬إلى‭ ‬العروسين‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬محفل‭ ‬زواجهما‭. ‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬المقاييس‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬والانتربوثقافيّة،‭ ‬لابدّ‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬من‭ ‬االغنَّيَاتْب‭ ‬البارعات‭ ‬والمعروفات‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬من‭ ‬ذوات‭ ‬الأصوات‭ ‬القويّة‭ ‬والجميلة‭ ‬واللاّتي‭ ‬تحفظن‭ ‬رصيدا‭ ‬هاما‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭  ‬وتتقنّ‭ ‬أدائها‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬المقام‭. ‬وتعتبر‭ ‬أغاني‭ ‬المحفل‭ ‬الأغاني‭ ‬الأكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬طريقة‭ ‬الأداء‭ ‬والنّغمة‭ ‬المستعملة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الطول‭ ‬وعدد‭ ‬مقاطعها،‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬أغاني‭ ‬المحفل‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الشّاكلة‭ ‬من‭ ‬الطول‭ ‬والتّمديد‭ ‬والأغراض‭ ‬المتناولة،‭ ‬قصد‭ ‬ملأ‭ ‬الفضاء‭ ‬الزمني‭ ‬الذي‭ ‬يستغرقه‭ ‬المحفل‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الاحتفال،‭ ‬وتدور‭ ‬مجمل‭ ‬مواضيع‭ ‬أغاني‭ ‬محفل‭ ‬االملاكب‭ ‬حول‭ ‬المرأة‭ ‬ومكانتها‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬وقيمتها‭ ‬الاعتباريّة‭ ‬والرمزيّة،‭ ‬فلا‭ ‬تتوانى‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬في‭ ‬التّغنّي‭ ‬بجمال‭ ‬المرأة‭ ‬خلقا‭ ‬وخلقا‭ ‬والرّفع‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬ومتعدّدة‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬اقدّك‭ ‬طاغي‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬يبانب،‭ ‬ايا‭ ‬خد‭ ‬إلّي‭ ‬لاحب،‭ ‬ايا‭ ‬ربيحة‭ ‬يا‭ ‬خد‭ ‬المرزمب،‭ ‬اشبهت‭ ‬ريم‭ ‬الفاليب،‭ ‬اراو‭ ‬قدها‭ ‬علامب‭... ‬كما‭ ‬تردّد‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭  ‬مثلا‭ ‬عَڤْلًي‭ ‬غَدَا‭ ‬فًي‭ ‬سَيَّهْ‭  ‬فتغني‭:‬

عَڤْلِي‭ ‬غَــدَا20‭ ‬فِي‭ ‬سَيَّـهْ21        ‭ ‬هَزَّاتَهْ‭  ‬عِيشَـهْ‭ ‬بَيَّــــهْ

يَـا‭ ‬عِيشَــهْ‭ ‬وهْذَبْهَــــا‭              ‬ڤُصَّهْ22‭ ‬علَـى‭ ‬حَاجِبْهَــا

وشَــامْ23‭ ‬كِي‭ ‬عَذَّبْهَــا‭              ‬زَادْ‭ ‬وَرِّدْ‭ ‬السَــيَّــالـَــهْ24

يَـا‭ ‬سَعْدْ‭ ‬مِنْ‭ ‬كَاسِبْهَــا‭              ‬وخَاسِـرْ‭ ‬عَلِيهَــا‭ ‬مَالَـــهْ

عَڤْلِي‭ ‬غَدَا‭ ‬فِي‭ ‬سَيَّهْ

يَا‭ ‬وخَيْ‭ ‬نْشبَحْ‭ ‬25طُفْلَـهْ‭           ‬فِي‭ ‬العِرْسْ‭ ‬عُقْبْ‭ ‬الحَفْلَـهْ

صَنْدُوڤْ‭ ‬وحَلُّوا‭ ‬القُفْلَهْ‭            ‬فِي‭ ‬السَّـانِيـَـهْ26‭ ‬الڤْبْلِيَّــهْ

يَـا‭ ‬عِيشَهْ‭ ‬وأَڤْدامِكْ‭             ‬شِبْرِينْ‭ ‬عَرْضْ‭ ‬حْزَامِــكْ27

لَوَكانْ‭ ‬نْجِي‭ ‬لَوْهَامِكْ28‭ ‬‭ ‬          ‬لَسْمَــرْ‭ ‬29‭ ‬ينَوِّضْ‭ ‬30عَلَيَّـا

عَڤْلِي‭ ‬غَدَا‭ ‬فِي‭ ‬سَيَّــهْ‭              ‬هَزَّاتَــهْ‭  ‬عِيشَــهْ‭ ‬بَيَّـــــهْ

وعند‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬الاحتفال‭ ‬يستنفر‭ ‬الجميع‭ ‬لتطبيق‭ ‬كل‭ ‬مراسم‭ ‬الاحتفال‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬المكان‭ ‬وزمان‭ ‬تلك‭ ‬المناسبة،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالاعتقاد‭ ‬والمعتقد‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يحوم‭ ‬حولهما‭ ‬من‭ ‬شواغل‭ ‬جماعية،‭ ‬ذوات‭ ‬الأفعال‭ ‬الطقسية‭ ‬المتوارثة‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬استمرار‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬بالغناء‭ ‬دون‭ ‬انقطاع‭. ‬فبدخول‭ ‬منزل‭ ‬الاحتفال‭ ‬تستقبلهم‭ ‬العروس‭ ‬بطريقة‭ ‬مخصوصة‭ ‬حيث‭ ‬تقف‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬متّجهة‭ ‬إلى‭ ‬القبلة‭ ‬ومغطاة‭ ‬كليّا‭ ‬برداء‭ ‬أحمر‭ ‬اللّون،‭ ‬أو‭ ‬أبيض‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬العروش‭ ‬مثل‭ ‬أولاد‭ ‬رضوان‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬لباس‭ ‬االسّفساريب،‭ ‬ولا‭ ‬تجلس‭ ‬العروس‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬دخول‭ ‬المحفل‭ ‬بكامله‭ ‬ووضع‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬أمامها،‭ ‬حينها‭ ‬تأخذ‭ ‬مكانها‭ ‬دون‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬وجهها‭ ‬وتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬حلّ‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬والتي‭ ‬تخضع‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الضّوابط‭ ‬الطّقسيّة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭  ‬تطبيقها‭ ‬دون‭ ‬زيادة‭ ‬أو‭ ‬نقصان،‭ ‬لذلك‭ ‬توكل‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬العجائز‭ ‬ذات‭ ‬الدراية‭ ‬وتكون‭ ‬من‭ ‬مقربات‭ ‬العروس‭ ‬وتساعدها‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬العريس،‭ ‬فتفرشن‭ ‬ذلك‭ ‬الرداء‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تحمله‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهن،‭ ‬وتبدأن‭ ‬بفتح‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬فوقه‭.‬

يفكّ‭ ‬خيط‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬فقط‭ ‬حتى‭ ‬تتمكن‭ ‬العروس‭ ‬من‭ ‬إدخال‭ ‬يدها‭ ‬وأخذ‭ ‬بعض‭ ‬الأشياء‭ ‬منها،‭ ‬وهو‭ ‬بمثابة‭ ‬التّنبؤ‭ ‬لمستقبل‭ ‬العروس‭ ‬وحياتها‭ ‬مع‭ ‬زوجها،‭ ‬ومن‭ ‬أحسن‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬على‭ ‬العروس‭ ‬أن‭ ‬تتحسّسها‭ ‬وتخرجها‭ ‬من‭ ‬االعلاڤةب،‭ ‬هي‭ ‬المرآة‭ ‬حيث‭ ‬تأخذها‭ ‬وتنظر‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الّلحاف‭ ‬الأحمر‭ ‬ثم‭ ‬ترجعها،‭ ‬أو‭ ‬الحلوى‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تأكل‭ ‬منها‭ ‬وتوضع‭ ‬بعضها‭ ‬تحت‭ ‬قدميها‭ ‬داخل‭ ‬االدّماقب31،‭ ‬وذلك‭ ‬للاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الحركات‭ ‬والأفعال‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬حياتها‭ ‬صافية‭ ‬صفاء‭ ‬المرآة‭ ‬وسعيدة‭ ‬وحلوة‭ ‬بطعم‭ ‬الحلوى‭ ‬التي‭ ‬توزع‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الحاضرين‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭.‬

تواصل‭ ‬العجائز‭ ‬فتح‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬كليا‭ ‬بإزالة‭ ‬ذلك‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يحفظ‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آمن‭ ‬فيقدم‭ ‬عادة‭ ‬لأم‭ ‬العروس‭ ‬كي‭ ‬تخبأه‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬عليه‭ ‬إحدى‭ ‬الغيورات‭ ‬من‭ ‬ابنتها‭ ‬وتستعمله‭ ‬في‭ ‬سحرها‭ ‬وعرقلة‭ ‬زواجها‭. ‬ومن‭ ‬خصائص‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬كل‭ ‬القراطيس‭ ‬الموجودة‭ ‬بداخلها‭ ‬دون‭ ‬استثناء،‭ ‬ثم‭ ‬توزع‭ ‬الحلوى‭ ‬والفواكه‭ ‬الجافة‭ ‬والحنّاء‭ ‬والسّواك‭ ‬واللّوبان‭(‬العلكة‭) ‬على‭ ‬كل‭ ‬الحاضرات،‭ ‬وتقسّم‭ ‬بقيّة‭ ‬المواد‭ ‬بين‭ ‬جزء‭ ‬لصناعة‭ ‬البخور‭ ‬وآخر‭ ‬لصناعة‭ ‬االسخابب32‭ ‬حيث‭ ‬تتجمّع‭ ‬النّساء‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الموالي‭ ‬للملاك‭ ‬وتقوم‭ ‬بإعداده‭. ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬عنصر‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬االعلاڤةب‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬بساطته،‭ ‬فحتى‭ ‬القراطيس‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تفريغها‭ ‬تحفظ‭ ‬جميعها‭ ‬كي‭ ‬تستحمّ‭ ‬العروس‭ ‬فوقها‭ ‬ويعتقد‭ ‬أن‭ ‬سكب‭ ‬الماء‭ ‬عليها‭ ‬قد‭ ‬يبطل‭ ‬استعمالها‭ ‬في‭ ‬أغراض‭ ‬سحريّة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه‭. ‬

وكما‭ ‬هو‭ ‬ملاحظ‭ ‬فان‭ ‬المحفل‭ ‬يمثل‭ ‬ظاهرة‭ ‬كليّة‭ ‬تضمّ‭ ‬الممارسة‭ ‬الفنيّة‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬وكذلك‭ ‬الفاعليّة‭ ‬الطّقوسيّة‭ ‬والثّقافيّة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬عامة‭ ‬ومجتمع‭ ‬البوادي‭ ‬خاصة،‭ ‬حيث‭ ‬تجد‭ ‬الطّقوس‭ ‬مكانها‭ ‬لتفرض‭ ‬النظام‭ ‬وتؤسس‭ ‬للمكان،‭ ‬وتقوي‭ ‬لحمة‭ ‬الجماعة،‭ ‬ضمن‭ ‬ممارسة‭ ‬طقوسية‭ ‬قد‭ ‬تلتقي‭ ‬فيها‭ ‬النّوازع‭ ‬الوجدانيّة‭ ‬حول‭ ‬إجابة‭ ‬أو‭ ‬معنى‭ ‬ذو‭ ‬دلالة،‭ ‬يستند‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬الطقوس‭ ‬كأداة‭ ‬احتماء‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬والذّوبان‭. ‬افالممارسات‭ ‬الطقوسية‭ ‬قد‭ ‬مثّلت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السياقات‭ ‬مجالا‭ ‬للاستثمار‭ ‬الرمزي‭ (‬investissement symbolique‭) ‬تنخرط‭ ‬فيه‭ ‬فئات‭ ‬منشغلة‭ ‬كثيرا‭ ‬بهويتها‭ ‬ووجودها‭ ‬الاجتماعي‭. ‬فتتخذ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الطقوسية‭ ‬فرصا‭ ‬لتتعهّد‭ ‬رأسمالها‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتربط‭ ‬اصفقاتب‭ ‬تنمّي‭ ‬بها‭ ‬رصيدها‭ ‬العلائقي‭. ‬ويختلف‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أهدافه‭ ‬وكثافته‭ ‬باختلاف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومواقعها‭ ‬وشواغلهاب33‭.‬

وبممارسة‭ ‬الطّقس‭ ‬يعاد‭ ‬إحياء‭ ‬الزّمن‭ ‬وتولد‭ ‬المعنى،‭ ‬والطّقوس‭ ‬عامّة‭ ‬ممارسة‭ ‬جماعيّة،‭ ‬محدّدة‭ ‬المكان‭ ‬والزّمان‭ ‬ومضبوطة‭ ‬المعنى‭ ‬والدّلالة،‭ ‬يتّخذ‭ ‬منخرطوها‭ ‬شحنات‭ ‬رمزيّة،‭ ‬ترد‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ممارسات‭ ‬تصاحبها‭ ‬حركات،‭ ‬شعارات،‭ ‬أشكال‭ ‬وألوان‭...‬،‭ ‬وفق‭ ‬نجاعة‭ ‬الطّقوس‭ ‬وفاعليتها،‭ ‬لتحديد‭ ‬معنى‭ ‬للفعل‭ ‬الجماعي‭.‬

 

‭ ‬محفل‭ ‬االجحفةب

وكما‭ ‬أشرنا‭ ‬سابقا،‭ ‬فإنّ‭ ‬المحفل‭ ‬في‭ ‬احتفالات‭ ‬العرس‭ ‬التونسي‭ ‬يتشكّل‭ ‬في‭ ‬مناسبتين،‭ ‬يتم‭ ‬الأول‭ ‬يوم‭ ‬االملاكب‭ ‬والثّاني‭ ‬يوم‭ ‬االجحفةب‭. ‬ويكون‭ ‬محفلبالجحفةب‭ ‬يوم‭ ‬العرس،‭ ‬حيث‭ ‬تأتي‭ ‬النّساء‭ ‬كالعادة‭ ‬متجمّلات‭ ‬ومرتديات‭ ‬أبهى‭ ‬ما‭ ‬لديهن‭ ‬من‭ ‬ملابس‭ ‬وحلي،‭ ‬فيحضر‭ ‬الجميع‭ ‬لمواكبة‭ ‬إعداد‭ ‬وتزيين‭ ‬االجحفةب،‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬تملأ‭ ‬أصوات‭ ‬النساء‭ ‬وزغاريدها‭ ‬المكان،‭ ‬فتردّد‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬أمثلة‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬متداولة‭ ‬ومعلومة‭ ‬لدى‭ ‬المجموعة‭ ‬وخاصة‭ ‬بهذه‭ ‬المواقيت،‭ ‬حيث‭ ‬تغنّي‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬ا‭ ‬هَذَا‭ ‬النَّهَارْ‭ ‬المُبَارِكْب‭ ‬وهو‭ ‬مثال‭ ‬يتكرّر‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬المناسبات‭ ‬الاحتفالية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭  ‬وفي‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬نصّها‭: ‬

‭ ‬هَذَا‭ ‬النَّهَارْ‭ ‬المُبَارِكْ‭  ‬ويَا‭ ‬مَنْ‭ ‬حَضَرْ

سِيدِي‭ ‬عَلِي34‭ ‬وأوْلاَ‭ ‬دُو‭ ‬جُو‭ ‬عَالظِّهَرْ

يَــا‭ ‬حَبَّةَ‭ ‬الرُمّـَانْ‭ ‬فُــوﭫْ‭ ‬البُيـــُوتْ

واليــُومْ‭ ‬يَا‭ ‬خَيَّــالَة35‭ ‬عَنْبَرْ‭ ‬يڨـــُوت36

يـُوسفْ‭ ‬مَـرَقْ‭ ‬منْ‭ ‬ديَـارَا‭ ‬حرَامُو‭ ‬حَريرْ

تَحْتُو‭ ‬شَقْرَا‭ ‬تعَشّي‭  ‬طَالبَة‭ ‬المَسـيرْ

هَذَا‭ ‬النَّهَارْ‭ ‬المْبَارِكْ‭ ‬ولُوخِرْ‭ ‬سَعِيدْ

سِيدِي‭ ‬عَلِي‭ ‬وأوْلاَدُو‭ ‬جُو‭ ‬مِنْ‭ ‬بَعِيدْ

يَـا‭ ‬حَبَّة‭ ‬الرُمَّـانْ‭ ‬فُــوڤْ‭ ‬الفِـــرَاشْ

واليُومْ‭ ‬هَا‭ ‬خَيَّالَة‭ ‬المِيرَمْ37‭ ‬مَا‭ ‬جَـاشْ

يَـا‭ ‬حَبَّـة‭ ‬الرُمّـَانْ‭ ‬فُـــوﭫْ‭ ‬السّـــِطَحْ

واليـُومْ‭ ‬يَا‭ ‬رَجَّــــالَة‭ ‬المَـلْعَبْ38‭ ‬رِكَحْ

وكما‭ ‬توضّح‭ ‬مقاطع‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬فان‭ ‬موضوعها‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬طلب‭ ‬الخير‭ ‬والبركة،‭ ‬كما‭ ‬يبرز‭ ‬أيضا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬في‭ ‬الأولياء‭ ‬الصّالحين‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذكر‭ ‬اسيدي‭ ‬علي‭ ‬السّايحب‭ ‬وهو‭ ‬احد‭ ‬الأولياء‭ ‬الصالحين‭ ‬ذو‭ ‬المكانة‭ ‬والصيت‭ ‬بمنطقة‭ ‬سيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬وكذلك‭ ‬ابنه‭ ‬ايوسفب،‭ ‬مع‭ ‬الدّعوة‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفال‭ ‬والفرح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬السّعيدة،‭ ‬فغالبا‭ ‬ما‭ ‬تعبّر‭ ‬أغاني‭ ‬المحفل‭ ‬عن‭ ‬رؤى‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬ومشاغلها‭ ‬وتحقّق‭ ‬جزأ‭ ‬من‭ ‬المعادلة‭ ‬النفسيّة‭ ‬التّي‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إليها‭. ‬اومن‭ ‬خصائص‭ ‬الفنون‭ ‬التقليدية‭ ‬أنها‭ ‬فنون‭ ‬ليست‭ ‬ذاتية،‭ ‬وإنما‭ ‬جماهيرية‭ ‬غير‭ ‬مغلقة‭ ‬ومحدودة‭ ‬في‭ ‬تركيبها‭. ‬إنها‭ ‬تعكس‭ ‬وعيا‭ ‬جماعيا،‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬مقصودة‭ ‬لجمالها‭ ‬وإنما‭ ‬لفائدتها‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لأنها‭ ‬تمارس‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬تأثيرا‭ ‬فكريّا‭ ‬وروحيّا‭ ‬وأخلاقيّا‭ ‬كبيراب39‭.‬

  ‬وعندما‭ ‬يعدّ‭ ‬الهودج‭ ‬ويزيّن‭ ‬كما‭ ‬يجب،‭ ‬يحمل‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬جمل‭ ‬هادئ،‭ ‬مروّض‭ ‬ومعتاد‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬االجحافب،‭ ‬وتتكفّل‭ ‬بقيادته‭ ‬امرأة‭ ‬ذات‭ ‬مكانة‭ ‬مرموقة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬جمال‭ ‬الذات‭ ‬وشرف‭ ‬النّسب‭ ‬والقيمة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة‭. ‬تنطلق‭ ‬االجحفةب‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬بيت‭ ‬العروس‭ ‬ويتبعها‭ ‬المحفل،‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬جموع‭ ‬النّاس‭ ‬بما‭ ‬فيهم‭ ‬من‭ ‬الفرسان‭ ‬الذين‭ ‬يتبارون‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر‭ ‬مستعرضين‭ ‬مهاراتهم‭ ‬في‭ ‬ركوب‭ ‬الخيل‭ ‬وقدرتهم‭ ‬على‭ ‬استعمال‭ ‬السّلاح،‭ ‬فيطلقون‭ ‬النار‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬وكلّما‭ ‬استحسنوا‭ ‬غناء‭ ‬المحفل‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تطرّق‭ ‬إلى‭ ‬التّغنّي‭ ‬بالأمجاد‭ ‬وبشجاعة‭ ‬الشّجعان،‭ ‬إذ‭ ‬تحيي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأغاني‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالقيم‭ ‬القبليّة‭ ‬والتّي‭ ‬يتبوّأ‭ ‬فيها‭ ‬الفارس‭ ‬والفرس‭ ‬مكانة‭ ‬خاصّة‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭.‬

    ‬تثير‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬بغنائهن،‭ ‬مشاعر‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالنّفس‭ ‬وبالانتماء‭ ‬لدى‭ ‬الأهالي،‭ ‬كما‭ ‬تحيي‭ ‬ما‭ ‬خزّن‭ ‬في‭ ‬الذاّكرة‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬الفتوّة‭ ‬والفروسيّة‭ ‬وبطولات‭ ‬المعارك‭ ‬والصّراعات،‭ ‬لذلك‭ ‬تحرص‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬على‭ ‬انتقاء‭ ‬الأغاني‭ ‬حسب‭ ‬متطلّبات‭ ‬المقام،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬رأت‭ ‬الفرسان‭ ‬يستعدّون‭ ‬للرّكض‭ ‬واستعراض‭ ‬مهاراتهم‭ ‬تغنّي‭ ‬مثلا‭:‬

الله‭ ‬ولاَكُـــوتْ‭ ‬مـيَــصِّــلْ40

مَرْبُوطْ‭ ‬فِي‭ ‬الرِّتْعَة41‭ ‬يَصْهَلْ

ركْـبُــو‭ ‬وَلَـــدْ‭ ‬مَـــاطَـــاحْ

لَـْو‭ ‬كَــانْ‭ ‬لَسْمَـر42‭ ‬يـتْــكَـلَّـم

فِي‭ ‬وَسْطْ‭ ‬الجَّـعَـبْ‭ ‬طَوَّاحْ

يُـقْـتُـلْ‭ ‬ومَــا‭ ‬يَعْطِــي‭ ‬دِيّــه43

  ‬سَــلِّــمْ‭ ‬عَـلـى‭ ‬لـَحْــبـَــابْ

يـَـا‭ ‬الْحَـاجْ‭ ‬يَاغَـالِي‭ ‬الْفَيّـــه44

هُــــوَ‭ ‬بَــطَـا‭ ‬مَــا‭ ‬جَــاشْ45

نِـحنَـا‭ ‬قَـطَعْــنَـا‭ ‬الْخِـيـِريّــه46

خَــلاّصْ‭ ‬كُــــلْ‭ ‬أَوْحَــــالْ

يَا‭ ‬الْـحَـاجْ‭ ‬يَـاغَـالِي‭ ‬الْـفَـيّـه

الله‭ ‬ولاَ‭ ‬كـُــــوتْ‭ ‬ربَـــــعْ47

والــــدِّيـــــر48مْــهَــلّـَــــــعْ

سَرْجَه49‭ ‬بِالذهْبْ‭ ‬مَرَصّـعْ

فـِــي‭ ‬الـحَــــافِـــي‭ ‬يــرِع50

مـُـولاَهَ‭ ‬مَـاشُـــو‭ ‬بَــايـَــعْ

الهـَجْـفَــا‭ ‬51مِيجَــالَكْ‭ ‬بـِطَـا52

عند‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬العروس‭ ‬تتحوّل‭ ‬مضامين‭ ‬الأغاني،‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬النّماذج‭ ‬التي‭ ‬تتغنّى‭ ‬بجمال‭ ‬المرأة‭ ‬وبنسبها‭ ‬وبقيمتها‭ ‬ومكانتها‭ ‬الاجتماعيّة،‭ ‬فتراوح‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬بين‭ ‬وصف‭ ‬العروس‭ ‬ومدح‭ ‬زوجها،‭ ‬متّخذة‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬معانيها‭ ‬ومن‭ ‬الطّبيعة‭ ‬مواضيعها‭ ‬ومن‭ ‬القيم‭ ‬والعادات‭ ‬أسسها‭. ‬لطالما‭ ‬مثّلت‭ ‬المرأة،‭ ‬مبعث‭ ‬الغزل‭ ‬ومداره‭ ‬فهي‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الصّفات‭ ‬تتفاوت‭ ‬تعميما‭ ‬وتخصيصا،‭ ‬حسب‭ ‬المناسبة‭ ‬والإطار‭ ‬الذي‭ ‬تردد‭ ‬وتتداول‭ ‬فيه‭ ‬نصوص‭ ‬الأغاني،‭ ‬فيتحوّل‭ ‬جمال‭ ‬الذّات‭ ‬مثلا‭ (‬القوام،‭ ‬اللّباس،‭ ‬الوجه‭ ‬العينين،‭ ‬الشّعر،‭ ‬الشفتين‭...) ‬إلى‭ ‬مقياس‭ ‬اجتماعي‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬العفّة‭ ‬وشرف‭ ‬النّسب،‭ ‬وبهذه‭ ‬الصفات‭ ‬تكتسب‭ ‬المرأة‭ ‬مكانة‭ ‬مرموقة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الجاه‭ ‬والجمال‭ ‬وتصبح‭ ‬موضوع‭ ‬غناء‭ ‬فتردّد‭ ‬النّساء‭ ‬مثلا‭: ‬

بالله‭ ‬يَـــا‭ ‬الفَـارِسْ‭            ‬تُوصِلْ‭ ‬قِدَا‭ ‬خـَدْ‭ ‬العَكْرِي53

مَصْقُـولَـة‭ ‬النِّيـبَانْ‭            ‬سَاسْ‭ ‬الحَرَمْ54‭ ‬غَالِي‭ ‬الفَيَّـا55

شُوشَانْ56‭ ‬كَلِّمْهَا‭ ‬وهَيَّا

يَا‭ ‬طِفْل‭ ‬يَا‭ ‬مَسْعُـودْ57‭ ‬    ‭ ‬سُوڨْ‭ ‬الجَمَلْ‭ ‬يدَوِّحْ58بِيهَــا

عْلَى‭ ‬رڤْبَةْ‭ ‬المَطْرُودْ59      ‭ ‬رَايْ‭ ‬شَهْبَه‭ ‬خِيرْ‭ ‬مِنْ‭ ‬حُورِيَّة

شُوشَانْ‭ ‬كَلِّمْهَا‭ ‬وهَيَّا

بالله‭ ‬يَا‭ ‬الفَارِسْ‭....‬

رِكْبِتْ‭ ‬عَلَى‭ ‬هَدَارْ60‭ ‬        مَهْـرِي‭ ‬وأجْـنَابـُو‭ ‬لُكّيَّــة61

وخْدُودْهَا‭ ‬تَحْمَــــارْ‭          ‬قُرْمِز62‭ ‬نَصَّاعْ‭ ‬فِي‭ ‬شَاشِيَّــة63

شُوشَانْ‭ ‬كَلِّمْهَا‭ ‬وهَيَّا

بالله‭ ‬يَا‭ ‬الفَارِسْ‭....‬

تْكَلِّـمْ‭ ‬الصَّـڤْعــَارْ64        حَافُوا65‭ ‬الذَّرَارِي66‭ ‬اللُّزْمِيَّـة

رُسْمُوا‭ ‬مِثْلْ‭ ‬أحْجَارْ              ‬تَحْلِفْ‭ ‬تُرْكْ67‭ ‬جُو‭ ‬فِي‭ ‬سَيَّة68

شُوشَانْ‭ ‬كَلِّمْهَا‭ ‬وهَيَّا

وتواصل‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬أداء‭ ‬الأغاني‭ ‬ذات‭ ‬المواضيع‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بالمرأة‭  ‬من‭ ‬حيث‭ ‬وصف‭ ‬الجمال‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعيّة،‭ ‬وكذلك‭ ‬التّغنّي‭ ‬بأهلها‭ ‬وعشيرتها‭ ‬متباهيات‭ ‬بفرسانها‭ ‬وشجعانها‭ ‬وتظلّ‭ ‬الأصوات‭ ‬والزّغاريد‭  ‬تصدح‭ ‬حتّى‭ ‬ترفع‭ ‬العروس‭ ‬إلى‭ ‬االجحفةب،‭ ‬وتتم‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬تحت‭ ‬هالة‭ ‬طقوسيّة‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والتّقاليد،‭ ‬والتي‭ ‬تحظر‭ ‬بامتياز‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المناسبات‭.‬

بعد‭ ‬الانتهاء‭ ‬من‭ ‬تزيين‭ ‬العروس‭ ‬المحتجبة‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬الرّجال‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مراسم‭ ‬الزّواج،‭ ‬تغطّى‭ ‬المرأة‭ ‬كليّا‭ ‬ببرنس‭ ‬رجالي‭ ‬أبيض‭ ‬اللّون،‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬ودلائل‭ ‬ذات‭ ‬مفاهيم‭ ‬ومعان‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬ثم‭ ‬تُحمل‭ ‬العروس‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬رجل‭ ‬فيضعها‭ ‬في‭ ‬الجحفة،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬ذاك‭ ‬الرّجل‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬محمد‭ ‬أو‭ ‬علي،‭ ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬تغنّي‭ ‬النّسوة‭ ‬عن‭ ‬الجمل‭ ‬وعن‭ ‬الجحفة‭ ‬فتردّد‭ ‬مثلا‭:‬

سـَاڨـُو‭ ‬جَـمَلْ‭ ‬جَـنَّـاتْ69            ويَا‭ ‬سِـمْـحَ‭ ‬الرَّناتْ70‭ ‬

عَـلْصَدْرَهَا‭ ‬شَرْكَـاتْ71‭ ‬          ‭ ‬ومَـا‭ ‬بِـينْ‭ ‬الـخِلَّــى72

جَـابُو‭ ‬جَمَلْهَـا‭ ‬اثْنِيــــنْ‭                  ‬ومَحَــــدِّرْ‭ ‬لِلْـعِـيــنْ

والقُرْمِـزْ‭ ‬عَــالخُدِّيــنْ‭                  ‬جَــنَّـاتْ‭ ‬الهَجْفَـاءْ73

ولا‭ ‬تنتهي‭ ‬مهمّة‭  ‬المحفل‭ ‬إلاّ‭ ‬عند‭ ‬وصول‭ ‬العروس‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬زوجها،‭ ‬فتصبح‭ ‬الأغاني‭ ‬ذات‭ ‬مواضيع‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬تمنّيات‭ ‬لأهل‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالحياة‭ ‬السّعيدة‭ ‬وبالبركة‭ ‬والخير،‭ ‬وقد‭ ‬يتّجه‭ ‬الغناء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬إلى‭ ‬أم‭ ‬العريس‭ ‬باعتبارها‭ ‬المتكفّلة‭ ‬بتسيير‭ ‬كل‭ ‬نساء‭ ‬العائلة،‭ ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬ينضوي‭ ‬الأفراد‭ ‬تحت‭ ‬نظام‭ ‬عائلي‭ ‬تجمعهم‭ ‬فيه‭ ‬وحدة‭ ‬القرار‭ ‬ووحدة‭ ‬المكان،‭ ‬ويعتبر‭ ‬كل‭ ‬استقلال‭  ‬بالرّأي‭ ‬أو‭ ‬المقام،‭ ‬هو‭ ‬خروج‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭ ‬والمعتاد،‭ ‬ونظرا‭ ‬لأهميّة‭ ‬أم‭ ‬العريس‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬نفوذها‭ ‬على‭ ‬نساء‭ ‬أسرتها‭ ‬وفي‭ ‬شدّ‭ ‬أوتاد‭ ‬أركان‭ ‬العائلة،‭ ‬تتّجه‭ ‬نحوها‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬مباشرة‭ ‬فتغنّي‭:‬

شَـــرِّعْ74‭ ‬البِــيــتْ‭                       ‬يَا‭ ‬أمْ‭ ‬العَرِيسْ‭ ‬الفَالْحَة

رَايْ‭ ‬جَـــــاتِـــكْ‭                          ‬الـكَنّـَة75‭ ‬صَالْحـَة

يَـــــا‭ ‬أمْ‭ ‬الـــوَلَـــدْ‭                         ‬يَـــا‭ ‬أمْ‭ ‬الـــوَلَــــــدْ

خَشِّتْ76‭ ‬بِالمَالْ‭ ‬والـذِّرِيَّة‭           ‬جَرْجَارَة‭ ‬الحِـرَامْ‭ ‬البَيَّة

خَشِّتْ‭ ‬بِالبَرْكَة‭ ‬والسَّعْدْ‭          ‬يَـا‭ ‬الوَاهْمَـة‭ ‬لُوخَـيَّــة

ينتهي‭ ‬دور‭ ‬المحفل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التّوقيت،‭ ‬إذ‭ ‬تضع‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬اللّحاف‭ ‬الأحمر‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهن‭ ‬جانبا،‭ ‬وتتحوّلن‭ ‬إلى‭ ‬اغنّياتب‭  ‬في‭ ‬سهرات‭ ‬النّجمة‭.‬

محفل‭ ‬االطّهورب77

يتشكّل‭ ‬المحفل‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬الختان‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬معلوم،‭ ‬خاص‭ ‬بزيارة‭ ‬أضرحة‭ ‬الأولياء‭ ‬الصّالحين،‭ ‬فكما‭ ‬هو‭ ‬متعارف‭ ‬عليه،‭ ‬تعتقد‭ ‬المجتمعات‭ ‬البدويّة‭ ‬الريفيّة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬شيخ‭ ‬أو‭ ‬زاوية‭ ‬يعودون‭ ‬لها‭ ‬بالولاء،‭ ‬فيتبرّكون‭ ‬بها‭ ‬ويؤمها‭ ‬الأهالي‭ ‬كلما‭ ‬دعت‭ ‬الحاجة‭ ‬وفي‭ ‬مناسبات‭ ‬مختلفة‭. ‬وفي‭ ‬مناسبة‭ ‬االطهورب‭ ‬يؤخذ‭ ‬الأطفال‭ ‬قبل‭ ‬عملية‭ ‬الختان،‭ ‬لزيارة‭ ‬الأولياء‭ ‬الصالحين‭ ‬بالجهة،‭ ‬فيركب‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬حصان‭ ‬مسروج‭ ‬ومزيّن‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬فارس،‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬مقدّمة‭ ‬موكب‭ ‬الزّيارة‭ ‬ويتبعه‭ ‬نساء‭ ‬المحفل‭ ‬حاملات‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهن‭ ‬الرداء‭ ‬الأحمر‭ ‬ومردّدات‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬تكون‭ ‬مواضيعها‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬بذكر‭ ‬الله‭ ‬ومدح‭ ‬الرسول‭ ‬فتغني‭ ‬مثلا‭ ‬اصَلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْلَى‭ ‬نَبينَاب‭:‬

مُحَـمَّـدْ‭ ‬مَـا‭ ‬أبْـهَى‭ ‬صْبَـاحِي

شَمْسُو‭ ‬زَرْڤَتْ78‭ ‬فِي‭ ‬مْرَاحِي79

مَــايْ‭ ‬تُــزْرُڨْ‭ ‬ِوتْـعَـــلِّــي

صَـــلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْـلَى‭ ‬نَـبِـيـنَـا

الطَــلْــبَــة‭ ‬فِـي‭ ‬رَبـِّــــي

صَـــلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْـلَى‭ ‬نَـبِـيـنَـا

مُـحَـمَّـدْ‭ ‬يَـا‭ ‬بَـابَـا‭ ‬الْـزُهْـرَة

لْشَمْسُـو‭ ‬زَرْڤَتْ‭ ‬عَملَتْ‭ ‬بُهْرَة80

مَــايْ‭ ‬تُــزْرُڨْ‭ ‬ِوتْـعَـــلِّــي

صَـــلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْـلَى‭ ‬نَـبِـيـنَـا

يَـا‭ ‬مْسَافِـــرْ‭ ‬فِي‭ ‬الـطَّــيَـارَة

زَايِـرْ‭ ‬مَكَّة‭ ‬ِومْرَوَّحْ‭ ‬لِدْيَـارَه

يّـعِــــزْ‭ ‬عْـــلَـى‭ ‬رَبِــّــــي

صَـــلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْـلَى‭ ‬نَـبِـيـنَـا

يَـا‭ ‬مْسَــافِـرْ‭ ‬فِـي‭ ‬الْبَابُـور81

زَايِـرْ‭ ‬مَــكَّـة‭ ‬ِوالــرَّسُولْ

يّـعِــــزْ‭ ‬عْـــلَـى‭ ‬رَبِــّــــي

صَـــلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْـلَى‭ ‬نَـبِـيـنَـا

يـا‭ ‬مْسـَافِـرْ‭ ‬فِي‭ ‬الْمَـشِيـنَا82

زَايـِرْ‭ ‬مَـكَّـة‭ ‬ِوالْـمَدِيـنـة

يّـعِــــزْ‭ ‬عْـــلَـى‭ ‬رَبِــّــــي

صَـــلَّى‭ ‬الله‭ ‬عْـلَى‭ ‬نَـبِـيـنَـا

وكما‭ ‬لاحظنا‭ ‬مقاطع‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬وكلماتها‭ ‬في‭ ‬مدح‭ ‬الرّسول‭ ‬ﷺ،‭ ‬فهي‭ ‬أيضا‭ ‬أغنية‭ ‬ذات‭ ‬منحى‭ ‬ديني‭ ‬طقوسي،‭ ‬تغنّيها‭ ‬النّسوة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬جل‭ ‬المناسبات‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬ثم‭ ‬تتطرّقن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الغناء‭ ‬عن‭ ‬الأولياء‭ ‬الصّالحين‭ ‬وشيوخ‭ ‬الزّوايا،‭ ‬وتنظم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أغاني‭ ‬خاصّة‭ ‬بكل‭ ‬شيخ‭ ‬أو‭ ‬زاوية،‭ ‬فيردّدها‭ ‬الأهالي‭ ‬مستعطفين‭ ‬رضاهم‭ ‬طالبين‭ ‬بركتهم‭ ‬وحماية‭ ‬ابنهم‭ ‬من‭ ‬العين‭ ‬والحسد‭. ‬وزيارة‭ ‬الزّوايا‭ ‬فعل‭ ‬دأبت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬به،‭ ‬فهكذا‭ ‬توارث‭ ‬وهكذا‭ ‬تداول،‭ ‬كعادات‭ ‬يرجى‭ ‬من‭ ‬ورائها‭ ‬طلب‭ ‬الخير‭ ‬ودرئ‭ ‬المخاطر،‭ ‬ونورد‭ ‬مثال‭ ‬غنائي‭ ‬يغنّى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة‭ ‬وهو‭:‬

يَا‭ ‬السَّـــايَحْ‭ ‬يَـا‭ ‬بُـو‭ ‬خمَارْ‭          ‬مُـولاَ‭ ‬القُـبَّة‭ ‬العَـالِيـة

ومِنْ‭ ‬بعِيدْ‭ ‬تْبَانْ

هَانَـا‭ ‬جِينَـاكُـمْ‭ ‬زِيَّــارْ‭          ‬حِلُّو‭ ‬لِينــَا‭ ‬باَبْ‭ ‬الـدَّارْ

آ‭ ‬السَّايَحْ‭ ‬أَرَاكِبْ‭ ‬العَابِرْ‭          ‬لَوْ‭ ‬حِلْ‭ ‬البَابْ‭ ‬وعَـدِّينِي

لَجُوكْ‭ ‬أوْلاَدِكْ‭ ‬لَحْرَارْ‭           ‬لَوِّحْ‭ ‬جنَاحِكْ‭ ‬غَطِّينِي

‭ ‬وبعد‭ ‬الزيارة‭ ‬يعود‭ ‬المحفل‭ ‬بالطّفل‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬تحت‭ ‬أصوات‭ ‬الزّغاريد‭ ‬والأغاني،‭ ‬ويتهيأ‭ ‬الجميع‭ ‬لتطبيق‭ ‬ما‭ ‬توارث‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬خاصّة‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة،‭ ‬ويعهد‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭ ‬بمهمّة‭ ‬يستوجب‭ ‬عليه‭ ‬تطبيقها‭ ‬بحذافرها،‭ ‬إذ‭ ‬تقوم‭ ‬الأم‭  ‬مثلا‭ ‬بالوقوف‭ ‬داخل‭ ‬وعاء‭ ‬به‭ ‬ماء‭ ‬على‭ ‬يمين‭ ‬عتبة‭ ‬البيت‭ ‬وترفع‭ ‬في‭ ‬يدها‭ ‬اخلال83ب‭ ‬من‭ ‬الفضّة‭ ‬ويعتقد‭ ‬لديهم‭ ‬أن‭  ‬مسك‭ ‬االخلالب‭ ‬يقي‭ ‬من‭ ‬الحسد‭ ‬والعين،‭ ‬ووقوف‭ ‬الأم‭  ‬داخل‭ ‬الماء‭ ‬ايبرّدب‭ ‬آلام‭ ‬الطّفل‭ ‬المختون،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬الطّفل‭ ‬وأثناء‭ ‬عملية‭ ‬الختان‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يفترش‭ ‬رداء‭ ‬أحمر‭ ‬اللّون84‭.‬

وما‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬المحفل‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات‭ ‬المذكورة،‭ ‬تمارس‭ ‬في‭ ‬مواقيت‭ ‬مضبوطة‭ ‬ومعلومة،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬توفّرت‭ ‬جميع‭ ‬الشروط‭ ‬المتّفق‭ ‬عليها‭ ‬تطلق‭ ‬تسمية‭ ‬المحفل‭ ‬على‭ ‬الموكب‭ ‬المتنقل‭ ‬والسائر‭ ‬باتّجاهات‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتعلّقة‭ ‬بأركان‭ ‬الاحتفال‭ ‬وتوكل‭ ‬له‭ ‬مهة‭ ‬الغناء‭. 

ان‭ ‬تراثنا‭ ‬الشعبي‭ ‬يزخر‭ ‬بزاد‭ ‬ثقافي‭ ‬ثري‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬والممارسات‭ ‬الشعبية،‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬هوية‭ ‬وأصالة‭ ‬المجتمعات،‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يعتريها‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬متغيرات‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬التطور‭ ‬والحداثة،‭ ‬وهيمنة‭ ‬الثقافات‭ ‬الوافدة‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التّواصل‭ ‬الحديثة،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬معرفة‭ ‬الشّعوب‭ ‬لأصولها‭ ‬والتشبع‭ ‬بقيمها‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بأمجادها‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭  ‬تناولنا‭ ‬لمبحث‭ ‬المحفل‭ ‬مجرد‭ ‬استعراض‭ ‬لجوانب‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬محاولة‭ ‬لإبراز‭ ‬الخصوصيّات‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬والتّصورات‭ ‬الفكريّة‭ ‬والممارسات‭ ‬الاحتفاليّة‭ ‬والاعتقاديّة‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬رموزها‭ ‬الدلاليّة،‭ ‬ولعل‭ ‬ذلك‭ ‬يشكل‭ ‬مدخلا‭ ‬إلى‭ ‬فهم‭ ‬ومعرفة‭ ‬موروثنا‭ ‬وتجديد‭  ‬الصلة‭ ‬بالسلف‭ ‬لا‭ ‬تقليدا‭ ‬وإنما‭ ‬استيعابا‭ ‬وتواصلا‭.‬

2019