اللغة العدد
فنون الفروسية الـمـغــربـيــة بين الاحتفالية والدلالات الرمزية
فنون الفروسية الـمـغــربـيــة بين الاحتفالية والدلالات الرمزية
العدد 50 - لوحة الغلاف

«التبوريدة» وهي «الفروسية المغربية التقليدية»، التي تحولت من صورة للفارس والجهاد بالمغرب ضد الغزاة، إلى طقوس احتفالية شعبية تنعش الذاكرة الشعبية عبر الفرجة الفنية المصاحبة بالألبسة الجميلة والشعبية التي تحتاج إلى دراسات أنثروبولوجية واجتماعية لتحليل أشكالها الثقافية والسيميولوجية بكل محمولاتها الدلالية الرمزية. فالذين يملكون الخيول والفرسان لهم تقدير خاص رغم الحضور الفني الاحتفالي وغياب الجهاد ضد الغزاة. وللرمزية قيمتها وقوتها في ترميم الذاكرة والمصالحة مع محمولاتها. وللمتبقي من محمول الماضي مسميات تصاحب هذه الطقوس الجميلة بألوانها وشكلها «العسكري»: فـ«السربة» مجموعة محدودة من «الفرسان» والخيول لاتقل عن أحد عشر فارس ولا تزيد عن خمسة عشر، ويتقدمها أويتوسطها «المقدم» أو«العلاّم»: مسمى لخبرته وتعليمه للفرسان وتدريب الجياد، وهو الرمز الذي تأتمر بأمره، ويتبع الجميع أوامره بإطلاق النار دفعة واحدة؛ في اتجاه السماء أو الأرض في زمن غاب فيها العدو الغاصب تاريخيا وحضرت ذاكراته المؤلمة، وتمتد تسمية»التّبُوريدَة» تاريخيا إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وهي مشتقة من «البارود» الذي يراد به المادة المستعملة في طلقات النار. ويمكن للمجموعات أن تصل إلى حدود مئة فارس. وللرمزية استمرارها العميق في سميولوجية حربية تتوحد فيها ألبسة الفرسان وأحذيتهم الحربية، كما تمارس طقوس «الهدة» وهي التحية العسكرية، فضلا عن حركة البنادق التي تتوحد في «الطلقة»، ولا تتقدم مجموعات الفرسان إلا داخل طقوس وأدعية بنصر مازالت مضامينه حاضرة دون محمول دلالي حقيقي. بل أكثر من ذلك إن دلالات التوجه لله طلبا لهذا النصر مازالت حاضرة بقوة، حيث يحمل الفرسان المصاحف الصغيرة و«دليل الخيرات» الذي كانت مناطق المغرب تتبرك به.

وقد ذهب الأستاذ الدكتور علال ركوك ممثل المنظمة الدولية للفن الشعبي بالرباط رحمه الله إلى القول أن هذا الاهتمام بالفروسية أفرزته جملة معطيات تاريخية، حيث كان فرسان قبائل المغرب حماة لثرواته، وهي قضية أثارتها المصادر القديمة من قبيل كتاب «إتحاف أعلام الناس» لابن زيدان السجلماسين، الذي أكد على الاهتمام التاريخي للمغاربة بالفرس والفروسية. باعتبارها أحد فنون الحرب والدفاع، وهي اليوم طقوس احتفالية شعبية لدى القبائل، تفخر فيها بالخيول العربية والأمازيغية وتنعش بها الذاكرة في كل الاحتفالات التي تحمل دلالات المجد القديم دون أن تفك رموز هذه الثنائية: فرحة الاحتفال في فنون شعبية، وفرحة الذاكرة التي حملت أمجاد الانتصار على الغزاة.

محمد جودات