اللغة العدد
محمود السَّيَّالَة القادريّ الصَّفَاقُسِيّ: عدلٌ وحكيم ومتصوّف يُؤَرِّخُ للمُوسِيقِى التونسية والمغربية فِي قَرْن التَّاسِع عَشَر
محمود السَّيَّالَة القادريّ الصَّفَاقُسِيّ: عدلٌ وحكيم ومتصوّف يُؤَرِّخُ للمُوسِيقِى التونسية والمغربية فِي قَرْن التَّاسِع عَشَر
العدد 50 - موسيقى وأداء حركي

د. فراس طرابلسي - تونس

إن علاقة الموسيقى بمجالات المعرفة الأخرى قديمة في الحضارة العربية، بل لعلّها أصبحت في فترة قصيرة في علاقة تفاعل وتداخل مع أهم مجالات المعرفة، حتى أنها عُدّت من بين مجالات العلوم الأربعة الأساسية منذ عهد الإغريق. على ذلك يُعتبر التّأريخ لها والإهتمام بها من حيث هي علم وممارسة معًا، والبحث في علاقتها بمنهاجيات التفكير العربي الإسلامي، خُطوةً نحو مزيد فهم مكانة الموسيقا في «الدولة» والمجتمع.

ويعتبر «محمود السيالة الصفاقسي القادريّ»(كان حيا في 1868) من بين أهمّ المؤرخين للموسيقى في تونس والمغرب عموما في قرن التاسع عشر الميلادي، وأطرفُ أمر في منهج التّأريخ لديه أنّه لا يُعتبر موسيقيّا «محترفا» بالدرجة الأولى، بل هو كما سيتوضّح في قادم الصفحات عَدْلٌ ومتصوّف تميّز بالحكمة وبحبه للعلوم والإنشاد. على ذلك ألّف مخطوطا سمّاه «قانون الأصفياء في معرفة أنغام الأذكياء» حقّقه الباحث «مصطفى علولو» لنيل شهادة التعمق في البحث من كلية الأداب بتونس. وبقي بحثه بين رفوف الكليّة، ولم تُنشر من المخطوط إلاّ بعض الفقرات المتناثرة في بضع مقالات كتبها صاحب البحث المذكور أو كذلك الدكتور محمود قطاط والباحث علي الحشيشة1.

ونسعى في هذا المقال إلى العودة لهذا المخطوط واستحضار أهمّ ما جاء فيه من الناحية الموسيقية باعتباره تطرّق إلى محاور هامّة تهمّ آلة العود المغاربي وشجرة «الطّبوع» (المقامات) علاوة عن مجموعة من القواعد التي تتعلق بطرق الغناء وأخلاقه وغيرها من المسائل كوظائف الألحان والطّرب، إلخ.

من هو محمود السّيالة الصفاقسيّ؟
يعرّف «الزركلي»2 بمحمود السيالة القادري في كتاب الأعلام كما يلي (بعد ذكر سنة وفاته بصفة تقريبية أي سنة 1847)3:
«هو محمود بن محمد السيالة الصفاقسي، متطبّب، من العدول، تعلم بجامع الزيتونة، وتنصب «عدلا» موثقًا بصفاقس، صنف «الجوهر النوراني في الدّواء الجسماني والروحاني»، شرح فيه تذكرة داود الأنطاكي، واستدرك عليها مفردات وأدوية من الطبّ الحديث، و أضاف إلى كثير من «مفرداتها» أسماءها بالتركية والبربرية وباللهجتين التونسية والمغربية، وعيّن مكان وجود بعضها في تونس. وذكر في مقدّمة الكتاب أنّه في ثلاثة أجزاء. وقد بقيت منه أوراق متفرقة»4.
من جهته إعترف أحد أهمّ مؤرخي صفاقس «محمّد محفوظ» بأنّ محمود السيالة من مغموري أهل العلم في قرن التاسع عشر وبأنّه لم يتوصّل إلى معلومات عن حياته إلاّ عن طريق «رسائله ومؤلفاته التي هي مسودّات لم تبيض، يكثر فيها التشطيب والإخراج إلى حدّ أنّ قراءتها تحتاج إلى صبر وعناء يُتعبان الناظر ويُكِدّان الخاطِر»5.

غير أنّ ذلك لم يُثن «محمّد محفوظ» عن إفادتنا بجملة من المعطيات الهامة في محطّات من حياة «السيالة». نذكر منها أنه:
- أخذ الرياضيات والمنطق وعلم الكلام عن الشيخ محمود مقديش ابن المؤرخ المعروف محمود بن سعيد مقديش(صاحب نزهة الأنظار).
- «له إجازات في العلوم من الأكابر بالسند»6 من جامع الزيتونة في تونس العاصمة.
- إنتصب عدلا موثقا في صفاقس بعد استكمال نصيب من العلوم والإجازات.
- رحل عن صفاقس لفترة من الزمن نظرا للدسائس التي كانت تُحاك له من طرف القضاة والعدول. ثم عاد إليها سنة 1263هـ
- لم يكن غنيا بل كثيرا ما كان في رسائله «يتسخّط الزمان وأهله ويتألم من مضض الفقر وقلة ذات اليد»7.

1) علاقة محمود السيّالة بالطريقة القادرية:
تعتبر الطريقة القادرية (نسبة إلى عبد القادر الجيلاني أو الجيلي)(470هـ/ 561هـ)8 من بين الطرق التي دخلت مبكرا للبلاد التونسية عند مرور «أبي مدين شُعيب» بتونس وهو الذي تُنسب إليه الطريقة المدنية. ويُعدّ «الشيخ الحاج محمد المازوني المغربي المتوفى سنة 1296هـ أوّل مؤسس لطريقة القادرية بزاوية نهج الديوان بتونس ثم انتشرت في عديد الجهات بداخل البلاد التونسية ففي كل مدينة أو قرية لا بد من وجود مكان أو زاوية أو زوايا يجتمعون فيها جماعة القادرية لقراءة وإنشاد أذكارهم وأحزابهم»9.

وتربط «محمود السيّالة الصفاقسي القادري» علاقة وثيقة بالطرق الصوفية10 وبخاصة الطريقة القادرية التي صبغت جزءا من لقبه كعلم في كتب تراجم التونسيين. بل هو « أوّل مُجاز في الطريقة القادرية سنة 1826م... وذلك بـ«جامع العجوزين» بباب الديوان الذي كان يُسمى سوق الحواتين »11 بمدينة صفاقس.

ويبدو أنّه كان من بين المتصلين بهذه الطريقة بصفته منشدا صوفيا ومتغنيا بأشعار الطريقة والمدائح، وهو ما دفعه إلى تأليف رسالة في الغرض سمّاها: «رسالة في ما يلزم المنشد من معرفة القواعد الموسيقية» وتوجد نسختها في دار الكتب الوطنية في تونس العاصمة تحت رقم 19242.

ونشير في نفس السّياق إلى ما للطريقة من الفضل في «المحافظة على التراث الموسيقي التقليدي ولولا الزاوية القادرية لضاع واندثر جل التراث وخاصة في طور انحطاط وضعف الموسيقى التونسية التي دخلت إلى الملاهي والمقاهي»12 إذ كان أتباعها «ينشدون المديح الذي هو على نغم المالوف الحالي بحيث الكلام جدّ والصنعة مالوف»13 ولقد كانت لهذه الطريقة في صفاقس(مسقط رأس «حمود السيّالة») صيتا ومكانة محترمة في المشهد الصّوفي-التعبّدي، «ومدائحه تبرز مدى تعلق الناس به والإنتماء إليه وخاصة ممن لم يكن لهم حول ولا قوّة»14. ومن أشهر مدائحه في هذا السياق نذكر المطلع التالي:
يِنده بيك15 القِلّليل16
واللي مسافر في الليل
يا بودِرْعِيّة

لذلك فإنّ عدد زوايا الطريقة القادرية بصفاقس كان لا يُستهان به في مدينة بحجم صفاقس آنذاك(قرن التاسع عشر) وهي: جامع العجوزين/زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني/الزاوية النورية/زاوية سيدي بومجاد. وكلها تقع في المدينة العتيقة أي داخل سور المدينة.

2) مؤلفاته:
ألّف «محمود السيّالة» عددا من المؤلفات في معارف مختلفة(كتب/رسائل/كنانيش/شعر) توجد نسخها الأصلية أو نسخ منها في الدار الكتب الوطنية للبلاد التونسية(المكتبة الوطنية)، وهي كلها بخط يده وأصلها من مكتبة «الشيخ علي النوري»17 نلخصها في الجدول التالي18:
إنّ ما يوضحه هذا الجدول الإحصائي هو تلازم ثلاث معارف أساسية في حياة «محمود السيالة الصفاقسي» وهي الطب والموسيقى والتصوّف(بما هو إنشاد على الطريقة القادرية) بالإضافة إلى مهنته كعدل ومهتم بالعلوم المختلفة. وسيكون اهتمامنا في هذه الدراسة منصبّا على مؤلفه المخطوط حول الموسيقى والموسوم بـ: قانون الأصفياء في معرفة أنغام الأذكياء» للنظر في أبعاده العلمية والعملية والمقاربة التّأريخية التي انتهجها.

المخطوط الموسيقي
«قانون الأصفياء في معرفة أنغام الأذكياء»
يعتبر محمود السيالة (كان حيّا في 1860)، أحد أبرز العناصر التونسية المساهمة في إثراء المكتبة المغاربية بمؤلفات موسيقية علميّة يمكن اعتمادها للكشف عن ملامح الممارسة الموسيقية في تونس والمغرب عموما. وأبرز مؤلفات هذا الرّجل هو «قانون الأصفياء في معرفة نغمات الأذكياء»، وهو مخطوط تحصّلنا على نسخة منه من المكتبة الوطنيّة بتونس مصوّرة على طريقة الميكروفيلم، مع الإشارة إلى أنّه حُقّق بمبادرة من الباحث التونسي «مصطفى علولو» في رسالة الدراسات المعمقة.

رقم المخطوط ومكانه مجاله عنوانه عدد أوراقه
19241 (دار الكتب الوطنية-تونس) الموسيقى قانون الأصفياء في علم نغمات الأذكياء(توجد نسخة أخرى منه بخط مغربي في مكتبة متحف بغداد تحت عدد 1 / 2276 30 ورقة
19242 (دار الكتب الوطنية-تونس) التصوّف/الموسيقى رسالة في ما يلزم المنشد من معرفة القواعد الموسيقية 9 ورقات
19223 (درا الكتب الوطنية-تونس) التصوّف تلقين المقالات الأدبية في معرفة الطريقة القادرية من المفترض أن يكون به 3أجزاء، غير أنه لا يوجد منها إلاّ جزء واحد وهو الثالث في دار الكتب الوطنية الذي يحتوي على 14 ورقة يشبه محتواها بشكل كبير ما جاء في «رسالة ما يلزم المنشد من معرفة القواعد الموسيقية». بينما تحدّث «محمّد محفوظ» في «تراجم المؤلفين عن جزء أوّل في 286 ورقة من القطع المتوسّط» وهو ناقص من أوّله وآخره وفي أماكن متعدّدة من وسطه (أنظر حرف السين، تراجم المؤلفين، ص108).
شرح/المكتبات الخاصة الطب الجوهر النوراني في الدّواء الجسماني والروحاني أو الجواهر النورانية في الأدوية الجسمانية والروحانية(شرح وتهذيب لتذكرة داوود الأنطاكي)19 توجد منه 3 أجزاء بأوراق كاملة ومتفرقة و في الغالب بها خرم: -جزء أوّل: 33 ورقة -جزء ثاني: 213 ورقة - جزء ثالث: 118 ورقة
مديح/المكتبات الخاصة التصوّف «عطر الأخيار» أو «عطر الأزهار في مدح أهل الأسرار ومذمات الجهلاء الأغمار» مخطوط به 135 ورقة بنقص في آخره ومواضع كثيرة من وسطه. وفيه مدائح وأوراد وتوسّلات بالشيخ عبد القادر الجيلاني خاصة بمحمود السيالة.
دار الكتب الوطنية التصوّف/المناقب مناقب أبي عنبسة خارة بن عنبسة الغافقي به 7 ورقات
رسالة/ دار الكتب الوطنية الطب المنافع الحاضرة في النوازل الحادرة توجد منه نسختان: -الأولى:24 ورقة بها نقص في آخرها. -الثانية: 10 أوراق/رسالة منقوصة الأوّل والآخر
كتاب/دار الكتب الوطنية الطب سرّ اللّب في الحكمة والطب ذكره محمد محفوظ عن صديق له إسمه «محمّد الطيّب بسيّس»20 وفيه عدد من الأجزاء لم يذكره.
رسالة/ دار الكتب الوطنية غير مذكور المنارة الذهبية في الأداب العقلية توجد من هذا المخطوط أربع نسخ: -ثلاث نسخ ناقصة - نسخة تامة في 17 ورقة من القطع المتوسط
دار الكتب الوطنية العروض حكمة اختصار العروض لمن له بشاشة وحظوظ غير تام وبه نقص/يحتوي على 5 ورقات. وفي قطعة أخرى 3 ورقات.
دار الكتب الوطنية الأدب والشعر الفصيح والشعر الشعبي منتخبات من الشعر والطرائف الأدبية من التراث وبعضها من تأليفه(في الشعر) كنش فرغ من نظمه في 15 جمادى الأولى 1223هـ
عن دراسة في مجلة القلم كتبها «محمد محفوظ» الشعر الشعبي شعر عن الإحتلال الفرنسي للجزائر نظم بالدرجة التونسية في قالب «القسيم المربّع»
رسائل مختلفة وعددها الجملي عشر رسائل/ دار الكتب الوطنية شكوى -شكوى خصومه وحساده وكذلك وصف أحوال الشهود وأخلاقهم في عصره. -رسالة بها أربع أوراق - رسالة تبقى منها 8 أوراق(22)
يمكن الرجوع إليها في تراجم المؤلفين التونسيين، محمّد محفوظ، ص.ص 109 - 111 إخوانيات التصوّف(العيساوية) - لصديقه الشيخ محمد ذياب (للإطلاع على البقية يمكن الرجوع إلى تراجم المؤلفين التونسيين)



ويحتوي على مقدّمة وعلى عشرة فصول في ما يلي ترتيب عناوينها23:
- من الصفحة الأولى إلى الصّفحة الرّابعة: مقدّمة
- من الصفحة الرّابعة إلى الصّفحة السابعة: الفصل الأوّل: في معرفة قواعد العود كمعرفة النقرات وكيفيّة تأليف الأصوات منها، ومعرفة الإيقاع والنسبة.
- من الصّفحة السّابعة إلى الصفحة العاشرة: الفصل الثاني: في حكم سماع العود وغيره من الآلات.
- من الصّفحة العاشرة إلى الصفحة الخامسة عشر: الفصل الثالث: أحوال المنشد ومنافع السّماع أيضا وفي بيان واضع العود.
- من الصفحة الخامسة عشر إلى الصفحة الثامنة عشر: الفصل الرابع: الحسن والقبح في أنظام الكلام والنغمات.
- من الصفحة الثامنة عشر إلى الصفحة الثالثة والعشرين: الفصل الخامس: في معرفة صناعة الموسيقى وبيان حدودها وكيفيّة الضرب على العود وميزانه بالحروف وبيان النغمات.
- من الصفحة الثالثة والعشرين إلى الصفحة التاسعة والعشرين: الفصل السادس: في معرفة هيئة العود وكيفيّة الضّرب على أوتاره بالعلامات الدالّة على النقرات والدّسّ عليها على طريقة الحكماء.
- من الصفحة التاسعة والعشرين إلى الصفحة السادسة والثلاثين: الفصل السّابع: في معرفة الصّوت الذي تتمّ به النغمات وتقاسيم حركاته وتعديل الإيقاعات.
- من الصفحة السادسة والثلاثين إلى الصفحة الأربعين: الفصل الثامن: في اختلاف جميع الآلات والإيقاعات باختلاف الأزمنة والبلدان.
- من الصفحة الأربعين إلى الصفحة الخمسين: الفصل التاسع: في أحكام الأطباع وميزانها وضوابطها وتفاصيلها، وبيان دوائرها وأسمائها.
- من الصفحة الخمسين إلى الصفحة السّتّين (مبتورة الآخر): الفصل العاشر: معرفة الأطباع ونغماتها المجرّدة على الآلات المصطلح عليها الآن وتركيب فروعها وما ينشقّ منها على طريق العلماء من العرب والعجم.

1) المراجـع التي عاد إليها صاحب المخطوط
يحدّد «السّيالة» بعض أسماء من عاد إليهم في صياغة كلامه عن «علم النغمات» كما يقول، وهم أساسا:
- الذكيّ داود( في الفصل الأوّل)24.
- أفلاطون25.
- جلال الدين السيوطي(مؤرّخ وفقيه)26.
- الحافظ المقدسي (تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي)(541هـ - 600هـ)27.
- أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي(364-450هـ)28.
- شهاب الدّين العجمـي29.
- الشيخ الجندوبــي30.
- أبو عثمان الجاحظ(توفي في 869م)31 (في آخر الفصل الرّابع)
- الشيخ أبو نصر العجمي32.
- أهل (الفرس) ورد ذكرهم في الفصل الخامس.
- الحفصي.
هذا مع ما أمكن له «نسجه بطرق تستلمِحُ فتُسْتَلْمَحُ وتُحبُّ، تَسْتَقبِل فتُسْتَقْبَل، ودقائق تستنبَطُ فتُستَلقَطُ، وأعاجيب تُستَلحَظُ فتُستَحْفَظُ» وتلخيصه من «كتب خزانة رئيس أهل الهمم الذكيّة والعقول الكاملة الزكيّة الذي مارَسَ الكُتُبَ حتّى عرف الإصطلاح وميّزه، وحـاز جوهر التّحصيل وجوّزه، واستطلع على دائرة الفنون ومركزها وعلى معاني الحروف وتمييزها، يَحسِبُ فَيُحْسِنُ ما يحسبُه، ويكتب فلا يبعد عليه شيءٌ يطلبه»33 والمقصود هنا:
- محمود الجلـــولي34:
وهي شخصيّات قلّما تُذكر في مجال تاريخ البيبليوغرافيا الموسيقية التونسية-إن صحّ التعبير-، فلم يرد ذكر هؤلاء («الشيخ الجندوبي» و«محمود الجلولي» و«الحفصي») عند من لَـحِقُوا «محمود السّيالة» ممّن تزعّموا التّأريخ للموسيقى التونسيّة. ممّا يجرّنا للحديث عن حلقة قد تكون مفقودة اليوم في مجال تاريخ الموسيقى التونسيّة.
فلقد سبق « محمود السّيالة» عدد كبير من العلماء النظريين في علم الموسيقى(تناولنا بعض طروحاتهم على امتداد هذا البحث)، غير أنّه قد خيّر عدم الاكتفاء بما جاؤوا به، وتدعيمه في المقابل بما تيسّر من أقوال المعاصرين له من الحكماء والعلماء.
فلقد أتى «محمود السّيالة» على ذكر بعض العلماء القُدامى، كما القريبين منه زمنيّا كذلك، مثل:
- أبي نصر الفارابي(القرن العاشر الميلادي)؛
- صفيّ الدّين الأرموي(القرن الثالث عشر الميلادي)؛
- عبد القادر بن الغيبي35 (القرن الخامس عشر الميلادي)؛
- شهاب الدّين العجمي (توفّي سنة 1675م/ القرن السابع عشر)؛
- شهاب الدين الحجازي36 (بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر الميلاديّين).

2) المواضيع التي تطرّق إليها المخطوط من النّاحية النظريّة العلميّة:
تعرّض السّيالة إلى مسائل موسيقيّة مختلفة منها ما يخصّ أسماء الدرجات الموسيقية الخاصّة بآلة العود (العود التونسي المتكوّن من أربعة أوتار).
وتسوية أوتاره والمسألة المقاميّة، هذا إضافة إلى مفاهيم أخرى مثل حكم السّماع ومعرفة التلحين والصناعة. كما تحدّث عن الواقع الموسيقي في عهده.

ومن خلال قراءة في الفهرس، يبدو طرح محمود السّيالة منقوصا من «الطّرافة»، وذلك من حيث أنّه لم يعمل على صياغة النظريّات الموسيقية العربية صياغة جديدة، بل هو يكرّر المسائل الماضية وبطرح أقلّ عمقا من سابقيه. فلا ننسى أنّ «محمود السّيالة» كان «متطبّبا» بالأساس.

في مستوى المصطلح النّظري:
- ذكر محمود السّيالة أسماء الأوتار وأسماء الدّرجات على المنهج القديم، بحيث كان يذكر المعطيات التالية لبيان كيفيّة استخراج الأصوات والنغم:

البم  المثلث  المثنى
يقال له وتر الحسين يقال له وتر الرّمل وتر الماية

 

الزير أسماء الأصابع
وتر الذّيل 37 المطلق/ الوسطى/ الخنصر البنصر



وأغلب الظنّ أنّ «محمود السّيالة» قد استنار في تحديد أسماء الأوتار هذه من رسالة مغربيّة بعنوان «معلّم عود مربي قديم». وقد نشرها «فارمر» في الثلاثينات من القرن العشرين وذكر فيها السلّم الموسيقي بديوان واحد، وهو «مبنيّ على تسوية أوتار العود الأربعة»38:

----
مُطلق
سبابة
خنصر
ذيل ماية رمل حسين
-
-
-
204سنتًا
408
498
702
-
-
905
1110
1200

 

- أورد محمود السّيالة رسمًا لدائرتين صغرى وكبرى للضروب(الإيقاعات)، وعددها ثمانية وأربعين انتقاها من مؤلفات «صفيّ الدّين عبد المؤمن» و»عبد القادر العجمي»39:
- كما رسم شجرتين تحملان أسماء «الطّبوع» المغاربية بأصولها وفروعها:
ولتوضيح هذا الرّسم نورد عدد النغمات الموسيقية الأربع والعشرين41 التي كانت دارجة قبل السّيالة:
- الماية فروعه أربعة: وهي الحسين-انقلاب الرّمل-رمل الماية-الرّصد؛
- المزموم فروعه ثلاثة: وهي المشرقي-الحمدان-غربية الحسين؛
- الغريبة المحرّرة: لا فروع لها؛
- الذيل فروعه ستّة هي: رصد الذيل-رمل الذيل-عراق العجم-مجنّب الذيل - عراق العرب - استهلال الذيل؛
- - الزيدان فروعه ستّة، وهي العشاق-الأصبهان-الحجاز الكبير-الحصار-الإصبعين-الحجاز الشرقي.
«أمّا المتأخّرون من أهل صناعة الآلات جعلوا أصول نغماتهم تسعة عشر نغمة. ولكن وقع بينهم الإختلاف فيها. فمنهم من اصطلح على العمل بالذيل ثمّ العراق ثمّ الصيكة ثمّ الحسين ثم الرصد ثم رمل الماية ثمّ النوى ثمّ الإصبعين ثمّ رصد الذيل ثمّ الرّمل الكبير ثمّ الإصبهان ثمّ المزموم ثمّ الماية ثمّ الرّهاوي ثمّ الحسين الحجازي ثمّ الإصبعين الحجازي ثمّ المحيّر ثمّ الصّبا ثمّ العشاق»42.

في المستوى العملي:
وإلى الجانب المسائل النظاميّة التّقليديّ، تعرّض «محمود السّيالة» إلى طروحات مختلفة أخرى نورد بضع نصوص منها إنطلاقا من المخطوط، اجتهدنا في إعادة نسخها، وقد اخترناها من حيث هي نصوص مختلفة في الطّرح الموسيقيّ:
النصّ الأوّل : وهو من الفصل الأوّل والصّفحة الرابعة من المخطوط: القاعدة الخامسة في علم الموسيقى:
«معرفة التلحين، وهو ردّ الموشحات والأشعار الرّائقة إلى نغمة مخصوصة بحركاتها التّامّة. والقاعدة فيه كما قال الذكيّ داود43 راجعة إلى العروض في الحقيقة. فإنّ ما كان على بحر البسيط يعمل من الحسين بالرّفع على مستفعلن وبالخفض على فاعلن. وما كان على الخبب يعمل من الصيكة بعكس ما تقدّم، وهذا أمر سهل مع أنّه الآن مفقود عند أهل هذه الصّناعة. وكذا الطبيب أيضا، فإنّه الآن معزول عنه وهو في غاية الاحتياج إليه. وهذا الترتيب بجملته من حيث العقول القاصرة، فلا يمكنها الترقي به لعدم إدراكها له وإنّما إدراكها الآن إلاّ بالعمل في المحسوسات فقط وذلك لعدم ارتسام علمه في الحافظة».
يأتي محمود السّيالة في هذا النّصّ على أحد أهمّ المفاهيم والمصطلحات الخاصّة بعلم الموسيقى، ألا وهو التلحين. وهو عنده:
- جعل الموشحات والأشعار على نغمة مخصوصة؛
- محكوم بعلم العروض.
لذلك يعطي لكلّ بحر نغمة مخصوصة، وهو يرى أنّ قواعد تلحين الأشعار ترجع ضرورة إلى علم العروض، وبالتالي هو يقرّ باختيار الإيقاع واللحن وفق التراتيب العروضيّة، وهذا –في الحقيقة- ما كان يرفضه الحسن الكاتب وينقده –وهو ابن القرن الثاني عشر- و في ما يلي ما يقول في هذه المسألة:
«فأمّا موافقة الإيقاعات لأوزان الأشعار ومخالفتها، وأيّها تكون أحسن وأوفى مع الآخر، فإنّ المختلفة أبدا تكون أحسن ويكون اللحن فيها أمكن، وأمّا المُتّفقة فإنّها تكون قليلة البهاء ويكون فيها التلحين غير طائل ولا لذيذ»44.
وبالتالي أن يقابل نغمة الحسين بالبحر البسيط، ونغمة الصّيكة بالخبب، فإنّ في ذلك ضبط وتقيّد بما لا يلزم في قواعد التلحين.

يبدو إذا أنّ مبادئ التّلحين أو «التّأليف»اختلفت من حيث الأسس في الفترة الفاصلة بين القرن الثاني عشر والقرن التّاسع عشر، وهذه نقطة هامّة يجب الوقوف عليها بدراسات تحليلية علميّة معاصرة تتماشى وطبيعة الموسيقى العربيّة لالتماس اختلاف أساليب التّلحين، والوقوف على مسبّباته.

إنّ صياغة لحن ما على الكلام بطريقة مُعيّنة إذاً، يتطلّب (كما أورد ذلك الحسن الكاتب) معرفة بجملة من الضوابط هي:
- معرفة ما يحيط بالمتقبّل من ظروف اجتماعيّة ونفسية وثقافيّة وسياسية لكي ينجح في مخاطبته بالموسيقى ويحقّق الانفعالات واللذّة المطلوبة حسب كلّ ظرف.
- أن تكون هناك معادلة بين ما يُفهم من الكلام وما يُفهمُ من الأصوات.
- معرفة استغلال الأصوات المختلفة الصادرة من الآلات الموسيقيّة أو من الحنجرة.
من جهة أخرى، أشار «محمود السّيالة»-وهو الطّبيب- إلى مسألة مهمّة نكاد في عالمنا العربي نفقدها، بل لم تعد لنا فيها قواعد وضوابط، وهي مسألة العلاج بالموسيقى:
- «وكذا الطبيب أيضا، فإنّه الآن معزول عنه وهو في غاية الاحتياج إليه»45.
- فهو يُشير إلى قيمة التلاحين والتلحين في مسيرة الطّبيب، بل هو في حاجة لمثل هذه الصّناعة لاستكمال معرفته46.

كما يصف لنا محمود السيالة حال «معرفة التلحين» عند المختصّين على عهده فيقول: «هو الآن مفقود عند أهل هذه الصّناعة»، ويُسند إلى ذلك أسبابا نذكرها في النقاط التالية:
- العقول قاصرة عن الإدراك؛
- الإشتغال بالمحسوسات؛
- صعوبة ارتسام معرفة التلحين في الحافظة.

فما سرّ هذه الحال في حين أنّ الفترة التي نتحدّث عنها هي فترة النهضة العربية الفكريّة؟ فلننظر في النّصّ التّالي إذ هو يدعم هذا التّساؤل ويدفعه دفعًا إلى الحيرة والتّعقيد:
النصّ الثاني: من الفصل الأوّل، ص7
«لكنّ أهل هذه الصّناعة الآن في هذا الزّمان لا ينطرب الناس بأعمالهم ولا يلتذون بأقوالهم لأنّ قلوبهم متعلقة بقبض الدّينار والدّرهم، وإذا لم يقبضوا شيئا أفسدوا العمل بمكرهم وقلصوا النغمات بعقرهم. فمجالستهم من الكرب لا تبري، ونغماتهم في الأبدان لا تسري، إلى أن استُرذِلَت بأعمال اليهود، فسامعها من الالتذاذات مفقود وعن الفنون مسدود لأنّ نغمتهم تطرد الحبّ وعملهم يجلب حُمّى الغبّ»47.
إنّ هذه الفقرة تُعتبر من أهمّ ما أورد محمود السّيالة في مخطوطه لا لسبب إلاّ لكونها تتعلّق بمشاكل عصره في صناعة الموسيقى، وهذا ما يهمّنا في مشهد التاريخ الموسيقي بالبلاد التّونسيّة.

فالواضح أنّ الرّجل يشكو سوء الواقع الموسيقي، وهو ليس راضٍ عن وضعيّة الممارسة الموسيقيّة بالبلاد التي يبدو أنّها أُحيطت بجملة من الإشكاليّات الأساسيّة، مسّت من مفاهيم هامّة مثل:
شرف العلم والعمل:

«أهل هذه الصّناعة الآن في هذا الزّمان ... قلوبهم متعلقة بقبض الدّينار والدّرهم. وإذا لم يقبضوا شيئا أفسدوا العمل بمكرهم وقلصوا النغمات بعقرهم».
قد تبدو هذه الشكوى غريبة في عصر عُرف بكثرة التعلّق بالأولياء الصالحين وغلبة الدين على التفكير الإجتماعي إضافة إلى ما يُجانبُ ذلك من عادات الذهاب إلى الزوايا. ولكنّ ذلك قد يُفسَّرُ بطريقة مخالفة، إذ يمكن أن نذهب مسلك من يفكّر في أنّ الظروف الدّاعية لهذه الممارسات العقائديّة هي أساسا انحرافات الناس. ويبدو أنّ انحرافات الناس قد شملت الموسيقى العمليّة. وربّما يكون ذلك منطقيّا إذا ما ذهبنا مذهب ابن خلدون(1332 - 1406م) إلى أنّ الموسيقى هي من مكمّلات العمران البشري:

«يحدث في العمران إذا توفّر وتجاوز حدّ الضّروري إلى الحاجّي ثمّ إلى الكمالي»48.

فمن الضروري إذا أن تكون هي أولى الميادين التي تحيط بها الانحرافات إذا نقُص العمران وتدهور(وهذا معلوم في القرنين الثامن والتاسع عشر)، فالموسيقى عند ابن خلدون مرتبطة بالفطرة:
«يلهج كلّ إنسان بالحسن في المرئي أو المسموع بمقتضى الفطرة»49.

وقد تدعو هذه الفطرة الإنسان إلى الشرّ، «فالإنسان شرّير بطبعه»، وبالتالي لك أن تُقرّر ما إذا كان منطقيّا تعلق القلوب بالمادّة وانعدام التواصل بين الموسيقي والناس، فالواضح أنّ أصحاب الصّناعة في ذلك الوقت فقدوا -ما يُعبّر عنه الحسن الكاتب- بالعلاقة الضروريّة بين المُغنّي وجليسه، وهي علاقة تقوم على معرفة الأوّل للثاني من النواحي: الأخلاقية والنفسية والثقافيّة الإجتماعية:

«إنّ المغنّي... يحتاج إلى تعرّف أخلاق جليسه وما يذهب بنفسه إليه في سائر الأوقات وفي وقته الحاضر، فقد يسمع الإنسان تغريد الطّائر فيُسرّ به وقد يذهب به إلى جهة الحزن لشيء يخطر بباله فيحزن، وقد يسمع صفة المجالس والشراب فيخطر بباله أنّه سيُعدم هذا كلّه وقتا، ويفارقه فيحدث له حزنا، وقد يسمع ذكر الزّهد والموت والحساب فيخطر بباله أنّه سيتوب وينيب وتُغفر ذنوبه فيكون قد نال الحالتين جميعا ويظفر بهما فيحدث له سرور وفرح وابتهاج»50.
هذا إضافة إلى إمكانيّة وجود حقيقة أخرى هي:
تعلّق سقاط العوام «(كذا) بحسب تعبير الحسن الكاتب(القرن الثاني عشر الميلادي)» باسم هذه الصّناعة دون فهم معناها، فادّعوا منها ما لا يُحسنون واكتسبوا بها من قوم لا يفهمون وضعها51، وممّا يفسّر ما جاء على لسان «السّيالة» في قوله: «وإذا لم يقبضوا شيئا أفسدوا العمل بمكرهم وقلصوا النغمات بعقرهم».

والجدير هنا أن تُطرَح دراسة سوسيولوجيّة عن الأوضاع الإجتماعيّة والنفسيّة في تونس القرن التاسع عشر، حتّى نتبيّن أسباب هذا النّزوع المادّي والجشع في الكسب على حساب عناصر الثقافة.

الطّرب:
« أهل هذه الصّناعة الآن في هذا الزّمان لا ينطرب الناس بأعمالهم»52.
جملة بليغة المعنى لإيضاح صفات الألحان ومتقبّليها من الناس:
فهذا القول قد يحيلنا في البداية إلى كلام هامّ يقول فيه الحسن الكاتب (القرن الثاني عشر الميلادي)على لسان أحد أهمّ فلاسفة العرب أحمد بن الطّيّب السّرخسي): «أقلّ الناس علما بالغناء أسرعهم طربا على كلّ مسموع»53 غير أنّ ما يقصده «محمود السيالة» هو غير القضيّة المعرفيّة التي يطرحها الكاتب في مستوى الإنطراب وعلاقته بالناس عموما، بل أراد أن يوجّهنا إلى مجموعة من الحقائق، وهي أنّ: الألحان المتداولة في ذلك العهد هي على الأرجح ألحان:
لا تلحق بالنفس ما تلحقه بالحواسّ:
وهنا نعود-كما أشرنا سابقا مع ابن خَلدون- إلى مسألة معاني الألحان وتطابقها مع موجبات الحال النفسية والذهنيّة والإجتماعية. فالطّرب هي درجة من الإنتشاء النفسي الذي يتجاوز الحواسّ إلى مخاطبة الوعي، على ذلك نجد ما يُسمّى بالألحان المُقوّية والمُليّنة والمُعدّلة التي تكتسب ثراءها وأهمّيّتها من خلال تمازجها مع الشعر54 ويبدو أنّ ما أشار إليه «محمود السيالة» عن عدم انطراب الناس بأعمال أهل صناعة الموسيقى على عهده يعود إلى قلّة اهتمام أصحاب الإختصاص بمثل هذه المدقّقات في الجانب الموسيقي.

- أهل صناعة الموسيقى في تونس كانت تنقصهم خصال منها:
- حذق الغناء حتّى يتمكّنوا من التّأثير في السّامع وإطرابه؛
- الإرتقاء بالموسيقى إلى دورها الرئيسي والسموّ بها إلى ما أبعد من تحريك اللذات.
لذّة السّمع والقول:
«ولا يلتذون بأقوالهم»55.
الحديث هنا يهمّ كلاّ من أهل الشعر والموسيقى، فإذا انعدمت اللذّة عن القول في الألحان فذلك يرجع إلى النقاط التالية (كما يحيل إلى ذلك الحسن الكاتب):
عدم موافقة اللحن لغرض القول الشعري.
الشعر ذاته قد لا يكون معبّرا عمّا تتطلّع إليه الأنفس في ذلك العهد، أي أنّه ليس «شعر اللسان والزمان».
وظيفة الألحان
« فمجالستهم من الكرب لا تبري، ونغماتهم في الأبدان لا تسري»56.
من خلال هذه الجملة يُقدّم محمود السيالة الوظائف الأساسية للموسيقى، وهي:
- إزالة الكرب؛
- مخاطبة الروح والجسد.
يُردف صاحب «قانون الأصفياء» إلى أسباب في نفي توفّر هذه الصفات عن موسيقى القرن التاسع عشر في تونس أسبابا أخرى حوّلت خطابه إلى نصّ هجائيّ، فإذا هو يرمي بأقذع الأوصاف، فئة اليهود التي استقرّت بتونس بعد الهجرات الأندلسيّة إلى بلدان المغرب العربي، واختلاطهم بالعرب المسلمين واندماجهم في الفنون والممارسات اليوميّة، فيقول:

«إلى أن استُرذِلَت بأعمال اليهود(أي الألحان)، فسامعها من الإلتذاذات مفقود وعن الفنون مسدود لأنّ نغماتهم تطرد الحبّ وعملهم يجلب حُمّى الغبّ».

ويبدو أنّ هذه الإشارات ظلّت ملازمة في حديثنا عن فنّ الموسيقى بتونس حتّى بدايات القرن العشرين. وفي هذا المعنى نورد نصّا من محاضرة لمحمّد الأصرم إثر تأسيس المعهد الرشيدي، يقول فيه:
«لقد دعاني داعي الفنّ إلى الوقوف بينكم هذه الليلة لأسامركم في الموسيقى التونسية التي هي موسيقى وطننا المحبوب، فلا يحسن بنا أن نتركها مُهملة مهجورة كادت عواملُ التغافل أن تقضي على حياتها حتّى قيّض الله ثلّة من أبنائها البررة تحت رئاسة الوطني الماجد الغيور سيدي مصطفى صفر وألّفوا جمعيّة وأسموها باسم الجمعيّة الرشيدية المقصودة منها بثّ المغنى التونسي وإشهاره وتهذيبه، وإنشاء ألحان تونسيّة مُبرّاة من اللحن الرّكيك واللفظ المُستهجَن القبيح تتمشّى مع روح الوقت والزّمان وتغرس في النفوس الفضيلة وكرامة النفس إلى أن ترتقي المستوى اللائق بها»57.

ففي هذه الفقرة نلاحظ تشابها في معنى الشكوى من قيمة الألحان والأشعار المتدنّية وعدم مخاطبتهما للوعي الإنساني وأدائهما للمهمّة المُوكّلة لهما أساسا وهي غرس الفضيلة وكرامة النفس، أو ما يقابلها في تعبير السّيالة من: لذّة السّمع والروح مع نشر القيم السّمحة.

النصّ الثالث: من الفصل الأوّل، ص 5
«وقد يسهل النقش وزواله المعبّر عنه، بمراتب أربعة: وذلك إن أفرطت الرّطوبة في الدّماغ، كان يسهل الإنتقاش وزواله المُعَبَّر عنه الآن بسرعة الحفظ والنّسيان. وإن أفرطت الحرارة كان يسهل الانتقاش عديم الزّوال، أي سريع الحفظ قليل النّسيان. وإن أفرطت اليبوسة كان سريع الزّوال قليل الإنتقاش أي سريع النّسيان قليل الحفظ. وإن أفرطت البرودة، كان سريع الزّوال عديم الإنتقاش، أي سريع النسيان عديم الحفظ. وبالجملة فإنّ الإنسان إذا كان غليظ الطّبع عديم الإدراك، فلا ترتسم العلوم ولا المعلومات في قوّته الحافظة، فليس له منها حظّ، فله أن يُسرع إلى عمل معاشه ولو بسروح الإبل، فهي أخفّ عليه وأسهل من تعليم علم هذه الصّناعة ومن الفذالك التي ليس له فيها مكسب دنيوي ولا أخرويّ ».

إنّ قارئ هذه الفقرة قد يخال صاحبها-في البداية- عالما بيولوجيّا أو نفسيّا، ولكن لا عجب في ذلك إذا عرفنا أن محمود السّيالة طبيبٌ، والطبّ هو فرع من العلوم، وعادة ما تلتقي العلوم في كثير من أسسها العقليّة ومنهجها التّحليلي. هذا علاوة على أنّ التّرجمات الخاصّة بالسّيالة تشير بأنّه ألّف في ما ألّف، كتابا هامّا شرح فيه تذكرة داود الأنطاكي، وهو بعنوان:
«الجوهر النوراني في الدّواء الجسماني والروحاني»
وقد تحدّث «القادريّ» في هذا النصّ القصير عن أمر هامّ يخصّ عامّة الناس في علاقتهم بالعلوم-ومن بينها الموسيقى ومعرفة التلحين- وصور حصولها وتركّزها في الذهن. ويربط «محمود السيالة» مُسبّبات سرعة وزوال العلوم من الذهن، أوّلاً:
بالمناخ وتأثيره على الدّماغ:
- الرطوبة: سرعة الحفظ والنسيان
- الحرارة: سرعة الحفظ وقلّة النسيان
- اليبوسة: سرعة النسيان وقلّة الحفظ
- البرودة: سرعة النسيان وعدم القدرة على الحفظ
بغلظ الطّبع: بحيث لا ترتسم العلوم في حافظة غليظ الطبع ولا يقدر على إدراكها58.

خاتمة
يبدو من خلال هذه الدراسة أنّ محمود السيالة الصفاقسي القادري لم يكن مجرّد محطة عابرة في التّأريخ للمشهد الموسيقي بالبلاد التونسية والمغرب عموما، بل لعلّه كان يمثل مظهرا من مظاهر نشأة الموسيقولوجيا في تونس بوصفها علما يهتم بالموسيقى في تجاذبها مع المعارف والعلوم الأخرى وكذلك في علاقتها بالصّوت والنفس والأخلاق والطبيعة.

وهي مقاربات –وإن نجد لها صدى في كتب القدامى من العرب-فهي تمثّل في القرن التاسع عشر-نظرا لانتشار الفكر الصوفي ومواقفه من الموسيقى في القرن التاسع عشر وما قبله59 - خطوة نحو كسر الحاجز النفسي والأيديولوجي الذي جعل الممارسة الموسيقية محصورة عند بعض الفئات من المجتمع أو في أطر تلتصق بالضرورة بالحياة التعبدية. إذ أنّ المؤرّخ الذي خصصنا له هذه الدراسة هو من متخرجي جامع الزيتونة ومتصوّف وعدل لدى الدولة، وهو وما كان يُبشّر بانتهاء مرحلة مظلمة في التّأريخ للموسيقى بالبلاد التونسية رغم تواصل انتشار تبعات تلك المرحلة في صلب المجتمع إلى ما بعد فترة الإستقلال وبناء الدولة الحديثة.

كما لا يسعنا أن نغفل عن الإشارة كذلك إلى أنّ القرن التّاسع عشر مثّل كذلك نقلة نوعيّة في ميدان الموسيقى في تونس وذلك بإنشاء المدرسة الحربيّة بباردو التي أسفر نشاطها الموسيقي عن نتائج لها أن ترسم لنا ملامح وتغيّرات تاريخ الموسيقى العربيّة والممارسة الموسيقيّة في حدّ ذاتها. ويتّضح ذلك من خلال مخطوط: «غاية السّرور والمنى الجامع لدقائق رقائق الموسيقى والغناء» الذي وقع تأليفه في فترة متقاربة مع مُؤلَّف «قانون الأصفياء» للسيالة القادري.

الهوامش

1. أنظر البحوث والمقالات التالية:
- - الحشيشة، علي، السّماع عند الصوفية والحياة الموسيقية بصفاقس في القرنين التاسع عشر والعشرين، صفاقس، مطبعة سوجيك، الثلاثية الرابعة سنة 2000، ص ص98-101.
- - قطاط، محمود، "من المخطوطات الموسيقية"، مجلة الفكر، تونس، العدد6، مارس 1986، ص ص.40-48.
2. هو خير الدين الزركلي صاحب القاموس الشهير "الأعلام" لتراجم أشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين.
3. نجد هنا اختلافا في تاريخ الوفاة إذ يذكر الحاج هاشم محمّد الرجب أنّه توفّي سنة 1838:
- (محمّد الرّجب، الحاج هاشم، الموسيقيّون والمغنّون خلال الفترة المظلمة، بغداد، من منشورات المركز الدّولي لدراسات الموسيقى التقليديّة، دار الحرّيّة للطّباعة، 1982، ص159)
4. ويعلن الباحث التونسي محمود قطاط –في أسلوب تقريري- في بحث حديث له، أنّه كان حيّا حتّى سنة 1868:
- Musique du monde arabo-musulman, Guide bibliographique et discographique :approche analytique et critique, Dar al –‘Uns, Paris, 2004 editions, p157..
- وقد يتساءل الواحد منّا لماذا هذا الخلط الكبير الذي وصل إلى فارق ثلاثين سنة في تحديد مدّة حياة أحد العلماء والمؤرخين التونسيين، ما قد تغيّر من مجرى إبداعه وعطائه. إذ نجد أسماء لعديد العلماء من القرون الأولى للإسلام مقترنة بدقّة مع تاريخ ولادتهم ووفاتهم، عكس هذه الحالة المخضرمة –على الأرجح-من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر التي نجهل فيها تاريخ الولادة وتبرز فيها إشكالية تاريخ الوفاة بفوارق كبيرة. وهو ما يدلّ بدرجة لا تدعو إلى الشكّ بأن ّ حركة تدوين التاريخ في ذلك العهد تشهد اضطرابا لا يُستهان به.
- 4 الزركلي، خير الدين، الأعلام، الطبعة الخامسة عشرة، بيروت، دار العلم للملايين، الجزء السابع، أيّار/مايو 2002، ص184.
5. محفوظ، محمّد، "محمود السيالة"، مجلة الفكر، تونس، السنة8، العدد3، ديسمبر 1968، ص55.
6. محفوظ، محمّد، المرجع السابق، ص56.
7. محفوظ، محمّد، المرجع السابق، ص56.
8. «إجتمع به في مكة الشيخ أو مدين الغوث وأخذ عليه الطريق ولبس من يده الخرقة ومرّ أبو مدين بتونس عند رجوعه من الحج فاجتمع به الأصحاب عبد العزيز المهدوي وأبو سعيد الباجي ومحمد الدبّاغ وأبو علي النفطي وأبو يوسف الدهماني والطاهر المزوغي السافي وكانوا بعد انتقاله إلى بجاية يلتحقون به المرار العديدة ولذا فالطريقة القادرية من أقدم الطرق الصوفية»
- راجع: خريّف، محي الدين، "الشيخ عبد القادر الجيلاني في التراث الشعبي"، مجلة الثقافة الشعبية، البحرين، يصدرها للدراسات والبحوث والنشر، أرشيف الثقافة الشعبية السنة الرابعة، العدد14، ص43.
9. الحشيشة، علي، السّماع عند الصوفية والحياة الموسيقية بصفاقس في القرنين التاسع عشر والعشرين، صفاقس، مطبعة سوجيك، الثلاثية الرابعة سنة 2000، ص63
10. الطّريقة هي "طريق خاصّ بنوع من الناس يتميّزون عن غيرهم برؤية معيّنة في المنهج اللازم أتباعه للوصول للحقيقة المطلقة عبر مراحل ومقامات محدّد، تجتهد كل طريقة في استقائها من منابع ومصادر تعتقد أنّها يقينية(...) وكل طريقة صوفية تعتمد –للتدليل على صحتها وشرعيّتها- على سلسلة من الصالحين والأعلام تتصل دائما بالرّسول صلى الله عليه وسلّم..."(أنظر: العجيلي، التليلي، الطرق الصوفية والإستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية، تونس، منشورات كلية الأداب بمنوبة، 1992، ص35.)
- خريّف، محي الدين، "الشيخ عبد القادر الجيلاني في التراث الشعبي"، مجلة الثقافة الشعبية، البحرين، يصدرها للدراسات والبحوث والنشر، أرشيف الثقافة الشعبية السنة الرابعة، العدد14، ص43.
11. الحشيشة، علي، نفس المرجع، ص66.
12. الحشيشة، علي، نفس المرجع، ص66.
13. الحشيشة، علي، نفس المرجع، ص66.
14. الزواري، علي والشرفي يوسف، معجم الكلمات والتقاليد الشعبية بصفاقس، صفاقس، دون ناشر، 1998، ص597.(متحصل على جائزة بلدية صفاقس للتأليف والإبداع لسنة 1994)
15. ينده بيك: أي يحملك معه أي مؤنسه
16. القِلّليل هو الفقير أو من ليس له حول ولا قوة
17. محفوظ، محمّد، تراجم المؤلفين التونسيين، لبنان، دار الغرب الإسلامي،(حرف السين)، ص 111.
18. إنّ ما تبقى من مكتبة الشيخ علي النوري(بعضه تم تحويله إلى دار الكتب الوطنية بتونس العاصمة وبعضها بقي بالمكتبة العمومية لمدينة صفاقس). كما تحتوي مكتبة "أبي بكر عبد الكافي" الخاصة على مصادر هامّة جدا نجهل أكثرها وربما كان فيها مما يعود إلى محمود السيالة. وعبد الكافي هذا هو من مؤرخي مدينة صفاقس، وتقبع مكتبته حاليا في ظلمة إحدى قاعات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس وسط مناخ من الغبار والرطوبة ستساهم حتما في تلفها وتلف الذاكرة معها.
19. محفوظ، محمّد، "محمود السيالة"، مجلة الفكر، تونس، السنة8، العدد3، ديسمبر 1968،ص56.
20. محفوظ، محمّد، تراجم المؤلفين التونسيين، لبنان، دار الغرب الإسلامي،(حرف السين)، ص 104-105.
21. محفوظ، محمّد، "محمود السيالة"، مجلة الفكر، تونس، السنة8، العدد3، ديسمبر 1968، ص 58.
22. محفوظ، محمد، المرجع السابق، ص 59.
23. إعتمدنا في بعض العناوين على ما جاء في كتاب الباحثين:
- • محمود قطاط :دراسات في الموسيقى العربية، سورية/اللاذقية، الطبعة الأولى، 1987، ص100.
- • محمّد الرّجب، الحاج هاشم، الموسيقيّون والمغنّون خلال الفترة المظلمة، بغداد، من منشورات المركز الدّولي لدراسات الموسيقى التقليديّة، دار الحرّيّة للطّباعة، 1982، ص159-160.
- رغبة منّا في التثبّت وعدم الوقوع في الخطء من حيث العنونة على الأقلّ، نظرا لعدم وضوح الكتابة بالمخطوط وبالتالي عدم تمكّننا أحيانا من تلخيص الفكرة.
- مع الإشارة إلى أنّه هناك اختلاف واضح في تحديد الصفحات المخصّصة لكلّ فصل بين ما ورد في كتاب محمود قطاط المذكور وبين ما هو بين أيدينا في المخطوط الذي كما سبق وأشرنا تحصّلنا عليه من المكتبة الوطنية التونسية تحت عدد19241. وربّما يعود ذلك إلى كون الباحث جمع بين الصفحات الناقصة من نفس المخطوط الموجود بالعراق وبين النسخة الموجودة في تونس، حتّى أصبح عدد صفحات المخطوط كاملا 69 صفحة عوضا عن 60 صفحة الموجودة بين أيدينا ونعـتمد عليها في التحليل.
24. وهو من أعلام الطب الإسلامي(1543-1599م): يعرف به الزركلي فيقول: "عالم بالطب والأدب، كان ضريرًا انتهت إليه رئاسة الأطباء في زمانه، ولد في أنطاكية، وحفظ القرآن وقرأ المنطق، والرياضيات، وشيئًا من الطبيعيات، ودرس اللغة اليونانية فأحكمها، وهاجر إلى القاهرة فأقام عدة أشهر بها، ورحل إلى مكة فأقام سنة توفي في آخرها. كان قوي البديهة يُسأل عن الشيء من الفنون فيملي على السائل الكراسة والكراستين، ولقد حصلت له نادرة من نوادر الشفاء.
- وقد شرح "محمود السّيالة" كتاب تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب للأنطاكي في كتابه: "الجوهر النوراني في الدّواء الجسماني والروحاني".
25."ولد أفلاطون عام 427ق.م. في عائلة أرستقراطيّة وعاش في مدينة أثينا معظم حياته(...) وربما كان أفلاطون أعظم فيلسوف في جميع العصور وأوّل من جمع كافة الأفكار المختلفة والحجج المنوعة في كتب يستطيع أن يقرأها كلّ إنسان(...)كانت له أفكار حاسمة خاصّة به" قوامها المدينة الفاضلة.
- روبنسن، دف، وجروفز، جودي، أقدّم لك أفلاطون، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، 2001، ص7و8.
26. هو من كبار المؤرّخين المسلمين(849هـ-911هـ)، له مؤلفات عديدة في مواضيع مختلفة، منها:
- - أبواب السعادة في أباب الشهادة- الشماريخ في علم التاريخ- الوشاح في فوائد النكاح- الإكليل في استنباط التنزيل
27. وهو فقيه إسلامي مشهور، من دمشق، كتب عدّة مؤلفات من بينها : تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين- مناقب الصحابة-فضائل مكة- نهاية المراد في كلام خير العباد، وغيرها.
28. فقيه من أكبر فقهاء الشافعية والذي ألّف في فقه الشافعية موسوعته الضخمة في أكثر من عشرين جزءًا.
29. لم نجد عن هذا الرّجل ترجمة شافية في أشهر موسوعات التّراجم، ولكنّنا عثرنا على بضع معلومات هامّة في كتاب: محمّد الرّجب، الحاج هاشم، الموسيقيّون والمغنّون خلال الفترة المظلمة، بغداد، من منشورات المركز الدّولي لدراسات الموسيقى التقليديّة، دار الحرّيّة للطّباعة، 1982، ص127وص128، إذ قال فيه:
- هو الشيخ أحمد بن محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ المعروف بالعجـمي الشافعي الوفائي المصري الإمام المفنّن اللوذعي، كان من أجلاّء علماء مصر، له الفضل الباهر والحافظة القويّة والذّهن الثاقب، وكان صدوقًا حسن المُعاشرة والمحاضرة. وإليه النّهاية في معرفة التّاريخ وأيّام العرب وأنسابهم وما انظمّ إليه من معرفة بقيّة الفنون. توفّي سنة 1675م.
- له (رسالة في علم الأنغام) وهي لازالت مخطوطة ومحفوظة في عدّة مكتبات في العالم وتتألّف من (13) ورقة(...) والرّسالة مهمّة وفيها معلومات مفيدة-فيها ذكر للأبحر السّبعة من الياكاه إلى الهفتكاه وشرحها شرحا مفصّلا.
- (...) وفي الرّسالة فصل فيما يوافق من أبحر الأشعار للأنغام مع ذكر أوّل القصيدة التي توافق ذلك المقام وذلك الأوّاز.
30. لم نعثر لهذا الإسم على أيّ تعريف بموسوعات المشاهير والعلماء في تونس.
31. هو أحد أهمّ أدباء العرب في القرن الثالث للهجرة بل احتلّ في دنيا الأدب والعلم مكان الصدارة، من أقواله المأثورة-وهو معتزليّ المذهب- "لا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل." من أبرز مؤلفاته: البيان والتبيين/كتاب الحيوان/ كتاب البخلاء
32. لم نجد في قواميس الأعلام والموسوعات أحدا بهذا الإسم، ولكنّ الأرجح أن المقصود هنا هو أبو نصر الفارابي(الفارسي الأصل) ويبدو أنّه نعته بالعجمي شأنه في ذلك شأن عبد القادر بن الغيبي(العجمي).
33. السيالة، محمود، قانون الأصفياء في علم نغمات الأذكياء، مخطوطـ عدد19241بالمكتبة الوطنيّة بتونس، ص2.
34. هو القائد محمود بن بكار الجلولي، قائد مدينة صفاقس بين 1782 و 1802
- عن:
- http://www.sfaxonline.com/fr/sfax/sfax-histoire-population/399-les-caids-de-sfax
- تمّ الرّجوع إلى العنوان الألكتروني في 16 جوان 2009
- ويذكر كتاب "مشاهير التونسيين" لمحمّد بوذينة أنّ له تآليف في النّحو والفقه وله معرفة تامّة بالتّاريخ (ص611)
35. وينعته السّيالة كذلك بعبد القادر العجمي. هو الخواجة عبد القادر بن المولى جمال الدين الغيبي المراغي، ولد سنة 1354. نشأ في بغداد، وأخذ عن والده علم الموسيقى، فأصبح من أجلّ وأعلم العلماء في فن الموسيقى. يعتبر من أهمّ من ألف في علم الموسيقى بعد صفي الدين الأرموي، له مؤلفات هامّة في الموسيقى نذكر منها: جامع الألحان- شرح كتاب الأدوار- مقاصد الألحان.
- أنظر: محمّد الرجب، الحاج هاشم، المصدر السابق، ص75-78.
36. هو من معاصري محمود السّيالة، وهو شهاب الدّين محمّد بن إسماعيل بن عمر الحجازي ثمّ المصري الشافعي. ولد بمكّة سنة 1210هـ-1795م. وحضر إلى القاهرة صغير ونشأ بها وتعلّم العلم والأدب في الأزهر ونبغ في =
- الشعر واشتهر به شهرة تامّة واشتهر أيضا بمعرفة الفنون الرّياضيّة والهندسيّة والحساب والموسيقى، و أولع بالأغاني وألحانها. أخذ عن الشيخ حسن العطّار( وهو من علماء مصر أصله من المغرب) وكان معهما أحمد فارس الشدياق(عالم باللغة والأدب ولد بعشقوت بلبنان لأبوين مسيحيّين، تعلّم عن علماء مصر، واعتنق الإسلام في أحد سفراته لتونس) قبل إسلامه، ثمّ انفرد في تحرير الوقائع المصريّة. ثمّ أحيلت إليه رئاسة تصحيح الكتب بالمطبعة الأميريّة ببولاق(...) توفّي سنة 1857.
- من مؤلّفته:
- • رسالة في التّوحيد
- • ديوان شعر
- • سفينة الملك ونفيسة الفلك: في فنّ الموسيقى
- عن: محمّد الرّجب، الحاج هاشم، الموسيقيّون والمغنّون خلال الفترة المظلمة، بغداد، من منشورات المركز الدّولي لدراسات الموسيقى التقليديّة، دار الحرّيّة للطّباعة، 1982، ص161وص163.
37. مصطلح ذيل يُطلق اليوم على إحدى نوبات المالوف أي أنّه يُطلق على إحدى المقامات الموسيقية(الطّبوع) في تونس: لم يُذكر مصطلح الذّيل عند شمس الدين الصّيداوي في الجدول الذي أوردناه حول الأصول والفروع في الصفحة 109. وهذا دليل على اختلاف الخطاب الموسيقي النظري (وبالتالي العملي)المغاربي عن نظيره بالمشرق العربي.
38. عن: فارمر، هنري جورج،" تاريخ مختصر للسلّم الموسيقي العربي"، القسم الفنّي من كتاب: مؤتمر الموسيقى العربي القاهرة 1932، بغداد، المجمع العربي للموسيقى، 1980، ص384.
39. والمقصود هنا حسب كما أشرنا هو عبد القادر بن الغيبي(توفّي سنة 1435م)، وهو من الذين تبنّوا الفكر النظري الأرموي في الموسيقى العربيّة. وربّما نعته "السّيالة" بالعجمي لأنّه فارسّي الأصل وليس عربيّا.
40. إعتمدنا في وضع هذه الصّورة وما يليها على نسخة المخطوط المصوّرة على طريقة الـpdf وذلك لوضوحها مقارنة مع النسخة المصوّرة على طريقة الميكروفيلم، وذلك عن موقع:
- www.sama3y.net، تاريخ التنزيل: جانفي 2009. وهذه الصورة تقع في الصفحة42 من المخطوط
41. وذلك يدلّ على أنّ "ميخائيل مشاقّة" كان محقّا في زعمه بأنّ ما أتى به في نظرّته التي ترمي إلى تقسيم السلّم إلى أربع وعشرين ربعا
42.قانون الأصفياء في علم نغما الأذكياء، ص58.
43. المقصود هنا أبو داود الأنطاكـي
44. الكاتب، الحسن بن أحمد بن عليّ، كمال أدب الغناء، مصر، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، تحقيق غطّاس عبد الملك خشبة عن نسخة وحيدة مؤرّخة في 625هـ، مراجعة محمود أحمد الحفني، 1975، ص69.
- ويذكر الحسن الكاتب في المقابل نماذج من "أصوات" جيّدة لألحان موقّعة على شعرها(أنظر نفس المصدر ص27 وص28)
45. وكأنّ محمود السيالة يحنّ إلى وظيفة الموسيقى السامية كما كانت مع القدامى في ما نقله ابن أبي الضياف عن أحد أشهر موسيقيي الدولة الحسينيّة الشيخ أحمد بن حمودة السّنان في رسالة له في فن الموسيقى حيث يقول:
- "وكان إذا جاء مريض إلى طبيب أدخله إلى مقصورة حانوته وأسمعه الطّبوع والأصول الأربعة(...)".
- أو كذلك على عهد عزيزة عثمانة زوجة حمودة باشا التي كانت تملك دارا تأوي فيها المصابين عقليّا وكانت تقدّم جراية لأمهر العازفين لترويضهم وتسكينهم بالموسيقى:
- أنظر: عبد الوهاب، حسن حسني، ورقات، تونس، مكتبة المنار، الجزء الثاني، 1981، ص249و239.
46. وربّما يستثني محمود السيالة نفسه من هذه الظاهرة، فهو طبيب وترعرع وسط حلقات الذكر و الإنشاد أي أنّ له معرفة بالألحان والنغمات، هذا علاوة على أنّه ألّف هذا المخطوط الذي بين أيدينا الذي يدلّ على معرفة بعلم الموسيقى.
47. وتصحيحها: رائحتهم
48. ابن خلدون، عبد الرّحمان، المقدّمة، الطبعة الأولى، تحقيق حامد احمد الطّاهر، القاهرة، دار الفجر للتراث، 2004، ص514.
49. ابن خلدون، المصدر نفسه، ص513.
50. الكاتب، الحسن، كمال أدب الغناء، مصر، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، تحقيق غطّاس عبد الملك خشبة عن نسخة وحيدة مؤرّخة في 625هـ، مراجعة محمود أحمد الحفني، 1975، ص77.
51. الكاتب، الحسن، المصدر السابق، ص32.
52. السيالة، محمود، قانون الأصفياء في علم نغمات الأذكياء، الفصل الأوّل، ص7.
53. الكاتب، الحسن، المصدر السابق، ص 30.
54. الكاتب، الحسن، المصدر السابق، ص 35.
55. السيالة، محمود، قانون الأصفياء في علم نغمات الأذكياء، الفصل الأوّل، ص7.
56. السيالة، محمود، نفس المصدر والصفحة.
57. الأصرم، محمّد، "الموسيقى التونسية"، شذرات متفرّقة في الموسيقى، سلسلة أمّهات الكتب التونسيّة، تقديم وتعاليق فتحي زغندة، تونس، وزارة الثقافة، الدار العربية للكتاب، 2001، ص60.
58. ولنا على ضوء هذه "الوصفة"، أن نسمح لأنفسنا بأن نفكّر في القيام بإحصائيّات ديمغرافيّة بضوابط جديدة تعتمد المناخ كعنصر أساسي، مع دراسة التغيّرات المناخيّة التي مرّت بها تونس عبر القرون الماضية، ومنه نقف عند أسباب بعض الإشكاليّات التي تُطرح اليوم حول الموسيقى في سياقها العلمي والعملي، أي أن ندرس الظاهرة الموسيقيّة إنطلاقا من تأثير العوامل المناخيّة في الخصوصيات الديمغرافية ومنحى التفكير الإجتماعي.
- وهي مقاربة - وإن تبقى خارج مجال بحثنا لأنّه لم يقع تكريسها بعدُ- فهي شبيهة بمقترح الباحث التونسي محمّد قوجة الذي أشار إلى مدخلٍ لدراسة الظاهرة الموسيقية يستحقّ المُعاينة والتمحيص، وذلك إنطلاقا من تداخل علم الإجتماع وبقيّة العلوم، "وهذا المدخل يؤدّي إلى طرح مقاربتين على الأقلّ، هُما:
- - دراسة الممارسة الموسيقية إنطلاقا من دراسة المجتمعات
- - دراسة المجتمعات إنطلاقا من دراسة الظاهرة الموسيقية"
- عن: قوجة، محمّد، "منهاجيّات التحليل وإشكاليّة الدّلالة والمعنى في الخطاب الموسيقي العربي"، مباحث في العلوم الموسيقيّة التونسيّة، عمل جماعي، المخبر الوطني للبحث في الثقافة والتكنولوجيات الحديثة والتنمية، الإشراف العلمي محمّد زين العابدين، العدد الأوّل، ماي 2008، ص24.
59. إذ وُجدت نسمات فكريّة فقهيّة كانت تهبّ من أغلب الفرق الإسلاميّة لتعصف بشرعيّة الممارسة الموسيقيّة في كلّ وقت وحين. نذكر منها على سبيل المثال ما يرد في النصّ التّالي عن متفقّه تونسيّ من مدينة سوسة في القرن السّابع عشر:
- " أمّا أحمد المريغي المولود في 1048هـ/1639م فقد تتلمذ بالأزهر لمشائخ أجلاّء مثل محمّد الخرشي ويحيى الشاوي، ثمّ رجع إلى سوسة وحارب البدع وكسّر آلات الطّرب واللهو التي عثر عليها".
- أنظر: عبد السّلام، أحمد، المؤرّخون التّونسيّون في القرون 17و18و19، نقلها من الفرنسيّة إلى العربيّة أحمد عبد السّلام وعبد الرّزّاق الحليوي، تونس-قرطاج، بيت الحكمة(المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون)، 1993، ص47.

مراجع باللغة العربية: :

- - ابن خلدون، عبد الرّحمان، المقدّمة، الطبعة الأولى، تحقيق حامد احمد الطّاهر، القاهرة، دار الفجر للتراث، 2004.
- - الأصرم، محمّد، "الموسيقى التونسية"، شذرات متفرّقة في الموسيقى، سلسلة أمّهات الكتب التونسيّة، تقديم وتعاليق فتحي زغندة، تونس، وزارة الثقافة، الدار العربية للكتاب، 2001.
- - الحشيشة، علي، السّماع عند الصوفية والحياة الموسيقية بصفاقس في القرنين التاسع عشر والعشرين، صفاقس، مطبعة سوجيك، الثلاثية الرابعة سنة 2000.
- - خريّف، محي الدين، "الشيخ عبد القادر الجيلاني في التراث الشعبي"، مجلة الثقافة الشعبية، البحرين، يصدرها للدراسات والبحوث والنشر، أرشيف الثقافة الشعبية السنة الرابعة، العدد14.
- - روبنسن، دف، وجروفز، جودي، أقدّم لك أفلاطون، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، 2001.
- - الزركلي، خير الدين، الأعلام، الطبعة الخامسة عشرة، بيروت، دار العلم للملايين، الجزء السابع، أيّار/مايو 2002.
- - الزواري، علي والشرفي يوسف، معجم الكلمات والتقاليد الشعبية بصفاقس، صفاقس، دون ناشر، 1998. (متحصل على جائزة بلدية صفاقس للتأليف والإبداع لسنة 1994)
- - السيالة، محمود، قانون الأصفياء في علم نغمات الأذكياء، مخطوطـ عدد19241بالمكتبة الوطنيّة بتونس.
- - عبد السّلام، أحمد، المؤرّخون التّونسيّون في القرون 17و18و19، نقلها من الفرنسيّة إلى العربيّة أحمد عبد السّلام وعبد الرّزّاق الحليوي، تونس-قرطاج، بيت الحكمة(المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون)، 1993.
- - عبد الوهاب، حسن حسني، ورقات، تونس، مكتبة المنار، الجزء الثاني، 1981.
- - العجيلي، التليلي، الطرق الصوفية والإستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية، تونس، منشورات كلية الأداب بمنوبة، 1992.
- - فارمر، هنري جورج،" تاريخ مختصر للسلّم الموسيقي العربي"، القسم الفنّي من كتاب: مؤتمر الموسيقى العربي القاهرة 1932، بغداد، المجمع العربي للموسيقى، 1980.
- - قطاط، محمود، دراسات في الموسيقى العربية، سورية/اللاذقية، الطبعة الأولى، 1987.
- - قطاط، محمود، "من المخطوطات الموسيقية"، مجلة الفكر، تونس، العدد6، مارس 1986.
- - قوجة، محمّد، "منهاجيّات التحليل وإشكاليّة الدّلالة والمعنى في الخطاب الموسيقي العربي"، مباحث في العلوم الموسيقيّة التونسيّة، عمل جماعي، المخبر الوطني للبحث في الثقافة والتكنولوجيات الحديثة والتنمية، الإشراف العلمي محمّد زين العابدين، العدد الأوّل، ماي 2008.
- - الكاتب، الحسن بن أحمد بن عليّ، كمال أدب الغناء، مصر، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، تحقيق غطّاس عبد الملك خشبة عن نسخة وحيدة مؤرّخة في 625هـ، مراجعة محمود أحمد الحفني، 1975.
- - محفوظ، محمّد، تراجم المؤلفين التونسيين، لبنان، دار الغرب الإسلامي،(حرف السين).
- - محفوظ، محمّد، "محمود السيالة"، مجلة الفكر، تونس، السنة8، العدد3، ديسمبر 1968.
- - محمّد الرّجب، الحاج هاشم، الموسيقيّون والمغنّون خلال الفترة المظلمة، بغداد، من منشورات المركز الدّولي لدراسات الموسيقى التقليديّة، دار الحرّيّة للطّباعة، 1982.

مراجع باللغة الفرنسية:

- -GUETTAT, Mahmoud, Musique du monde arabo-musulman, Guide bibliographique et discographique :approche analytique et critique, Dar al –‘Uns, Paris, 2004 editions.
- - Gérard BACQUET et Christian ATTARD, SFAX 1881-1956, Sud Editions, Tunis, 2005. (Version électronique sur CD, Copyright ©Regards du Sud-2005)
-
•مواقع الواب

- http://www.sfaxonline.com/fr/sfax/sfax-histoire-population/399-les-caids-de-sfax-
- www.sama3y.ne-
1.
الصور
- من الكاتب.