فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
7

هـل مـن وازع كـهـذا ؟ . .

العدد 7 - التصدير
هـل مـن وازع كـهـذا  ؟ . .
رئيس التحرير

بحكم انتهاء وظيفة أغلب الفنون الشعبية الغنائية في مجتمعاتنا العربية كأغـانـي العـمــل المرتبطــة ببعض المـهن أو الأهازيج ذات الـعـلاقـــــة بالمناسبات الاجتماعية العامة والخاصة أو تلك التي اعتبرت من أغاني السمر أوالفرجة الجماعية في الميادين والساحات، وذلك نتيجة التغير الهائل في أنماط العيش وما استحدثه العصر من أدوات ومعدات وطرق ووسائل وأساليب سهلت وغيرت كل مناحي الحياة وتوغلت لتصل إلى روح ومزاج الإنسان الذي أخذ بكل جديد وابتعدت به الظروف عن كل ما يمت إلى حياته السابقة بصلة، مما أحال هذه الفنون إلى التراجع والاضمحلال شيئا فشيئا، ساعد في ذلك انتهاء عهد أغلب الصناعات والمهن التقليدية وبالذات منها ما كان يُـشكل حياة كاملة لغالبية سكان بعض المجتمعات كصناعة الغوص على اللؤلؤ بمنطقة الخليج العربي - على سبيل المثال - التي كانت المهنة السائدة لغالبية السكان، إضافة إلى شيوع استخدام وسائل ترفيه فردية وجماعية كاسحة جرفت مختلف الفئات العمرية وجعلتها أبعد ما تكون عن تلك الفنون، أو جعلت تلك الفنون غريبة لا مكان لها في مجتمعاتهم.

وفي الخليج العربي ارتبطت مهنة الغوص على اللؤلؤ بفنون غنائية عديدة شكلت منظومة لحنية وإيقاعية ميزتها عن بقية أغاني العمل في أي منطقة أخرى من مناطق العالم، كما كان لبحارة الغوص على اللؤلؤ في أوقات سمرهم على اليابسة فنون وأهازيج مختلفة أهمها فنون الـ (فجري)، هذا إلى جانب فنون سمر متعددة أخرى فردية وجماعية نسائية ورجالية كفنون الـ (صوت) والـ (سامري) والـ (خـمّـاري) وغيرها. بعض هذه الفنون كفـن الـ (فجري) انتهى تقريبا في البحرين بموت الفنان سالم راشد العلان وهو آخر (نهام) بحريني مجيد وعارف بالقواعد والأصول الصحيحة لهذا الفن، ولو لا وجود فرقتي جاسم الحربان وجناع بن يوسف لانتهى هذا الفن كلية. كما أن فنون الـ (خماري) والـ (سامري) في ضمور وعلى طريق الذهاب لانتهاء دور الفرق النسائية التقليدية وتغير مزاج قاصديها أما فن الـ (صوت) فهو الآخر يحتضر، ولولا وجود عدد ضئيل من الهواة المتعلقين بفنون أدائه لما استمعنا إليه حيا حسب أصوله الفنية العريقة بالمرة، وفي هذا كما نرى خسران فادح.

لسنا هنا بصدد البكاء أو التحسرعلى تلك الفنون الذاهبة، ومهما تعمق بدواخلنا من أثر لتلك الإبداعات فإن تمثلنا لها لا يمكن الآن إلا باستحضار أجوائها الاجتماعية ومناخها الروحي، فأي وصف لفنون أدائها سيكون قاصرا وبالتالي غير منصف. لكن من غير الإنصاف أيضا أن نسلب أجيالنا القادمة حق التعرف على هذه الفنون والاستمتاع بنماذج موثقة منها على الأقل، فقد تكون مادة إلهام واستلهام لأعمال فنية ربما تكون أعظم شأنا, فهل يمكن استعادة فنون شعبية ذاهبة؟ وكيف؟ . .

نرى أنه بالإمكان استعادة كل الفنون الشعبية الذاهبة بصورة أو بأخرى، وذلك عن طريق تبني إحدى الفرق الشعبية الكبيرة الموجودة حاليا وتطعيمها بمغنين وعازفين وراقصين شعبيين يرشحون من فرق حية أخرى أو تأسيس فرقة وطنية جديدة للفنون الشعبية وتوظيف مدربين اختصاصيين وخبراء محليين وصرف مكافآت لأعضاء الفرقة وفتح مقر مناسب لتدريباتها على مختلف تلك الفنون وإعادة تقديمها بما يتناسب وهذا الزمان دون أن تفقد روحها ومقوماتها الفنية الأصيلة وتخصيص أموال لتجهيزاتها وفتح آفاق مشاركاتها في المناسبات الوطنية والمهرجانات المحلية والعربية والعالمية.

ويبدو جليا، فيما يخص توثيق أو استعادة ما يذهب من ثقافتنا الشعبية أو يضيع، ليس في البحرين أو الخليج فحسب وإنما في كل الوطن العربي، أن الأمر يحتاج إلى وعي جماعي ووازع وطني لا بد وأن يتوافر لدى المسؤولين الرسميين بمختلف مستوياتهم يجعل من الاهتمام بتوثيق كل معطيات الثقافة الشعبية قضية وطنية. ففي ظل غياب هذا الوازع الوطني والجهل بقيمة ما نحن بصدده سيظل فقدان الفنون المتصلة بروح ووجدان الشعب خسارة جسيمة، وكلما تقادم عليها الزمن دون علاج استحال تعـويضها بأي شيء مهما كانت قيمته.

فهل من وازع كهذا ؟ . .

أعداد المجلة