اللغة العدد
قراءة نقدية في كتاب (حكايات شعبية من البحرين؛ من الأدب الشعبي البحريني)
قراءة نقدية في كتاب (حكايات شعبية من البحرين؛ من الأدب الشعبي البحريني)
العدد 48 - جديد النشر

أ‭. ‬محمد‭ ‬الإدريسي‭ - ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬المغرب

 

صدر‭ ‬مع‭ ‬العدد‭ ‬37‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬االثقافة‭ ‬الشعبية‭ (‬الصادرة‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للفن‭ ‬الشعبي‭) ‬كتاب‭ ‬جد‭ ‬مهم‭ ‬حول‭ ‬احكايات‭ ‬شعبية‭ ‬من‭ ‬البحرين‭: ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬البحريني،‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬وجمع‭ ‬وتدوين‭ ‬الباحثة‭ ‬فاطمة‭ ‬محمد‭ ‬الحوطي،‭ ‬والذي‭ ‬يقدم‭ ‬توليفة‭ ‬منتقاة‭ ‬بعناية‭ ‬لمجموعة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مادة‭ ‬خام‭ ‬قابلة‭ ‬للقراءة‭ ‬والاستئناس‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والتحليل‭ ‬والاستثمار‭ ‬والدراسة‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬والسوسيولوجية‭ ‬واللسانية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى؛‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬الباحثة‭ ‬قد‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬تسجيل‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬أفواه‭ ‬أصحابها،‭ ‬سنة‭ ‬1986،‭ ‬مع‭ ‬توضيحات‭ ‬وحواشي‭ ‬وهوامش‭ ‬تفسيرية‭ ‬لأهم‭ ‬المفاهيم‭ ‬والمصطلحات‭ ‬المستعملة‭ ‬محليا‭ ‬وإقليميا،‭ ‬لجعلها‭ ‬متاحة‭ ‬لعموم‭ ‬القراء‭ ‬بالعالم‭ ‬العربي‭.‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬ظل‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬الخليجي‭- ‬عامة‭- ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لدى‭ ‬االمجتمعات‭ ‬المغاربيةب‭ (‬بخاصة‭ ‬دول‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭)‬؛‭ ‬بحكم‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬الجغرافي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬التباعد‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شبه‭ ‬تغييب‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الحضاري‭ ‬ضمن‭ ‬نسق‭ ‬البراديغمات‭ ‬العلمية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬المشتغلة‭ ‬حول‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬العربي‭. ‬لذلك،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي‭ ‬ذثقافيا‭ ‬وعلميا‭- ‬ظل‭ ‬غير‭ ‬منفتح‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬المادي‭ ‬واللامادي‭ ‬الخليجي‭ ‬ذعامة‭- ‬وغير‭ ‬مواكب‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لجديد‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭ ‬وينشر‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات،‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬معه‭ ‬عن‭ ‬اخصامب‭ ‬براديغمي‭ ‬بين‭ ‬المشرق‭ ‬والمغرب‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬دام‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الحركية‭ ‬التي‭ ‬أضحى‭ ‬يعرفها‭ ‬حقل‭ ‬النشر‭ ‬والتأليف‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬ذمن‭ ‬خلال‭ ‬انتقال‭ ‬المركزيات‭ ‬الثقافية‭ ‬من‭ ‬محور‭ ‬القاهرة‭-‬دمشق‭-‬لبنان‭ ‬نحو‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي1،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتبادل‭ ‬التجارب‭ ‬وتقاسم‭ ‬المعارف‭ ‬والدراسات‭ ‬المقترنة‭ ‬بالتراث‭ ‬الشعبي‭ ‬المادي‭ ‬واللامادي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬ضعيفا‭ ‬وفي‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬أكاديمي‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬الجماعات‭ ‬العلمية‭ ‬المحلية،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬تنمية‭ ‬الاهتمام‭ ‬العربي‭ ‬بأهمية‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬الدور‭ ‬الفعال‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬مجلة‭ ‬االفنون‭ ‬الشعبيةب‭ (‬مصر‭)‬،‭ ‬ومجلة‭ ‬االثقافة‭ ‬الشعبيةب‭ (‬البحرين‭) ‬ومجلة‭ ‬االموروثب‭ (‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭)... ‬في‭ ‬حماية‭ ‬وصون‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬المادي‭ ‬واللامادي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وتوجيه‭ ‬اهتمام‭ ‬الجماعات‭ ‬العلمية‭ ‬نحو‭ ‬مدارسته‭ ‬وتحليله،‭ ‬والتي‭ ‬تظل‭ ‬نماذج‭ ‬يحتذى‭ ‬بها‭ ‬بالنسبة‭ ‬لباقي‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬المنخرطة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الرهان‭ ‬العلمي‭ ‬والتراثي،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‭ ‬المحلية،‭ ‬والإقليمية‭ ‬والدولية‭. 

‭- ‬2‭ -‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلاحظه‭ ‬على‭ ‬المؤلف‭ ‬هو‭ ‬عمد‭ ‬الكاتبة‭ ‬إلى‭ ‬تجميع‭ ‬وتسجيل‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬الأربع‭ ‬والثلاثين،‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬زمانية‭ ‬محددة،‭ ‬من‭ ‬أفواه‭ ‬راويات‭ ‬نساء،‭ ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬لها‭ ‬مبرراتها‭ ‬الابستيمولوجية‭ ‬والمنهجية‭ ‬ذوأيضا‭ ‬الذاتية‭- ‬لدى‭ ‬الباحثة‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬هيمنة‭ ‬اثقافة‭ ‬المشافهةب‭ ‬على‭ ‬الشرط‭ ‬الانطولوجي‭ ‬لمعيش‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬وعلى‭ ‬البنية‭ ‬العامة‭ ‬للفعل‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬ذومنها‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭- ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المرأة‭ ‬ذبخاصة‭ ‬المسنة‭- ‬كاكنز‭ ‬حقيقي‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬والجماعةب،‭ ‬حيث‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬صون‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬المحلي‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتصر‭ ‬على‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الناشئة‭ ‬وضمان‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجه‭ ‬المستقبلية‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬لآخر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعتبر‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتدوين‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬أفواه‭ ‬النساء‭ ‬هو‭ ‬بالضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬لانثروبولوجيا‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬نسائي،‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬نعيد‭ ‬معه‭ ‬الاعتبار‭ ‬للمرأة‭ ‬العربية‭ ‬بوصفها‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬الثقافية‭ ‬الشعبية‭ ‬المحلية‭.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلمس‭ ‬انفراد‭ ‬الشيوخ‭ ‬والمسنين‭ ‬بالتراث‭ ‬الحكائي‭ ‬والحكواتي‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المغربي‭ ‬كذلك،‭ ‬حيث‭ ‬عُرفت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬والمجالات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ذساحة‭ ‬جامع‭ ‬الفنا‭ ‬بمراكش‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭- ‬بكونها‭ ‬اذاكرة‭ ‬جماعيةب‭ (‬للمنطقة‭ ‬المحلية‭) ‬وذاكرة‭ ‬اجتماعية‭ (‬بالنسبة‭ ‬للمجتمع‭) ‬تؤرخ‭ ‬للحظات‭ ‬منسية‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬للمجتمع‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬السياقين‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر‭. ‬وأسهم‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬بتحديد‭ ‬الأدوار‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحكي،‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬االحياة‭ ‬السوسيومهنيةب‭ ‬للرجل‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬فرضت‭ ‬عليه‭ ‬إنتاج‭ ‬ونقل‭ ‬أنماط‭ ‬حكواتية‭ ‬وحكائية‭ ‬خاصة‭ ‬مقترنة‭ ‬بالبنية‭ ‬العامة‭ ‬للثقافية‭ ‬البطريريكة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬االحياة‭ ‬المنزليةب‭ ‬للمرأة‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬الخاص‭ ‬جعلتها‭ ‬تختص‭ ‬بإنتاج‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬بنية‭ ‬حكائية‭ ‬وحكواتية‭ ‬تتغنى‭ ‬بواقع‭ ‬المرأة‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالآخر‭-‬الرجل‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تختص‭ ‬بالأبعاد‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬بصورتها‭ ‬العامة؛‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لم‭ ‬تحضر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬النسائية‭. ‬لكن‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬نجد‭ ‬العكس‭ ‬تماما،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬تستفرد‭ ‬بدور‭ ‬المنتج‭ ‬للحكاية‭ ‬والناقل‭ ‬لها‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نلمسه‭ ‬في‭ ‬كون‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الراويات‭ ‬قد‭ ‬نقلن‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬عن‭ ‬أمهاتهن‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭) ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ودور‭ ‬الراوي‭ ‬والمثمن‭ ‬لهذا‭ ‬التراث‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬أضحى‭ ‬معولم‭ ‬ومنشبك‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬اإيتيمولوجيةب‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬الأهمية؛‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بإشكالية‭ ‬التسمية‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭: ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬تسمى‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بـاحزاةب‭ (‬جمع‭ ‬حزاوي‭ ‬أو‭ ‬حزوات‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬المغرب‭ ‬تسمى‭ [‬في‭ ‬الدارجة‭ ‬القديمة‭ ‬والتقليدية‭] ‬بـاالحجايةب‭ (‬جمع‭ ‬حجايات‭) ‬ذرغم‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدارجة‭ ‬المعاصرة‭ ‬بتسمية‭ ‬الَحْكَايَة‭ ‬أو‭ ‬لَحْكَايَاتب‭. ‬للأسف،‭ ‬لم‭ ‬تحظى‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬الجزئية‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬ضمن‭ ‬الانثروبولوجيا‭ ‬الثقافية‭ ‬والشعبية‭ ‬المقارنة‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬المغربي،‭ ‬حيث‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الأمر‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬أنماط‭ ‬وتجليات‭ ‬التلاقي‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬ذ‭ ‬وحتى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتجاري‭ - (‬التاريخي‭ ‬بخاصة‭) ‬بين‭ ‬الضفتين‭ ‬المشرقية‭ ‬والمغربية‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬صوغ‭ ‬وإنتاج‭ ‬وتطعيم‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬المحلي‭ ‬والعربي‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بلغة‭ ‬نقل‭ ‬وتدوين‭ ‬االحزاويب‭ ‬البحرينية،‭ ‬نجدها‭ ‬بسيطة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬ومفهومة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للجيل‭ ‬البحريني‭ ‬الشاب‭ ‬والمعاصر،‭ ‬وأيضا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬عامة،‭ ‬نظرا‭ ‬لبساطة‭ ‬السرد‭ ‬والحبكة‭ ‬الدرامية‭ ‬ضمن‭ ‬نسق‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬وعمق‭ ‬الحمولات‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬ذوأحيانا‭ ‬الدينية‭- ‬التي‭ ‬تحملها‭. ‬وكما‭ ‬أشرنا‭ ‬سابقا،‭ ‬لم‭ ‬تعمل‭ ‬الكاتبة‭ -‬ولا‭ ‬الناشر‭ ‬أيضا‭- ‬على‭ ‬تعديل‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬وصياغة‭ ‬الحزاوي‭ ‬وفق‭ ‬المنطق‭ ‬الموضوعي‭ ‬لتطور‭ ‬اللهجة‭ ‬البحرينية‭ ‬أو‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬وللأمر‭ ‬مبرراته‭ ‬الابستيولوجية‭ ‬والمنهجية‭ ‬وكذا‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية؛‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬االموروث‭ ‬الثمينب‭ ‬والنادر‭ ‬وتوفير‭ ‬مادة‭ ‬خام‭ ‬للدراسة‭ ‬والتحليل‭ ‬والمقارنة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المختصين،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬ذفي‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭- ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الشروط‭ ‬الموضوعية‭ ‬والذاتية‭ ‬المتحكمة‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬اللهجة‭ ‬البحرينية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البنية‭ ‬العامة‭ ‬لهذه‭ ‬الحكايات،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬فهم‭ ‬نسق‭ ‬الانتقال‭ ‬اللسني‭ ‬ضمن‭ ‬بنية‭ ‬الزمنيات‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬المحلية‭.‬

 

‭- ‬3‭ -‬

عملت‭ ‬الباحثة‭ ‬على‭ ‬جعل‭ ‬مدينة‭ ‬االمحرقب‭ (‬أهم‭ ‬جزيرة‭ ‬بعد‭ ‬الجزيرة‭ ‬الأم‭) ‬مركز‭ ‬عملها‭ ‬الميداني‭ ‬في‭ ‬تجميع‭ ‬الحزاوي‭ ‬البحرينية‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬1986،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحزاوي‭ ‬تعبر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬والتاريخي‭ ‬البحرينيذبمختلف‭ ‬حمولاته‭- ‬خلال‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي؛‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الباحثة‭ ‬للمدينة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اعتباطيا‭ ‬بل‭ ‬نبع‭ ‬من‭ ‬وعي‭ ‬تاريخي‭ ‬بأهمية‭ ‬المجال‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الحكايات‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وفي‭ ‬جعل‭ ‬المرأة‭ ‬تستفرد‭ ‬بدور‭ ‬راوي‭ ‬الحكايات‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وتبعا‭ ‬لذلك،‭ ‬نسجل‭ ‬أن‭ ‬تيمات‭ ‬الحكايات‭ ‬ومواضيعها‭ ‬وإطارها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬قد‭ ‬نبع‭ ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬السوسيومجالية‭ ‬للحركية‭ ‬المهنية‭ ‬والإيقاعات‭ ‬البحرية‭-‬الساحلية‭ ‬للمنطقة،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬خروج‭ ‬الرجل‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬ذبزمنياته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬الخاصة‭ (‬والتي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬مستفيضة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭)- ‬فرض‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬الانزواء‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬المنزلي‭ ‬الخاص،‭ ‬وبالتالي‭ ‬احتكار‭ ‬االرأسمال‭ ‬الرمزيب‭ ‬لإنتاج‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الحزاوي‭ ‬واالسلطة‭ ‬الرمزيةب‭ ‬لنقلها‭ ‬وتلقينها‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬لآخر‭. ‬

يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الكاتبة‭ ‬لحقبة‭ ‬الثمانينات،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تدوين‭ ‬هذه‭ ‬الحزاوي،‭ ‬يجعلنا‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬طبيعة‭ ‬الشروط‭ ‬الموضوعية‭ ‬المتحكمة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الانتقال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭ ‬للمجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬صحراوي‭-‬قبلي‭ ‬نحو‭ ‬مجتمع‭ ‬امنشبكب‭ ‬بفعل‭ ‬التحولات‭ ‬والتغيرات‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬اثورة‭ ‬البترولب‭ ‬ذبالنسبة‭ ‬لمعظم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭- ‬وتأثير‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬البنيات‭ ‬التراثية‭ ‬والتقليدية‭. ‬لذلك،‭ ‬قد‭ ‬نعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬اشهادةب‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬العلاقات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬ووثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬نفهم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬بموجبها‭ ‬تم‭ ‬هذا‭ ‬الانتقال‭ ‬البنيوي‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭  ‬اصحراويب‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬اخدماتي‭-‬منشبكب،‭ ‬والأثر‭ ‬الذي‭ ‬وشمه‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬الذهنية‭ ‬للأفراد‭ ‬الجماعات‭.‬

 

‭- ‬4‭ -‬

مثلت‭ ‬الحكاية‭ ‬الشعبية‭ ‬ضمن‭ ‬النسق‭ ‬الثقافي‭ ‬للمجتمعات‭ ‬الانثروبولوجية‭ (‬تلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬ضمنها‭ ‬سلطة‭ ‬العادة‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬وعلى‭ ‬المشروع‭ ‬المجتمعي‭ ‬ككل‭) ‬آلية‭ ‬لنقل‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬اللامادي‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬لآخر،‭ ‬وإدماج‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للقيم‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬لذلك،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬وظيفة‭ ‬الحزاوي‭ ‬ذإضافة‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬السردي‭ ‬والتشويقي‭- ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تمرير‭ ‬وتلقين‭ ‬القيم‭ ‬والمبادئ‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬الثقافية‭ ‬للأفراد،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬رواية‭ ‬الحكاية‭ ‬البحرينية‭ ‬قد‭ ‬اقترنت‭ ‬بـاعالم‭ ‬النساءب‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الحزاة‭ ‬متغير‭ ‬نسقي‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التربية‭ ‬والتنشئة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وما‭ ‬يعزز‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬خلو‭ ‬أي‭ ‬حزاة‭ ‬من‭ ‬عبر‭ ‬وحكم‭ ‬وقيم‭ ‬يراد‭ ‬بها‭ ‬تهيئ‭ ‬الأفراد‭ (‬ذكورا‭ ‬وإناثا‭) ‬لمواجهة‭ ‬ذومجابهة‭- ‬الحياة‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬تنتظرهم‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وضمان‭ ‬عودتهم‭ ‬الدائمة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تربية‭ ‬وتنشئة‭ ‬أبنائهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى؛‭ ‬أي‭ ‬ضمان‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬نفس‭ ‬البنية‭ ‬الثقافية‭.‬

ما‭ ‬يلاحظ‭ ‬على‭ ‬الحكايات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬هو‭ ‬كونها‭ ‬تحمل‭ ‬قيما‭ ‬ورسائل‭ ‬اجتماعية‭ (‬التكافل،‭ ‬والوفاء‭...) ‬وقيمية‭ (‬لإخلاص،‭ ‬والتسامح‭ ‬والشرف‭...) ‬وأخلاقية‭ (‬الخير،‭ ‬الفضيلة‭...)‬،‭ ‬وفي‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭ ‬تحمل‭ ‬قيم‭ ‬ورسائل‭ ‬مناقضة‭ (‬التسيد،‭ ‬السيطرة‭ ‬والهيمنة،‭ ‬المكيدة،‭ ‬الشر،‭ ‬الاستغلال‭...) ‬وتتعايش‭ ‬ذضمن‭ ‬النسق‭ ‬السردي‭- ‬بشكل‭ ‬اعتباطي‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض؛‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬يصعب‭ ‬معها‭ ‬أحيانا‭ ‬تمييز‭ ‬التيمة‭ ‬الجوهرية‭ ‬للحكاية‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬اختتاميتها‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تصبح‭ ‬الحزاة‭ ‬تعبيرا‭ ‬ثقافيا‭ ‬عما‭ ‬هو‭ ‬كائن‭ ‬واستشرافا‭ ‬ذفلسفيا‭- ‬مستقبليا‭ ‬لما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬الناس‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬تفاعلاتهم‭ ‬وعلائقياتهم‭ ‬الثقافية،‭ ‬ويتداخل‭ ‬المعنى‭ ‬والدلالة‭ ‬بالقيمة‭ ‬والمبدأ‭. ‬يدفعنا‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬للتنبيه‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الاشتغال‭ ‬العلمي‭ ‬بمدارسة‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬دون‭ ‬تبني‭ ‬نهج‭ ‬متداخل‭ ‬ومتعدد‭ ‬التخصصات؛‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬االأسرار‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعيةب‭ ‬لهذا‭ ‬الكنز‭ ‬الحكائي‭ ‬تاوية‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬السطور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ظاهرها‭.‬

لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬إشارة‭ ‬الباحثة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬تضمن‭ ‬الحزاوي‭ ‬الواردة‭  ‬لقيم‭ ‬أو‭ ‬معاني‭ ‬دينيةذفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬تقصد‭ ‬النسق‭ ‬العام‭ ‬للحكايات‭- ‬سواء‭ ‬مصرحة‭ ‬أو‭ ‬مبطنة،‭ ‬وهو‭ ‬حكم‭ ‬لا‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬مدارسة‭ ‬واحتكاك‭ ‬كبير‭ ‬بالمنطق‭ ‬البراديغمي‭ ‬والإنعكاسي‭ ‬لعلوم‭ ‬اجتماع‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬ذبخاصة‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العربي‭- ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬قراءة‭ ‬عامة‭ ‬وسطحية‭ ‬للمعاني‭ ‬والدلالات‭ ‬البنيوية‭ ‬ذوليس‭ ‬النسقية‭- ‬للحزاوي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الشرط‭ ‬الموضوعي‭ ‬لمراس‭ ‬سوسيولوجيا‭ ‬وأنثروبولوجيا‭ ‬الأديان‭ ‬ينبهنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كنه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الدينية‭ ‬ذ‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬الرسمية‭ - ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدلالات‭ ‬التي‭ ‬يضفيها‭ ‬الفاعلون‭ ‬على‭ ‬أفعالهم،‭ ‬وعلى‭ ‬المعاني‭ ‬الخفية‭ ‬والرمزية‭ ‬للخطابات‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬يصرح‭ ‬به‭ ‬بالمكاتبة‭ ‬والمشافهة‭.‬

يظل‭ ‬المكون‭ ‬الديني‭ ‬عنصرا‭ ‬جوهريا‭ ‬ضمن‭ ‬بنية‭ ‬الحكاية‭ ‬وسياق‭ ‬التلقي؛‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬البيئة‭ ‬الثقافية‭ ‬لشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬ظلت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬استدماج‭ ‬الأنساق‭ ‬الدينية‭ ‬ضمن‭ ‬تصوراتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية‭ ‬وممارستها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬لذلك‭ ‬تختلف‭ ‬طرق‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬أو‭ ‬إدماجه‭ ‬في‭ ‬المكون‭ ‬الحكائي،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يظل‭ ‬حاضرا‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬الموضوعية‭ ‬والبنيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للأفراد‭ ‬والجماعات‭: ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الدرس‭ ‬الذي‭ ‬تعلمه‭ ‬لنا‭ ‬أنثروبولوجيا‭ ‬الأديان‭. ‬وقد‭ ‬تختلف‭ ‬طرق‭ ‬تصريفه‭ ‬ضمن‭ ‬نسق‭ ‬الحكاية،‭ ‬واستبطانه‭ ‬في‭ ‬متن‭ ‬الحكي‭ ‬نفسه،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬وظيفة‭ ‬المتخصص‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬المكنونات‭ ‬الخفية‭ ‬لحضور‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬نسق‭ ‬الحكائي؛‭ ‬بخاصة‭ ‬التدين‭ ‬في‭ ‬شقه‭ ‬الشعبي‭ ‬والتقليدي‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تداخل‭ ‬الأزمنة‭ ‬السردية‭ ‬وترابطها،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحكايات،‭ ‬وتفاعل‭ ‬الخيال‭ ‬مع‭ ‬التخييل‭ ‬الإبداعي،‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬الحزاوي‭ ‬قيمة‭ ‬خاصة‭ ‬تمكننا‭ ‬من‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التخيييل‭ (‬حضور‭ ‬الحيوانات‭ ‬الناطقة،‭ ‬الأحداث‭ ‬الميتولوجية‭...) ‬والأسطرة‭ (‬بخاصة‭ ‬تلك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمسنات‭ ‬اللواتي‭ ‬يشعرن‭ ‬بالوحدة‭ ‬وتخلي‭ ‬المجتمع‭ ‬عنهن‭ ‬واعتراف‭ ‬الثقافة‭ ‬بهن‭) ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التجلي‭ ‬والحضور‭ ‬الخفي‭ (‬صعب‭ ‬التحديد‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مراس‭ ‬وعدة‭ ‬منهجية‭ ‬أنثروبولوجية‭ ‬ولسانية‭) ‬والصريح‭  ‬للقيم‭ ‬والحمولات‭ ‬الدينية‭ ‬والتاريخية‭(‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬التصريح‭ ‬المباشر‭ ‬به‭ ‬ضمن‭ ‬سردية‭ ‬الحكاية‭).‬

 

‭- ‬5‭ -‬

يظل‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بالجمع‭ ‬والتصنيف،‭ ‬قبل‭ ‬المدارسة‭ ‬والتحليل‭ ‬العلمي،‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬علمية‭ ‬متعددة‭ ‬التخصصات‭ ‬ذومتعددة‭ ‬الأقطار‭- ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توفير‭ ‬قاعدة‭ ‬عمل‭ ‬واشتغال‭ ‬للباحثين‭ ‬والمهتمين،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬الاشتغال‭ ‬الجمعي‭ (‬الجماعات‭ ‬العلمية‭) ‬وتشارك‭ ‬التجارب‭ ‬العلمية‭ ‬والعملية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬المواكبة‭ ‬الابستيمولوجية‭ ‬والنقدية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬ينشر‭ ‬أو‭ ‬يجمع،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬جودة‭ ‬الممارسة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬العربي،‭ ‬وتحقيق‭ ‬المصالحة‭ ‬الموضوعية‭ ‬بين‭ ‬قضية‭ ‬التنظير‭ ‬والميدان،‭ ‬والكم‭ ‬والكيف‭... ‬ضمن‭ ‬براديغم‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬بمختلف‭ ‬تجلياته‭.‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬اشهادةب‭ ‬واوثيقةب‭ ‬تاريخية‭ ‬وانثروبولوجية‭ ‬على‭ ‬حقبة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬للمجتمع‭ ‬البحريني،‭ ‬ويمثل‭ ‬أرضية‭ ‬أولية‭ ‬للاشتغال‭ ‬العلمي‭ ‬والمقارن‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬ومصير‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬ذوالمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭- ‬في‭ ‬سياق‭ ‬انشباكية‭ ‬وعولمة‭ ‬الأنماط‭ ‬الثقافية‭ ‬للحياة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والانتقال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬نحو‭ ‬ثقافة‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬أضحت‭ ‬منافس‭ ‬لثقافة‭ ‬المشافهة،‭ ‬بوصفها‭ ‬المتغير‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية‭ ‬واستمرارية‭ ‬الأدب‭ ‬الشعبي،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬السياق‭ ‬المغربي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬المحلي‭ ‬ذالإقليمي‭ ‬والعربي‭- ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬غير‭ ‬مواكب‭ ‬للغنى‭ ‬الإثني‭ ‬والثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يميز‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي،‭ ‬ويجعلنا‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬إمكانية‭ ‬تبادل‭ ‬التجارب‭ ‬والخبرات‭ ‬والدراسات‭ ‬والأبحاث‭ ‬بين‭ ‬االجماعات‭ ‬العلميةب‭ ‬المغربية‭ ‬ونظيرتها‭ ‬الخليجية‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬مواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬الكونية‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬تعاطي‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬موروثها‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬صون‭ ‬الخصوصيات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬عالم‭ ‬متحول‭ ‬وغير‭ ‬متكافئ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد‭ ‬باستمرار‭.