اللغة العدد
المرأة وأدوار البطولة في الحكاية الشعبية
المرأة وأدوار البطولة في الحكاية الشعبية
العدد 50 - أدب شعبي

د. يوسف أحمد بن ماجد النشابه - البحرين

الأدب الشعبي؛ هو النتاج الأدبي الذي عرفتهُ الإنسانية منذُ فجر الوعي البشري، موليةً إياه الاهتمام الكامل، نظراً لكونهِ الوعاء الثقافي الحامل للعادات والتقاليد والطقوس، ما حدا به ليكون ذا تأثير في تعزيز الانتماء الاجتماعي، ولاحقاً الوطني، فهو الإطار العاكس للتجارب الإنسانية والاجتماعية، وهو السياق الجامع للصفات المشتركة بين أعضاء الجماعة، إلى جانب كونهُ مرآة الذاكرة الجماعية، وما مرت بهِ من أفراحٍ وأتراح، على الصعيد الحياتي، والاجتماعي، والاقتصادي، وغير ذلك.

وبتفحص الأدب الشعبي، لدى مختلف الشعوب، نجدُ بعض الخصائص الفنية والموضوعية المشتركة: كاللغة العامية، والمحتوى الثقافي المعبر عن قيم الجماعة، ومجهولية المؤلف، بالإضافة للتباين والتمايز بين الحكاية والأخرى، حسب الجماعة، أو الدولة، أو المنطقة، لكون هذا الأدب مرآة تعكسُ تجربة الجماعة الواحدة بما تمتازُ به من خصوصية حياتية نابعة من خصوصية البيئة، والفضاء الاجتماعي، ومنظومة القيم الخلقية التي تتبناها.
ولا يخرجُ الأدب الشعبي في منطقة الخليج العربي، عن هذا الإطار، إذ أنهُ يصبُ في قوالب شعبية كالأمثال، والنكات، والحكايا، والكلام المتبادل «السوالف»، بيد أن الحكاية الشعبية، هي النمط الأكثر بروزاً في المشهد الخليجي، وهي حكايات تم نسجها من الخيال الجمعي، بالإرتكان إلى مواقف وأحداث هامة، تناقلها أبناء المجتمع، من جيل إلى آخر، عن طريق الرواية الشفهية. ونجدُ في هذه الحكايات دورا بارزا للمرأة الخليجية، إذ قلما تخلو الحكايا من المرأة بوصفها عنصرا فاعلا في الفضاء الاجتماعي؛ فالأدب الشعبي عامةً، والحكايات الشعبية على وجه الخصوص، محملان ببعدٍ إنساني صادق، يكرسُ الصفات الحقيقية لهذا المجتمع، ويعكسان الأولويات، والدلالات، والإشارات في وعي شعوب هذه المنطقة.

الأدب الشعبي كفهوم:
يمثلُ الأدب الشعبي وجهاً من وجوه التراث الشعبي، وخلاصة إرثٍ متوارث بين الأجيال، يتأثرُ بالبيئة الاجتماعية، وبالتجارب الإنسانية، إلى جانب تأثره بالعادات، والتقاليد، والمعتقدات الدينية، والخرافية، والأمثال المبنية على تجارب وحكمة الأولين، الذين كانت لهم تفاعلات مع الواقع بكل أشكاله.

وقد تسنى لهذا الأدب الشعبي الانتقال من جماعةٍ إلى أخرى، من خلال التواصل الاجتماعي عبر السفر، والتبادل التجاري، والترجمة من لغة إلى أخرى، إذ نقلت بعض عناصر هذا الأدب من ثقافةٍ إلى أخرى، وهذا ما يؤكدهُ التشابه الجوهري للحكايات في دول مجلس التعاون الخليجي، حيثُ الاختلاف هامشي: كالاختلاف في أسماء الحكايات الشعبية، أو في تسميات شخوصها، أو فروق عائدة لاجتهادات الرواة، وغيرها.

سمات وخصائص الحكاية الشعبية:
إن من أبرز سمات الأدب الشعبي، سمة الجماعية؛ إذ إنهُ يهملُ الفرد، ويركزُ على الجماعة، التي تتخذُ أشكالاً منسجمةً في التعبير الوجداني، وذات ملامح نفسية مشتركة. كما يغيبُ المؤلفُ عن الحكايات الشعبية، إذ عادةً ما يكون مجهولاً، وذلك لأسباب عديدة. إلى جانب ذلك يتزاوجُ الإبداع في الحكايات الشعبية مع الذوق العام، فالراوي المبدع في سرده، يتفاعل مع الواقع بكل أشكاله، مستعيناً بالحكمة تارةً، والفكاهة أخرى، لتصل الفكرة بصورة سلسلة، دون تعبٍ أو عناء إلى المتلقي، وهذا التقبل من المتلقي مبنيٌ على ذوقه الذي يتفاعل مع الحكاية، ومع الإبداع السردي في روايتها بشكلٍ شيق من قبل الراوي، الذي يحاول إظهار قمة الإبداع القولي أو السردي، بلغةٍ عاميةٍ منطوقة، تكونُ في متناول عامةٍ الناس، إذ يتمثل الإبداع في التمكن التام من حفظ المفردات الشعبية، ونطقها، والتركيز على مخارج الحروف، إلى جانب التلاعب بنبرة الصوت، كي يتمكن الراوي من نقل الحالة النفسية للمتلقي. ومن هنا نرى بأن اللهجة العامية تلعبُ دوراً كبيراً في التفاعل مع الوجدان، أكبر مما تستطيعهُ اللغة الفصحى.

أما على صعيد الحكاية، فإن تاريخها يعودُ إلى بواكير الوعي الإنساني، إذ لم تكن مقتصرةً في تداولها على طبقة معينة من طبقات المجتمع، بل كانت متداولةً لدى جميع الناس على اختلاف مراتبهم. ومنذُ ظهور الحكاية الشعبية، كانت تمثل تاريخاً للأحداث الاجتماعية، والدينية، والأخلاقية، بل وحتى السياسية، والنفسية، ما حدا بتعدد مهامها وأدوارها وتفرعاتها، فنجدُ بأن هناك الحكاية التعليمية، المتمثلة في تعليم السلوكيات الحميدة. إلى جانب الحكايات المرتبطة بالوعظ الديني والإرشادي، كما توجد الحكايات الواقعية التي تجسد واقعاً بعيداً عن الخيال، والسحر، والشعوذة. وحكايات البطولة الخارقة التي يستعينُ فيها الأطفال بالظواهر الطبيعية كالريح، والسحب، والجان، والعفاريت، وغيرها للتغلب على الشر.
ومن أهم مميزات الحكايات الشعبية، ميزة التسلية، والفكاهة، ولا يعني ذلك بأن ما يسردُ من خلال مجريات أحداث الحكاية، يهدفُ للإضحاك، بل لابد أن يحمل بين طياتهِ فكراً إيجابياً، وآراءً سديدةً مستمدة من التجارب والتفاعلات الإنسانية والاجتماعية، فالطرفة رهنُ إبداع الراوي، وقدرته على اختيار الكلمات العامية التي تثيرُ الضحك بحد ذاتها، ولهذا نجد بأن من أهم أسباب نجاح الحكايات المسلية، وجود التعليقات المثيرة لضحك المتلقي تجاوباً مع الراوي.
أما الحدث، فعادةً ما يقترنُ بوجود شخصيات مؤثرة تأخذ الدور الرئيس، وأخرى لها أدوار ثانوية، بيد أن هذه الأدوار الثانوية تكملُ مشهد الحدث، من خلال دورة الصراع الأبدي بين الخير والشر، وبين الأخلاق الراقية الدينية، وعادةً ما تكون الغلبة للخير والحق، حيثُ ينتصر المظلوم على الظالم.

ولهذا يمكنُ اعتبار الحكايات الشعبية سجلا حافلا بالصراعات الأخلاقية، بين الخير والشر، والغني والفقير، وعادةً ما يتم الاستعانة بالأولياء والصالحين، لمحاربة الشر، والمحتالين، والمخادعين، كما تجسد الحكايات الصراع الطبقي بين طبقات الشعب الواحد، حيثُ الكادحين من جهة، والسلاطين، والولاة، والأغنياء، على الجهة الأخرى.

كما تتشابهُ نهايات الحكايات الشعبية في الغالب، حيثُ الانتصارات المتتالية والصغيرة، التي تتظافر خلال مجريات الحكاية وصولاً للانتصار الكبير، الذي يكون خاتمة الحكاية، على يد البطل، وحصوله على مكافأته التقليدية المتمثلة في الغالب بزواجه من البنت التي أحبها، والتي قد تكون ابنة السلطان، ابنة الجيران التي يخطفها واحدٌ من عفاريت الجن.

الحكاية الشعبية وتوثيق العلاقات الإنسانية:
تعدُ الحكاية الشعبية، لدى مختلف المجتمعات، سجلاً حافلاً يوثقُ العلاقة بين أفراد المجتمع، وهي إلى جانب ذلك ميداناً لصراع الطبقات الاجتماعية، ومكمناً لاحتواء القيم الدينية، والأخلاقية، غرس خلق الخير، والحث على محاربة الشر، بالإضافة لكونها عنصراً تسلوياً، فالتراث الشعبي بكل مكنوناته، يمثلُ صدىً للماضي، وهو في الوقت ذاته، صوت الحاضر والمستقبل.

يؤكد الدكتور باقر النجار بأن الحكاية الشعبية «تمثل الواقع الأخلاقي والاجتماعي والواقع السياسي، كونها متصلة بأحداث، وأفكار حدثت في الماضي، ومواضيعها وشخصياتها الإنسانية والحيوانية. حكايات تكشفُ عن موقف الإنسان الشعبي، وطموحاته للتغيير من واقعه الصعب إلى واقع أفضل من الناحية الاجتماعية، ووضعه المادي إلى وضع أفضل مادياً»

وعلى إثر هذا التعريف، نجدُ بأن للحكاية الشعبية دورها التعليمي النابع من حكمة ودراية الأجداد، وأحلامهم في العيش بعالمٍ كلهُ سعادة، بعيداً عن العناء، والكد، والعمل، وذلك من خلال الحصول على الراحة عبر مجريات سرد الحكايات المختتمة بنهاياتٍ سعيدة، مهما تنوعت أنماطها وأشكالها لتتفق غالبيتها، إن لم يكن كلها، على نهايةٍ واحدة، مفادها تحقيق الهدف المرجو، المرتكزُ على القناعة، والرضا، والسعادة.

إن التشابه بين مكونات المجتمعات الخليجية، والصلات الرابطة، والاشتراك في الدين والمعتقد، والعادات والتقاليد، إلى تقارب الحرف والمهن، كالغوص، وصيد الأسماك، والحدادة، وغيرها، جعلت السمر في ليالي الشتاء الباردة محفلاً تسردُ فيه الحكايات المتقاربة في كافة دول الخليج العربي. كما لا يخفى على المهتمين بالأنساب بين العوائل الخليجية ارتباطاتهم العائلية، وتبادلهم الزيارات، وكل ذلك شكل عوامل لتبادل الحكايات الشعبية، مع الاحتفاظ ببعض الخصوصيات الفارقة، وتغيير بعض العناوين والمسميات، وهذا ما يجلي إبداع الراوي في خلق الإضافات والاختلافات، التي تضفي إحساساً بالواقعية لمجريات الحكاية.

وقد بحث العديد من الباحثين والمختصين، في نشأة الحكايات الشعبية، ومصادرها الأولى، وكيفية انتشارها، إذ يفيد النمساوي آلبرت فيسلسكي (1871-1939)، بأن «الصياغات الأدبية لقصة من القصص قد أثرت تأثيرا شديدا على تداول هذه القصة لدرجة تجعل أي محاولة لتتبع انتشارها الشفاهي أمراً عقيماً لا جدوى منه» (6) صفحة (50).

كما أن اختلاف اللهجات في الخليج العربي، جعل من الحكايات الشعبية في كل بلدٍ ذات طابعٍ مميزٍ، من خلال اختلاف الكلمات المستخدمة، والأمثال الشعبية المدرجة، التي غالباً ما تكون جزءاً من إثراء السرد.

أدوار البطولة في الحكاية الشعبية:
دائماً ما يمثلُ البطل في الحكاية الشعبية الخير، والسعي لمحاربة الفساد والقهر، فهو المنتصر رغم كل الصعوبات التي تواجهه، والتي بدورها تجعلُ من المشهد الدرامي أكثر تشويقاً، فالمستمع للحكاية الشعبية يجدُ بأن البطل، هو ذلك الإنسان الشجاع الذي يواجه الشدائد بكل عزم، متسلحاً بالصبر، وبذل المال، والروح، لمساندة المستضعفين من الشخصيات الثانوية في الحكاية، ومن هنا تكمنُ حاجة المستمع للبطولات، التي تتمثلُ في بطلٍ يأخذ على عاتقه قضية تخص المجتمع، فيقاوم الأعداد بقوة خارقة لحلحلتها. كما يمتازُ البطل بالدهاء والذكاء، وحسن المعاشرة، وهي صفاتٌ تساعدهُ على الكر والفر، والمراوغة والتفكير والتدبير، لكي يكون النصر حليفه.

تشكلُ بطولة البطل انعكاساً لرؤية الإنسان ونظرتهُ للحياة، وهذه النظرة في أمس الحاجة لمحصلة تربوية، يتحصلُ عليها من مدربين متخصصين، يتعلمُ على أيديهم المهارات اللازمة، من أخلاق الفروسية، والشهامة، والشجاعة، فالبطولة لا تتمثل في خوض المعارك، وحمل السيف وحسب، إنما تعني الكرم، والشهامة، والأمانة، والصدق، وتقديم العون لمن هم في أمس الحاجة إليه، كما لابد من الإشارة إلى أن دور البطولة في بعض الحكايات يركزُ على الجانب العاطفي (الرومنسي) المتمثل في العلاقات الغرامية، إذ يكون فيها الأبطال مخادعين، ومجردين من الأخلاق، والقيم، بغية الوصول إلى مبتغاهم، وهذا النوع من البطولة، مقبولٌ لكونهِ يبرز الجانب المخادع والمحتال في بعض أفراد المجتمع، ومن هنا يأتي دور التوعية والتحذير الذي يكون الناس في أمس الحاجة إليه.

كذلك، عادةً ما يتخذُ البطل أعواناً يمثلون الشخصيات الثانوية، بيد أنهم لا يقلون أهمية عن البطل الرئيس، مثل الجن الطيبين، الذين يسخرون لهُ الطبيعة، للتغلب على أعدائه. وليس شرطاً أن يكون البطل ذا مواصفات ثابتة من حيثُ الجنس أو البنية الجسدية، فقد يكون صبياً صغيراً، أو امرأة، أو فتاة، تحاربُ لإثبات وجودها أو لتدافع عن شرفها. أو شاباً يستمدُ إصرارهُ وشجاعتهُ من البطلة التي يخاطر من أجلها، سعياً لتحريرها من زوجة الأب الشريرة، أو الساحرة، أو سعياً للزواج منها. وعادةً ما تكون تجلي تلك الحكايات الجانب العاطفي والوجداني بصورةٍ راقيةٍ لا يشوبها أي انحلالٍ أخلاقي.

الوضع الاجتماعي للمرأة الخليجية:
المرأة الخليجية هي وليدة مجتمعٍ مترابط، حافظ على عاداته وتقاليده المبنية على الأخلاق والتعاليم الإسلامية، وللمرأة حضورها البارز مجتمعياً، والذي يقوم على ثلاث جوانب؛ الجانب الديني والأخلاقي، والجانب الاقتصادي، بالإضافة للجانب الاجتماعي.

فعلى مستوى الجانب الديني والأخلاقي، نالت المرأة حظها من تعلم وحفظ القرآن الكريم، ما أدى ببعضهن ليصبحن معلمات له. وعلى الرغم من عدم وجود مؤسسات تعليمية أو مدارس خاصة بهن، إلآ أن المرأة كانت تمتازُ بذكاءٍ مكنها من حفظ العديد من الجلوات (مفردها جلوة؛ وهي كلمةٌ مشتقة من اسم الجلالة)، والمرثيات، والمواويل، بالإضافة لأغاني الأعراس، وتهويدات الأطفال، والأمثال الشعبية.

أما على الجانب الاقتصادي، فقد عملت المرأة إلى جانب الرجل في زراعة الأرض، وكانت مهاراتها لا تقل عن مهارات الرجل، كما أنها ركبت النخل، ومارست صناعة خوص سعف النخيل، كما امتهنت غزل القطن، لعمل الفتائل الخاصة بصناعة السفن، بل إلى جانب كل ذلك، عملت في مهنة صيد السمك.

وعلى مستوى الجانب الاجتماعي، تشكلُ المرأة عمداً من عماد كل بيت خليجي، فالجدة، هي خليفة الجد، إذ تأخذ دورهُ أثناء غيابهِ لغرض العمل، أو بعد وفاته، فتكون القيادة في يدها، نظراً لخبرتها الطويلة في إدارة مختلف الجوانب الأسرية، وتكون ذات قرارات سلطوية، حيثُ لها الكلمة الفصل، في مختلف الشؤون، وعلى رأسها مسائل الزواج وتكاليف العرس، وتحديد المستلزمات، وغيرها من الأمور.

حول العلاقة بين المرأة والرجل:
اسهمت التربية الدينية، والعلاقات الأسرية، والتقاليد الاجتماعية، في ضبط العلاقة بين الرجل والمرأة، وتقليد كلٍ منهما الأدوار المنوطة به، وقد وثق المهتمون بجمع التراث العديد من الأشعار، والمواويل العفيفة التي تغزل فيها الشاب بالمرأة، أو العكس. كما يلفتُ في هذه العلاقة، شبهُ انعدام الخيانة الزوجية، نظراً لكون المجتمع الخليجي مجتمعاً محافظاً، ومتبعاً للتعاليم الدينية، والقيم الاجتماعية، بيد أن الغريزة الجنسية، أوجدت هذا النوع من العلاقة في نطاق محدود جداً.

البطولة بين الرجل والمرأة:
تقمصت المرأة العديد من الأدوار في الحكاية الشعبية، وكان لها نصيبٌ من أدوار البطولة الرئيسة والثانوية. أما الرجل فقد حاز على نصيب الأسد من هذه الأدوار، بيد أنهُ فشل في أدوار الشر والمكائد، بالمقارنة مع المرأة.
وبالرغم من كل الأدوار الشريرة التي تصدرت بطولتها المرأة، إلا أنها لم تكن مكروهةً من المستمتعين بسماع الحكايات الشعبية من الرواة الذين أظهروا المكر، والخداع، والشر في المرأة، وبالرغم من ذلك أبقوها بوصفها الحبيبة للجميع بكل ما تقدمهُ من أدوار بطولية في مختلف الحكايات.

أدوار البطولة المتعلقة بالمرأة:
رغم أن المرأة الخليجية لم تحظ بأية حقوق أو أدوار بارزة في الحياة الاجتماعية أو العملية، إلا أنها شاركت الرجل في العديد من الأعمال، خاصة تلك المتعلقة بالأسرة، كما شكلت مصدر إلهام للجوانب العاطفية، ما جعلها ملهمةً للكفاح في العديد من الحكايات، وقد تركزت أدوار المرأة القيادية في الحكاية الشعبية على حظورها في العديد من الأشكال: أبرزها دور الجدة؛ التي تقوم بدور الآمر الناهي، والتي تشكل عمداً من أعمدة الأسرة الرئيسة، نظراً لما تتمتعُ به من خبرة حياتية، وحكمة، ورجاحة رأي في اتخاذ القرارات التي تخصُ شؤون الأسرة من زواج، وتربية أطفال، وصرف، وادخار، وبيع، وشراء.

كذلك حظرت المرأة بدور الأم، حيثُ مثل الحنان، والعطف، والتضحية، حتى بأعز ما تملك «القلب»، كما هو الحال في الحكاية التي يقدم الابن قلب أمهِ دواءً لزوجته، وحين يسقطُ الابن على الأرض، يهتف القلب «اسم الله عليك». بيد أن غيرة الأم من زوجة ابنها «الكنة» جعل من بعض الحكايات الشعبية يبرزُ دور الأم بوصفها شريرة، كما هو في حكاية «أم لجريو تاكل جريوها».

ومن أشكال حضورها كذلك، بوصفها الزوجة، التي تمثلُ نصف المجتمع، ومصدر إلهام للجوانب العاطفية، بالإضافة لكونه محور صراع في علاقة الإبن وأمه، حيثُ شكل هذا الحضور، مدخلاً لتجلية الصراعات، والكراهية، والانتقام، والدهاء، للتخلص من أم الزوج أو أخت الزوج، أو غير ذلك.

أما على صعيد حضور المرأة كأم للزوج في الحكاية الشعبية، فكان هذا الحضور مصدر صراعٍ تبرزُ فيه مختلف أساليب الحيل المدبرة. وفي المقابل حضرت المرأة كأم للزوجة، والتي تسعى لأن تكون مسيطرة على الزوج لحفظه من استغلاله وأهله على حرية ابنتها، وذلك بتقديم النصائح لابنتها كي لا تكون صيداً سهلاً لأم زوجها، كما تقوم أم الزوجة بالحرص على حياة ابنتها الزوجية من أية هزات قد تقود للطلاق، كما في حكاية «قاتل سبع السبنبع».

كذلك نجدُ حضور المرأة في الحكاية بوصفها زوجة الأب، وفي هذا الدور تكونُ مصدراً للشر، والخداع، والكذب، والحقد، كما في حكاية «سفوف»، أو «سندريلا»، و«بياض الثلج». أما الحضور الآخر فهو دور البنت، والذي عادةً ما يكون حضوراً جميلاً، وغالباً ما تكون في بداية الحكاية بلا حظ، ويتيمة، ومغلوبا على أمرها، وتتعرض للظلم من زوجة أبيها.

ويتخذُ دور البنت في الحكايات الشعبية نمطين الأول: فقيرةً مظلومة، الثاني: غنيةً تقدمُ هدية للزوج البطل دون أن يكون لها قرار، ولكن في جميع الحالات تكون نهاية الحكايات التي تمثلُ فيها البنت دور البطولة، نهايات سعيدة، كما في حكاية «ميم ما تحب الملح»، وحكاية «عروه».

المرأة بين الخير والشر:
للمرأة حضورها في الحكايات الشعبية في كلا الدورين؛ الخير والشر، ففي أدوار الخير نجدها بعيدةً عن المحيط الأسري، وتسعى للخير والإصلاح الاجتماعي، ومساعدة الضعفاء، من خلال تقمص دور الملاك، أو الشبح الذي يظهر للبطل أو البطلة حين يتخلى عنهُ الجميع، أو كما في كثير من الحكايات، هي الجارة الطيبة، أو على صورة عجوز تسعى للخير، كما في حكاية «النخجخج والدوجوج».

أما في أدوار الشر، فتظهر بصورة عجوز شمطاء، تهدفُ لخراب البيوت، واستخدام السموم للتخلص ممن تكن لهن العداء، أو تستأجر القتلة، كما في حكاية «صويفتي ياني ياني».

المرأة والحياة الدينية:
قلما نجدُ المرأة في المجتمع التقليدي واعظةً أو متدينةً، ويعودُ السبب في ذلك لأمية المرأة، وفقدانها التعليم الفقهي والشرعي، بيد أنهُ كان لها حضور بوصفها معلمة، أو «مطوعة» محفظةً للقرآن، إذ نالت المرأة قسطاً من تعليم الكتاب، وأصبحت معلمةً للبنين والبنات على حدٍ سواء، بيد أن دورها في الحكايات الشعبية اقتصر تحفظ القرآن فقط.

المرأة المطلقة في الحكايات الشعبية:
أهملت الحكايات الشعبية دور المرأة المطلقة، وذلك لندرة وجود الطلاق في المجتمعات المترابطة، إذ أن التفكير الجمعي، كان يرفضُ لفت الانتباه إلى فكرة الطلاق، إلى جانب كون العديد من الزيجات تحدث بين الأقارب، وبالتالي يصعبُ الطلاق نظراً للروابط الاجتماعية، كما أتاح تعدد الزوجات فرصةٍ للإبقاء على الزوجة مع إمكانيات الزواج من غيرها، وهذا ما يحدث عادةً في حال كانت الزوجة لا تنجبُ الأبناء، وعضد كل ذلك في مسألة الطلاق النظرة الدينية النابذة له «إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق».

المراجع
- دكتور باقر سلمان النجار، «المرأة في الخليج العربي وتحولات الحداثة العسيرة»، المركز الثقافي العربي.
- فاروق أمين، «دراسة حول واقع الأسرة البحرينية» (1982)، جمعية الاجتماعيين البحرينية، سلسلة الدراسات الاجتماعية (3).
- عبد الأمير الجمري «المرأة في ظل الإسلام»، (1986)، دار البحار.
- عادل أحمد سركيس، «الزواج وتطور مجتمع البحرين»، (1989)، مكتبة مدبولي.
- الدكتور دراسن، «نظريات الفلكلور المعاصرة»، ترجمة و تقديم : الأستاذ الدكتور حسن الشامي والأستاذ الدكتور محمد الجوهري، مجلة المأثورات الشعبية – العدد 21 رقم 79 شهر جولاي 2012.
- الأستاذ يوسف أحمد بن ماجد النشابة. «صفحات من التراث؛ حكايات شعبيه».

الصور
1. https://i.pinimg.com/564x/19/4b/a4/194ba4d3b2cae744325cbba14926e3b8.jpg
2. https://yourtalana.tumblr.com/image/145154392734
3. https://i.pinimg.com/564x/d3/45/ef/d345ef65b08baebd065053e1548644a7.jpg
4. https://i.pinimg.com/564x/fa/29/b0/fa29b069a2cae95d7def568e2581170d.jpg
5. https://i.pinimg.com/564x/21/db/ae/21dbaedc52c42040863e38c2f20ddd1f.jpg