فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
65

نَسجُ الخُوص .. سَفُّ الجَمَال.

العدد 65 - لوحة الغلاف
نَسجُ الخُوص ..  سَفُّ الجَمَال.
البحرين

 

على غلافنا لهذا العدد، صورة تعكس جانباً من تراثنا العريق المُتجذّر في تربة البحرين، يبدو فيها الحِرفَيُّ المُتمرِّس بحرفة سفّ الخوص، عاكفاً على صنع سلَّة بديعة الحسن، زاهية الألوان، هي حينا «القفهَ»، التي تصنع لحفظ الملابس، أو وضع الأغراض في أثناء التسوق، وحينا «المرحلة»، وهي السلَّة الأكبر حجماً يجمع فيها المزارعون التمور والخضروات لحملها إلى الأسواق، وحينا آخر هي «الزبيل»، الأصغر من المرحلة. 

إنَّ الثوب الذي يرتديه الرّجل لباس تقليدي متوارث، والمسند الذي يسند ظهره إليه وكذلك البساط الذي يجلس عليه، صناعة تقليديه درج عليها الأجداد، كما أنَّ الجِدار بلونه الأبيض، المتزّين بأشكال السّفرة البحرينية، يوحي بأجواء قرويَّة قديمة، أمّا السَّلة بين أصَابعه، فبنت شرعية للنخلة، هذه التي ارتبط بها الإنسان البحريني منذ أمد بعيد، وكانت أمَّا رؤوماً، وهبته ما شاء من طعام ودفىء وظلال، وقد بادلها المَودَّة وحاول أن يوفِّي فضلها عليه، فقدَّسها بل وألّهَهَا، واعتبرها مصدر فخره واعتزازه وأساس معاشه، فأكثر من نقشها على أختامه، إذ لا تكاد تخلو منها ما عدا عدد قليل فقط، وجعلها أمَامه في ذهابه وإيابه، فلا بيت يخلو من النخلة أمُّ الخير. 

لقد وهبت النخلة ابنها البحريني خامات شتّى، لم يجد خيراً منها مُعينا على أعباء الحياة والمعيشة، فطوَّعها وصنع منها أدوات يحتاج إليها في استخداماته اليومية، فمن جذعها الصلب المقاوم لظروف الطقس المختلفة، عمل سقف بيته الطيني، ومن ليفها، صنع حبالاً متينة استخدمها لأغراض مختلفة في البر والبحر، أمَّا بيته الصّيفي «العريش»، فصنعه من جريدها. 

غير أنّ الخوص أو السّعف، كان هبة عظيمة من النخلة للإنسان؛ فتحت له أبواب الرزق، وعلّمته الصّناعات اليدوية، فاحترف السَّف ونسجَ من ورق النخيل ما يشاء، ليس الأجداد وحسب، فقد كان للجدَّات نصيبهن الوافر من هذه الحرفة، سواء للبيع أو لحاجة بيوتهن، وكانت لهنّ لمساتهن الفنية أيضا، فكُنّ يتقنَّ العمل ويصنعن الأشكال ويضفين عليها الكثير من أرواحهنّ ممّا أنعم الله عليهن من رحمة وحنان، فكنّ كالرجال يجمعن سعف النخيل، ويخترن الجيد منها، ثم يضعنها في المَاء حتى يلين، ويصبح مهيئا للتشكُّل كما يشئن، ثمّ ينقعنه في المواد الطبيعة، فيظهر بأجمل صورة، حيناً على شكل مفرش للأكل على هيئة سفره دائرية ملوّنة في وحدات زخرفيهَ جميلة، وحينا على شكل مروحة يدوية صغيرة مربَّعة الشكل أسمينها «المهفهَ»، ومرّة أخرى على شكل حصير يفرشن به أرضية المنزل، أو يستخدمنه كبساط ينشرن عليه الرطب حتى يجف ويصبح تمراً، وكذلك صنعن من السعف أو الخوص مكانس لتنظيف بيوتهن، وأوانِيَ وأقفاص وأسرَّة للأطفال.  

 

أعداد المجلة