English Français عريي العدد
المهن الشعبية في البحرين سوق الحدادة نموذجاً
 يُعد سوق الحدادة من العلامات البارزة في تاريخ منطقة الحورة ـ بمملكة البحرين ـ إذ ارتبطت هذه ال...

الوحـدة . . من حيث البدايات والنهايات المتماهية
في البدء كانت الحياة، وكان الدليل عليها الإنسان، فكانت الدهشة، والدهشة هي منجم الأسئلة التي لا أجوبة...

عبد الصادق شقارة فنان تطوان الأصيل
 الموسيقى الأندلسية بالمغرب:يرى المرحوم الأستاذ الباحث محمد المنوني، أن الموسيقى الأندلسية المغ...
Issue 11
ممارسـات فولكلوريـة رقصة هوبي الشعبية
العدد 11 - موسيقى وأداء حركي

بركة بـوشيبة   / كاتب من الجزائر

ارتبطت الثقافة الشعبية في مختلف مظاهرها (الرقص، الموسيقى، التمثيل، الشعر.. إلخ ) بالدين منذ طفولة البشرية ومهد الفنون، وأن ما نراه اليوم ليس من مبتكرات هذا العصر أو ذاك، وإنما هي أشكال تعبيرية قديمة قدم تعاطي الإنسان للفن واحتياجه إلى التعبير عما يجيش في نفسه من مشاعر وأحاسيس وآمال وطموح وأهواء، غير أن الناس تختلف في النظر إلى وظيفتها: من المتعة الفنية إلى الحقيقة التاريخية إلى ترميم الذات أو الذاكرة، أو وسائل أخرى تؤدي إلى ترقية المجتمع وتطوره بما تحمله من قيم وعادات وتقاليد ومعتقدات.

ومن خلال هذه المظاهر يمكن التعرف على صورة المجتمع ومدى تأثير الثقافات الوافدة والبيئة الطبيعية، وما يحب وما يكره من المآكل والمشارب واللباس، والصنائع والحرف، والسلوك والممارسات، وجانب التحولات في العادات والتقاليد والأشكال التعبيرية التي ميّزت هذه الثقافة عن تلك، على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الوطني أو على مستوى الأمة.

ومن يغوص في عمق الذاكرة الشعبية للمجتمع الجزائري بمنطقة الجنوب الغربي يدرك غناها وثراءها بفنونها الأدبية الشعبية وحضورها الدائم في كل التحولات التي شهدها هذا المجتمع أو شهدها العالم عبر مختلف الأحداث  فعبَّر الناس من خلال هذه الفنون الشعبية عن مواقفهم وذواتهم وهمومهم ، وقد نجد فيها ما يماثل بعض المناطق الأخرى ، كما نجد فيها ما يخالفها .

والشيء المميّز لسكان منطقة بشار الجزائر، وأخص قبيلة ذوي منيع(1) ارتباطهم بالبيئة ارتباطا وثيقا، وقرب لغتهم من اللغة العربية الفصحى، لأنّ الفضاء الذي تدور فيه عَبِقٌ بروح الصحراء ورائحتها، خاصة في الشعر الشعبي في شكله ومضمونه، وفي تشابه الصور وبناء القصائد: كاعتماد المقدمة الطللية وتشبيب القصائد، وغير ذلك(2)..

غير أن حياة البداوة التي عاشتها هذه القبيلة، وارتباطها بحياة الحلّ والترحال، كانت أحد أسباب الحفاظ على كثير من خصوصيات الإنسان العربي في العصور الغابرة (العصر الجاهلي)، كالتزام أفرادها بالقيم العليا أي المروءة؛ من نجدة وإباء الضيم وأنفة وشجاعة وكرم وحسن جوار..، ومحافظتهم على لغتهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وتوارثهم الشعر أبا عن جد إيمانا منهم بأن الشعر ديوان القبيلة، فسارعوا إلى حفظه وتغنُّوا به في مناسبات كثيرة، فكشفوا به عن الطموح والآمال التي كانوا ينشدونها، واعتمدوا في نظمه إيقاعا دقيقا قائما على طرائق مختلفة لها مسمياتها، وكانت تشهده ليالي سمرهم، واحتفالات زواجهم، وخاصة بعد رقصة هوبي المفضلة.

ورقصة هوبي أحد مظاهر هذه الأشكال التعبيرية الشعبية التي تشكّل جزءا هاما في المنظومة الفكرية للإنسان، كغيرها من الأشكال الأخرى، (الشعر  الأمثال، الألغاز، الرقص، الأغاني، الأناشيد، الحكايات، الأساطير، السيَّر المعتقدات، العادات، التقاليد، وفي غيرها من الصنائع والحرف واللِّباس وطرق الأكل، والشعائر وما يرافقها من طقوس..)، التي تحدّد الأسس العقائدية والمعرفية والثقافية والتاريخية والأيديولوجية التي راهن عليها الإنسان منذ القديم، والتي بدأت ملامحها مع بداية الإنسان، وتشكُّل المجتمع في أي منطقة، ثم تطورت بتطور هذا الإنسان حتى اكتملت في صورتها المعروفة اليوم.

ومن يتتبع هذه الرقصة يجد لها جذورا في الماضي البعيد، ولا يستطيع فصلها عن التراث العربي، خاصة، إذا علمنا أنها تشبه رقصات شعبية في بلدان كثيرة لها ارتباط باحتفاليات الزواج، لكنها حملت - دون شك - إضافات كثيرة عبر مراحل التاريخ الطويل، وأما سبب تسميتها برقصة (هوبي) فلأنّ الكلمة تتردّد أثناء الرقص، ولا يعرف واضعها إلى اليوم، وينسبـها بعض المتعلِّمين إلى كلمة (هُـبَّي) الواردة في مطلع معلّقة الشاعر الجاهلي عمـرو بن كلثوم(3):

أَلاَ هـُبِّي بِصَحْنِـكِ فَاصْبِحِيـنَا

وَلاَ تُبْـقِي خُمُورَ الْأَنـْدَرِيـنَا

غير أنّ الشاعر في هذا البيت يدعو الجارية لتنهض من نومها وتجدّ في خدمته وتسقيه خمرا، وهذا يوافق المعنى المعجمي لكلمة (هُـبِّي ): من هَبَّ هبوبا وهبيبا، وهَبَّ عن نوم، استيقظ وانتبه، أو أسرع ونشط(4)، وهو معنى بعيد كل البعد عن المعنى المتداول بين الناس، لأنّ سكان المنطقة لم يُعرَف عنهم شرب الخمر، ولم تذكر الخمر في أشعارهم، وإن ذكرت فبدعوة تجنبها والابتعاد عنها لكونها من المحرمات، ويرى آخرون أنّ معناها: قَرِّبِي أو ارقصي، غير أنَّني لا أرى وجود صلة بين هذه الكلمة والمعاني السابقة لاشتمالها على بعض الغموض، وقد تكون الكلمة منحوتة من كلمات أخرى تحمل قصة في الذاكرة الشعبية، مثل (هُـوَ، بِي) أي هو من أحبُّ أو من أهْوَى أو من أعشَقُ.. ، واستعمال ضمير المذكر للتعبير عن المؤنث أحيانا، أسلوب معروف في لغة السكان إذا أريد منه الإخفاء والستر والتكتم، وقد لاحظت ذلك أثناء أداء هذه الرقصة، إِذْ تردِّد الفرقة هذه العبارة: (هوْبي) مرة بتخفيف حرف الواو وأحيانا تردّد كلمة: ( هَوْ ) فقط ( بفتح الهاء وسكون الواو، أو كسرها) ويحذف الجزء الثاني: (بـي)، وذلك في نهاية جولة من الرقص، كما قد تكون مجرد كلمة للإثارة والتهـييج، كونها لا تردّد إلاّ عندما يشتدّ الانفعال وتزداد سرعة التصفيق والضرب بالأرجل، ثم تتحول في بداية الجولة الموالية إلى آهَاتٍ أو زفرات تردّد تعبيراً عن ارتياح، هكذا:

 (أَهَـا ، أَهَـا ، هَـمَـا )

ورقصة هوبي من الأشكال التعبيرية القديمة التي لا تزال محافظة على إيقاعها الأوّل، بدليل اعتمادها على التصفيق والضرب بالأرجل في تناسق تام دون استعمال آلات موسيقية إلى اليوم، ويشكل هذا الإيقاع المميّز ميزانا خاصا ترافقه المرأة برقصتها المعروفة، والتصفيق بداية نشأة الموسيقى كما هو معروف عند الشعوب القديمة، وقد مارسه العرب قديما في تأدية طقوسهم الدينية عند الطواف بالكعبة بدليل قوله تعالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْـدِيَةً (5)، أي تصفيقا وصفيرا.

وتقوم هذه الرقصة على الأداء الجماعي الذي يمثل قاعدة أساسية لكثير من الأشكال التعبيرية الشعبية ومظاهر الاحتفال عند الأمم والشعوب، لتشكل طابعا خاصا، لا أثر فيها للانصياع لسلطة الآخر، إلاّ ذلك الإطار التنظيمي الذي يخضعون له بدافع التوازن والانسجام والمتعة والجمال والأداء الجيّد.

كما تشكل هذه الرقصة كغيرها معْـلَما للهوية الجزائرية، ولكن يجب أن نعرف أنها مازالت بدائية، لم تعرف التطور، كما عرفته بعض الرقصات الأخرى وما تزال تؤدى بالطريقة التي كانت عليها منذ زمن بعيد والمتتبع لرقصة هوبي يلاحظ تلك القيمة الجمالية التي يتركها العرض في نفسية المتفرج أو المتلقي عن طريق التواصل، عبر نظام من الإشارات مستمد من علاقة الناس فيما بينهم وعلى الدارس اليوم أن يستثمر هذه المظاهر الشعبية ويعطيها تفسيرا مقبولا باستخدام نظام العلامات الذي يوظف الكلمة والحركة والإشارة كعناصر مكوّنة لمرجعية هذا المجتمع الثقافية، وهويته الفنية المعبَّر عنها في الشعور وفي الذوق وفي الإبداع وفي التلقي.               

ورقصة هوبي من الطبوع العريقة بولاية بشار – الجزائر-  وتندرج ضمن الرقصات الجماعية التي يشترك فيها الرجال والنساء مؤدين هذا الشكل التعبيري القائم على نظام من العلامات، يتزاوج فيه النص والحركة الجسدية في إيقاع موحد وتتقاطع فيه المشاعر والأحاسيس المتجاذبة.

 الشكل الهندسي للرقصة:

تؤدى هذه الرقصة عادة في احتفالات الزواج في شكل خط نصف دائري من الرجال يضيق ويتسع كلما اشتدّ الرقص ويتفاعل أعضاء المجموعة مع إيقاعه ويندمجون فيه، وتشاركهم الراقصة أو الراقصات، كلما حان دورهن الذي يقوم على التحاور الإيقاعي ضمن مجموعة من العلامات الإشارية متعارف عليها.

وإذا عدنا إلى تحليل هذا المظهر الاحتفالي طبقا للتحليل النفسي عند يونق وفرود، فإن انفتاح نصف الدائرة أو انغلاقها يعود إلى شدة الانفعال الذي ينتاب الراقص أثناء الأداء من بداية الجولة إلى نهايتها، فالدائرة تنداح كلما كانت حدة الانفعال ضعيفة، ثم تتقوس إلى درجة الانغلاق كلما اشتدّت الحركة لارتباطها بفعل المؤثر - المرأة الراقصة - وكلما اقتربت ازداد شوق الرجل إليها، وفقد كل إحساس بتلك القيم التي تمنعه من مغازلتها والاقتراب منها ومحادثتها على مسمع ومرأى من أهلها أو زوجها أحيانا، وتتكسر أثناءها كل التابوهات والمخطط التالي يمثل شكل الرقصة:

هذا الشكل الهندسي الذي يرسم لهذه الرقصة في بداية العرض، الممثل في اصطفاف الرجال في شكل القوس المتراص البنيان، كأنه كتلة واحـدة تتماوج تبعا لدرجات الإيقاع ومستوياته بين الشدة والقوة من جهة، وبين الرخاوة واللين من جهة ثانية، قد يكون له ارتباط بشطحات الصوفية في التعبير الديني غير أنّ البعض اليوم يرى في هذا الشكل الهندسي برسم الهلال رمزا للإسلام ويرى آخرون في شكل الهلال والنجمة التي ترسمها حركة المرأة أثناء الرقص رمزا للعلم الجزائري، ومنهم من يرى في محافظة هذه الرقصة على طابعها المميّز تأكيدا على الخصوصية الثقافية الأصيلة المتحدية للثقافات الوافدة، وقد نراها تعبيرا عن الوجود الإنساني في هذه المنطقة، وستظل كذلك مثل نظيراتها في مختلف المجتمعات عامة، والمجتمع العربي بخاصة.

وفي الوجه الآخر لهندسة هذه الرقصة أنّها تتيح المشاركة لأكبر عدد ممكن من الرجال، وتسمح لكل منهم بمواجهة الراقصة وجها لوجه عندما تقوم بحركتها داخل هذا الشكل النصف دائري كصورة الإبهام إلى بقية أصابع اليد فيستطيع الراقص من خلالها التركيز بكل حواسه الذكورية على الراقصة  ويغمره حينها شعور بالقوة والفحولة، يمرِّره عبر نظام علاماتي متعارف على رموزه وإشاراته، ويشير إلى رغبة جامحة في الامتلاك والتملك الوجداني والأجمل من ذلك ما ينتاب الجميع ـ الراقص والمتفرج ـ من شعور بالرضى عن الذات بعد تأدية هذه الرقصة وانتهاء الاحتفال والكلُ شاعرُ بمتعة وذكرى جميلة، تمّ فيها تواصل بطريقة فنية خاصة.

ولا يستقيم ذلك النغم الموقع بالأيدي والأرجل من طرف الرجال إلا بوجود قائد يتوسط الفرقة يصير الأمر والإيعاز كله إليه في توجيه حركة الفرقة والراقصة معا، من بداية الجولة إلى نهايتها، ويكون في الغالب شاعرا أو راويا يحفظ رصيدا وافرا من النصوص الغنائية المعروفة ب(بونُقْطَة)، لأن النص المتغنَّى به يتجدَّد بعد كل جولة.

ويترتب أعضاء الفرقة على يمين القائد ويساره إيقاعيا، حسب الشكل التالي: ينقر القائد نقرة واحدة بالأيدي ويردِّد مرة واحدة كلمة (هَـوْبـِي)، وينقر الموالي له نقرتين ويردِّد مرتين أو ثلاث، كلمة (هَوْبِـي) ويُمْلأ الفراغ الإيقاعي الحاصل بينهما بالضرب على الأرض بالأرجل، فيحدث نوع من الانسجام بين كل اثنين، ثم بين كل أعضاء الفرقة، ويتم العمل سريعا في آن واحد، ترافقه حركة الأجسام المتموجة في رِتْمٍ واحدٍ يضعف أو يشتـدّ تبعا لإيقاع الرقصة.

وهكذا تبدأ الرقصة بطيئة في إيقاعها في هيئة استعداد أو استراحة من نهاية جولة سابقة، وتحاول الراقصة ضبطها في حالة من الترقب لتتزن معها، ثم ترافقها بحركات جسدها المطواع المتدفق بالمشاعر والعواطف من خلال تموجاته بالرِّجْلِ والصدر والأرداف، وإن لم يقع ذلك الاتزان عادت المرأة أدراجها إلى حيث بدأت لتعاود الكرة من جديد. 

وإذا قيس هذا الإيقاع بميزان الخليل بن أحمد الفراهدي وجدناه يوافق التفعيلة (فَاعِلُـنٌ) ومع سرعة التصفيق يعطي تناغما وانسجاما تاما يشعر به كل من الراقص والمتفرج، فيزهو وينتعش فينسى هموم يومه، بل مصاعب الحياة ومشاكلها، فكأنه يتطهر بفعل هذه الرقصة التي شارك فيها وجدانيا.

دلالة اللون في اللباس:

للون قدرة على الإيحاء والتعبير عند الشعوب، يمكن ملاحظتها من خلال اللباس المستعمل في العروض الاحتفالية الجماعية، فاللباس يقدم الجسد في الصورة المثلى لتذوقه لأنه يشكل مادة خامة لتحليل البنية الثقافية من خلال لونه وشكله وطرازه المحدد وقدرته على الإثارة بحسب الجودة والأصالة، وهو لا يخفي حقيقة الجسد الفعلية فقط، بل يعيد تركيبها من خلال التواصل مع لونه وشكله المميز وتأكيد الانتماء إلى المجتمع الذي يضمه والتاريخ الذي لا ينفصل عنه ثقافيا.

وتصبح الصورة هكذا معكوسة من حيث الأسلوب المتبع، في إخفاء ما في داخل الجسد إلى قلب الجسد وجعله ظاهرا، ثم معرفة الخطاب الذي يمرِّره الراقص عبر مختلف الألوان المستعملة في العرض، ومدى ارتباط هذه الألوان بالجذور البدائية لفن الرقص، لأنّ الفن مرتبط باللون منذ القديم.

فهل للباس المفروض، في رقصة هوبي بألوانه المختلفة عند كل من الرجل والمرأة، دلالـة مصاحبة إلى جانب الدلالـة الاصطلاحية في جميع جوانب العرض ؟ كما هي في المنظر والجسد والحركة والخطاب ؟

لا شك في أنّ الأشياء تكسب دلالة تخالف وظيفتها الواقعية والنفعية، عندما تستعمل داخل نظام علاماتي، يستثمر لمعرفة الخطاب الذي يمرِّره الفنان واللباس أحد هذه الأشياء، لألوانه دلالات يوحي كل منها إلى دلالة ترتبط بقيم المجتمع وتقرأ من مظاهر الاحتفال القائمة على التواصل الإشاري وهي دلالات مصاحبة.

ولباس المرأة هو الأصفر والأسود أو الأبيض والأحمر، ومن الحلي الفضة في الغالب والذهب، وأما لباس الرجل فالأبيض والأسود والأحمر، ولكل لون دلالته عند الرجل والمرأة، وإذا كانت الألوان قد اعتمدت كنظرية في عدة مجالات للكشف عن خبايا النفس، واتخذت رموزا في التحليل النفسي، فإنّ ارتداء اللون الأبيض عند الرجال في العباءة والعمامة، تعبير عن الفرح والسرور والخير والبركة والأبهة ويتناسب ولون البشرة السمراء، ويتقاطع مع اللون الأسود في السراويل عند الرجال، فيحقق اجتماع هذين اللونين مبدأ الانسجام الذي يمثل إحدى جماليات العرض في الرقصة، كما أنه أكثر الألوان العاكسة للحرارة  واللباس التقليدي لسكان المنطقة.

وأما اللون الأسود فله دلالة إيحائية ترتبط بمظاهر التعوذ من الأرواح الشريرة، وتحصينا من العين، خاصة عند العريس الذي يرتدي برنوسا أسود ليلة الزفاف بدل السروال، أما العباءة فهي رمز السعادة والفرح.

وأما المرأة الراقصة فالأنسب لها هو الأسود في الإزار الشفاف كي يظهر ما يكون تحته من لون أصفر في العباءة، فيعطي انسجاما تاما متكاملا، وتكون به أكثر فتنة عندما تجمع بين الجمال واللباس وجودة الرقص، كما يظهر من قول الشاعر الشعبي على لسان الإزار(6):

أنا قْبيلْ بكْ ندْلوحْ وانْجي عْلى حْسَابْ الَاكْعابْ

خلْخالْ تحْتْ مني يكْوي ثاني بْنارْ صَيْهَدَه

بثْرورْ فوْقها يدلْوحْ وَاتَى رَاشْقةْ الاَهْدابْ

ومْنينْ تلْبْسه وتْميحْ تْزهْزي الْقلْبْ والْكَبْدَه

ومن خلال هذه الرقصة نفهم أنّ دلالة اللون الأسود التشاؤمية قد غيرت اجتماعيا من رمز الحزن والكآبة والشر والعدوان إلى رمز الجاذبية والافتتان، خاصة إذا كانت المرأة التي ترتديه جميلة، ولعل هذا يذكرنا بقول الشاعر العربي الدارمي(7):

قُلْ للْمَلِيحَةِ فِي الخِمَارِ الأَسْوَدِ

مَـاذَا فَـعَـلْـتِ بِزَاهِــدٍ مُتَـعَـبِّـدِ

قَدْ كَـانَ شَمَّــرَ للصَّـلاَةِ ثِيَابَــهُ

حَتَى خَطَرْتِ لَهُ بِبَابِ المَسْجِدِ

رُدِّي عَـلَيْـهِ صَـلاَتَـهُ وَصِيَامَـهُ

لاَ تَقْتُـلِيـهِ بِحَـقِّ دِيـنِ مُحَمَّــدِ

والقصة معروفة في كتاب الأغاني للأصفهاني.

ورأي المدرسة الجشطالية الألمانية في الألوان، أنّ اللون كلما كان بارزا زاهيا فرض نفسه على الذات، واللون الأصفر أحدها، ولذا نجد سيارات الأجرة مثلا، اختير لها اللون الأصفر في أمريكا أولا، حتى تثير الانتباه ثم صارت لونا عالميا، واختيار هذا اللون لعباءة المرأة الراقصة، يكون أكثر إثارة لتناسبه مع اللون الأسود الشفاف والبشرة البيضاء النقية، كما يعبِّر عن كل ما هو غال لاشتراكه مع لون الذهب المعدن الثمين، والمرأة كذلك أغلى شيئا لدى العرب فهي رمز الشرف، لا يرضى أن يحاط بها أو تهان أو تمس بأذى، كما ورد في قول الشاعر عمرو بن كلثوم8:

عَلَى أَثَارِنَا بِيضٌ حِسَانٌ

نُحَاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُونَا

يَقُتْنَ جِيَادَنَا وَيَقُلْنَ لَسْتُمْ

بُعُولَتـنَا إِذَا لَـمْ تَمْنَـعُـونَـا

وأما اللون الأحمر فيشترك فيه النساء والرجال، فقائد الفرقة يحمل حمالة من الحرير الأحمر وأحيانا اثنتين في نهاية إحداهما سكين، والمرأة في الحزام الذي تتمنطق به ويدعى (الْبَـثْرورْ ـ أو الْجَدِيلَـة)، وهو رمز الشرف عند المرأة والطهر، وعلامة العفاف في يوم زفافها، كما أنه تعبير عن الحب والعهد والتحالف، وله رموز أخرى عرفت في العصور القديمة.

وأما الحلي (الخلاخل والدمالج والخواتم وأشياء أخرى توضع على الرأس والصدر)، فتكون من الفضة في الغالب، ولعل في اختيارها هو مناسبتها للون البشرة التي تميل إلى السمرة أحيانا، وأن الفضة لون القمر الذي شبهت به المرأة  ومن الناحية الاعتقادية، فهي حصن من العين والشياطين، لذلك يوصي كثير من المشعوذين وكتبة (الحروز) بالتحلّي بها، خاصة في مظاهر الاحتفال أو التجمع لأن الأرواح الشريرة تشاركهم فيها، وقد تتعرض لهم بالشر، ومن الناحية الاجتماعية فهي أقل تكلفة من الذهب في استطاعة الغني والفقير اقتناءها، وهذا ما يجعل كثيراً من الناس اليوم يقبلون عليها بكثرة في الجزائر، في القبائل وفي الجنوب خاصة، وفي بعض البلدان العربية.

وتبقى هذه الرقصة الشعبية كغيرها من الرقصات في حاجة إلى رؤية علمية ودراسة جادة على المستوى الصوتي والوظيفي وما يتبع ذلك من دراسات للأجناس البشرية بمناهج حديثة تساعد على الفهم الحقيقي لبنية المجتمعات، ولا تبقى مجرد تشكيلات وممارسات تؤدى في مختلف المناسبات، كسلعة رائجة يزجُّ بها عند كل احتفال.

المصادر والمراجع الشفهية

1ـ قبيلة ذوي منيع: قبيلة عربية من بني هلال تقطن الجنوب الغربي

     الجزائري منذ أن دخلت بلاد المغرب العربي في القرن 11م

2ـ يراجع الإيقاع في القصيدة الشعبية / بركة بوشيبة /الجاحظية

      الجزائر، ص: 49 وما بعدها.

3ـ الزوزني/ شرح المعلقات السبع /مكتبة المعارف ط/5/1985/ ص: 180

4ـ ابن منظور / لسان العرب ط/ بولاق 1307هـ مادة ( هبب)

5ـ  سورة الأنفال الآية 35

6ـ بركة بوشيبة / شعراء ذوي منيع الشعبيون / الرغاية الجزائر

     2002/ ص : 418

7ـ الاصفهاني / الأغاني

8ـ الزوزني / شرح المعلقات السبع ، ص : 183/184.