فصلية علمية متخصصة
رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم
العدد
62

السمار النابلي حرفة تقليدية تونسية تسير نحو الاندثار من مدينة نيابوليس الفنيقية إلى مدينة نابل الإسلامية

العدد 62 - ثقافة مادية
السمار النابلي حرفة تقليدية تونسية تسير نحو الاندثار من مدينة نيابوليس الفنيقية إلى مدينة نابل الإسلامية
كاتب من تونس

من مدينة نيابوليس الفنيقية إلى مدينة نابل الإسلامية

تعتبر مدينة نابل أو نيابوليس المنتصبة في الشمال الشرقي للبلاد التونسية من أعرق مدن جهة الوطن القبلي فجذورها موغلة في العراقة. وبحسب شهادة المؤرخ الإغريقي تيوسيديداس كانت مركزا تجاريا قرطاجيا وأقرب ميناء بوني إلى جزيرة صقلية في حدود سنة 113 ق.م. وعلى ضوء رواية المؤرخ ديودوروس الصقلي خضعت المدينة لسيطرة الطاغية الإغريقي أقاتوكلاس سنة 310ق.م لكنه عامل سكانها برفق. وقد دفعت نيابوليس باهضا ثمن وقوفها في صف قرطاج إبان الحرب البونية الثالثة سنة 148 ق.م. ويبدو أنها تعرضت لدمار كبير بعد انتصار روما على قرطاج في تلك الحرب1. في الفترة الإسلامية ذكر الجغرافي الإدريسي قصر نابل متحدثا عن وجود آثار مدينة ضخمة بجانب هذا القصر بلغت شأوا هاما خلال العهد البيزنطي2. والراجح أن مدينة نابل شهدت في العهد الإسلامي نموا حضريا هاما غربي القصر. فتم تشييد الجامع الكبير ثم ظهرت حوله مجموعة من الأسواق المسقفة تخصصت في حرف متدرجة من النفيس إلى الرخيص على غرار سوق البلاغجية وسوق الحدادين وسوق الغزل وسوق الجرابة التي كانت تعرض فيها كل أنواع الأقمشة والملابس والأغطية...

«نهج الحصايرية»...عنوان حرفة عريقة

إن الثقافة كنسق اجتماعي تشمل القيم والمعارف والفنون والعادات والممارسات الاجتماعية والأنماط المعيشية. وما دامت الثقافة انتماء فهي تعبر عن تفصيلات الحياة اليومية ومن أبرزها بلا ريب الحرف التقليدية3. من نافلة القول أن الحرف التقليدية تمثل عصارة موروثات شعبية تعاني غالبا من الإهمال لعدم توثيق عناصرها كما تعد مجالا خصبا وواعدا في مجال الأنتروبولوجيا الثقافية4.

تشمل الصناعات التقليدية بتونس كل النشاطات الحرفية التي تقدم منتوجا يتميز بطابعه الوراثي ويرتكز أساسا على المهارات اليدوية في كافة مراحل إنتاجه5. ومن أهم الهياكل المشرفة على تنظيم القطاع الديوان القومي للصناعات التقليدية ووزارة التربية والجامعة الوطنية ووزارة التكوين المهني والتشغيل إضافة إلى مجالس الحرف والصندوق الوطني للنهوض بالصناعات التقليدية والبنك التونسي للتضامن.

في مدخل حي «الرّْبَطْ» الذي يعود تأسيسه إلى العهد الحفصي الممتد بين سنتي 1236 و1574م تستوقفك لافتة مكتوب عليها: «نهج الحصايرية». في هذا المكان الذي يعبق برائحة ماض تليد موغل في العراقة تنتصب ورش قليلة لصناعة الحصير. حرفة تقليدية كانت إلى زمن قريب ملمحا رئيسيا من ملامح مدينة نابل وجزءً لا يتجزأ من ذاكرتها. كيف لا وكبار السن من الحرفيين ومن أهالي حي «الرّْبَطْ» يذكرون بكل لوعة أن عدد ورشات الحصير ناهز المئات إلى حدود سبعينات القرن المنصرم على الأقل. وذلك في مختلف أحياء مدينة نابل على منوال واد سُوحيل–الرُّميلة–البُرج–سيدي عاشور... بيد أن عدد الحوانيت سجل تراجعا رهيبا ليبلغ ما يناهز العشرين حاليا. نهج الحصايرية يعد خير دليل على انزواء حرفة السمار فلم يتبق على جانبيه سوى بضع حوانيت تصارع من أجل بقاء حرفة الآباء والأجداد. عُدَّ هذا النهج فيم مضى قبلة جل سكان المدينة فحانوت العم محمد سعد على سبيل الذكر يناهز عمره قرنين من الزمن وكان ملتقى أعيان المدينة.

لئن ينتمي جل الحرفيين إلى شريحة الكهول والشيوخ الذين توارثوا المهنة وحفظوا أبجدياتها منذ نعومة أظفارهم فإننا استهللنا معاينتنا الميدانية بورشة يشرف عليها الشاب مروان وهو حرفي في مقتبل العمر يتقد حماسا وغيرة على مهنة يحسبها تراثا عزيزا لا ينبغي التفريط فيها رغم طوارق الحدثان. فحرفة السمار تعكس قدرا هاما من الهوية بل وتتبدى كتجسيد حي لتراث الآباء والأجداد وأسا متينا من أسس البنية الاجتماعية والثقافية. وهي محصلة التفاعل التاريخي للحضارات المتعاقبة على البلاد وتمثل في آن انعكاسا للمكونات الثقافية للشعب6.

حصاد السمار:

تمر صناعة الحصير بمراحل عديدة ومتكاملة فالمادة الأولية أي السمار تنمو عادة على ضفاف الأودية وفي السباخ. بالنسبة لحرفيي مدينة نابل يُستجلب السمار من أودية بعيدة في منطقة الوطن القبلي مثل واد لبنة في جهة منزل تميم وأودية مدينة قربة. لكن حجم الإنتاج تراجع كثيرا جراء بناء السدود ما عطل تغذية السمار بالمياه. لذلك أصبح يُجلب منذ العقدين الأخيرين من مناطق بعيدة في ولايات سوسة والمنستير والقيروان وتطاوين...

في الواقع تستقطب مدينة نابل جل الإنتاج الوطني من السمار بعد الضمور الكبير لهذه الحرفة في مختلف ربوع البلاد التونسية. أيّا كانت بيئة نمو نبتة السمار سواء رطبة أو شبه جافة تتم عملية بَلِّ السمار بالماء بعد اجتثاثه من التربة كي يكون مرنا وجاهزا للاستخدام. لاحقا يُنشر السمار صيفا على مساحة قد تناهز عدة هكتارات لمدة ثلاثة أسابيع بالنسبة للجهة الأولى ثم يطرح على الجهة المقابلة لمدة عشرة أيام. إثر الانتهاء من تجفيف السمار يقع تجميعه حسب طوله وحسب استخداماته الحرفية إذ يستعمل السمار الطويل في صناعة الحصير بينما يستخدم السمار القصير لصناعة القفاف. وعليه يتحصحص أن تنظيم السمار يتم على أساس مقدار عرض المنتوج المراد تصنيعه يدويا.

منذ عقود خلت كانت الألوان النباتية هي وحدها المستعملة في صباغة السمار. حيث يتوسل الحصايري بقشور الرمان والزاز بالنسبة للون الأسود والطين -بعد أن يتم تخصيبه بالشب- بالنسبة للون الأحمر. ومن هذا الأحمر والأسود تنبثق مفردات بصرية هادئة تقاوم الضوء والدعك. أما الآن فإن الحرفيين بنابل يستعملون الألوان الكيمائية التي تعطى ألوانا فاقعة من أحمر وأخضر وبنفسجي وحتى أسود7.

بعد إذابة اللونات في ماء فائر يصبها الحصايري في برميل ثم يخلط هذا المزيح برمي إضمامات السمار في مغطس في حالة غليان طيلة سبع وثمان دقائق بالنسبة لكل ضمّة. ثم يخرجها حالما يتأكد من حصوله على الصباغة المنشودة. إثر ذلك يغسلها ويشطفها بدقة في مياه صافية ويضعها في حزم للتجفيف ثم يبللها قبل النسج بالماء قصد تليينها. عموما تلوح صباغة السمار على غاية من الصعوبة لأنها تستدعي المحافظة على ليونة الألياف وبريقها الطبيعي وولوج الألوان إلى الألياف بطريقة تمكنها من الصمود طيلة ثلاث وأربع سنوات من الاستعمال8.

المواد الأولية:

المادة الأولية الأساسية المستعملة في هذه الصناعة هي:

1. السمار:

هو نبات أخضر رقيق طويل ينمو على حواف الوديان و السباخ ويصبح لونه أصفر بعد أن يجف. والسمار أنواع أهمها حسب أهل الاختصاص:

- السَّرْحاني: لا توجد به «سبولة» وهي الجزء العلوي من النبتة ويحمل حبيبات صغيرة.

- المَطلوقْ: يكون أبيض اللون وتعلوه حبوب صغيرة.

- السمار «بُو سْبُولة»: هذا النوع تعلوه «سبولة» من فوق وهو أكثر نوع مستعمل.

والحصول على السمار كان يتم شخصيا حيث يقوم الحرفي بجمعه برفقة مجموعة من المساعدين ويتم قطعه بواسطة آلة القطع «المْحَشَّة» وتسمى هذه العملية «الحش» أو «التشليق». إثر «الحش» يقع فصل السبولة عن السمار الذي ينشر في مكان رحب وجاف حتى لا يتلف ولا يتغير لونه. وبعد أن يجف يقع فرزه حسب الحجم (طويل-متوسط-قصير). ثم يجمع على شكل حزم يتم حفظها بعيدا عن الرطوبة. والسمار في شكله الطبيعي أي قبل قصه يتراوح طوله بين متر وعشرين صم ومترين أما في شكله المستعمل بعد قطعه وتنظيفه فيصل إلى 170 و175 سنتمتر9.

2. الحلفاء: وهي نبات ينمو بالمرتفعات الجافة نسبيا وتستعمل خيوط الحلفاء لربط أعواد السمار بعضها ببعض.

3. السّْبَاوْلو أو الِّنيلون هي خيوط صناعية عوضت الحلفاء في نسج السمار.

4. الدندانة: وهي المادة المستعملة لصبغ السمار أي تلوينه وهي مادة اصطناعية مستوردة من الخارج تكون على شكل مسحوق متعدد الألوان يذاب في الماء المغلى لإعطاء الألوان لأعواد السمار. وقد يتم صبغ السمار قبل تجفيفه أو بعده10.

أدوات الحصايري المتقرفص:

يقضي الحصايري المتقرفص ساعات عمل طويلة كل يوم منكبا بجد وحماس داخل ورشته الفسيحة نسبيا على صناعة مشغولات متنوعة. تراه ممسكا بأنامله المتمرسة أعواد السمار حانيا عليها صابرا على كثرتها برسم إنتاج ما تجود به قريحته المبدعة. لهذا الغرض يستخدم السمايري آلات عديدة تناقلتها خبرات تراكمت عبر الزمن وظلت محافظة على أصالتها بالرغم من التطور التقني الراهن. من بين تلكم الأدوات «الدُفّْ» الذي يسمى بالعامية «الحَمَّارْ». ويستعمل لقيس طول الحبال المستخدمة في ضمان تماسك أعواد السمار إضافة إلى «اللُّوحَة» وهي قطعة خشبية مستطيلة الشكل يجلس عليها العامل المتقرفص.

علاوة على «الخَزْمَة» وهي حبال دقيقة يقع استعمالها كيلا يتمزق السمار لكنها تكاد تندثر بعد تعويضها بحبال أخرى تسمى «السّْبَاوْلُو». وهي تجلب من جهة قصر هلال بالساحل التونسي التي تعرض ما يقع استيراده من آسيا وتحديدا البنغلاداش والهند ما يثقل كاهل الحصايري بمصاريف إضافية ويرفع من حجم كلفة المنتوج. وتوجد عدة أنواع من خيوط «السّْبَاوْلُو». أولا: «السّْبَاوْلُو الرمادي»، ثانيا: «السّْبَاوْلُو المْخَتِّمْ» أو «السّْبَاوْلُو بالزينة» وهو مصنوع من مادة الحلفاء. ثالثا: «السّْبَاوْلُو المختوم وَقْفَة بالحاشية» وهو يوضع عادة تحت الحصير.

يستعمل السمايري في عمله آلة رئيسية وأدوات أخرى مساعدة وآلته الرئيسة هي «النول» وقد يسمى ببعض المناطق «سلوة» وهي آلة مصنوعة من اللوح. وتكون مشدودة إلى الأرض وفوقها خيوط الحلفاء أو «السّْبَاوْلُو» لنسج السمار. أما الأدوات الأخرى المساعدة فهي المَخْيٍطْ أو «المِيَبِرْ» أو «المْسَلَّة» وهي أداة تستعمل لسد أجزاء القطع المنسوجة أي للخياطة. كما يستعمل الحصايري أدوات لا غنى عنها كالمقص والمَسْلِتْ أما الخيوط المستعملة فهي كما أسلفنا من الحلفاء قديما أو من«السّْبَاوْلُو» أو النيلون حديثا.

منتوجات أصيلة ومعاصرة:

أهم إنتاج قديم من مادة السمار هو الحصير ويفرش على الأرض أو تغطى به الجدران لأنه كان كثير الاستعمال بالمساجد والدكاكين والمنازل. وقد يسمى الحصير في بعض المناطق «المطر» وأيضا «الرقيقة» إذا كان طوله لا يتجاوز 75 صنتمتر أما الحصير المعد لتغطية الجدران فيسمى «دْوَايرِ». إضافة إلى الحصير يتم إنتاج القفة و«الجولق» وهو نوع من السلال. ولا بد من الإشارة إلى أن السمار الذي تصنع منه السلال يختلف عن السمار الذي تصنع منه الحصر ذلك أن الأول يكون ألين وأصفى. ولإضفاء مسحة جمالية على القطع المنتجة يرسم الحرفيون فوقها أشكالا ملونة متعددة حيوانية أو نباتية أو هندسية11.

يتكون الحصير ككل نسيج من سدى ولحمة. فالسدى بالنسبة للحصير تتكون من حبال الحلفاء الدقيقة أو من خيوط «السّْبَاوْلُو». وتُشدّ خيوط السدى إن كانت حلفاء أو «سْبَاوْلُو» إلى المثلث عبر الوصلة من الأمام و«المَجْبِدْ» من الخلف. ويمرر الحرفي تلك الخيوط عبر ثقب الدفّ (العيون) أولا بأول وهي التي تتحكم في الاتساع بين خيوط السدى وذلك الاتساع وعدد الخيوط هو الفيصل في تحديد نوعية الحصر. وذلك اعتمادا على طول أعواد السمار المفروزة حسب أنواعها التي ذكرناها آنفا. يتم النسيج حسب صنف الحصير وهي تنقسم إلى نوعين أساسيين12:

1) الحصر من نوع «المْسَرّْح»:

يبدأ الحصايري بمضاعفة خيوط حاشيتيْ الحصير إذ تمر الخيوط عبر عيون الدف ثلاثة-ثلاثة تسمى باب وبين باب وباب تترك مساحة أربعة أو خمسة عيون من عيون «الُدفّْ». ويرتبط سمك الحصير بطول أعواد السمار وتتوزع الخيوط حسب طول السمار. وتسمى «جهة» عدد الخيوط التي تغطي طول عود من السمار. وفي وسط السدى يقع ربط نصفيْ الحصير بمتانة وحسب أطوال أصناف عيدان الصمار الثمانية يتم الحصول على ثمانية أطراف لشدّ السدى.

2) الحصر من نوع المْخَتِّمْ:

بالنسبة للحصر من نوع المختّم تمرر أربعة خيوط عبر كل عيون الدف بصفة منتظمة وتتكون الحاشية من خطين مضاعفين والوصل من أربعة خيوط مضاعفة. وإن كانت الحصر من نوع «المْسَرّْح» تنسج على سدى ذات 35 أو 38 خيطا وكما هو الأمر بالنسبة للحصر من نوع «المْسَرّْح»فإن عيدان السمار بالنسبة للصف الواحد تكون آحادا أو مثنى أو ثلاثا13.

تتفنن أنامل السمايري في صنع منتوجات متنوعة من أكثرها رواجا الحصر للجوامع والمساجد. فجوامع عريقة بتونس مثل جامع عقبة بن نافع بالقيروان أول منبر للمسلمين في بلاد المغرب وجامع الزيتونة المعمور بمدينة تونس والجامع الكبير بنابل جميعها مفروشة بالحصر النابلية... وكذلك الشأن بالنسبة لمعظم بيوت العبادة في أرجاء تونس. عادة يستغرق صنع الحصيرة الواحدة ما بين يومين ويوم ونصف اليوم في جل الأحايين. زد على ذلك صناعة الكراسي والمقاعد الوثيرة بالنسبة لقاعات الجلوس سواء داخل النزل والمقاهي السياحية أو في المنازل الخاصة علاوة على النعال للرجال والحقائب العصرية للنساء...

عدا هذه المنتوجات التقليدية يسعى بعض الحصايرية إلى إضفاء لمسات مبدعة في محاولة لمواكبة العصر. كما يعمل البعض الآخر على المزج بين البعد التقليدي لحرفة السمار والبعد الحداثي من خلال إبداعات متميزة ومتجددة. فعلى سبيل المثال يقوم الشاب مروان بجهود حثيثة بغية تطوير منتوجه. إذ تلفيه منكبا على ابتكار تحف فنية يمتزج فيها الحصير بالآلات الحديثة مثل ذلك المقعد الدائري المتحرك الذي يستخدم كمصباح للإنارة. بالإضافة إلى ذلك يبذل هذا الحرفي جهودا رائعة لتصنيع مقاعد صحية خاصة بالنسبة لمن يعانون آلام الظهر والرقبة. وننوه في هذا المقام أن الحصيرة لها فوائد صحية جمة لا يدرك كُنهها إلا المتمرسون في المهنة باعتبارها توفر البرودة صيفا والدفء شتاء.

ومن تجليات إبداع السمايري الهندسة المميزة للحصيرة من خلال إدخال رسوم لبعض الحيوانات كالسمكة والعقرب بفضل تعدد ألوان صباغة السمار التي تنقسم إلى صنفين رئيسيين: السمار الأحمر والسمار الزيتوني المائل إلى الخضرة. ويختلف استعمال الزينة حسب مجالات الاستخدام وحجم الحصيرة ناهيك وأن الحصيرة الموجهة للجوامع تتراوح أبعادها بين أربعة أمتار ومتر وسبعين صم تقريبا. بالمقابل يضارع طول الحصيرة ذات الاستخدام المنزلي ثلاثة أمتار وعرضها متران.

حرفة مهددة بالاندثار

توحي المقابلات الشفهية المجراة مع بعض «الحصايرية النوابلية» بحسرة واضحة على ما بلغته حرفة صناعة الحصير من ضمور. فالعم محمد الحوات شُهر «عنتر» قضى ما يربو على سبعة عقود في المهنة ولم يقعده عنها سوى المرض. هو يذكر جيدا عندما كان طفلا ذا ست سنوات كيف لم يسمح له والده بالتعلم سواء في الكتّاب أو في المكتب (المدرسة). بل حمله رغما عنه إلى أحد الحرفيين ليعلمه الصنعة. ورغم حداثة سنة وقساوة معلمه تمكن العم عنتر من إتقان أسرار الحرفة بأدق تفاصيلها في سن الثامنة عشرة. صبر وثابر حتى شهد له معلمه بالبراعة. ويردف في معرض سرده لذكريات لا تزال حية في وجدانه أن المتعلم عندما يبلغ سن الثامنة عشرة كان يتحصل على ما يسمى «بالمْحَشَّة». وهي تمثل نصيبه من السمار الذي يجمع من ضفاف الأودية والسباخ تحت إشراف أمين المهنة.

طرحنا على الحرفيين المستجوبين استفهامات حول أسباب انحسار حرفة الحصايري ودواعي خفوت وهجها. فكان التشخيص الدقيق النابع من إلمام كبير بماضي الحرفة وحاضرها والمستشرف لمستقبل لا يبشر بخير على الأقل في المدى القريب. ومن ضمن الصعوبات الكأداء التي تعترض حرفة الحصير وتهدد بانقراضها تماما من مدينة نابل التراجع الرهيب في عدد الورشات كما يُخشى أن بعض الدكاكين التي يتجاوز عمرها تسعين سنة قد تندرس قريبا وتصبح أثرا بعد عين. والأمر ليس بمحال ما دامت عشرات المحلات أغلقت وأُجبر أصحابها على امتهان حرفة أخرى.

علاوة على عزوف الشباب على تعلم الحرفة إما لدواع ذاتية أو لعوامل موضوعية فمن الأسباب الذاتية تجدر الإشارة إلى طول مدة العمل اليومي وقلة الصبر على تحمل توجيهات المعلم. إذ لا مناص من الوقوف على حقيقة تغير العلاقات الاجتماعية داخل التنظيم الحرفي خاصة في علاقة المعلم–المتعلم. فحاليا هناك غياب للمتعلم بسبب عدم الرغبة في امتهان الحرفة التقليدية وعدم القدرة على الصبر أثناء العمل الحرفي وتغير مفاهيم طاعة المعلم14. من ضمن الأسباب الموضوعية نذكر غياب مركز جهوي للتدريب على حرفة الحصير وعدم وجود استراتيجية وطنية واضحة المعالم للنهوض بهذا القطاع والحفاظ على ديمومته. هذا على الرغم من بعض الجهود المبذولة من طرف الديوان الوطني للصناعات التقليدية وهي جهود -وإن كانت محمودة- فإنها لا تزال غير كافية لانتشال حرفة السمار من الاندثار. وبناء على ما تقدم يبدو أنه لا مناص من الإقرار بحدة مشكلة غياب اليد العاملة المختصة لا سيما في صفوف الشباب.

والجدير بالملاحظة أن أصحاب القطاع يتذمرون من التنامي السريع لكلفة الإنتاج من ذلك مثلا أدى إلغاء وظيفة الأمين إلى تزايد عدد الوسطاء من القطاع الخاص. كما ارتفعت أسعار السمار ارتفاعا صاروخيا خاصة بعد إفلاس الشركة الوحيدة التي كانت تشرف على توفير هذه المادة الأولية. وعلى صعيد آخر يشتكي الحرفيون من قلة الحرفاء ماخلا المشرفين على الجوامع والمساجد وندرة عدد من يقبلون على شراء التحف الفنية فضلا عن صعوبة الترويج والتسويق. ولئن تعد مدينة نابل وجهة سياحية بامتياز فإن إقبال السياح على شراء المنتوجات المصنوعة من السمار يبقى ضعيفا جدا. وما يزيد الطين بلة أن جل السياح الوافدين على مدينة نابل من أوروبا الشرقية أو من روسيا هم في معظمهم من ذوي طاقة الإنفاق المحدودة.

حقا تنطوي كل حرفة على تاريخ عريق من القيم الحضارية والدلالات الرمزية. وبالتالي فإن انزواءها يعكس حالة من الخلخلة للبنية الحضارية لهوية الشعب ويفضي إلى تأزم الحياة الاقتصادية والاجتماعية15. وإجمالا يعاني قطاع الحرف التقليدية من تآكل البنية التحتية بانكماش عدد الورش الحرفية وعدد الحرفيين وتضاؤل كم الإنتاج وتلاشي منافذ العرض وغياب سياسة حكومية لتنمية القطاع وغياب التوثيق المنهجي للحرف وغياب الوعي المجتمعي بأهمية الحرف وتقلص الطلب على منتجاتها16.

وختاما...يبقى الأمل

في خاتمة المطاف تستحثنا هذه العراقيل المؤلمة على ضرورة السعي لإعادة الاعتبار لحرفة الحصايري لأنها جزء من ماضينا. وكذلك الأمر بالنسبة لجل الحرف التقليدية في كل الأقطار والأمصار17. فينبغي أن نعيد الروح إلى ماضينا لنحافظ على مستقبلنا ولنحتفظ بجزء أصيل من هوية الأجيال القادمة لأن هذه الصناعة العريقة مهددة بالزوال18. وبعد أن تغيرت العقليات والتقنيات تتعرض حرفة السمار إلى غزو لا يقاوم من الحصير البلاستيكي والسجائد البلاستيكية بأسعار لا تقبل المنافسة. ومهما كان الأمر فإن تراجع حرفة السمار خصوصا وسائر الحرف التقليدية عموما يعني تراجع ملمح رئيس من ملامح الثقافة الشعبية التونسية.

صفوة القول أنه حري بجميع الفاعلين والمشرفين على هذا القطاع العمل على إنقاذ حرفة السمار من خطر التلاشي حتى لا يأتي يوم –يراه جل الحصايرية قريبا- لا نجد فيه ورشة وحيدة في نهج الحصايرية المنتصب في القلب التاريخي لمدينة نابل العربية الإسلامية. ومما سبق تناوله يجوز القول بأن استشراف مستقبل حرفة السمار ومنتجاتها ينذر بالخطورة التامة إن لم يتم العمل على إنقاذها بعدة حلول من أبرزها تكثيف برامج التدريب طبقا لمقاربة تقليدية–عصرية في آن واستحداث آليات لتحفيز الشباب على ممارسة المهنة والعمل على التحكم في كلفة الإنتاج فضلا عن فتح منافذ جديدة محليا وإقليميا ووطنيا وعالميا لمنتجات السمار التقليدية والحديثة عل حد السواء.

في كل الأحوال نحن واعون أننا لم نأت في هذا الحيز الضيق على كل جوانب الموضوع المطروق. كما نعتقد مسبقا أن محاولتنا مهما كانت درجة جديتها تبقى ضمن حدود معينة ولا تستطيع التطرق لجميع سمات حرفة السمار بمدينة نابل بالنظر إلى تعدد العوامل وكثرة الصعوبات وتشعبها. من ذلك مثلا الموروثات المرتبطة بسير الحرفة من أغان وحكم وتسميات ومصطلحات وطرائق العمل أثناء القيام بصناعة منتجات السمار. فهي لا تمثل خصوصية للحرفة بقدر ما تعتبر إرث حضارة شعب بأكمله يجب العمل على صونه وتسجيله.

 الهوامش :
1. S. Aounallah, 2001, Le Cap Bon jardin de Carthage. Recherches d’épigraphie et d’histoire romano-africaine (146 a.c- 235p.c), Ausonius, Bordeaux, p. 239-240.
2. الإدريسي (أبو عبد الله محمد بن محمد الحمودي) - توفي 560هـ/ 1166م - نزهة المشتاق في اختراق الآفاق- دار الفكر- دمشق- 1995.
3. أحمد خلف عطية – تنمية الحرف اليدوية التقليدية والأسواق التراثية كمدخل لتعزيز السياحة الثقافية: الواقع والتحديات وآفاق التطوير في سورية – مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية – سلسلة العلوم الهندسية المجلد 35- العدد 5 - 2013 – ص. 9 - 29.
4. علي بزي - الحرف التقليدية: أهمية ومنهجية دراستها – مجلة الثقافة الشعبية – السنة الرابعة – العدد الثاني عشر – شتاء 2011 ص. 130 - 145.
5. عزيزة بن يوسف – الصناعات التقليدية بتونس - ورشة عمل حول الصناعات التقليدية في الوطن العربي- المغرب- 17 - 19 سبتمبر- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – وزارة السياحة والصناعات التقليدية والاقتصاد الاجتماعي للمملكة المغربية - 2005.
6. شريف محمد عوض - الحرف التقليدية طريق للتنمية المستدامة – مجلة الفنون الشعبية – العدد 89 يونيو 2011 - ص. 5 - 28.
7. عبد الكريم قابوس - الحصير أريكة الفقير وسجاد الصلاة - مجلة تراث وإبداع- مجلة الجمعية التونسية صيانة المتاحف والمواقع الأثرية- العدد 8- الثلاثية الأولى 2017 - ص. 7 - 14.
8. عبد الكريم قابوس -  نفس المرجع السابق.
9. أماني نقيرة - حرفة السمار- مجلة إفريقية- سلسلة الفنون والعادات والتقاليد الشعبية- عدد 13 - المعهد الوطني للتراث- تونس – 2001 - ص. 197 - 199.
10. أماني نقيرة  - نفس المرجع السابق.
11. عبد الرحمان أيوب - الرموز وأبعادها الحضارية في المنسوج التونسي - مجلة إفريقية- سلسلة الفنون والعادات والتقاليد الشعبية- عدد 13- المعهد الوطني للتراث- تونس – 2001 - ص. 161 - 174.
12. عبد الكريم قابوس - نفس المرجع السابق.
13. عبد الكريم قابوس - نفس المرجع السابق.
14. يوسف بواتاون – عصرنة العمل الحرفي التقليدي: رصد بعض مظاهر التغير"حرفة النحاس بمدينة فاس المغربية نموذجا" - مجلة الثقافة الشعبية – العدد 39 – خريف 2017 - ص. 190 - 199.
15. عز الدين نجيب – الحرف التقليدية: الواقع-الأزمة– النهضة ص. 29 - 36.
16. عز الدين نجيب – نفس المرجع السابق.
17. جليلة بن العمودي – إستراتيجية تنمية قطاع الصناعة التقليدية و الحرف بالجزائر في الفترة 2003 - 2010 – مذكرة ماجستير في العلوم الاقتصادية بجامعة قاصدي مرباح – ورقلة – كلية العلوم الاقتصادية و العلوم التجارية وعلوم التسيير – قسم العلوم الاقتصادية - 2012 - 276 ص.
18. علي صالح النجادة  – دور بيئة الكويت الصحراوية في التأثير على حرفة ومنتجات السد التقليدية – مجلة الثقافة الشعبية - العدد 41 – ربيع 2018 - ص. 184 - 195. محمد علي ثامر – العود الصنعاني اليمني: حرفة تكاد تختفي – مجلة الثقافة الشعبية – العدد 42- صيف 2018 – ص. 140 - 157. محمد الجزيراوي - مهارات ومعارف النجار التقليدي في صناعة الأبواب العتيقة بمنطقة نفزاوة – مجلة الثقافة الشعبية العدد 43 خريف 2018 - ص. 176 - 185. محمد السائري – ورشة عمل حول الصناعات التقليدية في الوطن العربي 17 - 19 سبتمبر. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – وزارة السياحة والصناعات التقليدية والاقتصاد الاجتماعي للمملكة المغربية - 2005. سونيا ولي الدين – العقادة البلدية - مجلة الثقافة الشعبية – السنة الرابعة – العدد الحادي عشر – صيف 2011 - ص. 71 - 77. حفناوي عمايرية - السجاد التقليدي (الزربية) والكليم في العالم الإسلامي. الماضي والحاضر والآفاق المستقبلية- مجلة إفريقية - سلسلة الفنون والعادات والتقاليد الشعبية- عدد 13 - المعهد الوطني للتراث- تونس – 2001 - ص. 181 - 196.
 
الاستجوابات:
- تمت الاستجوابات في شهر أكتوبر 2019 مع السادة الحرفيين محمد الحوات ومروان الشلادي ومحمد الهادي الحامي.
 
الصور:
- من الكاتب

أعداد المجلة