اللغة العدد

اقرأ في هذا العدد

الموسيقى العـربية رؤية تراثية فلسفية
كان  شوبنهور هو أول من قال بأن كل الفنون تطمح إلي أن تكون مثل الموسيقى  وقد تكررت هذه الملاحظة علي الدوام وكان...

في بعض أنماط الوعي بالمتخيل
1- سؤال المتخيل في الفكر الغربييرى أفلاطون في محاورة «فيدون»  أن المرء إذا أمسك بالصورة فإنه تمكن من ال...

التنوع في التراث الشعبي الأردني (طائفة الأكراد نموذجاً)
ينتسب الأكراد – أصلاً – إلى هضبة كردستان بين تركيا وإيران والعراق وينحدرون من أصول آرية، وتصنف لغتهم مع اللغ...
8
Issue 8
يمكنك تحميل العدد إلى جهازك بنوع PDF من خلال هذا الرابط
جحا وقصته التي لا تنتهي: ظهور أدلة جديدة على انتشار نوادرجحا
العدد 8 - أدب شعبي

فرانشيسكا ماريا كوراو ــ كاتبة من إيطاليا

ترجمة نعمان محـمد صالح الموسوي

حينما شرعتُ في دراسة قصة جحا قبل سنينٍ طويلةٍ، عزمتُ على مقارنة الطرفة التي وجدتها في التراث الشعبي العربي والتركي والصقلِّي، وفي تلك الفترة، كان واضحاً بالنسبة لي أن الطرفة التركية قد تأثرت إلى حدٍ كبيرٍ بالتعاليم الصوفية. فالشاعر الصوفي العظيم جلال الدين الرومي كان قد ذكر اسم المحتال الأناضولي نصر الدين خوجة، كما أن شهرة هذه الطرائف قد ذاعت في فترةٍ لاحقةٍ في مصر تحت اسم نصر الدين خوجة الملقّب بجحا الرومي (جحا الأناضولي)، وفي مرحلةٍ تاليةٍ، اكتشفتُ وجود بعض نوادر جحا في كتاب كليلة ودمنة (Panchatantra)، وكذلك في مجموعة الحكايات الهندية تحت عنوان «نهر الحكايات». وحينما درستُ الأصل الشرقي لمسرح الظل المصري، اكتشفتُ أن قصص جحا قد انتشرت في ربوع مصر قبل ظهور حكايات الأتراك المحتالين؛ كما تناهى إلى علمي وجود كتاب مقدّس يعرض للتعاليم البوذية (Sutra)، أي التي تُنسب إلى البوذا شاكياموني (BuddhaShakyamuni)، تحت عنوان: «محاورات بوذا للحكيم والساذج»، ومن قراءتي لهذا النص القديم، بدأتُ أستوعب الجذور الشرقية لسذاجة جحا، وسوف أحاول في هذه الدراسة أن أقدِّم شرحاً وتبصّراً أكثر عمقاً في نوادر جحا.

منذ بضعة أعوامٍ خلت، تصاعد الاهتمام بدراسة نوادر جحا، وقد بدأتًُ البحث في هذه الشخصية في القاهرة قبل أكثر من 20 عاماً، وسُرعان ما أدركتُ أن بعض النوادر تتطابق مع الحكايات الهندية القديمة (1). إن بعض طرائف الحكيم / الساذج جحا يمكن العثور عليها في مختارات الأمثال العربية، وفي مجموعة الحكايات ضمن الإطار نفسه، وعلاوةً على حكايات ألف ليلة وليلة، يمكن اقتفاء آثار تلك الطرائف في كليلة ودمنة (Panchatantra)، وكذلك في كتاب (Decameron)، وهي مجموعة حكايات للكاتب الإيطالي جيوفاني بوكاسيو في القرن الرابع عشر الميلادي، هذا فيما يخص أشهر الحكايات. وفي الآونة الأخيرة، تداعى بعض الكتّاب في ايطاليا، ومنهم لويجي بيرانديلو وليوناردو سيكاسكيا، لإعادة كتابة حكايات جحا بهدف تكييفها لعصرنا الراهن (2). وضمن هذا السياق، يمكننا أن نستحضر أيضاً كتاب فيليبو دي فرانكو بعنوان: «حكايات جحا كما يرويها أهالي صقلية»، ومؤلّف جيسوالدو بوفالينو، وعنوانه «الرجل المُنتهَك حرمتُهُ». وقد ابتكر المؤلِّفون الآخرون طرائف مصوّرة لجحا، ووضعوا بداية ونهاية لكل منها، وتم ترتيبها بشكلٍ يسمح بعرض مراحل مختلفة من حياته(3)، وبالنتيجة، فإن جحا في الأدب الصقلي، وفي التراث الشعبي التركي، هو إنسان يُولد، ويكبُر، ويموت.

وفي العالم العربي، مثلما هو الحال في صقلية وتركيا، تم خلال العقدين الماضيين إعداد مجموعة ضخمة من الدراسات، وقد عثرنا عليها موثقةً لدى أورلش مارزولف، مع إضافة نوادر أخرى ذاع صيتها في المناطق الأخرى الواقعة ضمن النفوذ الإسلامي(4).

وفي صقليّة، وعلى إثر صدور المجموعة التاريخية التي شارك في إعدادها كل من جيوسيبي بيتريه، ولاورا فون جونزينباخ و سيباستيانو لو نيجرو، صدرت مجموعة أكثر حداثةً للمادة المتعلقة بجحا قامت بتحريرها مارينا دي ليو. وخلال العقدين المنصرمين، عكف الباحثون المختصّون في المنطقة العربية وتركيا على دراسة شخصية نصر الدين خوجة الرومي الملقب بجحا، في مسعى لإثبات وجود شخصية محدّدة مماثلة في تراثهم الشعبي والوطني. وفي تركيا تم أيضاً تنظيم ورش عمل تناولت شخصية جحا (Corrao, 2001)، وتم التركيز فيها على التفسير الصوفي لبعض النوادر، بالذات الحكايات التي تبصّر في معانيها مولانا جلال الدين الرومي (القرن الثالث عشر للميلاد).   

وفي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، شجعني أحد أعضاء الجمعية الصوفية المصرية على دراسة القصص الطريفة لجحا العربي، والتي تم تفسيرها في إطار التصوّرات الصوفية(5). ومع ذلك، فقد اقتربت في المرحلة الأولى لدراستي من الشخصية انطلاقاً من تصوّر أنثروبولوجي، وتحديداً تصوّر عالم الأنسنة ليفي شتراوس. وبالفعل، فإن سلوك جحا يتضّمن العديد من القواسم المشتركة مع جميع المحتالين الذين تولّى دراستهم العالم الفرنسي المذكور. إن التعريف الأكثر دقةً لهذا النمط من الشخصيّات قد صاغه باحث من باليرمو يُدعى سيلفانا ميسيلي (Miceli, 1984)، والذي وضع وظيفة جحا أمام مجهر التحليل الأكثر قسوةً: إن الوغد المغفّل يخرق – بصورةٍ مؤقتةٍ فقط – جميع الأنظمة بهدف إعادة توكيد مصداقيته الذاتية؛ إنه يخالف القناعات من أجل تدميرها، وفي الوقت ذاته من أجل إعادة توكيد مجموعة معينة من القواعد المبالغ في صرامتها. ومن الناحية التاريخية، فإن وظيفة النصّاب، في مرحلة الانتقال من الوثنيّة إلى الأديان التوحيدية – والمسيحية على الأخّص -، ترتبط بوظيفة الشرير الوضيع، طالما أنه يشكِّك في الفعل الربّاني العظيم. إن هذه الشياطين آكلة اللحوم، بحسب تنويه ميخائيل باختين، تقلب النظام الطبيعي، وقواعده وأدواره، ولكن لزمنٍ محدودٍ فقط (Bachtin, 1979).

ومن جانبٍ آخرٍ، يتصوّر الباحث المصري محمد رجب النجّار أن هؤلاء المحتالين يعتبرون بمثابة «صمام الأمان» الذي يساعد على تجاوز اللحظات التاريخية العصيبة، عندما لا يكون النقد المباشر للنظام الاجتماعي القائم جائزاً (النجار، 1979). إن قصص جحا، على وجه التحديد، تتناول موضوعات شتى لا يمكن حصرها، بأي حال من الأحوال، في دائرة النقد الذي يحمل الصبغة الاجتماعية – السياسية. وعلى أية حال، فإن الوظيفة الأساسية للمجموعات القصصية الأولى تتلخّص في تحذير الحكماء من تبعات الارتباط بالأشخاص المغفّلين خشية وقوعهم في فخ الاحتيال(6).

في أثناء اشتغالي للمرة الأولى على هذه المادة البحثية، نسبتُ أصل شخصية جحا إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط. غير أنني مع مرور الوقت، سيما بعد إطلاعي على مجموعة الأساطير الهندية، وجدتُ أن بعض الطرائف قد ذاع صيتها في المنطقة التي تحتضن جزيرة السلومون وماركولفو، والتي تبعد كثيراً عن البحر الأبيض المتوسط(7).

فعلى سبيل المثال، تبرز حادثة لجحا العربي (Juhā) مجدداً في كليلة ودمنة، حيث أن هذه المجموعة القصصية، التي ظهرت في القرن السادس الميلادي، تتضمّن حكايات تدور حول أكثر تقاليد الكلام المنطوق عراقةً، قام بجمعها البراهما وشنو لغرض تدريس فن إدارة الحكم للشباب من ورثة العرش، ويروي كتاب «كليلة ودمنة» تحديداً حكاية زوج يتناهى إلى علمه أن زوجته تخونه فيقرِّر فضحها، لكنها تهتدي إلى حيلةٍ جديدةٍ، وتقلب الموقف رأساً على عقب حينما تتّهمه هو علانيةً بخيانتها (Bechis, 1983, 35).

وفي مجموعة أخرى مشهورة للخرافات الهندية تحت عنوان «نهر الحكايات« (OceanoftheStreamsofStory)، والتي قام بتأليفها البراهما سوماديفا في القرن الحادي عشر الميلادي، تم تجميع الأحداث التي تتناول الأغبياء والسذّج كافةً في فصلٍ واحدٍ (Somadeva, 1993, pp. 697-826)، وفي الغالب، يقوم البراهما، والذي هو أحد أفراد طبقة الكهنوت العليا لدى الهندوس، أو الخادم، بأداء دور الشخص المغفّل، كما يتم تطعيم القصص الخرافية المسرودة بنهايات تحمل مضامين تربوية مفيدة.

وعند مقارنة المجموعات القصصية الهندية والعربية تبرز فروقات جوهرية. فالحكايات الهندية تقدِّم صورةً سلبيةً للمرأة كمخلوق يتصف بالوضاعة والمكر والغدر، بينما تقدِّمها القصص العربية في دور المكّارة، وليست مجرد الغدّارة، حيث تتولّى خداع المغفّل وتحرمه من الطعام(8)، أما في القصص الصقليّة، فنجد أن الأم فقط هي الماكرة، لكنها تستخدم حيلتها لحماية نفسها وطفلها من غبائه، وفقط في المجموعة القصصية التي وضعها دي فرانكو نكتشف أن لجحا زوجة، لكنها تتصرّف كالشابة المغفّلة. 

في القصص الهندية، يكون الساذج دائماً شخصاً خاسراً ينبغي الحذر منه؛ إنه مخلوق ضعيف يستسلم للقوي ومخادع. وفي العالمين العربي والإسلامي، يواجه جحا المتاعب حينما يقف بجانب زوجته أو أمام السلطات القضائية، أما في الحكايات الصقليّة والعربية، فإن الساذج يبرز قدرته على الخداع حتى في أكثر الحالات خطورةً، ويفلح في العودة إلى أوضاعه المفضّلة المنذرة فقط بالسوء، كي يستغِّل مكره ولباقته الآن لصالحه.

ثمة نكتة هندية تُنسب إلى غلام أحد التجار، وفي الوقت نفسه تتطابق مع قصة طريفة لجحا تم إدراجها في المجموعتيّن القصصيتيّن الهندية والصقليّة هذا نصّها:

«قال التاجر لخادمه الغبيّ: انتبه لباب الدّكان، فأنا ذاهب إلى البيت، ولن أغيب طويلاً! وما أن انتهى من كلامه، ومضى في حال سبيله، حتى قام الغلام بخلع الباب، ووضعه على ظهره، وذهب لمشاهدة عرض راقص، وعندما قفل التاجر عائداً إلى محلّه، وبّخ الغلام بشِّدة، لكن الغلام رّد عليه قائلاً: لقد فعلتُ ما طلبته مني، وانتبهتُ لباب الدكّان! « (Somadeva, 1967, II, 776).

وهناك نكتة هندية أخرى أكثر قرباً لصيغتها العربية، وهي تدور حول ابن التاجر، وهذا نصّها في نسختها الأوليّة:

« كان يا ما كان ابن لأحد التجّار لم يخلِّف له والده في وصيته سوى ميزان، ترك الابن الميزان المصنوع من ألف قطعة (Pans (9) من الحديد في عهدة تاجر، وسافر إلى بلد آخر، وحينما عاد من السفر، سأل التاجر عن الميزان فأجابه بأن فأراً التهمه: «صدِّقني، لقد كان الميزان لذيذاً للغاية، لذا أكله الفأر برمّته!». انفجر الابن ضاحكاً، ثم طلب من التاجر طعاماً ليأكله، فلبّى الأخير طلبه، قدّم الابن فاكهةً لابن التاجر الصغير، ثم أخذه معه وذهب للاستحمام، وحينما خرج من الحمّام، ترك الابن الصغير سِّراً مع أحد أصدقائه، وعاد إلى بيت التاجر بمفرده، فسأله التاجر: أين ابني الصغير؟ فأجابه قائلاً: لقد خطفته طائرة ورقية هبطت فجأةً من السماء! حينها غضب التاجر، وصاح في وجهه قائلاً: لقد أخفيت ابني، وأخذه فوراً إلى القاضي. عندما كرّر الابن القصة نفسها على مسامع الحضور، ذهلوا لروايته، وصرخوا قائلين: هذا لا يُصدّق! كيف تستطيع طائرة ورقية أن تخطف طفلاً صغيراً؟ فرّد عليهم قائلاً: في البلاد التي يستطيع فيها فأر صغير أن يأكل ميزاناً حديدياً ضخماً تستطيع أيضاً طائرة ورقية أن تخطف فيلاً ضخماً، وليس طفلاً صغيراً فحسب! حينما نطق الابن بتلك الكلمات، انتاب القاضي الفضول، وصار يطلب منه المزيد من التفاصيل بشأن الواقعة، حينئذٍ اضطر التاجر إلى إعادة الميزان إلى الشاب الذي قام بدوره بإرجاع الطفل الصغير إلى والده»(Somadeva, 1967, II, 741).

وهذا هو الأسلوب الذي دُوِّنت به الصيغة العربية لهذه النكتة:

« ذات يوم من الأيام قرّر جحا الذهاب في رحلةٍ طويلةٍ، فترك كميات الحديد الضخمة التي كانت بحوزته لدى جاره كي يعتني بها في أثناء غيابه، وحينما عاد من السفر، ذهب إلى الجار وطلب منه أن يعيده الحديد، فقال له الجار: أنا متأسف يا صديقي، لكن بيتي مليء بالفئران التي التهمت الحديد التي تركته عندي. ذُهل جحا وسأله قائلاً: استغفر الله يا صديق العمر، ولكن أجبني: هل الفئران تأكل الحديد فعلاً  ؟»(Corrao, 2001, 97-8).

وثمة طرائف أخرى تحذِّر العاقل من التعامل مع الساذج، أو تبيِّن أن الفرد ينبغي ألا يكون متهوِّراً كما هو الحال مع الأغبياء، لذلك تُروى القصة في الهند كما يأتي:

«كان أحد المغفّلين يبحر على ظهر سفينة عندما سقط من يديه طاس فضِّي في الماء، فقام عندئذٍ بمعاينة جميع خصائص المكان، وحدّد العلامات المميِّزة له (دوّامات الماء، والتيارات المعاكسة، وما إلى ذلك)، قائلاً في نفسه: « سأنتشل الطاس من الماء في طريق العودة! «، وبعد أن وصل إلى اليابسة في الضفة الأخرى، أبحر في النهاية عائداً باتجاه المكان المقصود، ورأى الدوّامات والعلامات الأخرى التي لاحظها في البحر، فغاص مرات عديدةً في ذلك الموقع، معتقداُ أنه تعرّف فعلاً على مكان وقوع الطاس، وعندما سأله القوم عما كان يدور في خلده، أفصح لهم عن الهدف الذي كان يسعى إليه، فانفجروا جميعاً بالضحك عليه، وجعلوه أضحوكةً بين العامّة « (Somadeva, 1967, II, 759).

وهناك صيغة أخرى لهذه الحكاية يمكن العثور عليها في مجموعة الأساطير الهندية المسمّاة « هيتوباديشا « (Hitopadesa)، وهي مختارات نثرية وشعرية باللغة السنسكريتية (لغة قديمة في الهند)، وتعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي(10). وتتقارب هذه الصيغة مع مثيلتها العربية التي تروي كيف أن جحا يقوم بإخفاء المال في الصحراء قبل دخوله سوق المدينة، ويتخذ السحابة علامةً مميزةً لمكان المال، وعندما يعود من السوق يراه أحد المارّة يبحث عن شيء ما، فيسأله عن علامة المكان، ويجيبه جحا بأنه لم يعد بإمكانه العثور على ظل السحابة (Corrao, 2001, 73)، وفي الصيغة الهندية يقوم شخص مغفّل بإخفاء خاتم في الرمال ثم يذهب للاستحمام، ويعجز عن إيجاده عند العودة، وحينما يُسأل عما إذا كان قد ترك علامةً مميزةً لتحديد مكان الخاتم يجيب بأن ظل السحابة هو العلامة التي تركها.

إن الحكايات الأخرى تنصح بعدم الوثوق في الأغبياء، وتبرِّر وجهة نظرها بأن هؤلاء الأشخاص يستجوبون الميت بدون مغزى، وهذه الفكرة تتواتر في الحكاية التركية لنصر الدين خوجة الرومي الذي اعتقد الناس أنه قد مات فعلاً، لكنه سرعان ما يشترك في الخلاف الدائر بين الأشخاص الذين يحملون جثمانه إلى المقبرة بهدف توجيههم باتجاه أقصر مسافة تؤدي إليها (Somadeva, 1967: 919; Corrao, 2001: 104-5).

وفي مجموعات الأساطير الهندية، كما هو الحال مع ألف ليلة وليلة، تتلبّس العفاريت (الشياطين) بعض الأشخاص، غير أن هذه الخاصية لا تجد لها مكاناً يذكر في القصص الصقليّة لجحا (Giufā)، حيث تفرض نفسها تلك الفكرة التي تقول بأن الناس الذين يقومون بأعمال مشينة ينقلبون إلى حيوانات (Somadeva, 1967: 104, 217).

وفي الواقع، فإن هذه الفكرة هي الأخرى مجرّد خدعة، لكن الشخص المغفّل يصدِّق هذه الترهات، فالطرفة تقول إن المغفّل يقصد السوق ليبيع حماره، فيقوم لصّان بسرقة الحمار، ويتقمّص أحد الوغدين دور الحيوان، ثم يشرح لجحا الموقف بالقول بأنه قد أساء معاملة أمّه، فقلبته إلى حمار، وحيث أنه الآن يبتغي التكفير عن خطاياه، فقد استرّد هيئة الإنسان، وبعد أن يحتفي اللصّان بالحدث، يتجه جحا إلى السوق لشراء حمار، ويتعرّف على حماره، لكنه لا يشتريه مفسِّراً ذلك برغبته في معاقبته على سلوكه المشين، وبسبب هذا التصرّف يتحوّل جحا مرةً أخرى إلى حمار (Corrao, 2001: 65-6).

لا يتم التركيز بقوّة، في هذه النسخة العربية، على التحوّل والتفكير اللاحق، اللذان ليس لهما وجود أصلاً، بسبب أن مجمل الواقعة خدعة، بل يتم التشديد على استقامة المغفّل، ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الصيغة الهندية تبرز حدوث الانسلاخ بالفعل، حيث يجهش «الحيوان - الإنسان» بالبكاء، ثم يشفق على شخص ما يتولّى إنقاذه فوراً. إن الانسلاخ يتم غالباً على أيدي شخصيات شيطانية. وفي هذا التحوّل في مسار القصة، يمكننا أن نرصد الانتقال من الدين التعدّدي إلى الدين التوحيدي – أي الانتقال من فكرة الإنقاذ الذي يصبح ممكناً بفضل حسنات الآخرين إلى الفكرة القائلة بأن الإنسان مطالب بإصلاح مسارات حياته كي يحذوه الأمل في رحمة السماء. إن فكرة العقاب «السِّحري»، الموروثة من بقايا الثقافات الماضية، تساهم، رغم ثانويتها، في تحذير الأطفال من مغبة السلوك السيء إزاء أمهاتهم. ومن المهم أن نتذكر، بالمناسبة، أن موضوع تحوّل الإنسان إلى حيوان لا يزال حيّاً في الأدب الغربي حتى الآن، ويكفي أن نستحضر في هذا الصدد الانسلاخ الذي أشار إليه الكاتب التشيكي كافكا (Kafka>sMetamorphosis) (11).

إن الجانب الآخر المثير للاهتمام في حكايات المغفّل هو التحوّل من وضعية الجهل إلى الحكمة. ففي التقاليد الهندية، تتضمّن العديد من الحكايات شخصية البراهما المخلص للرهبان البوذيين، بينما يبرز الصوفيون في التقاليد الإسلامية. وقبل أن نفحص بعض الطرائف، ينبغي التنويه أولاً بملاحظة هامة، فهناك نصّ بوذي مقدّس بعنوان: «الحكيم والساذج» (12)

(TheWiseManandtheFool) ، وهذا النّص لا يتحدّث عن شخصٍ مغفّلٍ بعينه، بل يقدم تفسيراً لكيفية تحوّل الإنسان البسيط من حالة السذاجة إلى الحكمة، شريطة التزامه بصراط الممارسة البوذية.  

لقد تُرجم هذا النّص المقدّس من السنسكريتية إلى المنغولية، ولقي انتشاراً واسعاً في آسيا الوسطى قبل انتشار الإسلام. ونحن نعلم أيضاً أنه بعد التحوّل إلى الإسلام، ظلّت بعض المبادئ البوذية الهامة تهيمن على تفكير الجمعيات الصوفية المتعددة القائمة في أوساط اليوغوريين (Uygurs)، أي المسلمين الأتراك المقيمين في الصين. وقد تمخّضت هذه المبادئ، تحديداً، عن دراسةٍ أجراها العالم التركي إيميل إسين (EmilEsin)، تفيد بإمكانية تحديد أوجه التماثل بين البوذية اليوغورية والصوفية التركية. ويشير إسين إلى تطابق بعض المصطلحات، ومنها: المفهوم المشترك للعالم الصغير الذي يمثله الفرد، والعالم الكبير المطابق لروح الكون الفضائي؛ والدارما (Dharma)، أي الفضيلة، منوِّهاً بأن رمز جبل ساميرو (MountSumeru) البوذي تجسِّده القبعة المخروطيّة للدراويش الأتراك، والتي تمثِّل بالنسبة لهم نقطة الاتصال بين الكرة الأرضية والكون الواسع (13).

وتوجد دراسة هامة حول هذا الموضوع أجراها إلكساندر بوبوفيتش وجورج فاينستيّن، وتم فيها تحليل بعض أوجه الاتفاق المثيرة للاهتمام. ومع أن هذه الدراسة خارج الموضوع قيد البحث، إلا أن هذه التحليلات تشكِّل مقدمةً مفيدةً لأية محاولة لإعادة تفسير القصص التي يبدو فيها جحا متبنِّياً السلوك الصوفي (الباطني). والواقع، كما نعلم، أن المؤسس الشهير للجمعية المولوية الصوفية، جلال الدين الرومي، قد لجأ إلى حكايات نصر الدين خوجة، أي جحا التركي، بهدف تقديم الجوانب الأكثر تعقيداً لفكره، فانطلاقاً من وضعية الغباء، يسير التلميذ من خلال المحطات المتتالية للتلقين بغرض التقرّب إلى الله متبعاً تعليمات المعلِّم. وتظّل رقصة الدراويش بمثابة استعارة للوحدة بين العالمين الصغير والكبير (الفرد والكون) من خلال التفاف الدراويش حول ذواتهم، ثم حول المعلِّم.

إن كل ما تقدّم يبيِّن إمكانية مقاربة قصص جحا من زوايا مختلفة، ليس على مستوى التمييز بالتضاد « الحكيم – الساذج «، وليس كصراع بين المفاهيم المتناقضة للطبيعة إزاء الثقافة، بل بمفهوم التحوّل خلال العملية المستمرة للنمو والنضوج الروحي.

إن تفسيراً ما لا يلغي الآخر، بل إن التفسيرات تكمِّل بعضها بعضاً، وتشير في المحصِّلة إلى رؤيتين مختلفتين: الرؤية الأولى ترى الانسجام في التحرّر من الوضع الأدنى والانتقال إلى الوضع الأعلى؛ بينما تنطلق الرؤية الثانية من النظرة الإثنينية، أي تلك التي تفسِّر التمييز بالتضاد على المستوى الثنائي، حينما يتغلّب أحد الرجلين (الحكيم أو الساذج) على الآخر. كما أن الرؤية الأولى تتصوّر أن قانون الولادة والموت يتخلل الكون ضمن تدفّق للتحول (التغيّر) المستمر، أما الرؤية الثانية، التوحيدية والمسيحية، فتعتبر الكون صنيع الإله الذي يخلُق، وهو أيضاً ثمرة القوّة الخلاقة التي تدمِّر كي تعزِّز الصنع الرباني، وتعيد بناءه. وأخيراً، ففي سياق القراءة الإسلامية، يعمد الساذج جحا / نصر الدين خوجة إلى تجاهل القوانين الدنيوية ليقترب من الله في جوٍ من النشوةٍ التأمليةٍ.

دعونا نرى الآن كيف يمكن إعادة قراءة بعض نوادر نصر الدين خوجة (جحا التركي) / جحا العربي في إطار هذا المنظور.

إن طرائف جحا التي عادةً ما تستثير الضحك قد تترك المرء أحياناً، إلى حدٍ ما، في حالةٍ من الحيرة والذهول، وهو أمر لا يساعد، من الناحية العملية، على تفسيرها باستخدام مفاهيم علم الأنسنة (الأنثربولوجيا). أنا أفكِّر، على سبيل المثال، في طرائف مشهورة على شاكلة: «خطبة صلاة الجمعة»، و«الأذان»، و«الطريق إلى أعالي الشجرة»، وقد استدعينا هنا فقط أسماء بعض النكات التي يمكن العثور عليها في التقاليد التركية والعربية في آنٍ واحدٍ (Corrao, 2001: 86, 123,119). ففي النكتة الأولى (خطبة صلاة الجمعة)، يرفض الواعظ (جحا) إلقاء الخطبة، وبسلوكه هذا يشير إلى أن مضمون الدرس الديني المنشود فعلاً (من قبل المصلِّين) يتجاوز النقاشات العقيمة التي ألفها هؤلاء المصّلون مراراً وتكراراً، لذلك فإنهم في غنىً عن مساعدة الشيخ (الخطيب). وفي النكتة الثانية (الأذان)، وبدلاً من الذهاب إلى المسجد بعد سماع الأذان، يركض المغفّل (جحا) في الاتجاه المعاكس باحثاً عن الإيمان في منطقةٍ أخرى من العالم، وبالتالي فنحن، على سبيل المجاز، نخضع للتقييم بناءً على مدى حاجتنا إلى الدين كمدخل لاستيعاب شؤون الحياة، وليس لقاء تمسّكنا حرفياً بالتعاليم الدينية في المنطقة التي يتولى فيها الرجال تجسيدها على أرض الواقع. أما النكتة الثالثة (الطريق إلى أعالي الشجرة)، فتحكي قصة رجل ينوي تسلّق شجرة فيأخذ حذاءه معه، ذلك لأنه حينما يصل إلى أعاليها، فقد يجد مسلكاً يواصل فيه طريقه، وهذه طرفة ذات صبغة رمزية كونها تشير إلى حاجة الإنسان للتسامي فوق الأمور الدنيوية، والبحث عن الإيمان الحقيقي في الكون الفضائي الأوسع.        

إن القراءة الأوليّة للطرائف الثلاث المذكورة أعلاه تجعلنا نستغرق في الضحك على سذاجة الواعظ (الخطيب)، لكن القراءة الثانية لتلك الحكايات على مستوى أشّد عمقاً تجعل إحساسنا المباشر يقودنا إلى وجهةٍ تتجاوز فيها رؤيتنا تلك الأطر المرجعية المألوفة في مجتمعاتنا. ومع ذلك، فإن سلوك جحا لا يحمل طابعاً تدميرياً، بل يوجِّه المرء بالفعل نحو التسامي فوق الأمور الدنيوية المحتملة، والبحث في مضامينها الروحية والدينية.

 ومن جهةٍ أخرى، فإن الحكايات الصقليّة المتعلِّقة بالشياطين الصغار تدفعنا باتجاه الحّد الأقصى من التمييز بالتضاد؛ إن جحا الصقلِّي (Giufà) لا يعرف الوسطيّة: إنه يقتص بنفسه من المطران الظالم ويتسبّب في موته، والمصير نفسه ينتظر القسّ الذي يستغِّله، وكذلك «شادي الصباح» الذي يضايقه. وفي القصص العربية أيضاً نجد الطرائف التي تتحدّث عن المظالم التي تعرّض لها جحا الصقلِّي أو أية شخصية أخرى، والتي يتصدّى جحا العربي (Juhà) لرفعها تارةً بالحيلة، وتارةُ أخرى بالحكمة؛ وفي هذا الإطار، تندرج أيضاً نوادر جحا في صقلية مثل: «الرهان»، و«جحا والعدالة» (Corrao, 2001: 23, 45). ففي الحكاية الأخيرة، على وجه التحديد، يتكرر دافع ظهر سابقاً في الحكاية البوذية، حيث يقوم المغفّل الذي خدعهُ القاضي بمعاقبته بضربةٍ شديدةٍ على رأسه، لأنه لم يقم بإحقاق العدالة لصالحه؛ ومن جديد، يبرز في هذه الحكاية التفسير البوذي القديم من خلال التوضيح بأن قانون السبب والنتيجة نافذ المفعول، ويتجاوز قدرة الإنسان على استيعابه.

إذا توافق سلوك جحا الصقلِّي أو العربي مع ما يمليه عليه قلبه، سواءً كان واعياً لذلك أم لا، فإنه يجد العون في نفسه، أو في الآخرين، ويقوم بحل المشكلات، وبالمثل، فإذا كان سلوكه هو أو الآخرين مشيناً، فكلّهم في النهاية يتحمّلون عواقب تصرفاتهم. 

هوامش

ملاحظة

النص الأصلي لهذه المقالة بالإنجليزية  يجده القارىء كاملاً في القسم الإنجليزي لهذا العدد.

(1)Bechis, Giovanni (editor), 1983. Panchatantra, Milano: Guanda. Gabrieli, Francesco (editor) 1967. LeMilleeunaNotte ]ThousandandOneNight]. Einaudi: Torino. Boccaccio, Giovanni, 1985. DecameronMilano: Mondadori. Corrao, FrancescaMaria. «AComparisonbetweenOneThousandandOneNightandthePentameroneoftheItalianWriterG. Basile” (Muqāranahbaynaalflaylāwalaylwaqisās <l-bintāmīrūnī, IlPentamerone, li->l-kātibal-ItālīBāsīlī, G. B. Basile», AhmedEtman (editor), ComparativeLiteratureintheArabWorld, TheEgyptianSocietyofComparativeLiterature (ESCL), UniversitàdelCairo, pp. 299-305.

فرانسيسكا ماريا كوراو، مقارنة بين ألف ليلية وليلة وقصص « بنتاميروني « للكاتب الإيطالي ج. باسيلي، سلسلة الأدب المقارن في العالم العربي، تحرير: أحمد عثمان، الجمعية المصرية للأدب المقارن، جامعة القاهرة، ص ص: 299-305.

(2) Pirandello, Luigi, 1928. “LaGiarathepot], inNovelleperunanno  Storiesforoneyear]. Firenze: Bemporad. Sciascia, Leonardo. IlmarecolordelvinoThewinecolouredsea]. Milano: Adelphi.

(3) DeFranco, Filippo, 1993. LestoriediGiufàraccontatealpopolosiciliano, (Ind. Riun, Ed. Sicil. Ied. 1924). Palermo: Reprint. Bufalino, Gesualdo, 1986. “MortediGiufàinLuomoinvaso [Themadman]. Milano: Bompiani.

(4) Marzolph, Ulrich1992. ArabiaRidens. DieHumoristischeKurzprosaderFrühenAdab-LiteraturinInternationalenTraditionsgeflechten. FrankfurtamMain: Bd. 1-2. Marzolph, Ulrich, 1996. NasreddinHodscha, 666wahreGeschichten [666NasreddinHodschaanecdotes]. Monaco: C.H.Beck.

(5) Corrao, FrancescaMaria, 2001. LestoriediGiufà [GiufàsStories]. Palermo: Sellerio.

فرانسيسكا ماريا كوراو، قصص جحا، 2001، باليرمو: سيليريو.

(6) Al-Najjār, MuhammadRajab, 1979. Juhā  al-‘arabī [TheArabJuhā] Kuwait.

محمد رجب النجار، جحا العربي، 1979، الكويت.

 (7ThestorieswerespreadinItalyinthefifthcentury; printinVenicein1500, aliteraryversionwasdonebyGiulioCesareCroceinBertoldoeBertoldino”; seeCroce, GiulioCesareandBanchieri, Alessandro1973. BertoldoBertoldinoeCacasenno. Milano: Mursia.

انتشرت هذه القصص في إيطاليا في القرن الخامس الميلادي، وتم طباعتها في عام 1500م، وقام جوليو سيزار جروس بكتابة نسخة أدبية لها. 

(8al-NajjārdedicatesawholesectiontothesubjectofJuhāandthewomen. SeeCorrao. “LospitediJuhā” [Juhāsguest], “LamogliediGuhā” [Juhāswife], “LeduemoglidiGuhā” [Juhāandhistwowives], “Unpartoveloce” [Aquickbirth], “Ladotedellafiglia” [Hisdaughterdaughry], inStoriediGiufà. Pp. 67, 81-2, 99, 101. SeealsoCorrao, FrancescaMaria. “Lerosnellatradizioneanedotticaislamica: imatrimonidiGuhā” [TheherosinIslamicanecdotes], inLeparoledeigiorni. ScrittiperNinoButtitta. Ruta, Caterina (editor). Palermo: Sellerio. Vol. II, pp. 1192-8.

يفرد محمد رجب النجار فصلاً كاملاً لموضوع « جحا والنساء «. أنظر أيضاً: فرانسيسكا ماريا كوراو، البطل في الطرائف الإسلامية، باليرمو: سيليريو.

(9) Apalaislessthan50grams.

تزن وحدة الوزن « Pala « أقل من 50 جراماً بقليل.

(10) AcollectionofSanskritfablesinproseandverse, ithasbeentranslatedinmanylanguages. TheoldestEnglishversionisbySirEdwin, Arnold, 1861. TheBookofGoodCounsels, fromtheSanskritofthe «Hitopadeśa» . London: Smith, Elder & Co.. ThestoryisalsoquotedinabookofSanskritgrammar, seeAshokAklujkar, Sanskrit. Aneasyintroductiontoanenchantinglanguage, Richmond, SvādhyāyaPublications, 1992, 3rdvol. pp. 25-6.

تم ترجمة المجموعة النثرية والشعرية للأساطير باللغة السنسكريتية إلى لغات عدة. أما أقدم إصدار إنجليزي للمجموعة فقد وضعه السير إدوين أرنولد عام 1861م في كتاب بعنوان: « كتاب النصائح المفيدة»، لندن: دار سميث للنشر.

(11Kafka, Franz, 1991LeMetamorfosi [Themetamorphoses]. Milano: Feltrinelli. ForastudyontheclassicalandfolktalesinfluencesonKafkaseeGrözingen, Karl, 1993. KafkaelaCabbala. [KafkaandtheCabbala]. Firenze: Giuntine.

 (12LéviGeorge1925. “LeSutraduSageetduFou, danslaliteraturedelAsieCentrale”, inJournalAsiatique, 207 (1925) pp. 305-32. Fry, Stanley, 2000. TheSutraoftheWiseandtheFoolish. LibraryofTibetanWorksandArchives. OneofthegreattreasuresofBuddhistliterature, ismDo-mdzangs-blunortheSutraoftheWiseandtheFoolishasitisknowntotheMongols. ThetextwastranslatedtoMongolianfromTibetanastheUliger-undalaiorOceanofNarratives. Itisoneofthemostinteresting, enjoyableandreadableBuddhistscriptures. Forcenturies, ithasbeenaninexhaustiblesourceofinspiration, instructionandpleasureforallwhohavebeenabletoreadit. Thehistoryofthisunusualscriptureisstilluncertain. LegendhasitthatthetalewereheardinKhotanbyChinesemonks, whotranslatedthemintoChinese, fromwhichitwastranslatedintoTibetan, thenintoMongolianandOirat. TheNarrativesareJatakas, orrebirthstories, tracingthecausesofpresenttragedyinhumanlivestoeventswhichtookplaceinformerlifetimes. Thethemeofeachnarrativeisthesame: thetragedyofthehumancondition, thereasonforthistragedyandthepossibilityoftranscendingit. ButunlikeGreektragedy, Buddhisttragedyisneveranendinitself, i.e. acatharsis, butacalltotranscendthatwhichcanbetranscendedandneednotbeendlesslyendured.

إن كتاب «محاورات بوذا للحكيم والساذج»  يعتبر أحد أعظم كنوز الأدب البوذي، حيث يلخِّص جانباً كبيراً من التعاليم الدينية البوذية. وقد تٌرجم الكتاب من المنغولية إلى التبتية تحت عنوان:  «نهر القصص»،  وهو أحد الكتب البوذية المقدّسة الشيِّقة والمثيرة للاهتمام والأكثر قراءةً، وطوال قرون عديدة، كان هذا المؤلّف مصدر إلهام ومعرفة ومتعة لا تنضب لكل من استطاع قراءته. ولا يزال الغموض يكتنف  تاريخ هذا الكتاب الاستثنائي وغير المألوف. وتقول الأسطورة أن حكايات الكتاب قد تناهت إلى مسامع الكهنة الصينيين في خوتان، وقاموا بترجمتها إلى الصينية، ومنها تُرجمت إلى اللغة التبتية (التبت)، ثم المنغولية، وتدور الحكايات حول البعث، حيث تنسب أسباب المأساة الحالية في حياة البشر إلى الأحداث التي جرت في العصور السابقة. إن موضوع كل قصة في الكتاب هو ذاته: مأساة الحياة البشرية، وأسبابها، وإمكانية تجاوزها، ولكن، وخلافاً للمأساة اليونانية، لا تعتبر المأساة البوذية في حد ذاتها نهايةً، أي تنفيساً، بل دعوةً للسمو فوق ما يمكن تجاوزه، أي الذي ليس من الضروري أن يتحمّله الإنسان أبد الدهر.   

(13) HistoricalplacewhereitseemsBuddhahasestablishedadeepcommunicationwiththecosmicdharma.

مكان تاريخي يبدو أن البوذا تمكّن من تكوين اتصال عميق مع الفضيلة الكوّنية.

البيبليوغرافيا

Bachtin, Michail, 1979. LoperadiRabelaiselaculturapopolare. Riso, carnevaleefestanellatradizionemedievaleerinascimentale [TheWorkofRabelaisandthePopularCulture. Laughter, CarnivalandFestivalsinMedievalandRenaissanceTraditions]. Torino: Einaudi.

Bechis, Giovanni, 1983. Panchatantra, Milano: Guanda.

Corrao, FrancescaMaria, (Ied. Mondadori1989) 2001. StoriediGiufà [Juhāsstories]. Palermo: Sellerio.

Corrao, FrancescaMaria, “Lerosnellatradizioneanedotticaislamica: imatrimonidiGuhā”, inRuta, Caterina, 2005. Leparoledeigiorni. ScrittiperNinoButtitta [Thewordsofthedays. PapersinhonourofNinoButtitta].  Palermo: Sellerio, vol. II, pp. 1192-8.

Cosquin, Emmanuel, 1913. “LesMongolsetleurprétendurôledanslatransmissiondescontesindiensverslOccidentEuropéen. Étudedefolklorecomparésurlintroductiondu « Siddhi-Kûr » etlecontedu « Magicienetsonapprenti » inRevuedesTraditionsPopulaires (1912) Parigi : Clouzot  pp. 1-128.

Croce, GiulioCesareeBanchieri, Alessandro, 1973. BertoldoBertoldinoeCacasenno. Milano: Mursia.

DiLeo, Marina, 1996. LestoriediGiufà [GiufàsStories]. Palermo: Flaccovio.

Frye, Stanley, 2000. SutraoftheWiseandtheFoolish. LibraryofTibetanWorksandArchives.

Grözingen, Karl, 1993. KafkaelaCabbala, Firenze: Giuntina.

Kafka, Franz, 1991LeMetamorfosi [Themetamorphoses]. Milano: Feltrinelli.

Lévi, George, 1925. «LesutraduSageetduFou, danslaLitteraturedelAsieCentrale » [TheSutraofthewiseandtheFoolinCentralAsia]. InJournalAsiatique, 207: 305-332.

Marzolph, Ulrich1992. ArabiaRidens. DieHumoristischeKurzprosaderFrühenAdab-LiteraturinInternationalenTraditionsgeflechten. FrankfurtamMain: Bd. 1-2.

Marzolph, Ulrich, 1996. NasreddinHodscha, 666wahreGeschichten [666NasreddinHodschaanecdotes]. Monaco: C.H.Beck.

Miceli, Silvana, 1984. Ildemiurgotrasgressivo [TheTrickster]. Palermo: Sellerio.

Al-Najjār, Muhammad, Rajab, 1979. Juhāal-‘arabī [TheArabJuhā]. Kuwait.

Pirandello, Luigi, 1928. “LaGiara”[ thepot], inNovelleperunanno [ Storiesforoneyear]. Firenze: Bemporad.

Popovic, AlexandreetVeinstein, Gilles, 1995. Bektachia. EtudessurlordremystiquedesBektachisetlesgroupesrelevantdeHadjiBektach [Bektachia. StudiesonthemysticorderoftheBektachisandtheRelevantGroupsofHadjiBektach]. Istanbul : LesEditionsIsis.

Sciascia, Leonardo, 1995. IlMarecolordelvino [Theseawinecoloured]. Milano, Adelphi.

Somadeva, 1993Loceanodeifiumideiracconti [TheOceanoftheRiversoftales]. Torino: Einaudi. .

StithThompson, (Ied. 1967) 1979. Lafiabanellatradizionepopolare [FairytakesinFolkTradition]. Milano: IlSaggiatore.

منذ بضعة أعوامٍ خلت، تصاعد الاهتمام بدراسة نوادر جحا، وقد بدأتًُ البحث في هذه الشخصية في القاهرة قبل أكثر من 20 عاماً، وسُرعان ما أدركتُ أن بعض النوادر تتطابق مع الحكايات الهندية القديمة (1). إن بعض طرائف الحكيم / الساذج جحا يمكن العثور عليها في مختارات الأمثال العربية، وفي مجموعة الحكايات ضمن الإطار نفسه، وعلاوةً على حكايات ألف ليلة وليلة، يمكن اقتفاء آثار تلك الطرائف في كليلة ودمنة (Panchatantra)، وكذلك في كتاب (Decameron)، وهي مجموعة حكايات للكاتب الإيطالي جيوفاني بوكاسيو في القرن الرابع عشر الميلادي، هذا فيما يخص أشهر الحكايات. وفي الآونة الأخيرة، تداعى بعض الكتّاب في ايطاليا، ومنهم لويجي بيرانديلو وليوناردو سيكاسكيا، لإعادة كتابة حكايات جحا بهدف تكييفها لعصرنا الراهن (2). وضمن هذا السياق، يمكننا أن نستحضر أيضاً كتاب فيليبو دي فرانكو بعنوان: «حكايات جحا كما يرويها أهالي صقلية»، ومؤلّف جيسوالدو بوفالينو، وعنوانه «الرجل المُنتهَك حرمتُهُ». وقد ابتكر المؤلِّفون الآخرون طرائف مصوّرة لجحا، ووضعوا بداية ونهاية لكل منها، وتم ترتيبها بشكلٍ يسمح بعرض مراحل مختلفة من حياته(3)، وبالنتيجة، فإن جحا في الأدب الصقلي، وفي التراث الشعبي التركي، هو إنسان يُولد، ويكبُر، ويموت.
وفي العالم العربي، مثلما هو الحال في صقلية وتركيا، تم خلال العقدين الماضيين إعداد مجموعة ضخمة من الدراسات، وقد عثرنا عليها موثقةً لدى أورلش مارزولف، مع إضافة نوادر أخرى ذاع صيتها في المناطق الأخرى الواقعة ضمن النفوذ الإسلامي(4).
وفي صقليّة، وعلى إثر صدور المجموعة التاريخية التي شارك في إعدادها كل من جيوسيبي بيتريه، ولاورا فون جونزينباخ و سيباستيانو لو نيجرو، صدرت مجموعة أكثر حداثةً للمادة المتعلقة بجحا قامت بتحريرها مارينا دي ليو. وخلال العقدين المنصرمين، عكف الباحثون المختصّون في المنطقة العربية وتركيا على دراسة شخصية نصر الدين خوجة الرومي الملقب بجحا، في مسعى لإثبات وجود شخصية محدّدة مماثلة في تراثهم الشعبي والوطني. وفي تركيا تم أيضاً تنظيم ورش عمل تناولت شخصية جحا (Corrao, 2001)، وتم التركيز فيها على التفسير الصوفي لبعض النوادر، بالذات الحكايات التي تبصّر في معانيها مولانا جلال الدين الرومي (القرن الثالث عشر للميلاد).    
وفي أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، شجعني أحد أعضاء الجمعية الصوفية المصرية على دراسة القصص الطريفة لجحا العربي، والتي تم تفسيرها في إطار التصوّرات الصوفية(5). ومع ذلك، فقد اقتربت في المرحلة الأولى لدراستي من الشخصية انطلاقاً من تصوّر أنثروبولوجي، وتحديداً تصوّر عالم الأنسنة ليفي شتراوس. وبالفعل، فإن سلوك جحا يتضّمن العديد من القواسم المشتركة مع جميع المحتالين الذين تولّى دراستهم العالم الفرنسي المذكور. إن التعريف الأكثر دقةً لهذا النمط من الشخصيّات قد صاغه باحث من باليرمو يُدعى سيلفانا ميسيلي (Miceli, 1984)، والذي وضع وظيفة جحا أمام مجهر التحليل الأكثر قسوةً: إن الوغد المغفّل يخرق – بصورةٍ مؤقتةٍ فقط – جميع الأنظمة بهدف إعادة توكيد مصداقيته الذاتية؛ إنه يخالف القناعات من أجل تدميرها، وفي الوقت ذاته من أجل إعادة توكيد مجموعة معينة من القواعد المبالغ في صرامتها. ومن الناحية التاريخية، فإن وظيفة النصّاب، في مرحلة الانتقال من الوثنيّة إلى الأديان التوحيدية – والمسيحية على الأخّص -، ترتبط بوظيفة الشرير الوضيع، طالما أنه يشكِّك في الفعل الربّاني العظيم. إن هذه الشياطين آكلة اللحوم، بحسب تنويه ميخائيل باختين، تقلب النظام الطبيعي، وقواعده وأدواره، ولكن لزمنٍ محدودٍ فقط (Bachtin, 1979).
ومن جانبٍ آخرٍ، يتصوّر الباحث المصري محمد رجب النجّار أن هؤلاء المحتالين يعتبرون بمثابة «صمام الأمان» الذي يساعد على تجاوز اللحظات التاريخية العصيبة، عندما لا يكون النقد المباشر للنظام الاجتماعي القائم جائزاً (النجار، 1979). إن قصص جحا، على وجه التحديد، تتناول موضوعات شتى لا يمكن حصرها، بأي حال من الأحوال، في دائرة النقد الذي يحمل الصبغة الاجتماعية – السياسية. وعلى أية حال، فإن الوظيفة الأساسية للمجموعات القصصية الأولى تتلخّص في تحذير الحكماء من تبعات الارتباط بالأشخاص المغفّلين خشية وقوعهم في فخ الاحتيال(6).
في أثناء اشتغالي للمرة الأولى على هذه المادة البحثية، نسبتُ أصل شخصية جحا إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط. غير أنني مع مرور الوقت، سيما بعد إطلاعي على مجموعة الأساطير الهندية، وجدتُ أن بعض الطرائف قد ذاع صيتها في المنطقة التي تحتضن جزيرة السلومون وماركولفو، والتي تبعد كثيراً عن البحر الأبيض المتوسط(7).
فعلى سبيل المثال، تبرز حادثة لجحا العربي (Juhā) مجدداً في كليلة ودمنة، حيث أن هذه المجموعة القصصية، التي ظهرت في القرن السادس الميلادي، تتضمّن حكايات تدور حول أكثر تقاليد الكلام المنطوق عراقةً، قام بجمعها البراهما وشنو لغرض تدريس فن إدارة الحكم للشباب من ورثة العرش، ويروي كتاب «كليلة ودمنة» تحديداً حكاية زوج يتناهى إلى علمه أن زوجته تخونه فيقرِّر فضحها، لكنها تهتدي إلى حيلةٍ جديدةٍ، وتقلب الموقف رأساً على عقب حينما تتّهمه هو علانيةً بخيانتها (Bechis, 1983, 35).
وفي مجموعة أخرى مشهورة للخرافات الهندية تحت عنوان «نهر الحكايات« (Ocean of the Streams of Story)، والتي قام بتأليفها البراهما سوماديفا في القرن الحادي عشر الميلادي، تم تجميع الأحداث التي تتناول الأغبياء والسذّج كافةً في فصلٍ واحدٍ (Somadeva, 1993, pp. 697-826)، وفي الغالب، يقوم البراهما، والذي هو أحد أفراد طبقة الكهنوت العليا لدى الهندوس، أو الخادم، بأداء دور الشخص المغفّل، كما يتم تطعيم القصص الخرافية المسرودة بنهايات تحمل مضامين تربوية مفيدة.
وعند مقارنة المجموعات القصصية الهندية والعربية تبرز فروقات جوهرية. فالحكايات الهندية تقدِّم صورةً سلبيةً للمرأة كمخلوق يتصف بالوضاعة والمكر والغدر، بينما تقدِّمها القصص العربية في دور المكّارة، وليست مجرد الغدّارة، حيث تتولّى خداع المغفّل وتحرمه من الطعام(8)، أما في القصص الصقليّة، فنجد أن الأم فقط هي الماكرة، لكنها تستخدم حيلتها لحماية نفسها وطفلها من غبائه، وفقط في المجموعة القصصية التي وضعها دي فرانكو نكتشف أن لجحا زوجة، لكنها تتصرّف كالشابة المغفّلة.  
في القصص الهندية، يكون الساذج دائماً شخصاً خاسراً ينبغي الحذر منه؛ إنه مخلوق ضعيف يستسلم للقوي ومخادع. وفي العالمين العربي والإسلامي، يواجه جحا المتاعب حينما يقف بجانب زوجته أو أمام السلطات القضائية، أما في الحكايات الصقليّة والعربية، فإن الساذج يبرز قدرته على الخداع حتى في أكثر الحالات خطورةً، ويفلح في العودة إلى أوضاعه المفضّلة المنذرة فقط بالسوء، كي يستغِّل مكره ولباقته الآن لصالحه.
ثمة نكتة هندية تُنسب إلى غلام أحد التجار، وفي الوقت نفسه تتطابق مع قصة طريفة لجحا تم إدراجها في المجموعتيّن القصصيتيّن الهندية والصقليّة هذا نصّها:
«قال التاجر لخادمه الغبيّ: انتبه لباب الدّكان، فأنا ذاهب إلى البيت، ولن أغيب طويلاً! وما أن انتهى من كلامه، ومضى في حال سبيله، حتى قام الغلام بخلع الباب، ووضعه على ظهره، وذهب لمشاهدة عرض راقص، وعندما قفل التاجر عائداً إلى محلّه، وبّخ الغلام بشِّدة، لكن الغلام رّد عليه قائلاً: لقد فعلتُ ما طلبته مني، وانتبهتُ لباب الدكّان! « (Somadeva, 1967, II, 776).
وهناك نكتة هندية أخرى أكثر قرباً لصيغتها العربية، وهي تدور حول ابن التاجر، وهذا نصّها في نسختها الأوليّة:
« كان يا ما كان ابن لأحد التجّار لم يخلِّف له والده في وصيته سوى ميزان، ترك الابن الميزان المصنوع من ألف قطعة (Pans (9) من الحديد في عهدة تاجر، وسافر إلى بلد آخر، وحينما عاد من السفر، سأل التاجر عن الميزان فأجابه بأن فأراً التهمه: «صدِّقني، لقد كان الميزان لذيذاً للغاية، لذا أكله الفأر برمّته!». انفجر الابن ضاحكاً، ثم طلب من التاجر طعاماً ليأكله، فلبّى الأخير طلبه، قدّم الابن فاكهةً لابن التاجر الصغير، ثم أخذه معه وذهب للاستحمام، وحينما خرج من الحمّام، ترك الابن الصغير سِّراً مع أحد أصدقائه، وعاد إلى بيت التاجر بمفرده، فسأله التاجر: أين ابني الصغير؟ فأجابه قائلاً: لقد خطفته طائرة ورقية هبطت فجأةً من السماء! حينها غضب التاجر، وصاح في وجهه قائلاً: لقد أخفيت ابني، وأخذه فوراً إلى القاضي. عندما كرّر الابن القصة نفسها على مسامع الحضور، ذهلوا لروايته، وصرخوا قائلين: هذا لا يُصدّق! كيف تستطيع طائرة ورقية أن تخطف طفلاً صغيراً؟ فرّد عليهم قائلاً: في البلاد التي يستطيع فيها فأر صغير أن يأكل ميزاناً حديدياً ضخماً تستطيع أيضاً طائرة ورقية أن تخطف فيلاً ضخماً، وليس طفلاً صغيراً فحسب! حينما نطق الابن بتلك الكلمات، انتاب القاضي الفضول، وصار يطلب منه المزيد من التفاصيل بشأن الواقعة، حينئذٍ اضطر التاجر إلى إعادة الميزان إلى الشاب الذي قام بدوره بإرجاع الطفل الصغير إلى والده»(Somadeva, 1967, II, 741).
وهذا هو الأسلوب الذي دُوِّنت به الصيغة العربية لهذه النكتة:
« ذات يوم من الأيام قرّر جحا الذهاب في رحلةٍ طويلةٍ، فترك كميات الحديد الضخمة التي كانت بحوزته لدى جاره كي يعتني بها في أثناء غيابه، وحينما عاد من السفر، ذهب إلى الجار وطلب منه أن يعيده الحديد، فقال له الجار: أنا متأسف يا صديقي، لكن بيتي مليء بالفئران التي التهمت الحديد التي تركته عندي. ذُهل جحا وسأله قائلاً: استغفر الله يا صديق العمر، ولكن أجبني: هل الفئران تأكل الحديد فعلاً  ؟»(Corrao, 2001, 97-8).
وثمة طرائف أخرى تحذِّر العاقل من التعامل مع الساذج، أو تبيِّن أن الفرد ينبغي ألا يكون متهوِّراً كما هو الحال مع الأغبياء، لذلك تُروى القصة في الهند كما يأتي:
«كان أحد المغفّلين يبحر على ظهر سفينة عندما سقط من يديه طاس فضِّي في الماء، فقام عندئذٍ بمعاينة جميع خصائص المكان، وحدّد العلامات المميِّزة له (دوّامات الماء، والتيارات المعاكسة، وما إلى ذلك)، قائلاً في نفسه: « سأنتشل الطاس من الماء في طريق العودة! «، وبعد أن وصل إلى اليابسة في الضفة الأخرى، أبحر في النهاية عائداً باتجاه المكان المقصود، ورأى الدوّامات والعلامات الأخرى التي لاحظها في البحر، فغاص مرات عديدةً في ذلك الموقع، معتقداُ أنه تعرّف فعلاً على مكان وقوع الطاس، وعندما سأله القوم عما كان يدور في خلده، أفصح لهم عن الهدف الذي كان يسعى إليه، فانفجروا جميعاً بالضحك عليه، وجعلوه أضحوكةً بين العامّة « (Somadeva, 1967, II, 759).
وهناك صيغة أخرى لهذه الحكاية يمكن العثور عليها في مجموعة الأساطير الهندية المسمّاة « هيتوباديشا « (Hitopadesa)، وهي مختارات نثرية وشعرية باللغة السنسكريتية (لغة قديمة في الهند)، وتعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي(10). وتتقارب هذه الصيغة مع مثيلتها العربية التي تروي كيف أن جحا يقوم بإخفاء المال في الصحراء قبل دخوله سوق المدينة، ويتخذ السحابة علامةً مميزةً لمكان المال، وعندما يعود من السوق يراه أحد المارّة يبحث عن شيء ما، فيسأله عن علامة المكان، ويجيبه جحا بأنه لم يعد بإمكانه العثور على ظل السحابة (Corrao, 2001, 73)، وفي الصيغة الهندية يقوم شخص مغفّل بإخفاء خاتم في الرمال ثم يذهب للاستحمام، ويعجز عن إيجاده عند العودة، وحينما يُسأل عما إذا كان قد ترك علامةً مميزةً لتحديد مكان الخاتم يجيب بأن ظل السحابة هو العلامة التي تركها.
إن الحكايات الأخرى تنصح بعدم الوثوق في الأغبياء، وتبرِّر وجهة نظرها بأن هؤلاء الأشخاص يستجوبون الميت بدون مغزى، وهذه الفكرة تتواتر في الحكاية التركية لنصر الدين خوجة الرومي الذي اعتقد الناس أنه قد مات فعلاً، لكنه سرعان ما يشترك في الخلاف الدائر بين الأشخاص الذين يحملون جثمانه إلى المقبرة بهدف توجيههم باتجاه أقصر مسافة تؤدي إليها (Somadeva, 1967: 919; Corrao, 2001: 104-5).
وفي مجموعات الأساطير الهندية، كما هو الحال مع ألف ليلة وليلة، تتلبّس العفاريت (الشياطين) بعض الأشخاص، غير أن هذه الخاصية لا تجد لها مكاناً يذكر في القصص الصقليّة لجحا (Giufā)، حيث تفرض نفسها تلك الفكرة التي تقول بأن الناس الذين يقومون بأعمال مشينة ينقلبون إلى حيوانات (Somadeva, 1967: 104, 217).
وفي الواقع، فإن هذه الفكرة هي الأخرى مجرّد خدعة، لكن الشخص المغفّل يصدِّق هذه الترهات، فالطرفة تقول إن المغفّل يقصد السوق ليبيع حماره، فيقوم لصّان بسرقة الحمار، ويتقمّص أحد الوغدين دور الحيوان، ثم يشرح لجحا الموقف بالقول بأنه قد أساء معاملة أمّه، فقلبته إلى حمار، وحيث أنه الآن يبتغي التكفير عن خطاياه، فقد استرّد هيئة الإنسان، وبعد أن يحتفي اللصّان بالحدث، يتجه جحا إلى السوق لشراء حمار، ويتعرّف على حماره، لكنه لا يشتريه مفسِّراً ذلك برغبته في معاقبته على سلوكه المشين، وبسبب هذا التصرّف يتحوّل جحا مرةً أخرى إلى حمار (Corrao, 2001: 65-6).
لا يتم التركيز بقوّة، في هذه النسخة العربية، على التحوّل والتفكير اللاحق، اللذان ليس لهما وجود أصلاً، بسبب أن مجمل الواقعة خدعة، بل يتم التشديد على استقامة المغفّل، ومن ناحيةٍ أخرى، فإن الصيغة الهندية تبرز حدوث الانسلاخ بالفعل، حيث يجهش «الحيوان - الإنسان» بالبكاء، ثم يشفق على شخص ما يتولّى إنقاذه فوراً. إن الانسلاخ يتم غالباً على أيدي شخصيات شيطانية. وفي هذا التحوّل في مسار القصة، يمكننا أن نرصد الانتقال من الدين التعدّدي إلى الدين التوحيدي – أي الانتقال من فكرة الإنقاذ الذي يصبح ممكناً بفضل حسنات الآخرين إلى الفكرة القائلة بأن الإنسان مطالب بإصلاح مسارات حياته كي يحذوه الأمل في رحمة السماء. إن فكرة العقاب «السِّحري»، الموروثة من بقايا الثقافات الماضية، تساهم، رغم ثانويتها، في تحذير الأطفال من مغبة السلوك السيء إزاء أمهاتهم. ومن المهم أن نتذكر، بالمناسبة، أن موضوع تحوّل الإنسان إلى حيوان لا يزال حيّاً في الأدب الغربي حتى الآن، ويكفي أن نستحضر في هذا الصدد الانسلاخ الذي أشار إليه الكاتب التشيكي كافكا (Kafka>s Metamorphosis) (11).
إن الجانب الآخر المثير للاهتمام في حكايات المغفّل هو التحوّل من وضعية الجهل إلى الحكمة. ففي التقاليد الهندية، تتضمّن العديد من الحكايات شخصية البراهما المخلص للرهبان البوذيين، بينما يبرز الصوفيون في التقاليد الإسلامية. وقبل أن نفحص بعض الطرائف، ينبغي التنويه أولاً بملاحظة هامة، فهناك نصّ بوذي مقدّس بعنوان: «الحكيم والساذج» (12)
(The Wise Man and the Fool) ، وهذا النّص لا يتحدّث عن شخصٍ مغفّلٍ بعينه، بل يقدم تفسيراً لكيفية تحوّل الإنسان البسيط من حالة السذاجة إلى الحكمة، شريطة التزامه بصراط الممارسة البوذية.   
لقد تُرجم هذا النّص المقدّس من السنسكريتية إلى المنغولية، ولقي انتشاراً واسعاً في آسيا الوسطى قبل انتشار الإسلام. ونحن نعلم أيضاً أنه بعد التحوّل إلى الإسلام، ظلّت بعض المبادئ البوذية الهامة تهيمن على تفكير الجمعيات الصوفية المتعددة القائمة في أوساط اليوغوريين (Uygurs)، أي المسلمين الأتراك المقيمين في الصين. وقد تمخّضت هذه المبادئ، تحديداً، عن دراسةٍ أجراها العالم التركي إيميل إسين (Emil Esin)، تفيد بإمكانية تحديد أوجه التماثل بين البوذية اليوغورية والصوفية التركية. ويشير إسين إلى تطابق بعض المصطلحات، ومنها: المفهوم المشترك للعالم الصغير الذي يمثله الفرد، والعالم الكبير المطابق لروح الكون الفضائي؛ والدارما (Dharma)، أي الفضيلة، منوِّهاً بأن رمز جبل ساميرو (Mount Sumeru) البوذي تجسِّده القبعة المخروطيّة للدراويش الأتراك، والتي تمثِّل بالنسبة لهم نقطة الاتصال بين الكرة الأرضية والكون الواسع (13).
وتوجد دراسة هامة حول هذا الموضوع أجراها إلكساندر بوبوفيتش وجورج فاينستيّن، وتم فيها تحليل بعض أوجه الاتفاق المثيرة للاهتمام. ومع أن هذه الدراسة خارج الموضوع قيد البحث، إلا أن هذه التحليلات تشكِّل مقدمةً مفيدةً لأية محاولة لإعادة تفسير القصص التي يبدو فيها جحا متبنِّياً السلوك الصوفي (الباطني). والواقع، كما نعلم، أن المؤسس الشهير للجمعية المولوية الصوفية، جلال الدين الرومي، قد لجأ إلى حكايات نصر الدين خوجة، أي جحا التركي، بهدف تقديم الجوانب الأكثر تعقيداً لفكره، فانطلاقاً من وضعية الغباء، يسير التلميذ من خلال المحطات المتتالية للتلقين بغرض التقرّب إلى الله متبعاً تعليمات المعلِّم. وتظّل رقصة الدراويش بمثابة استعارة للوحدة بين العالمين الصغير والكبير (الفرد والكون) من خلال التفاف الدراويش حول ذواتهم، ثم حول المعلِّم.
إن كل ما تقدّم يبيِّن إمكانية مقاربة قصص جحا من زوايا مختلفة، ليس على مستوى التمييز بالتضاد « الحكيم – الساذج «، وليس كصراع بين المفاهيم المتناقضة للطبيعة إزاء الثقافة، بل بمفهوم التحوّل خلال العملية المستمرة للنمو والنضوج الروحي.
إن تفسيراً ما لا يلغي الآخر، بل إن التفسيرات تكمِّل بعضها بعضاً، وتشير في المحصِّلة إلى رؤيتين مختلفتين: الرؤية الأولى ترى الانسجام في التحرّر من الوضع الأدنى والانتقال إلى الوضع الأعلى؛ بينما تنطلق الرؤية الثانية من النظرة الإثنينية، أي تلك التي تفسِّر التمييز بالتضاد على المستوى الثنائي، حينما يتغلّب أحد الرجلين (الحكيم أو الساذج) على الآخر. كما أن الرؤية الأولى تتصوّر أن قانون الولادة والموت يتخلل الكون ضمن تدفّق للتحول (التغيّر) المستمر، أما الرؤية الثانية، التوحيدية والمسيحية، فتعتبر الكون صنيع الإله الذي يخلُق، وهو أيضاً ثمرة القوّة الخلاقة التي تدمِّر كي تعزِّز الصنع الرباني، وتعيد بناءه. وأخيراً، ففي سياق القراءة الإسلامية، يعمد الساذج جحا / نصر الدين خوجة إلى تجاهل القوانين الدنيوية ليقترب من الله في جوٍ من النشوةٍ التأمليةٍ.
دعونا نرى الآن كيف يمكن إعادة قراءة بعض نوادر نصر الدين خوجة (جحا التركي) / جحا العربي في إطار هذا المنظور.
إن طرائف جحا التي عادةً ما تستثير الضحك قد تترك المرء أحياناً، إلى حدٍ ما، في حالةٍ من الحيرة والذهول، وهو أمر لا يساعد، من الناحية العملية، على تفسيرها باستخدام مفاهيم علم الأنسنة (الأنثربولوجيا). أنا أفكِّر، على سبيل المثال، في طرائف مشهورة على شاكلة: «خطبة صلاة الجمعة»، و«الأذان»، و«الطريق إلى أعالي الشجرة»، وقد استدعينا هنا فقط أسماء بعض النكات التي يمكن العثور عليها في التقاليد التركية والعربية في آنٍ واحدٍ (Corrao, 2001: 86, 123,119). ففي النكتة الأولى (خطبة صلاة الجمعة)، يرفض الواعظ (جحا) إلقاء الخطبة، وبسلوكه هذا يشير إلى أن مضمون الدرس الديني المنشود فعلاً (من قبل المصلِّين) يتجاوز النقاشات العقيمة التي ألفها هؤلاء المصّلون مراراً وتكراراً، لذلك فإنهم في غنىً عن مساعدة الشيخ (الخطيب). وفي النكتة الثانية (الأذان)، وبدلاً من الذهاب إلى المسجد بعد سماع الأذان، يركض المغفّل (جحا) في الاتجاه المعاكس باحثاً عن الإيمان في منطقةٍ أخرى من العالم، وبالتالي فنحن، على سبيل المجاز، نخضع للتقييم بناءً على مدى حاجتنا إلى الدين كمدخل لاستيعاب شؤون الحياة، وليس لقاء تمسّكنا حرفياً بالتعاليم الدينية في المنطقة التي يتولى فيها الرجال تجسيدها على أرض الواقع. أما النكتة الثالثة (الطريق إلى أعالي الشجرة)، فتحكي قصة رجل ينوي تسلّق شجرة فيأخذ حذاءه معه، ذلك لأنه حينما يصل إلى أعاليها، فقد يجد مسلكاً يواصل فيه طريقه، وهذه طرفة ذات صبغة رمزية كونها تشير إلى حاجة الإنسان للتسامي فوق الأمور الدنيوية، والبحث عن الإيمان الحقيقي في الكون الفضائي الأوسع.         
إن القراءة الأوليّة للطرائف الثلاث المذكورة أعلاه تجعلنا نستغرق في الضحك على سذاجة الواعظ (الخطيب)، لكن القراءة الثانية لتلك الحكايات على مستوى أشّد عمقاً تجعل إحساسنا المباشر يقودنا إلى وجهةٍ تتجاوز فيها رؤيتنا تلك الأطر المرجعية المألوفة في مجتمعاتنا. ومع ذلك، فإن سلوك جحا لا يحمل طابعاً تدميرياً، بل يوجِّه المرء بالفعل نحو التسامي فوق الأمور الدنيوية المحتملة، والبحث في مضامينها الروحية والدينية.
 ومن جهةٍ أخرى، فإن الحكايات الصقليّة المتعلِّقة بالشياطين الصغار تدفعنا باتجاه الحّد الأقصى من التمييز بالتضاد؛ إن جحا الصقلِّي (Giufà) لا يعرف الوسطيّة: إنه يقتص بنفسه من المطران الظالم ويتسبّب في موته، والمصير نفسه ينتظر القسّ الذي يستغِّله، وكذلك «شادي الصباح» الذي يضايقه. وفي القصص العربية أيضاً نجد الطرائف التي تتحدّث عن المظالم التي تعرّض لها جحا الصقلِّي أو أية شخصية أخرى، والتي يتصدّى جحا العربي (Juhà) لرفعها تارةً بالحيلة، وتارةُ أخرى بالحكمة؛ وفي هذا الإطار، تندرج أيضاً نوادر جحا في صقلية مثل: «الرهان»، و«جحا والعدالة» (Corrao, 2001: 23, 45). ففي الحكاية الأخيرة، على وجه التحديد، يتكرر دافع ظهر سابقاً في الحكاية البوذية، حيث يقوم المغفّل الذي خدعهُ القاضي بمعاقبته بضربةٍ شديدةٍ على رأسه، لأنه لم يقم بإحقاق العدالة لصالحه؛ ومن جديد، يبرز في هذه الحكاية التفسير البوذي القديم من خلال التوضيح بأن قانون السبب والنتيجة نافذ المفعول، ويتجاوز قدرة الإنسان على استيعابه.
إذا توافق سلوك جحا الصقلِّي أو العربي مع ما يمليه عليه قلبه، سواءً كان واعياً لذلك أم لا، فإنه يجد العون في نفسه، أو في الآخرين، ويقوم بحل المشكلات، وبالمثل، فإذا كان سلوكه هو أو الآخرين مشيناً، فكلّهم في النهاية يتحمّلون عواقب تصرفاتهم.